النص المفهرس

صفحات 261-280

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث
٢٦١
مجهزين لمن يُعينهم في حضورهم . فلما حضرتُ وجدتُّ النفوس في غاية
الشوق إلى هذا الاجتماع ، متطلعين إلى ما سيكون ، طالبين للاطلاع .
كذِبُهم على الشيخ ، وفضْح الشيخ لهم ، وكشْفُه لباطلهم :
فلما وصل الشيخ ذكر له نائب السلطان وغيره أنهم قالوا : إن الشيخ
طلبهم للامتحان ، وأن يُحْموا الأطواقَ نارًا ويَلبسونها . فَأَكْذبَ ذلك ، وقال
للأمير : نحن لا نستحلُّ أن نأمر أحدًا بأن يدخل نارًا ، ولا تجوز طاعة مَن
يأمر بدخول النَّار ، وفي ذلك الحديث الصحيح . وهؤلاء يكذبون في ذلك ،
وهم كذَّابون مبتدعون ، قد أفسدوا من أمر دين المسلمين ودنياهم ما الله
به عليم . وذكرت تلبيسَهم على طوائف من الأمراء ، وأنَّهم لَبَّسوا على الأمير
المعروف بالأيدمري ، وعلى قفجق نائب السلطنة ، وعلى غيرهما ، وقد لَبَّسوا
أيضًا على الملك العادل - كتغا - في مُلكه ، وفي حالة ولاية حماة ، وعلى
أمير السلاح ، أجلِّ أمير بديار مصر . وضاق المجلس عن حكاية جميع
تلبيسهم ، فذكرتُ تلبيسهم على الأيدمري ، وأنَّهم كانوا يُرسلون من النساء
من يستخبر عن أحوال بيته الباطنة ، ثم يخبرونه بها على طريق المُكاشفة ،
ووعدوه بالمُلْك، وأنهم وعدوه أن يُرُوه رجالَ الغيْب ، فصنعوا نُجُشبًا
طوالًّا ، وجعلوا عليها مَن يمشي كهيئةِ الذي يلعب بأكر الزجاج ، فجعلوا
يمشون على جبل المزة ، وذاك يَرىُ مِن بعيدٍ قومًا يطوفون على الجبل ، وهم
يرتفعون عن الأرض ، وأخذوا منه مالًا كثيرًا، ثم انكشف له أمرهم .
قلت للأمير : وولده هو الذي في حلقة الجيش يعلم ذلك ، وهو
ممن حدثني بهذه القصة ، وأما قفجق فإنهم أدخلوا رجلًا في القبر يتكلم ،
وأوْهموه أن الموتى تتكلم ، وأتوا به في مقابر باب الصغير إلى رجلٍ زعموا
أنَّه الرجل الشعراني الذي بجبل لبنان ، ولم يُقربوه منه ، بل مِن بعيد ؛ لتعود
عليه بركته ، وقالوا : إنه طلب منه جملةً من المال . فقال قفجق : الشيخ
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٦٢
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
يكاشف ، وهو يعلم أنَّ خزائني ليس فيها هذا كله . وتَقَرَّب قفجق منه
وجذَب الشَّعَرَ ، فانقلع الجِلْد الذي ألصقوه على جلده من جلْد الماعز .
فذكرت للأمير هذا ؛ ولهذا قيل لي : إنه لما انقضى المجلس ، وانكشف
حالهم للناس ، كتب أصحاب قفجق إليه كتابًا ، وهو نائب السلطنة بحماة
يخبره بصورة ما جرى .
وذكرتُ للأمير أنهم مُبتدِعون بأنواعٍ من البدع ، مثل الأغلال
ونحوها ، وأنَّا نهيْناهم عن البدع الخارجة عن الشريعة . فذكر الأمير حديث
البدعة ، وسألني عنه ، فذكرت حديث العِرْباضِ بن سَارِيَة ، وحديث جابر
ابن عبد الله ، وقد ذكرتُهما بعد ذلك بالمجلس العامّ ، كما سأذكره .
الشيخ مستعد لدخول النار لكشْف باطِلهم :
قلت للأمير : أنا ما امتحنتُ هؤلاء ، لكن هم يزعمون أنَّ لهم أحوالًا
يدخلون بها النَّار ، وأنَّ أهل الشريعة لا يقدرون على ذلك ، ويقولون لنا :
هذه الأحوال التي يعجز عنها أهل الشّرع ، ليس لهم أن يعترضوا علينا ،
بل يُسلَّم إلينا ما نحن عليه ، سواء وافق الشرع أو خالفه . وأنا قد استخرتُ الله
سبحانه أنهم إنْ دخلوا النار أُدخل أنا وهم ، ومن احترقَ منّا ومنهم فعليه
لعنة الله وكان مغلوبًا، وذلك بعد أن نغسل جسومَنا بالخلّ والماء الحارّ .
حِيلة دخول النار :
فقال الأمين : ولِمَ ذاك ؟ قلت : لأنهم يَطْلُون جسومَهم بأدوية
يصنعونها من دُهْن الضفادع ، وباطنِ قشْر النارنج ، وحجرِ الطلق ، وغير
ذلك من الحِيل المعروفة لهم . وأنا لا أطلي جلدي بشيء ، فإذا اغتسلتُ
أنا وهم بالخّ والماء الحار ، بطُلتْ الحيلة وظهر الحق . فاستعظم الأميرُ
هجومي على النار ، وقال : أتفعل ذلك ؟ فقلت له : نعم ، قد استخرت الله
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلوّ الهمة - المجلد الثالث
٢٦٣
في ذلك ، وألقى في قلبي أن أفعله ، ونحن لا نرى هذا وأمثاله ابتداء ؛
فإنّ خوارق العادات إنما تكون الأمَّة محمد عَّه، المتبعين له باطنًا
وظاهرًا - لحُجَّةٍ أو حاجةٍ ، فالحجة لإقامة دين الله ، والحاجة لما لا بد
منه ، من النصر والرزق الذي به يقوم دين الله . هؤلاء إذا أظهروا ما يسمونه
إشاراتهم وبراهينهم التي يزعمون أنها تُبطل دين الله وشرعه ، وجب علينا
أن ننصر الله ورسوله عَ ليه، ونقوم في نصر دين الله وشريعته ، بما نقدر
عليه من أرواحنا وجسومنا وأموالنا ، فلنا حينئذٍ أن نعارض ما يُظهرونه مِن
هذه المخاريق ، بما يؤيدنا الله به من الآيات .
