النص المفهرس

صفحات 181-200

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث
١٨١
لبالمرصاد﴾ قال: فبكى بكاءً شديدًا، كأنه لم يسمع تلك الآيات إلا تلك
الساعة ، وقال : إن الله قد أعطاك الدنيا بأسرها ، فاشترِ نفسك منه
ببعضها . واعلم أن هذا الأمر الذي صار إليك إنما كان في يد من كان قبلك ،
ثم أفضى إليك ، وكذلك يخرج منك إلى من هو بعدك . وإني أحذرك ليلة
تَمخضُ صبيحتُها عن يوم القيامة . قال : فبكى والله أشد من بكائه الأول ،
حتى رجف جنباه . فقال له سليمان بن مجالد : رفقًا بأمير المؤمنين ، قد
أتعبته منذ اليوم . فقال له عمرو : وبمثلك ضاع الأمر وانتشر - لا أبالك -
وماذا خفتَ على أمير المؤمنين أن يبكي من خشية الله ؟ فقال له أمير المؤمنين :
يا أبا عثمان، أعني بأصحابك أستعن بهم . قال : أظهرِ الحق يتبعك أهله .
قال : لقد أمرت لك بعشرة آلاف درهم ، تستعين بها على سفرك وزمانك .
قال : لا حاجة لي فيها . قال : والله لتأخذنها . قال: والله لا آخذُها . فقال
له المهدي : يحلف أمير المؤمنين وتحلف . فقال : من هذا الفتى ؟ فقال :
هو ابني محمد ، وهو المهدي ، وولي العهد . فقال: والله لقد سميتَه اسمًا
ما استحقه عملُه، ولقد مهدتَّ له أمرًا أمتعَ ما يكون به ، أشغلَ ما يكون
عنه . ثم التفتَ إلى المهديّ فقال : يابن أخي ، إذا حلَف أبوك ، وحلَف
عمك ، فإن أباك أقدر على الكفَّارة من عمِّك. ثم قال: يا أبا عثمان ، هل
من حاجة ؟ قال : نعم . قال : وما هي ؟ قال : لا تبعثْ إلَي حتى آتيك .
قال: إذًا لا نلتقي . قال : عن حاجتي سألتني . قال : فاستحفظه وودعه ،
ونهض قائمًا . فلما ولّى مدَّه بصرَه ، وهو يقول :
كلُّكمْ يمشي رُويدْ كلُّكُمْ يطلبُ صَيدْ
غيرَ عمرو بن عُبَيَدْ
((لَيتقربنَّ إليك بالعدلِ مَن لا نِيَّةَ له فيه)):
دخل عمرو بن عبيد على المنصور ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن الله
عز وجل يوقفك ويسائلك عن مثقال ذرةٍ من الخير والشرِّ . وإن الأمة
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
١٨٢
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث
خصماؤُك يوم القيامة ، وإن الله عز وجل لا يرضى منك إلا بما ترضاه
لنفسك ، ألا وإنك لا ترضى لنفسك إلا بأن يعدل عليْك . وإن الله عز
وجل لا يرضى منك إلا بأن تعدل على الرعية . يا أمير المؤمنين ، إن وراء
بابك نيرانًا تتأجج من الجور ، والله ما يُحكم وراء بابك بكتاب الله ولا
بسنة نبيه عدّ له. قال: فبكى المنصور. فقال سليمان بن مجالد، وهو
واقف على رأس المنصور : يا عمرو ، قد شققتَ على أمير المؤمنين . فقال
عمرو : يا أمير المؤمنين مَن هذا ؟ قال : أخوك سليمان بن مجالد . قال
عمرو : ويلك يا سليمان ، إن أمير المؤمنين يموت ، وإن كل ما تراه يَنفَد ،
وإنك جيفة غدًا بالفناء ، لا ينفعك إلا عمل صالح قدَّمته ، ولَقرب هذا
الجدار أنفع لأمير المؤمنين من قُرْبك ، إذا كنت تطوي عنه النصيحة وتنهى
من ينصحه .. يا أمير المؤمنين ، إن هؤلاء اتخذوك سُلَّمًا إلى شهواتهم .
قال المنصور : فأصنعُ ماذا ؟ ادعُ لي أصحابك ، أُوَلِّهم . قال : ادع أنت
بعمل صالح تُحدِثه ، ومرْ بهذا الخناق فليرفع عن أعناق الناس ، واستعمل
في اليوم الواحد عمَّلًا ، كلما رابَك منهم ريْب ، أو أنكرت على رجل
عزلْتَه وولَّيْت غيره . فوالله لئن لم تقبل منهم إلا العدل ليتقرَّبن به إليك
مَن لا نيةً له فيه .
الفُضَيْلِ بن عياض :
انظر إلى سيِّدٍ من سادات المتهجدين ، الذي كان إذا وعظ قبّل ابنُ
المبارك جبهته ، وقال : يا مُعلّمَ الخير ، من يحسن هذا غيرك .
انظر إليه حين يقول : لَأَنْ يدنو الرجل من جيفة منتنةٍ ، خير له من
أن يدنو إلى هؤلاء - يعني السلطان -.
وقال أيضًا : رجل لا يخالط هؤلاء ، ولا يزيد على المكتوبة ، أفضل
عندنا من رجل يقوم الليل ، ويصوم النهار ، ويحج ويعتمر ، ويجاهد في سبيل الله .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
١٨٣
واسمع يا أخي إلى الجبال حين تتكلم، استمع إلى زواجر الكلم تُلقى
على مسامع الخليفة من قِبل متهجد ، وهو الفُضَيل: ((قال الفَضْل بن
الربيع : حجّ أمير المؤمنين ، فأتاني فخرجتُ مسرعًا ، فقلت : يا أمير
المؤمنين ، لو أرسلتَ إلّ أتيتك . فقال : ويحك ، قد حاك في نفسي
شيء ، فانظر لي رجلًا أسأله . فقلت : هاهنا سفيان بن عيينة . فقال :
امضٍ بنا إليه . فأتيناه ، فقرعنا الباب ، فقال : مَن ذا ؟ قلت : أجب أمير
المؤمنين . فخرج مسرعًا ، فقال : يا أمير المؤمنين لو أرسلتَ إلّ أتيتك.