ولْيُعلمْ أن هذا مثلُ معارضة موسى للسحرة ، لمّا أظهروا سحرهم
أَيَّد الله موسى بالعصا التي ابتلعتْ سحرهم . فجعل الأمير يخاطب من
حضره من الأمراء على السّماط بذلك ، وفرح بذلك ، وكأنهم كانوا قد
أو هموه أنَّ هؤلاء لهم حال لا يقدر أحدٌ على ردِّه . وسمعتُه يخاطب الأمير
الكبير الذي قَدِم من مصر ( الحاجِ بهادر ) - وأنا جالسٌ بينهما على رأس
السّماط - بالتركي ، ما فهمتُه منه إلّا أنه قال: اليوم ترى حربًا عظيمًا. ولعل
ذاك كان جوابًا لمن كان خاطبه فيهم ، على ما قيل .
الأمير يُصرُّ على البيان :
وحضر شيوخُهم الأكابر ، فجعلوا يطلبون من الأمير الإصلاح ،
وإطفاءَ هذه القضية ، ويترفقون ، فقال الأمير : إنما يكون الصُّلح بعد ظهور
الحق . وقمنا إلى مقعد الأمير بزاوية القصر ، أنا وهو وبَهَادر ، فسمعتُه يذكر
له أُيُّوب الحمّال بمصر ، والمُولَهين ونحو ذلك ، فدلَّ ذلك على أنه كان عند
هذا الأمير لهم صورة معظَّمة ، وأن لهم فيهم ظنًّا حسنًا ، والله أعلم بحقيقة
الحال ؛ فإنه ذكر لي .
وكان الأمير أحبَّ أن يُشهد ( بهادرَ ) هذه الواقعة ليتبيّن له الحقّ ،
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٦٤
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث
فإنه من أكابر الأمراء وأقدمهم وأعظمهم حرمة عنده ، وقد قدِم الآن وهو
يحب تأليفه وإكرامه ، فأمر ببساط يُبسط في الميدان . وقد قدم البطائحية ،
وهم جماعة كثيرون ، وقد أظهروا أحوالهم الشيطانية ، من الإِزباد والإِرغاء ،
وحركة الرؤوس والأعضاء ، والطفر والحبْو والتقلُّب ، ونحو ذلك من الأصوات
المنكرات ، والحركات الخارجة عن العادات ، المخالفة لما أُمَر به لقمان
لابنه في قوله تعالى: ﴿ وَأَقْصِدْ فِي مَشْبِكَ وَأَغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ ) الآية.
[ لقمان: ١٩]. فلما جلسنا وقد حضر خَلْق عظيم من الأمراء والكتّاب والعلماء
والفقراء والعامة وغيرهم ، وحضر شيخهم الأوَّلُ المشتكي ، وشيخ آخر يُسمي
نفسه : خليفةَ سيِّده أحمد ، ويركب بعلمين ، وهم يسمُّونه : عبد الله الكذَّاب .
ولم أكن أعرف ذلك . وكان من مدةٍ قد قدِم علَّ منهم شيخٌ بصورةٍ لطيفة ،
وأظهر ما جرت به عادتهم من المسألة فأعطيتُه طلْبَتَه ، ولم أتفطّنْ لكذبه ،
حتى فارقني ، فبقي في نفسي أنَّ هذا خفَيَ علَّ تلبيسُه إلى أن غاب ، وما
يكاد يخفى علَّ تلبيسُ أحدٍ ، بل أُدركه في أول الأمر ، فبقي ذلك في
نفسي ، ولم أره قطُّ إلى حين ناظرتُه ، ذكر لي أنه ذاك الذي كان اجتمع
بي قديمًا ، فتعجبتُ من حسْن صنْع الله ، أنه هتكه في أعظم مشهد يكون ،
حيث كتم تلبيسَه بيني وبينه .
فلما حضروا تكلّم منهم شيخٌ - يقال له : حاتم - بكلامٍ مضمونه
طَلَبُ الصلح ، والعفو عن الماضي والتوبة ، وأنّا مُجيبون إلى ما طلب من
ترك هذه الأغلال وغيرها من البدع ، ومُتّبعون للشريعة . فقلت : أما التوبة
فمقبولة. قال الله تعالى: ﴿غَافِرِ الذّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ
الآية [غافر: ٣] هذه إلى جنب هذه. وقال تعالى: ﴿ نَبِّئ عِبَادِي أَنِّي أَنًا
الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر : ٤٩ - ٥٠ ].
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
٢٦٥
ردُّ الشيخ عليهم في بدعةٍ لُبْسِ أطواق الحديد :
فأخذ شيخهم المشتكي ينتصر للُبسهم الأطواق ، وذكر أن وَهْبَ بنَ
مُنبه روى أنه كان في بني إسرائيل عابدٌ ، وأنه جعل في عنقه طَوْقًا ، في
حكاية من حكايات بني إسرائيل ، لا تثبت . فقلت لهم : ليس لنا أن نتعبد
في ديننا بشيء من الإِسرائيليات المخالفة لشرعنا ؛ قد روى الإمام أحمد في
مسنده عن جابر بن عبد الله، أن النبي عٍَّ رأى بيد عمر بن الخطاب
ورقة من التوراة، فقال: ((أُمُتَهوِّ كونَ يا ابن الخطاب ؟! لقد جئتكم بها
بيضاء نقية ، لو كان موسى حيًّا ، ثم اتبعتموه وتركتموني لَضللْتم)). وفي
مراسيل أبي داود أن النبي عَّ ◌ُلّم رأى مع بعض أصحابه شيئًا من كتب أهل
الكتاب ، فقال: ((كفى بقومٍ ضلالة أن يتبعوا كتابًا غيرَ كتابهم، أُنزل
إلى نبي غير نبيهم))، وأنزل الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ
اُلْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ الآية. [ العنكبوت: ٥١].
فنحن لا يجوز لنا اتباع موسى ولا عيسى ، فيما علمنا أنَّه أُنزل عليهما
من عند الله ، إذا خالف شرعنا ، وإنَّما علينا أن نتَّبع ما أُنزل علينا من ربنا ،
ونتّبع الشرعة والمِنْهاج الذي بعث الله به إلينا رسولَنا . كما قال تعالى :
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ
لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ الآية [ المائدة: ٤٨]. فكيف يجوز لنا
أن نتبع عباد بني إسرائيل في حكاية لا تُعلَم صحتها ؟! وما علينا من عباد
بني إسرائيل؟! ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ
وَلَا تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [ البقرة: ١٤١ ]. هاتِ ما في القرآن ، وما
في الأحاديث الصِّحاح ، كالبخاري ومسلم . وذكرتُ هذا وشبهه بكيفية
قوية .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٦٦
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث
لا يجوز الخروج على الشريعة بحال :
فقال هذا الشيخ منهم ، يخاطب الأمير : نحن نريد أن تجمع لنا القضاة
الأربعة والفقهاء ونحن قومٌ شافعية . فقلت له : هذا غير مستحبٍّ ولا مشروع
عند أحد من علماء المسلمين ؛ بل كلُّهم يَنهى عن التعبُّد به ويَعُدُّه بدعة .
وهذا الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني مفتي الشافعية دعوتُه ، وقلت : یا
كمال الدين ، ما تقول في هذا ؟ فقال : هذا بدعة غير مستحبة ، بل مكروهة .
أو كما قال . وكان مع بعض الجماعة فتوى فيها خطوطُ طائفةٍ من العلماء
. بذلك. وقلت: ليس لأحد الخروج عن شريعة محمد عدوية ، ولا الخروج
عن كتاب الله وسنَّة رسوله عَ لّه . وأشكُّ هل تكلمتُ هنا في قصة موسى
والخضر ، فإنِّي تكلمتُ بكلام بَعُدَ عهدي به .
الباطن والظاهر محكومٌ بالكتاب والسنّة :
فانتدبَ ذلك الشيخُ عبد الله ورفع صوته ، وقال : نحن لنا أحوال
وأمور باطنة لا يُوقف عليها . وذكر كلامًا لم أضبط لفظَه ، مثل المجالس
والمدارس ، والباطن والظاهر ، ومضمونُه : أنّ لنا الباطن ولغيرنا الظاهر ،
وأن لنا أمَّرًا لا يقف عليه أهل الظاهر ، فلا يُنكرونه علينا .
فقلتُ له - ورفعت صوتي وغضبت - : الباطن والظاهر والمجالس
والمدارس ، والشريعة والحقائق ، كلّ هذا مردود إلى كتاب الله وسنّة رسوله
حَ له؛ ليس لأحد الخروج عن كتاب الله وسنّة رسوله عَ ◌ّلِ، لا من المشايخ
والفقراء ، ولا من الملوك والأمراء ، ولا من العلماء والقضاة وغيرهم ؛ بل
جميع الخلق عليهم طاعة الله ورسوله عَ لّهم . وذكرت هذا ونحوه .
إذِّعَاءُ الخوارق :
فقال - ورفع صوته - : نحن لنا الأحوال وكذا وكذا . وادعى
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٦٧
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
الأحوال الخارقة كالنار وغيرها ، واختصاصهم بها ، وأنهم يستحقون تسليم
الحال إليهم لأجْلها .
فقلت - ورفعتُ صوتي وغضبت - : أنا أخاطب كلّ أحمديّ. من
مشرق الأرض إلى مغربها ، أيّ شيء فعلوه في النار ، فأنا أصنع مثل ما
تصنعون ، ومن احترقَ فهو مغلوبٌ - وربما قلت : فعليه لعنة الله - ولكن
بعد أن نغسل جسومنا بالخلّ والماء الحار . فسألني الأمراء والناس عن
ذلك ، فقلت : لأن لهم حِيلًا في الاتصال بالنار ، يَصنْعُونها من أشياء من
دُهن الضفادع ، وقشر النارنج ، وحجر الطلق . فضجَّ الناس بذلك ، فأخذ
يُظهر القدرة على ذلك ويقول : أنا وأنت نلف في بارية ، بعد أن تُطلى
جسومُنا بالكِبْرِيت . فقلت : فقم . وأخذتُ أكرر عليه في القيام إلى ذلك ،
فمدَّ يده يُظهر خَلْع القميص ، فقلت : لا ، حتى تغتسل في الماء الحارّ
والخلّ . فأظهر الوهم على عادتهم ، فقال: من كان يحب الأمير فليُحضْ
خشًا . أو قال : حزمة حطبٍ . فقلت : هذا تطويلٌ وتفريق للجمع ،
ولا يحصل به مقصود بل قنديل يُوقد ، وأُدخل أُصبعي وأُصبعَك فيه بعد
الغسْل ، ومنِ احترقت أصبعُه فعليه لعنة الله ، أو قلت : فهو مغلوب . فلما
قلت ذلك تغيَّر وذَلّ . وذكر لي أنَّ وجهه اصفر .
الخوارق ليست دليل الصَّلاح والتُّقى :
ثم قلت لهم : ومع هذا فلو دخلتم النار وخرجتم منها سالمين حقيقة ،
ولو طِرتُم في الهواء ، ومشيْتم على الماء ، ولو فعلتم ما فغلتم لم يكن في ذلك
ما يدلّ على صحة ما تدَّعونه من مخالفة الشرع ، ولا على إبطال الشرع ؛
فإنَّ الدَّجال الأكبر يقول للسماء : أمطري . فتمطر ، وللأرض : أنبتي .
فتنبت ، وللخربة : أخرجي كنوزَكِ . فُتُخرج كنوزها تتبَعُه ؛ ويقتل رجلًا
ثم يمشي بين شِقَيْه، ثم يقول له : قُمْ. فيقوم، ومع هذا فهو دجّالُ كذّاب
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٦٨
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث
ملعون ، لعنه الله . ورفعت صوتي بذلك فكان لذلك وقّعٌ عظيم في القلوب .
وذكرتُ قوْل أبي يزيد البسْطامي : لو رأيتم الرجل يطير في الهواء ،
ويمشي على الماء فلا تغتروا به ، حتى تنظروا كيف وقوفه عند الأوامر
والنواهي . وذكرت عن يونس بن عبد الأعلى أنَّه قال للشافعي : أتدري
ما قال صاحبنا ؟- يعني الليث بن سعد - قال : لو رأيتَ صاحب هَوَّى
يمشي على الماء ، فلا تغتر به . فقال الشافعي : لقد قصر اللَّيث ، لو رأيتَ
صاحب هوِّى يطير في الهواء فلا تغتر به . وتكلمتُ في هذا ونحوه بكلامٍ
بُعُد عهدي به . ومشايخهم الكبار يتضرعون عند الأمير في طلب الصلح .