فقال : خذ لما جئناك له - رحمك الله - فحدَّثه ساعةً ، ثم قال له : عليك
ديْن؟ فقال : نعم . قال : أبا عباس ، اقضِ ديْنه . فلما خرجنا ، قال :
ما أغنى عني صاحبك شيئًا ، انظر لي رجلًا أسأله . قلت : هاهنا
عبد الرزاق بن همام . قال : امض بنا إليه . فأتيناه ، فقرعنا الباب ، فخرج
مسرعًا ، فقال : من هذا ؟ قلت : أجب أمير المؤمنين . فقال : يا أمير
المؤمنين ، لو أرسلت إلّ لأتيتك . قال : خذ لما جئناك له ، فحادثه
ساعةً ، ثم قال له : عليك ديْن ؟ قال : نعم . قال : أبا عباس ، اقضِ ديْنه.
فلما خرجنا ، قال : ما أغنى عني صاحبك شيئًا ، انظر لي رجلًا أسأله .
قلت : هاهنا الفضيل بن عياض . قال: امضٍ بنا إليه . فأتيناه فإذا هو قائم
يصلي ، يتلو آية من القرآن يردّدها ، فقال : اقرع الباب . فقرعت الباب ،
فقال : من هذا ؟ قلت : أجب أمير المؤمنين . فقال : ما لي ولأمير
المؤمنين ؟ فقلت : سبحان الله ، أما عليك طاعة ؟ أليس قد رُوي عن النبي
عَ المِ أنه قال: ((ليس للمؤمن أن يُذلّ نفسه)) فنزل ففتح الباب، ثم ارتقى
إلى الغرفة فأطفأ السراج ، ثم التجأ إلى زاوية من زوايا البيت ، فدخلنا
فجعلنا نجول بأيدينا ، فسبقت كفّ هارون قبلي إليه ، فقال : يالها من
كفِّ! ما ألْينها إن نجتْ غدًا من عذاب الله عز وجل ! فقلت في نفسي :
ليكلمنّه الليلة بكلام من تقي قلب نقّ . فقال له : خذ لما جئناك له ،
--
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
١٨٤
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
رحمك الله . فقال : إن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة دعا سالم
ابن عبد الله ، ومحمد بن كعب ، ورجاء بن حيوة ، فقال لهم : إني قد
ابتُليتُ بهذا البلاء، فأشيروا علّ . فعدّ الخلافة بلاء، وعددتَّها أنت
وأصحابك نعمة . فقال له سالم بن عبد الله : إن أردتّ النجاة من عذاب الله
فصم الدنيا ، وليكن إفطارك منها الموت . وقال له محمد بن كعب : إن
أردت النجاة من عذاب الله ، فليكن كبير المؤمنين عندك أبًا ، وأوسطهم
أخًا، وأصغرهم عندك ولدًا، فوقّر أباك، وأكرمْ أخاك، وتحّنْ على
ولدك . وقال له رجاء بن حيوة : إن أردت النجاة غدًا من عذاب الله ،
فأحبّ للمسلمين ما تحبّ لنفسك ، واكره لهم ما تكره لنفسك ، ثم متْ
إذا شئت . وإني أقول لك ؛ فإني أخاف عليك أشدّ الخوف يومًا تزِلَّ فيه
الأقدام ، فهل معك رحمك الله مثلُ هذا ؟ أو مَنْ يشير عليك بمثل هذا ،
فبكى هارون الرشيد بكاءً شديدًا ، حتى غُشي عليه ، فقلت له : ارفُقْ بأمير
المؤمنين . فقال : يا ابن الربيع ، تقتله أنت وأصحابك وأرفق به أنا ! ثم
أفاق ، فقال له : زدني ، رحمك الله . فقال: يا أمير المؤمنين ، بلَغني أن
عاملًا لعمر بن عبد العزيز شكا ، فكتب إليه عمر: يا أخى ، أذكّرك طولَ
سهر أهل النار مع خلود الأبد ، وإياك أن ينصرف بك من عند الله ، فيكون
آخَرَ العهد ، وانقطاع الرجاء . قال : فلما قرأ الكتاب طوى البلاد ، حتى
قدم على عمر بن عبد العزيز ، فقال له : ما أقدمَك ؟ قال : خلعتَ قلبي
بكتابك ، لا أعود إلى ولاية حتى ألقى الله عز وجل . قال : فبكى هارون
بكاء شديدًا ، ثم قال له : زدني رحمك الله . فقال : يا أمير المؤمنين ،
إن العباس عمَّ المصطفى عَ ◌ِّ جاء إلى النبي عَّ ◌ُلِّ، فقال: يا رسول الله،
أمّرني على إمارة. فقال له النبي عَّةٍ: ((إن الإِمارة حسرة وندامة يوم
القيامة ، فإن استطعت أن لا تكون أميرًا فافعلْ )) . فبكى هارون الرشيد
بكاءً شديدًا، فقال له : زدني ، رحمك الله . قال : يا حسنَ الوجه ،
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث
١٨٥
أنت الذي يسألك الله عز وجل عن هذا الخلق يوم القيامة ، فإياك أن تُصبح
وتمسي وفي قلبك غشٌّ لأحد من رعيتك؛ فإن النبي عَ ◌ّةٍ قال: ((من
أصبح لهم غاشًّا ، لم يرحْ رائحة الجنة )) فبكى هارون الرشيد ، وقال له :
عليك ديْن ؟ قال : نعم ، ديْن لربي لم يحاسبني عليه ، فالويل لي إن سألني ،
والويل لي إنّ ناقشني ، والويل لي إن لَمْ أُلهم حجتي . قال : إنما أعني من
ديْن العباد ؟ قال : إن ربي لم يأمرني بهذا ، إنما أمرني أن أصدق وعده وأطيع
أمره ، فقال جل وعز: ﴿ وما خلقتُ الجن والإِنس إلا ليعبدون ما أريد منهم
من رزقٍ وما أريد أن يُطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ﴾. فقال
له : هذه ألف دينار ، فأنفقها على عيالك وتقوّ بها على عبادتك . فقال :
سبحان الله ، أنا أدلّك على طريق النجاة ، وأنت تكافئني بمثل هذا ! سلّمك الله
ووفقك . ثم صمت فلم يكلمنا ، فخرجنا من عنده ، فلما صرنا على الباب ، قال
هارون : إنّ دللتني على رجل فدلّني على مثل هذا. هذا سيد المسلمين )) (١).
((هذا كتاب الله بين الدَّفتيْن)):
حدث يحيى بن يوسف الزمي عن الفضيل بن عياض ، قال : لما دخل
على هارون الرشيد أمير المؤمنين ، قال : أيكم هو ؟ قال : فأشاروا إلى أمير
المؤمنين ، فقال : أنت هو يا حسنَ الوجه ؟! لقد كُلِّفتَ أمرًا عظيمًا ، إني
ما رأيت أحدًا هو أحسن وجهًا منك ، فإن قدرت أن لا تُسوِّد هذا الوجه
بلفحة من النار ، فافعل . فقال لي : عظني . فقلت : بماذا أعظك ؟! هذا
كتاب الله تعالى بين الدفتين ، انظر ماذا عمل بمن أطاعه ؟ وماذا عمل بمن
عصاه ؟ إني رأيتُ الناس يُعرضون على النار عرضًا شديدًا، ويطلبونها طلبًا
شديدًا حثيثًا ، أما والله لو طلبوا الجنة بمثلها أو أيسر لنالوها . فقال : عدْ
إلّ . فقال: لو لم تبعث إلّي لم آتِك، وإن انتفعتَ بما سمعتَ مني عدتُ إليك.
(١) الحلية ١٠٥/٨ - ١٠٧ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
١٨٦
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث
عبد الله الخُراساني وهارون الرشيد :
حُكي عن إبراهيم بن عبد الله الخراساني أنه قال : حججتُ مع أبي -
سنةً حجّ الرشيد - فإذا نحن بالرشيد ، وهو واقف حاسرٌ حافٍ على
الحصباء ، وقد رفع يديْه وهو يرتعد ويبكي . ويقول : يا رب ، أنت أنت ،
وأنا أنا ، أنا العوّاد إلى الذنب ، وأنت العوّاد إلى المغفرة ، اغفر لي . فقال
لي : يا بنّي ، انظر إلى جبّار الأرض كيف يتضرّع إلى جبّار السماء .
هارُونُ الرّشيد ورجلٌ :
أمير المؤمنين هارون الرشيد أمَر يحيى بن خالد بحبْس رجل جنى
جِناية ، فحبسه ، ثم سأل عنه الرشيدُ ، فقيل : هو كثير الصلاة والدعاء .
فقال للموكّل به : عَرِّضْ له بأنْ يكلّمني ، ويسألني إطلاقَه . فقال له المؤكَّل
ذلك . فقال : قلْ لأمير المؤمنين : إن كلّ يومٍ يمضي من نعمتك يُنقص
من محنتي ، فالأمر قريب ، والموْعدُ الصراطُ ، والحاكمُ الله . فخرّ الرشيد
مغشيًّا عليه ، ثم أفاق وأمر بإطلاقه .
أسلم مولى عمرَ وجعفر بنُ أبي سليمان :
((مَن أبطأ به عملُه لم يُسرغ به نسُبه)):
روى زيد بن أسلم عن أبيه ، قال : قلت لجعفر بن سليمان بن
عبد الله بن أبي طالب الهاشمي ، والي المدينة : احذر أن يأتي رجل غدًا ،
ليس له في الإِسلام نسبة ، ولا أبٌّ ، ولا جدٌّ، فيكون أولى برسول الله
منك ، كما كانت امرأة فرعونَ أوْلى بنوحٍ ولوطِ عليهما السلام من
زوجيْهما ، وكما كانت زوجة نوح ولوط أولى بفرعون من زوجته . مَن أبطأ
به عمله لم يُسرع به نسبه، ومن أسرع به عمله لم يُبطىءْ به نسبه .
الأَمينُ بن هارونَ الرشيد :
قال الإِمام أحمد : بلغني أنّ إسماعيل بن عُلَيَّة الحافظ أُدخِل على
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
١٨٧
الأمين ، فلما رآه ، زحَف ، وجعل يقول : يا ابنَ الفاعلة ، تتكلم في
القرآن (١)؟! وجعل إسماعيل يقول: جعلني الله فداك ، زلةٌ من عالِم ، ثم
قال أحمد : إنْ يغفرِ اللَّهُ له - يعني الأمين - فيها (٢).
شيخ الإِسلام ، أبو نعيم ، الفضْل بن دُكَين :
قال الإِمام أحمد : شيخانٍ كان الناس يتكلمون فيهما ، ويذكرونهما ،
وكنا نلقى من الناس في أمرهما ما الله به عليم ، قاما لله بأمر لم يقُم به كبير
أحد(٣) .