وجعلتُ أُلحُّ عليه في إظهار ما ادَّعوه من النار مرةً بعد مرةٍ ، وهم
لا يُجيبون ، وقد اجتمع عامّة مشايخهم الذين في البلد والفقراء المولهون منهم ،
وهم عدد كثير ، والناس يضجون في الميدان ، ويتكلمون بأشياء لا أضبطها .
وقع الحقّ وبطَل ما كانوا يعملون :
فذكر بعض الحاضرين أنَّ النَّاس قالوا ما مضمونه : ﴿ فَوَقَعَ الْحَقّ
وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ فَغْلِبُواْ هُنَالِكَ وَآَنْقَلَبُواْ صَغِرِينَ ﴾ وذكروا أيضًا
أنَّ هذا الشيخ يُسمَّى : عبد الله الكذاب . وأنَّهُ الذي قصَدك مرة فأعطيتَه
ثلاثين درهمًا . فقلت : ظهر لي - حين أخذ الدراهم وذهب - أنه مُلِّس ،
وكان قد حكى حكاية عن نفسه ، مضمونها أنَّه أُدخل النَّار في لحيته قُدّام
صاحب حَماة ، ولما فارقني وقع في قلبي أنَّ : لحيته مدهونة ، وظهر عجزهم
و كذبهم وتلبيسهم .
استخدام القوة إن لم تنفع الحُجّة :
فقال : فبأي شيء تبطل هذه الأحوال ؟ فقلت : بهذه السِّيَاط الشرعية .
فأعجب الأمير وضحك ، وقال : إِي والله ، بالسِّياط الشرعية تبطل هذه
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٦٩
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
الأحوال الشيطانية . كما قد جرى مثل ذلك لغير واحد ، ومن لم يُجب
إلى الدين بالسياط الشرعية فبالسيوف المحمدية . وأمسكتُ سيف الأمير
وقلت: هذا نائب رسول الله عَ ليه وغلامه، وهذا السيف سيف رسول الله
عَ ظُلم، فمن خرج عن كتاب الله وسنّة رسوله ضربناه بسيف الله . وأعاد
الأمير هذا الكلام .
لا يُقَرُّ أحدٌ على إظهار المنكر في ديار الإِسلام :
وأخذ بعضهم يقول : فاليهود والنصارى يُقُّون ولا نُقَرّ نحن ؟ !.
فقلت : اليهود والنصارى يُقرون بالجزية على دينهم المكتوم في دُورهم ،
والمبتدِع لا يُقُّ على بدعته . فأُفحموا بذلك .
وحقيقة الأمر أن مَن أظهر منكرًا في دار الإِسلام لم يُقَرّ على ذلك ،
فمن دعا إلى بدعة وأظهرها لم يُقَر ، ولا يُقَر مَن أظهر الفجور ، وكذلك
أهل الذّمة لا يُقَرون على إظهار منكرات دينهم ، ومَن سواهم فإنْ كان مسلمًا
أخذ بواجباتِ الإِسلام وترك محرماتِه ، وإن لم يكن مسلمًا ولا ذِميًا ، فهو
إما مرتدٌّ وإما مشرك وإما زنديق ظاهر الزندقة .
ذُّ المبتدِعَة :
وذكرت ذَّ المبتدعة ، فقلت : روى مسلم في صحيحه عن جعفر
ابن محمد الصادق ، عن أبيه أبي جعفر الباقر ، عن جابر بن عبد الله أن
رسول الله عَ لٍ كان يقول في خطبته: ((إنَّ أصدق الكلام كلام الله، وخيرَ
الهدي هدي محمد ، وشّ الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة )) . وفي السنن
عن العرباض بن سارية، قال: خطَبَنَا رسول الله عَ لّم خطبةً ذرفت منها
العيون ، ووجلت منها القلوب ، فقال قائل : يا رسول الله ، كأن هذه
موعظة مُودِّعٍ، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: (( أوصيكم بالسمع والطاعة ،
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٧٠
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث
فإنه من يَعِش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا ، فعليكم بسنتي وسنّة
الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، تمسّكوا بها ، وعضّوا عليها
بالنواجذ ، وإيّاكم ومُحدثات الأمور ؛ فإنَّ كل محدثة بدعة ، وكل بدعة
ضلالة)). وفي رواية: ((وكل ضلالة في النار)).
البدعة شرٌّ من الزنا والمعاصي :
فقال لي : البدعة مثل الزنا ، وروى حديثًا في ذمّ الزنا . فقلت : هذا
حديث موضوع على رسول الله عَ ◌ٍّ ، والزنا معصية ، والبدعة شرّ من
المعصية ، كما قال سفيان الثوري : البدعة أحبُّ إلى إبليس من المعصية ؛ فإنّ
المعصية يُتاب منها ، والبدعة لا يُتاب منها . وكان قد قال بعضهم : نحن
نُتُوِّب الناس ، فقلت : من ماذا تتوبونهم ؟ قال : من قطع الطريق ، والسرقة ،
ونحو ذلك . فقلت : حالهم قبل تتويبكم خير من حالهم بعد تتويبكم ؛ فإنهم
كانوا فُسّاقًا يعتقدون تحريم ما هم عليه ، ويرجون رحمة الله ، ويتوبون إليه ،
أو ينْوُون التوبة ، فجعلتموهم بتتويبكم ضالّين مشركين خارجين عن شريعة
الإِسلام ، يحبون ما يُبْغضه الله ويُبغضون ما يحبه الله. وبيّنتُ أنَّ هذه البدع
التي هم وغيرهم عليها شرٌّ مِنَ المعاصي .
قلت مخاطبًا للأمير والحاضرين : أمّا المعاصي فمثل ما روى البخاري
في صحيحه عن عمر بن الخطاب أن رجلًا كان يدعى حمارًا ، وكان يشرب
الخمر، وكان يُضحك النبي عَّله، وكان كلما أُتي به النبي عَ له جلده
الحدَّ، فلعنه رجل مرةً ، وقال: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي عَيّة !.
فقال النبي عَّةِ: ((لا تلعنْه فإنه يحبُّ الله ورسوله)). قلت: فهذا رجل
كثير الشرب للخمر ، ومع هذا فلما كان صحيح الاعتقاد يحب الله ورسوله ،
شهد له النبي عَ ◌ٍّ بذلك ، ونهى عن لعْنه .