قال أبو العباس السّاج عن الكديمي ، قال : لما دخل أبو نُعيم على
الوالي ليمتحِنَهُ ، وَثَمّ يونس وأبو غسّان وغيرهما ، فأول مَنِ امتحن فلانٌ
فأجاب ، ثم عطَفَ على أبي نُعيم ، فقال : قد أجاب هذا، فما تقول ؟
فقال : والله ما زلتُ أَتّهم جَدَّه بالزندقة ، ولقد أخبرني يونس بن بُكير أنه
سمع جدَّه يقول : لا بأس أن يرمي الجمرة بالقوارير . أدركتُ الكوفة وبها
أكثر من سبعمائة شيخ ، الأعمش فمَن دونه ، يقولونه : القرآن كلام الله ،
وعنقي أهونُ من زِرّي هذا . فقام إليه أحمد بن يونس ، فقبّل رأسه - وكان
بينهما شحناء - وقال : جزاك الله من شيخٍ خيرًا(٤).
رحم الله أبا نعيم من إمامٍ حافظ ، قال فيه الإِمام أحمد : نُزاحم به
سفيانَ بن عيينة . وقال فيه : كان ثقة ، يقظانَ في الحديث ، ثم قام في أمر
(١) وكان إسماعيل يقول بخلق القرآن .
(٢) سير أعلام النبلاء ١١٢/٩، وتاريخ بغداد ٢٣٨/٦ .
(٣) تاريخ بغداد ٣٤٨/١٢ - ٣٤٩، والسير ١٤٩/١٠.
(٤) مناقب الإِمام أحمد لابن الجوزي ٤٨١، وتاريخ بغداد ٣٤٩/١٢، وتهذيب
الكمال لوحة ١٠٩٨ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
١٨٨
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
الامتحان ما لم يقُم غيره ، عافاه الله .
وقال محمد بن عبد الوهاب الفراء: ((كنا نهاب أبا نعيم أشدّ من
هيبة الأمير )) . والجزاء من جنس العمل .
قال أبو المظفِّر سبطُ ابن الجوزي في كتابه (( مرآة الزمان في تاريخ
الأعيان )) : قال عبد الصمد بن المهتدي : لما دخل المأمون بغداد ، نادى
بتْك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ وذلك لأن الشيوخ بقوْا يُضربون
ويُحبسون ، فنهاهم المأمون ، وقال : قد اجتمع الناس على إمام . فمّ
أبو نعيم ، فرأى جنديًّا وقد أدخل يديْه بين فخذَي امرأة ، فنهاه بعنْفٍ ،
فحمله إلى الوالي ، فيحمله الوالي إلى المأمون ، قال : فأُدخلتُ عليه بُكرةً
وهو يُسبِّح ، فقال : توضأ . فتوضأتُ ثلاثًا على ما رواه عبد خير عن
علي ، فصلّيتُ ركعتين ، فقال : ما تقول في رجل مات عن أبويْن ؟
فقلت : للأمّ الثلث ، وما بقي للأب . قال : فإنْ خلّف أبوَيْه وأخاه ؟
قلت : المسألة بحالها ، وسقَطَ الأَخُ . قال : فإن خلّف أبوين وأخويْن ؟
قلت : للأم السُّدُس وما بقي للأب . قال : في قول الناس كلّهم ؟ قلت :
لا ، إن جدّك ابن عبّاس يا أمير المؤمنين، ما حجَبَ الأَمَّ عن الثلث إلا
بثلاثة إخوة . فقال : يا هذا ، مَن نهى مثلك عن الأمر بالمعروف ؟! إنما
نهينا أقوامًا يجعلون المعروف منكرًا. ثم خرجتُ(١).
الإِمام الحافظ أبو عثمان ، عفان بن مسلم البصري الصَّفّار :
قال حنبل : حضرت أبا عبد الله وابن معين عند عفّان ، بعدما دعاه
إسحاق بن إبراهيم للمحْنة ، وكان أول مَن امتُحن من الناس عفّان ، فسأله
يحيى من الغد ، بعد ما امتحن ، وأبو عبد الله حاضر ونحن معه ، فقال :
أخبْنا بما قال لك إسحاق . قال : يا أبا زكريا ، لم أُسوِّدْ وجهك ولا وجوه
(١) سير أعلام النبلاء ١٤٩/١٠ - ١٥٠، وتاريخ بغداد ٣٥٠/١٢.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث
١٨٩
أصحابك، إني لم أُجبْ . فقال له : فكيف كان ؟ قال : دعاني ، وقرأ
علّ الكتاب الذي كتب به المأمون من الجزيرة ، فإذا فيه : امتَحِنْ عفّان ،
وادعُه إلى أن يقول : القرآن كذا وكذا ، فإن قال ذلك ، فأقّه على أمره ،
وإن لم يجبْك إلى ما كتبتُ به إِليك ، فاقطعْ عنه الذي يُجرى عليه . وكان
المأمون يُجري على عفان كلَّ شهرٍ خمسمائة درهم ، فلما قرأ علّ
الكتابَ ، قال لي إسحاق : ما تقول ؟ فقرأتُ عليه ﴿ قل هو الله أحد ﴾
حتى ختمتُها ، فقلت : أمخلوق هذا ؟ فقال : يا شيخ ، إنّ أمير المؤمنين
يقول : إنك إنْ لم تُجبْه إلى الذي يدعوك إليه ، يقطع عنك ما يُجري
عليك . فقلت: ﴿ وفي السماء رزقكم وما توعدون ﴾ [ الذاريات : ٢٢ ]
فسكت عني ، وانصرفت ، فسُرّ بذلك أبو عبد الله ويحيى(١).
قال إبراهيم بن ديزيل : لما دُعي عفان للمحنة ، كنت آخذًا بلجام
حماره ، فلما حضر عُرِض عليه القُوْل ، فامتنع أن يُجيبَ ، فقيل له : يُحبس
عطاؤك . قال : وكان يُعطى في كل شهر ألف درهم . فقال ﴿ وفي السماء
رزقكم وما توعدون ﴾ فلما رجع إلى داره عذله نساؤه ومَن في داره ،
قال : وكان في داره نحو أربعين إنسانًا ، فدقّ عليه داقٌّ الباب ، فدخل عليْه
رجل شبّهتُه بسمّان أو زيّات ، ومعه كيس فيه ألف درهم ، فقال: يا أبا عثمان ،
ثّتك الله كما ثَبَّتَّ الدِّين، وهذا في كل شهر (٢).
أخي، ((اعلم أنه إذا هذّب الآمر نفسَه، أثّر قولُه إما في زوال
المنكر ، أو في انكسار المذنب ، أو إلقاء الهيبة له في القلوب .
خرج إبراهيم الخوّاص لإِنكار منكر فنبح عليه كلبٌ ، فما قَدَر على
الوصول إلى مكان المنكر ، فرجع إلى مسجده وتفكّر ساعةً ، ثم قام ، فجعل
(١) سير أعلام النبلاء ٢٤٤/١٠، وتاريخ بغداد ٢٧١/١٢ .
(٢) تاريخ بغداد ٢٧١/١٢ - ٢٧٢، والسير ٢٤٥/١٠.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
١٩٠
الكلب يتبصْبَص حوله ولا يُؤذيه ، حتى أزال المنكر ، فسئل عما جرى
له ، فقال : إنما نبح علّ لفسادٍ دخل علّ في عقدٍ بيني وبين الله عز وجل ،
فلما رجعتُ ذكرته ، فاستغفرت ))(١).
عبد الله بن مرزوق :
(( لما قدم المهدي مكة ، لبث بها ما شاء الله ، فلما أخذ في الطّواف
نحّى الناس عن البيت ، فوثب عبد الله بن مرزوق ، فلّه بردائه ، ثم هزّه
وقال له : انظر ما تصنع ! مَن جعلك بهذا البيت أحقَّ ممن أتاه من البُعْد ،
حتى إذا صار عنده حُلْتَ بينه وبينه ؟! وقد قال الله تعالى: ﴿سواءً العاكِف
فيه والبَاد ﴾ مَن جعل لك هذا؟ فنظر في وجهه - وكان يعرفه لأنه ابن
مواليهم - فقال : أعبدُ الله بن مرزوق ؟ قال : نعم . فأخذ فجيء به إلى
بغداد ، فكرِه أن يعاقبه عقوبة يُشنّع بها عليه في العامّة ، فجعله في إصطبل
الدوابّ لَيَسُوسَ الدوابَّ، وضمّوا إليه فرسًا عضوضًا سبّىء الخُلُق، ليعْقره
الفرس ، فليّن الله تعالى له الفرس . قال : ثم صيّروه إلى بَيْت وأُغلق عليه ،
وأخَذَ المهدي المفتاح عنده ، فإذا هو قد خرج بعد ثلاثٍ إلى البستان يأكل
البقْل ، فأوذِن به المهدي ، فقال له : مَن أخرجك ؟ فقال : الذي حبسني .
فضجّ المهدي وصاح ، وقال : ما تخاف أنْ أقتلك ؟ فرفع عبد الله إليه رأسه
يضحك وهو يقول : لو كنتَ تملك حياة أو موتًا . فما زال محبوسًا حتى
مات المهدي ثم خلوا عنه ، فرجع إلى مكة . قال : وكان قد جعل على نفسه
نذْرًا ، إن خلصه الله مِن أيديهم أن ينحر مائة بدَنة ، فكان يعمل في ذلك ،
حتى نحرها ))(٢).
(١) التبصرة ٣٣٢/٢.
(٢) إحياء علوم الدين ٣٤٣/٢ - ٣٤٤ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثالث
١٩١
بشر بن الحارث الحافي :
(( قال فتح بن شخرف : تعلَّق رجل بامرأةٍ ومعه سكين ، لا يدنو
منه أحد إلّا عَقَره ، وكان شديد البدن ، فبينا الناس كذلك والمرأة تصيح ،
مّ بشر بن الحارث فدنا منه ، وحكّ كتفه بكتف الرجل ، فوقع الرجل
إلى الأرض ، ومّت المرأة ومّ بشر، فدَنوا من الرجل وهو يرشح عرقًا ،
فسألوه : ما حالك ؟ فقال : ما أدري ولكن حاكّني شيخ وقال : إن الله
عز وجل ناظرٌ إليك وإلى ما تعمل . فضَعُفْتُ لقوله وهِبْتُه هيبةً شديدة ، لا
أدري مَنْ ذلك الرجل . فقالوا له : ذاك بشر بن الحارث . فقال : واسَوْأتاه ،
كيف ينظر إلّ بعد اليوم! وحُمَّ من يومه ذاك. ومات يوم السابع))(١).
الإِمام أحمد بن حنبل :
ومَنْ في الناس كأحمد ، وكل موقفٍ يتضاءل دون موقفه وثباته في
فتنة خلق القرآن ... ويكفي أن يصدع بالحق الخليفة ويقول: ((ايتُوني بشيءٍ
من كلام الله أو سُنَّة رسوله عَ لِ)).
وكان رحمه الله أمْرًا بالمعروف ونهْيًا عن المنكر يمشي على الأرض .
(( قال صالح بن أحمد : كان رجل يختلف إلى عفان ، يقال له : أحمد
ابن الحكم العطار ، فختن بعض ولده ، فدعا يحيى وأبا خيثمة وجماعة من
أصحاب الحديث ، وطلب إلى أبي أن يحضر ، فمضوا ومضى أبي بعدهم
وأنا معه ، فلمَّا دخل أُجلس في بيت ومعه جماعة من أصحاب الحديث ،
فقال له رجل : يا أبا عبد الله ، هاهنا آنية من فضة . فالتفت فإذا كرسي ،
فقام فخرج ، وتبعه من كان في البيت ، وأُخبر الرجل فخرج فلحق أبي ،
وحلف أنه ما علم بذلك ، ولا أمر به ، وجعل يطلب إليه فأبى ، وجاء
(١) التبصرة ٣٣١/٢.