وأما المُبْتَدِع فمثل ما أخرجا في الصحيحين عن علي بن أبي طالب ،
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الثالث
٢٧١
وعن أبي سعيد الخدري وغيرهما - دخل حديث بعضهم في بعض - أن
النبي عَ لِّ كان يَقْسِم، فجاءه رجل ناتِىُّ الجبين، كَثُّ اللحية ، محلوقُ
الرأس ، بين عينيه أثر السجود، وقال ما قال، فقال النبي علبة: (( يخرج
من ضِئْضِىء هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع
صيامهم ، وقراءَته مع قراءتهم ، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرُقُون
من الإِسلام كما يمرُق السهم من الرّمِيَّة ؛ لئن أدركتهم لأقتلنهم قتلَ عاد ))
وفي رواية: ((لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد لنكلوا
عن العمل))، وفي رواية: ((شُّ قتلى تحت أديم السماء ، خيرُ قتلى من
قتلوه )).
قلت : فهؤلاء مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم ، وما هم عليه
من العبادة والزهادة أمَرَ النبي عَّه بقتلهم، وقَتَلهم علّ بن أبي طالب ومَن
معه من أصحاب النبي عّم ؛ وذلك لخروجهم عن سُنَّة النبي وشريعته ،
وأظن أني ذكرتُ قول الشافعي: لَأَن يُبتَلَى العبد بكلّ ذنبٍ ما خلا الشرك
بالله خيّ من أن يُبْتَلى بشيء من هذه الأهواء . فلما ظهر قُبْح البدع في
الإِسلام ، وأنها أظلمُ من الزنا والسرقة وشرْب الخمر ، وأنهم مبتدعون بدَعًا
منكرة ، فيكون حالهم أسوأ مِن حال الزاني والسارق وشارب الخمر ، أخذ
شيخهم عبد الله يقول : يا مولانا ، لا تتعرض لهذا الجناب العزيز . يعني
أتباع أحمد بن الرفاعي . فقلتُ منكِرًا بكلام غليظ : ويحك ؛ أيّ شيء
هو الجَناب العزيز ، وجَناب من خالفه أولى بالعزِّ يا ذا الزرجنة ، تريدون
أن تبطلوا دين الله ورسوله ؟! فقال : يا مولانا ، يحرقك الفقراء بقلوبهم .
فقلت : مثل ما أحرقني الرافِضَةُ لما قصدتُ الصُّعود إليهم ، وصار جميع
الناس يخوفوني منهم ومن شرِّهم ، ويقول أصحابهم : إن لهم سرّا مع الله ،
فنصر الله وأعان عليهم . وكان الأمراء الحاضرون قد عرفوا بَرَكة ما
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٧٢
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
يسَّره الله في أمْر غزو الرافضة بالجبل ، أكذب الطوائف ، حتى قيل فيهم :
لا تقولوا : أكذبُ من اليهود على الله . ولكن قولوا : أكذب من الأحمدية
على شيخهم . وقلت لهم: أنا كافر بكم وبأحوالكم ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا
ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ [ هود : ٥٥ ] .
ولما رددتُّ عليهم الأحاديث المكذوبة ، أخذوا يطلبون مِنِّي كتبًا
صحيحة ليهتدوا بها فبذلتُ لهم ذلك، وأُعيد الكلام : أنه مَن خرج عن
الكتاب والسنَّة ضربت عنقه ، وأعاد الأمير هذا الكلام ، واستقر الكلام على
ذلك . والحمد لله الذي صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزَمَ الأحزاب وحده .
وقلت لهم : يا شبه الرافضة ، يا بيْت الكَذِب . فإن فيهم من الغلوّ
والشرك والمروق عن الشريعة ما شاركوا به الرافضة في بعض صفاتهم ، وفيهم
مِنَ الكذب ما قد يقاربون به الرافضة في ذلك ، أو يساوونهم ، أو يزيدون
عليهم)). اهـ .
ابن تيمية والملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون :
لمّا عاد الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى المُلْك ، وزالت دولة
المظفر الجاشكير وخذل ، وخُذل شيخه نصر المنبجي الاتحادي الحلولي (( دخل
السلطان إلى مصر يوم عيد الفطر ، ولم يكن له دأب إلّ طلب الشيخ تقي الدين
ابن تيمية من الإِسكندرية معزَّرًا مكرَّمًا مبجَّلًا ... ولما قَدِمَ عليه الشيخ تقي الدين
نهض قائمًا للشيخ أوَّلَ ما رآه ، ومشى له إلى طرف الإِيوان ، واعتنقا هناك
هُنَيْهة ، ثم أخذ معه ساعة إلى طبقة فيها شباك إلى بستانٍ ، فجلسا ساعةً
يتحدثان ، ثم جاء ويَدُ الشيخ في يد السلطان ، فجلس السلطان وعن يمينه
ابن جماعة قاضي مصر ، وعن يساره ابن الخليلي الوزير ، وتحته ابن صصرى ،
ثم صدر الدين علي الحنفي ، وجلس الشيخ تقي الدين بين يدي السلطان
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث
٢٧٣
على طرف طراحته ، وتكلّم الوزير في إعادة أهل الذِّمَّة إلى لُبْس العمائم
البيض بالعلائم ، وأنهم قد التزموا للديوان بسبعمائة ألفٍ في كلّ سنة زيادةً
على الحالية ، فسكت الناس وكان فيهم قضاة مصر والشام ، وكبار العلماء
من أهل مصر والشام ، من جملتهم ابن الزملكاني . قال ابن القلانسي :
وأنا في مجلس السلطان إلى جنب ابن الزملكاني ، فلم يتكلم أحدٌ من
العلماء ولا مِنَ القُضاة ، فقال لهم السلطان : ما تقولون ؟ يستفتيهم في
ذلك ، فلم يتكلم أحد ، فجثا الشيخ تقي الدين على ركبتيه ، وتكلم مع
السلطان في ذلك بكلامٍ غليظ ، وردّ على الوزير ما قاله ردًّا عنيفًا ، وجعل
يرفع صوته والسلطان يتلافاه ويُسكته برفقٍ وتَوُدَّةٍ وتوقير . وبالغ الشيخ في
الكلام ، وقال ما لا يستطيع أحد أن يقوم بمثله ولا بقريبٍ منه ، وبالغ
في التَّشنيع على مَنْ يُوافق في ذلك . وقال للسلطان : حاشاك أن يكون
أولُ مجلس جلسته في أُبَّهة المُلْك تنصر فيه أهل الذِّمة لأجْل حُطامِ الدنيا
الفانية ، فاذكرْ نعمة الله عليك إذْ ردّ مُلْكك إليك ، وكبتَ عدوَّك ، ونصرك
على أعدائك . فذكر أن الجاشنكير هو الذي جدّد عليهم ذلك ، فقال :
والذي فعله الجاشنكير كان من مراسيمك ؛ لأنه إنما كان نائبًا لك .