:
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
١٩٢
عفان فقال له الرجل : يا أبا عثمان ، اطلب إلى أبي عبد الله يرجع . فكلّمه
عفان فأبى أن يرجع ، ونزل بالرجل أمر عظيم .
وعن علي بن أبي صالح السّاق قال : كنّا في وليمة باب القبر قال :
فجاء أحمد بن حنبل ، فلمّا دخل نظر إلى كرسي عليه فضة فخرج ، فلحقه
صاحب المنزل ، فنفض يده في وجهه وقال : زيّ المجوس ، زي المجوس .
وخرج ))(١).
(١) مناقب الإِمام أحمد لابن الجوزي ص٣٤٨ - ٣٤٩.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علُوَ الهمة - المجلد الثالث
١٩٣
مواقف الربانيين تُحيي الأمة
(( قد مات في حديدهم أقوام))
حين يَدْلَهِمُّ الخطب ، ويجلّ الأمر ، ويظهر الفساد ، ويشيع الظلم في
كثير من البلدان التي نَحّت الحكم بما أنزل الله ، حينئذ يخشى الناس على أنفسهم
وأولادهم وذويهم، فيُضطرون إلى الانزواء بعيدًا عن معترك الأحداث ، بل
ويخضعون لهذا الواقع المظلم ، ويستسلمون له بعد أن ألجمتْ ألسنتَهم تلك
الأوضاع ، فنجدهم قد رضُوا أن يتجرعوا مرارة الصبر ، وربما شربوا كؤوس
الذلِّ والمهانة ، لكن الظالم ينسى - حين بغيه وجبروته - تدبير الخالق العزيز
الجبار ، وأنه له بالمرصاد ، فيتمادى في بغيه ويزيد في طغيانه ، ولكن يأبى الله
إلا أن ينصر دينه ويتمَّ نوره ، ويدحض الباطل ، ويعلي الحق ، فيقيِّض لتلك
الشعوب الذليلة المنكسرة من يخرجها من ◌ُنوعها وذلتها ، ويبعث فيها روح
العزة والكرامة ، وذلك حين يضحي العلماء والدعاة بأنفسهم ، حينما يقعون
تحت سياط الجلادين وسيوف الجبارين وأعواد المشانق؛ لأنهم لا يخافون
في الله لومة لائم ليقولوا للناس : إن الموت في سبيل الله خير من الموت جبنًا
وذلًّا . ويقيض الله كذلك لأولئك الظلمة الطغاة من يرهب قلوبهم ، ويزلزل
كراسيهم بالصدع بكلمة الحق ابتغاء مرضاة الله ، بعد أن يتخذوا كل الوسائل
المتاحة والمشروعة لذلك ، وبعد أن يصرّ الظالم على ظلمه ، ويقف من
شرع الله موقف المعارض ، ويقف من الدعاة إلى الله موقف المعادي والمحارب .
إن إحياء الأمة من مواتها ، وبعثها من غفوتها ونومها ، وإخراجها من
عبادة غير الله ، وقيادتها إلى ربها وسوْقها إليه سوقًا جميلًا، وحمْل هذا الدين
والسعي به والجهاد في سبيله - إن هذا وغيره هو من سمات العلماء الفحول
عبر تاريخنا المجيد . ونستعرض هنا صورًا من مواقف أولئك العلماء ، لعلها
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في غلوَ الهمة - المجلد الثالث
١٩٤
تكون إحياءً للغافلين ، ورهبة للظالمين ، إذ ضحوا بأرواحهم في سبيل إعلاء
دين الله سبحانه ، وهي العزاء لكل مسلم يسوؤه تلك التصرفات الجائرة
ضد الدين ودعاته .
ولو استرجعنا التاريخ لوجدنا الأمر لا يكاد يختلف ، بل يسجل التاريخ
تلك الحقيقة الجليّة ألا وهي الصراع بين حزب الرحمن وحزب الشيطان ،
ولن تموت أمثال هذه الكلمات الصادقة: (( ولأموتنَّ في حديدي هذا حتى
يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم ... )) !!
فإلى أولئك الذين يسقطون ظلمًا وعدوانًا في الدفاع عن الإِسلام
ودعوته ؛ ليعلموا أنه قد سبقهم أقوام على الطريق نفسه ، وإليك أخي صورًا
من تلك المواقف : ﴿ سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله
تبديلًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] ﴿ولن تجد لسنة الله تحويلًا ﴾ [ فاطر: ٤٣ ] :
الإِمام البويطي (١):
هو العلّامة ، سيّد الفقهاء ، يوسف أبو يعقوب بن يحيى المصري
البويطي . صاحَب الشافعَّ ولازمه مدة ، وفاق الأقران ، وكان إمامًا في
العلم قدوة في العمل ، زاهدًا ربانيًا متهجدًا ، دائمَ الذكر .. سعی به أصحابُ
ابن أبي دُؤاد ، حتى كتب فيه ابن أبي دُؤاد إلى والي مصر ، فامتحنه - أي
في محنة خلق القرآن - فلم يُجب ، وكان الوالي حسن الرأي فيه ، فقال
له : قل فيما بيني وبينك . قال : إنه يقتدي بي مائة ألف ، ولا يدرون
المعنى !! فأمر به أن يُحمل إلى بغداد .
قال الربيع بن سليمان : رأيته على بغلٍ في عنقه غُلٌّ ، وفي رجليه قيدٌ ،
(١) سير أعلام النبلاء ١٢ / ٥٨.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
١٩٥
وبينه وبين الغلّ سلسلة فيها لَبِنَةٌ- طوبة- وزنها أربعون رطلًا، وهو يقول: (إنما
تَحَلَقَ الله الخلق بـ (( كن)) ، فإذا كانت مخلوقة فكأن مخلوقًا خُلق بمخلوق ،
ولئن دخلت عليه لأصْدُقَنَّه - يعني الواثق - ولأموتن في حديدي هذا حتى
يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم)) .
وتوفي رحمه الله في قيده مسجونًا بالعراق ، في سنة إحدى وثلاثين
ومائتين من الهجرة .
الإِمام نعيم بن حماد(١) :
هو العلّامة صاحب التصانيف ، وكان شديدًا في الرد على الجهمية ،
حُمل إلى العراق في إبّان تلك الغيمة مع البويطي مقيدَيْن .
-
وكان يقول: (( من شبّه الله بخلقه فقد كفر ، ومن أنكر ما وصف
به نفسه فقد كفر ، وليس في ما وصف اللهُ به نفسه ورسولُه تشبيه » .
قال ابن يونس : حُمل على القول بتلك الفرية ، فامتنع أن يجيب ،
فسجن ، ومات في سجنه سنة تسع وعشرين ومائتين ، وُجُرّ بأقياده ، فَأُلْقي
في حفرة، ولم يكفّن، ولم يُصلَّ عليه .. وأوصى نُعيمُ بن حماد أن يدفن
في قيوده. وقال: ((إني مخاصم)).
الإِمام الخزاعي(٢):
هو أبو عبد الله أحمد بن نصر الخزاعي ، كان أمّارًا بالمعروف ، قوّالًا
بالحق ، من أكابر العلماء العاملين ، ومن أهل العلم والديانة .
حُمل من بغداد إلى سامراء مقيدًا ، وجلس له الواثق ، فقال له :
(١) سير أعلام النبلاء ١٠ / ٦١٠.
(٢) سير أعلام النبلاء ١١ / ٦٧، والبداية والنهاية ١٠ / ٣١٨.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
١٩٦
ما تقول في القرآن ؟ قال : كلام الله . قال : أفمخلوق هو ؟ قال : كلام الله .
قال : فترى ربك يوم القيامة ؟ قال : كذا جاءتٍ الرواية . قال : ويحك !
يُرى كما يُرى المحدود المتجسم ، ويحويه مكان ، ويحصره ناظر ؟! أنا
كفرتُ بمن هذه صفته . ما تقولون فيه ؟ فقال قاضي الجانب الغربي :
هو حلال الدَّم . ووافقه فقهاءٌ. قال الواثق: ما أراه إلا مؤديًا لكفره ، قائمًا
بما يعتقده. ودعا بالسيف ، وقام ، وقال : إني لأحتسب خُطاي إلى هذا
الكافر . فضرب عنقه ، بعد أن مدُّوا له رأسَه بحبل ، وهو مقيد . '
قال الحسن بن محمد الحربي : سمعت جعفر الصائغ يقول : رأيت
أحمد بن نصر - حين قُتل - قال رأسه : لا إله إلا الله . والله أعلم .
وعُلّق في أذن أحمد بن نصر ورقة فيها : هذا رأس أحمد بن نصر ،
دعاه الإِمام إلى القول بخلق القرآن ، ونفي التشبيه ، فأبى إلا المعاندة ؛
فجعله الله إلى ناره . وبقي رأسه منصوبًا ببغداد ، والبدن مصلوبًا بسامراء ،
وفي رجليه زوج قيود .
هذه صور لابتلاء العلماء على مرِّ التاريخ من الظَّلَمة والطواغيت ،
والنتيجة أن أولئك العلماء يُتَرحم عليهم حتى الآن ، أمَّا أولئك الظلمة
المحادُّون لله ولرسوله ولشريعته . فإنهم محلّ المقت والكراهية ..
وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون ﴾ [ الشعراء: ٢٢٧ ] .
شيخٌ شامٍّ يُلِقِم كبيرَ المعتزلة حجرًا :
مَنْ أوتي بصيرة في كتاب الله لم يحتج في مناقشة أهل الضلال إلى
(١) ((مواقف العلماء تحيي الأمة)) لحسن قطامس مقال في مجلة البيان عدد ٧٤ شوال
١٤١٤ هـ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
١٩٧
علم الكلام ، ومنطق اليونان ، وعلم الفلسفة ؛ ففي كتاب الله غنّى ، كيف
لا ، وهو كتاب الله الذي وضّح الدلائل ، وبيّن المسائل ، ونفى الضلال
والباطل ؟! وإذا قَصُر الناس في الاستدلال من القرآن ، وطلبوا الحجة من
غيره ؛ فلقصور في عقولهم ، وضعف في بصائرهم . وقد ذكر علماء
التاريخ مناقشة أحد علماء السنة لقادة فتنة القول بخلق القرآن ، فألقمهم
حجرًا ، وأخزى حقُّه باطلَهم ، وقد اعتمد في حِجَاجه على كتاب الله وسنة
رسول الله عَ ◌ّه، وهو حِجاجٌ قريب المأخذ ، يدركه الناس بسهولة
ويسر ، وتستمع إليه فيأسرك روعةُ الاستدلال ، وقوة الحجة .
حكى المسعودي عن علي بن صالح قال: (( حضرت يومًا من الأيام
جلوس المهتدي للمظالم ، فرأيت من سهولة الوصول ونفوذ الكتب عنه
إلى النواحي ، فيما يتظلم به إليه - ما استحسنته ، فأقبلتُ أرمُقه ببصري
إذا نظر في القصص ، فإذا رفع طرفه إلَّي أطرقت ، فكأنه علم ما في
نفسي . فقال لي : يا صالح ، أحسب أنَّ في نفسك شيئًا تحب أن تذكره .