فأعجب السلطان ذلك واستمر بهم على ذلك . وجرتْ فصول يطولُ
ذكْرِها . وقد كان السلطان أعلم بالشيخ مِن جميع الحاضرين ، ودينه
وقيامه بالحق وشجاعته . وسمعت الشيخ تقي الدين يذكر ما كان بينه وبين
السلطان من الكلام لمَّ انفردا في ذلك الشبّاك الذي جلسا فيه ، وأن
السلطان استفتى الشيخ في قتل بعض القضاة ؛ بسبب ما كانوا تكلّموا فيه ،
وأخرج له فتاوى بعضِهم بعزْله مِنَ المُلْك ومُبايعة الجاشنكير ، وأنهم قاموا
عليك ، وآذوك أنت أيضًا، وأخذ يحثُّه بذلك على أن يُفتيه في قَتْل بعضِهم.
وإنما كان حَنَقُه عليهم بسبب ما كانوا سَعَوْا فيه من عَزْلِهِ ومبايعة الجاشنكير ،
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٧٤
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث
ففهم الشيخ مُرادَ السلطان ، فأخذ في تعظيم القضاة والعلماء ، ويُنكر أن
يَنال أحدًا منهم بسوءٍ ، وقال له : إذا قتلتَ هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم .
فقال له : إنهم قد آذَوْك وأرادوا قتلك مِرارًا . فقال الشيخ : مَنْ آذاني فهو
في حِلٌّ ، وَمَن آذى اللهَ ورسولَه فالله ينتقم منه ، وأنا لا أنتصر لنفسي ،
وما زال به حتى حلم عنهم السلطان وصفح )) (١).
قال : وكان قاضي المالكية ابن مخلوف يقول : ما رأينا مثلَ ابن تيمية
حرّضنا عليه فلم نقدِر عليه ، وقدَر علينا فصفح عنا وحاجَجَ عنا .
لله دُك يا شيخ الإِسلام مِن إمامٍ !
لله دُّك من إمامِ أمة ... لله دُّ أمٍ درتْ عليك .. وأمةٍ فيها مثلك ...
لقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية آيةً من آيات الله في الصَّدْع بالحق
والأمر بالمعروف والنهي عن الفرق . ويكفي ردُّه على فلاسفة الصوفية ،
والدجاجلة منهم ، والأشاعرة والمتكلمين ، والشيعة ، والمُقَلِّدة ، والفلاسفة
وأهل الاعتزال ، وكان أمَّارًا بالمعروف للسلاطين والأمراء .
قال الحافظ عمر بن علي البزار: (( أخبرني مَن لا أَتَّهِمُه أن الشيخ
رضي الله عنه حين وُشي به إلى السلطان المعظم الملك الناصر محمد بن
قلاوون ، أحضره بين يديْهِ ، قال : فكان من جملة كلامه : إنني أُخبرتُ
أنك قد أطاعك الناس ، وأنّ في نفسك أخذ المُلْك . فلم يكترثْ به ، بل
قال له بنفسٍ مطمئنةٍ ، وقلب ثابت، وصوت عالٍ، سمعَه كثيرٌ ممّن
حضَر : أنا أفعل ذلك ؟! والله إنّ مُلْكَك ومُلك المُغل لا يساوي عندي
فِلْسَيْن . فتبسم السلطان لذلك ، وأجابه في مقابلته - بما أوقع الله له في
(١) البداية والنهاية ١٤ / ٥٣، ٥٥ - ٥٦ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٧٥
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
قلبه منَ الهَيْبة العظيمة - : إنك - والله - لصادق ، وإن الذي وشى بك
إلّي لكاذب))(١) .
لقد ((كان رضي الله عنه من أعظم أهل عصره قوةً ومقامًا وثبوتًا
على الحق ، وتقريرًا لتحقيق توحيد الحق ، لا يصدُّه عن ذلك لوْمُ لائم ،
ولا قوْل قائل ، ولا يرجع عنه لحُجَّة مُحتجٍّ ، بل كان إذا وضح له الحق
يعضُّ عليه بالنواجذ ، ولا يلتفتُ إلى مُباينٍ معانٍ ، ولقد سُجن أزمانًا
وأعصارًا وسنين وشهورًا، ولم يُوَلِّهم دُبُرَه فرارًا، ولقد قصَد أعداؤه الفتْكَ
به مرارًا، وأوسعُوا حِيَلهم عليه إعلانًا وإسرارًا، فجعل الله حِفْظَهُ منهم له
شعارًا ودِثَارًا. ولقد ظنُّوا أن في حبْسه مشينةً ، فجعله اللهُ له فضيلةً وزينةً ،
وظهر له يوم موْته ما لوْ رآه وادُّه أقّ به عَيْنَيْه ، فإن الله تعالى لعلْمِه بقْب
أَجَله ، ألبسَه الفراغ عن الخلق، للقدوم على الحقِّ أجملَ حُلَّلِهِ ، كونه
حُبِسَ على غير جَريرةٍ ولا جريمة ، بل على قوة في الحق وعزيمة ، هذا
مع ما نَشَر الله له من عُلومه في الآفاق ، وبَهَرَ بفنونِهِ البصائر والأحداق
وملأ بمحاسن مؤلفاته الصُّخف والأوراق ، كبْتًا ورغْمًا للأعداء ، أهل
البدع المُضلّة والأهواء، وصُنَعًا عظيمة من رب السماء ، لعوائده لخاصَّة
الأولياء ، أهل المحبة والولاء))(٢).
قال رسول الله عَ ◌ّه: ((لا يزال الله يغرس في هذا الدين غُرْسًا
يستعملهم فيه بطاعته إلى يوم القيامة))(٣).
(١)
الاعلام العَلِيَّة صـ ٧٢، ٧٣ .
(٢)
الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية صـ ٧٥ - ٧٧ .
(٣) حسن : رواه أحمد ، وابن ماجه ، والبخاري في التاريخ عن أبي عنبة الخولاني
وحسنه الألباني في صحيح الجامع رقم ٧٦٩٢ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٧٦
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
الطرطوشي وأمير مصر :
((افتحِ البابَ وَسَهِّلِ الحجابَ)):
(( قال أبو بكر الطرطوشي : دخلتُ على الأفضل ابن أمير الجيوش وهو
أمير على مصر ، فقلت : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . فردّ السلام
علّ نحو ما سلّمتُ ردًّا جميلًا، وأكرمني إكرامًا جزيلًا، وأمرني بدخول
مجلسه ، وأمرني بالجلوس فيه ، فقلتُ : أيُّها الملِك ، إن الله تعالى قد أحلَّك
محلاً عليًّا شامخًا، وأنزلَك منزلًا شريفًا باذخًا، وملَّكك طائفةً من مُلْكه،
وأَشَرَكَك في حكمه ، ولم يرضَ أن يكون أمْر أحدٍ فوق أمرك ، فلا ترضَ
أن يكون أحدٌ أولى بالشُّكر منك ، وليس الشكر باللسان ، وإنما هو بالفِعال
والإِحسان ؛ قال الله تعالى: ﴿اعملُوا آلَ دَاودَ شُكْرًا﴾. واعلمْ أن هذا
الذي أصبحتَ فيه مِن الملك إنما صار إليك بموْت مَن كان قبلك ، وهو خارج
عنك بمثل ما صار إليك ، فاتَّقِ الله فيما حولك من هذه الأمة ، فإن الله
تعالى سَائِلُك عن الفتيل والنقير والقِطْمير، قال الله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ
لَنَسأَ لنَّهم أجمعِينَ عمَّا كَانُوا يَعْمَلون﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ
حبَّةٍ مِنْ خَردلِ أَيْنا بها وكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾، واعلم أيُّها الملك أنَّ الله
تعالى قد آتى مُلْك الدنيا بحذافيرها سليمانَ بنَ داود عليه السلام، فسخّر
له الإِنس والجنَّ والشياطين والطير والوحْش والبهائم ، وسخَّر له الرِّيح تجري
بأمره رُخَاءً حيثُ أصابَ ، ثم رفع عنه حساب ذلك أجمع ، فقال له :
هذا عَطَاؤنا فامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بغير حسابٍ﴾. فوالله ما عدَّها نعمة كما
عددتُّموها ، ولا حَسِبها كرامةً كما حسبتموها ، بل خاف أن تكون استدراجًا
مِنَ الله تعالى ومَكْرًا به ، فقال: ﴿ هُذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَشْكُرُ أَمْ
أكفُرُ﴾. فافتحِ البابَ ، وسهِّل الحجابَ ، وانصرِ المظلومَ ، وأغثٍ
الملهوف ، أعانك الله على نصْر المظلوم ، وجعَلك كَهفًا للملهوف وأمانًا
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في غلوَ الهمة - المجلد الثالث
٢٧٧
(١)
للخائف )» (١).
الشيخ شمس الدين والسلطان بايزيد :
((إنك تاركٌ للصلاة مع الجماعة)):
حضرَ السلطان بايزيد بن محمد (٢) - أحدُ سلاطين العثمانين - إلى
المحكمة الشرعية بين يدي الشيخ شمس الدين محمد بن حمزة الفناري(٢)
قاضي القسطنطينية ليشهد أمامه في قضية من القضايا ، فما كان من الشيخ
الفناري إلا أن ردّ شهادة السلطان ولم يقبلْها، وسأل السلطانُ الشيخَ الفناري
عن أسباب ردِّ شهادته ، فقال له الشيخ : إنك تارك الصلاة مع الجماعة .
وابتسم السلطان ، ثم أمر ببناءِ مسجدٍ أمام دارِه . ولم يترك صلاة الجماعة
بعد ذلك(٤).
الشيخ عبد الحميد الجزائري والمندوب السامي :
استدعى المندوب السامي الفرنسي - في سورية - الشيخ عبد الحميد
الجزائري ، وقال له : إما أن تُقلع عن تلقين تلاميذِك هذه الأفكار وإلّا
أرسلتُ جنودًا لإغلاق المسجد الذي تنفثُ فيه هذه السموم ضدَّنا ، وإخمادِ
أصواتك المنكرة . فأجاب الشيخ عبد الحميد: أيُّها المسيُو الحاكم ، إنك
لا تستطيع ذلك . واستشاط المسيو غضبًا، وقال : كيف لا أستطيع ؟ قال
الشيخ : إذا كنتُ في عرسٍ علّمتُ المحتفلين ، وإذا كنتُ في مأتمٍ وعظْتُ
(١) المستطرف في كلِّ فنٍّ مستظرف .
(٢) السلطان بايزيد بن محمد الفاتح .
(٣) هو الشيخ شمس الدين محمد ، ولي القضاء في بروسيا وارتفع قدْره عند السلطان
بايزيد ، وهو من عائلة اشتُهرت بالعلم والفقه .
(٤) (( أقباس روحانية)) لشيث خطاب.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث
٢٧٨
المُعَزِّين ، وإنْ جلستُ في قطار علَّمتُ المسافرين ، وإن دخلتُ السجن
أرشدتُ المسجونين ، وإن قتلتموني ألهبتُ مشاعر المواطنين ، وخيرٌ لك
أيها المسيو ألا تتعرض للأمة في دينها ولغتها(١).
أبو غياث الزاهد والأمير(٢):
رُوي أن أبا غياث الزاهد كان يسكن المقابر ببخارى ، فدخل المدينة
ليزورَ أخّا له ، وكان غلمان الأمير نصر بن محمد، ومعهم المُغَنُّون والملاهي ،
يخرجون من داره ، فلما رآهم أبو غياث الزاهد قال : يا نفس ، وقع أمٌّ
إن سكتّ فأنت شريكةٌ . فرفع رأسه إلى السماء واستعان بالله وأخذ العصا ،
فَحَمَلَ عليهم حملةً واحدة ، فولَّوا منهزمين مدبرين إلى دار السلطان ، وقصُّوا
على الأمير ، فدعا به ، وقال له : أما علمتَ أنه مَن يخرج على السلطان يتغدى
في السجن ؟ فقال له أبو غياث: أما علمت أنه من يخرج على الرحمن يتعشَّى
في النيران ؟ فقال له : مَن ولّاك الحسبة ؟ فقال : الذي ولّاك الإِمارة . فقال
الأمير : ولّاني الخليفةُ . فقال أبو غياث : ولّاني الحسبةَ ربُّ الخليفة . فقال
الأمير : ولَّيْتُكَ الحسبةَ بسمرقند . فقال : عزلتُ نفسي عنها . فقال الأمير:
العجَب في أمْرِك ، تحتسب حين لم تؤمر ، وتمتنع حيث تؤمر ؟! قال : لأنك
إن وليتني عزلتني ، وإذا ولّاني ربي لم يعزلني أحد . فقال الأمير: سَلْ
حاجتَك ؟ فقال : حاجتي أن تردّ علي شبابي ؟ فقال: ليس ذلك إلَّي ، فهل
لك حاجة أخرى ؟ قال : أن تكتب إلى مالكٍ خازنِ النار أن لا يعذبني .
قال : ليس لي ذلك أيضًا . قال : هل لك حاجة أخرى ؟ قال : أن تكتب
إلى رضوان خازن الجنان يدخلني الجنة . قال : ليس ذلك إلّ أيضًا . قال
(١) ((أقباس روحانية)).
(٢) ((تربية الأولاد في الإِسلام)) لعبد الله ناصح عُلوان .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثالث
٢٧٩
أبو غياث : فإنها مع الربّ الذي هو مالك الحوائج كلها ، لا أسأله حاجة
إلَّا أجابني إليها. فخلّى الأميرُ سبيلَهُ(١).
الشاطبي(٢) والأمير موسك :
((قُلْ للأمير نصيحةً)):
كان الأمير عزّ الدين مُوسك مِن أمراء دولة بني أيُّوب - ويُنسب
إليه شارع الموسكي بمصر - كان أميرًا يحبّ أهل العلم والصلاح ، فلما قَدِمَ
الإِمام القاسم الشاطبي المقرئ الضرير ، وكان إمامًا منقطع القرين ، رأسًا
في القراءات ، الذي سارت الُكبان بقصيدته (حرز الأماني ) فلما قَدِمَ مصر
ووُصِفَ للأمير ، طَلَبَهُ، ولم يتقدم إليه الأميرُ بنفسه. فأخذتِ الشيخَ عِزَّةُ
العلم ، وهو الغريب الفقير ، فكتب له رقعةً فيها :
قِلْ للأميرِ نصيحةً لا تركنَنَّ إلى فقيهْ
إِنَّ الفقيهَ إذا أتى أبوابَكُم لا خيرَ فيهْ
أحد علماء الأزهر والخديوي إسماعيل :
((مِنك يا إسماعيل، لا منَّا)):
لما وقعتِ الحرب بين مصر والحبشة ، وتوالتِ الهزائم على مصر -
لوقوع الخلاف بين قُوّاد جيوشها - ضاق صدر الخديوي لذلك ، فركب
(١) الموعظة مِن كتاب ((من أخلاق العلماء)).
(٢) (الشاطبي ): هو القاسم بن فيروه الرعيني، وهو إمام قُرّاء عصره . وُلد
بشاطبة ( الأندلس )، وتوفي بالقاهرة عام ٥٩٠ هـ. وكان ضريرًا، رحل إلى
القاهرة وعلَّم فيها. من آثاره: حِرز الأماني؛ وهي قصيدة في القراءات تُعرف
بالشاطبية ، وكان عالمًا بالحديث والتفسير واللغة . قال ابن خلكان : كان
إذا قُرئ عليه صحيح البخاري ، ومسلم ، والموطأ ؛ تُصحح النُّسخ مِن حفظه .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٨٠
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
يومًا مع شريف باشا ، وهو مُحرج، فأراد أن يفرِّج عن نفسه ، فقال
لشريف باشا : ماذا تصنع حينما تلمُّ بك مُلمَّة تريد أن تدفعها ؟ فقال :
يا أفندينا ، إن الله عوَّدني إذا حاق بي شيءٌ من هذا أن ألجأ إلى صحيح
البخاري ، يقرؤه لي علماءٌ أطهارُ الأنفاس ، فيفرج الله عني . قال : فكلّم
شيخ الأزهر ، وكان الشيخ العروسي ، فجمع له من صلحاء العلماء جمعًا ،
أخذوا يتلون في البخاري أمام القبلة القديمة في الأزهر . قال : ومع ذلك ،
ظلَّتْ أخبار الهزائم تتوالى ، فذهب الخديوي ومعه شريف باشا إلى العلماء ،
وقال لهم محنقًا : إمَّا أن هذا الذي تقرءونه ليس بصحيح البخاري ، أو
أنكم لستم العلماء الذين نعهدهم من رجال السلف الصالح ؛ فإن الله لم
يَدفعِ بكم ولا بتلاوتكم شيئًا. فَوَجَم العلماء لذلك. وابتدره شيخٌ من آخر
الصفَ يقول له : منك يا إِسماعيل ، فإنا روينا عن النبي عَ لّهِ، أنه قال :
(( لَتَأْمُرُنَّ بالمعروف ولَتنهونَّ عن المنكر ، أَوْ لَيُسلِّطِنَّ الله عليكم شرارَكم،
فيدعو خيارُكم ، فلا يُستجاب لهم ))(١). وانصرف الخديوي ومعه شريف
باشا ، ولم يَنْبِسَا بكلمة . وأخذ العلماء يلومون القائل ويؤنِّونه . فبينما هم
كذلك إذا بشريف باشا قد عاد يسأل : أين الشيخ القائل للخديوي ما قال ؟
فقال : أنا . فأخذه وقام ، وانقلب العلماء بعد أن كانوا يَلُومون الشيخ
يُودِّعونه وداعَ مَن لا يأملون أن يرجع . وسار شريف باشا بالشيخ إلى أن
دخلا على الخديوي في قصره ، فإذا به قاعد في البهْو وأمامه كرسي ،
أجلس عليه الشيخ وقال : أعدْ يا أستاذ ما قلته لي في الأزهر . فأعاد الشيخ كلمته
وردَّد الحديث وشرحه ، فقال له الخديوي : وماذا صنعْنَا حتى ينزل بنا
هذا البلاء ؟ قال له : يا أفندينا ، أليست المحاكم المختلطة قد فتحت
بقانون يُبيح الربا ؟! أليس الزنا برخصة؟! أليس الخمر مباحًا ؟! وعدّد له
(١) رواه البزار والطبراني في الأوسط .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com