قال : قلت : نعم يا أمير المؤمنين . فأمسك ، فلما فرغ من جلوسه أمر
أن لا أبرح ، ونهض ، فجلست جلوسًا طويلًا، فقمت إليه ، وهو على
حصير الصلاة ، فقال لي : أتحدثني بما في نفسك ، أمْ أحدثك ؟ فقلت :
بل هو من أمير المؤمنين أحسن . فقال : كأنني بك وقد استحسنت مِن
مجلسنا . فقلت : أيّ خليفة خليفتنا ، إن لم يكن يقول بقوْل أبيه ، من
القول بخلق القرآن ! فقال - أي الخليفة - : قد كنت على ذلك برهة من
الدهر ، حتى أُقدِم عَلَى الواثق شيخ من أهل الفقه والحديث من (( أذنه )) من
الثغر الشامي ، مقيدًا طوالًا، حسن الشيبة ، فسلّم غيرَ هائب ، ودعا فأوجز ،
فرأيت الحياء منه في حماليق عينَي الواثق ، الرحمةَ عليه . فقال : يا شيخ ،
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
١٩٨
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
أجبْ أحمد بن أبي دؤاد عما يسألك عنه . فقال : يا أمير المؤمنين ، أحمد
يصغُر ، ويضعف ، ويقلُّ عند المناظرة . فرأيت الواثق ، وقد صار مكان
الرحمة ، غضبًا عليه . فقال : أبو عبد الله يصغر ويضعف ويقل عند مناظرتك ؟!
فقال : هوّن عليك يا أمير المؤمنين ، أتأذن لي في كلامه ؟ فقال الواثق :
قد أذنتُ لك . فأقبل الشيخ على أحمد ، فقال : يا أحمد إلامَ دعوت
الناس ؟ فقال أحمد : إلى القول بخلق القرآن . فقال له الشيخ : مقالتك
هذه التي دعوت الناس إليها ، من القول بخلق القرآن أداخلة في الدين ،
فلا يكون الدين تَامًّا إلَّا بالقول بها ؟ قال : نعم. قال الشيخ: فرسول الله
عَ لِّ دعا الناس إليها أم تركهم؟ قال: لا . قال له: يعلمُها أم لم يعلمها ؟
قال: عَلِمَهَا. قال: فلمَ دعوتَ إلى ما لم يدعهم رسول الله عَ له إليه،
وتركهم منه ؟ فَأَمْسَك . فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين ، هذه واحدة .
ثم قال له : أخبرني يا أحمد ، قال الله في كتابه العزيز: ﴿اَلْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٣]، فقلتَ أَنت: الدين لا يكون تامًّا
إلّا بمقالتك بخلق القرآن ، فالله تعالى - عز وجل - صدق في تمامه وكماله ، أم
أنت في نقصانك ؟! فَأَمْسَك . فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين ، وهذه ثانية .
ثمَّ قال بعد ساعة : أخبرني يا أحمد ، قال الله عز وجل: ﴿ يَأَيُّهَا
الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّعْتَ رِسَالَتَهُ
الآية [ المائدة: ٦٧ ] ، فمقالتك هذه التي دعوتَ الناس إليها ، فيما بلَّغه
رسول الله عَ لّه إلى الأمّة أم لا؟ فأمسك. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين،
وهذه ثالثة .
ثمَّ قال بعد ساعة: خبِرني يا أحمد، لمّا علم رسول الله عَ ليه مقالتك
التي دعوت الناس إليها ، أَتَّسع له عن أن أمسك عنها أم لا ؟ قال أحمد :
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثالث
١٩٩
بل اتَّسع له ذلك . فقال الشيخ : وكذلك لأبي بكر ، وكذلك لعمر ،
وكذلك لعثمان ، وكذلك لعلي رحمة الله عليهم ؟ قال : نعم . فصرف
وجهه إلى الواثق ، وقال : يا أمير المؤمنين ، إذا لم يتّسع لنا ما اتسع
لرسول الله عَّه ولأصحابه فلا وسَّع الله علينا. فقال الواثق : نعم،
لا وسَّع الله علينا، إذا لم يتسع لنا ما اتسع لرسول الله عَّ له ولأصحابه،
فلا وسع الله علينا . ثمَّ قال الواثق : اقطعوا قيوده ، فلما فُكَّت ، جاذب
عليها . فقال الواثق: دعُوه ، ثم قال: يا شيخ، لِمَ جاذْبْتَ عليها ؟ قال :
لأني عقَدتُّ في نيتي أن أجاذب عليها ، فإذا أخذتُها أوصيتُ أن تُجعل
بين يدَي كفني ، ثمَّ أقول : يا ربي ، سَلْ عبدك: لِمَ قيدني ظلمًا ، وارتاع
بي أهلي ؟ فبكى الواثق ، والشيخ ، وكُلُّ مَنْ حضر . ثمَّ قال له : يا شيخ ،
اجعلني في حِلٍّ . فقال: يا أمير المؤمنين ، ما خرجت من منزلي حتى
جعلتُك في حلٍّ، إعظامًا لرسول الله عَ لّه، ولقرابتك منه. فتهلل وجه
الواثق وسُرَّ . ثمَّ قال له : أَقِمْ عندي آنسُ بك . فقال له : مكاني في الثغر
أنفع ، وأنا شيخ كبير ، ولي حاجة . قال : سَلْ ما بدا لك . قال : يأذن
لي أمير المؤمنين في رجوعي إلى الموضع الذي أخرجني منه هذا الظالم .
قال : قد أذنت لك . وأمر له بجائزة ، فلم يقبلْها .
قال المهتدي : فرجعتُ من ذلك الوقت عن تلك المقالة ، وأحسب -
أيضًا - أن الواثق رجع عنها))(١).
ابن الجوزي والمستضيء بالله :
عبد الرحمن بن الجوزي وعظ المستضيء بالله، فقال له: يا أمير المؤمنين،
(١) الاعتصام ١ / ٣٢٤ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث
٢٠٠
إنّ تكلمتُ خفتُ منك ، وإن سكتُّ خفت عليك . فأنا أُقدِّم خوفي عليك
من خوفي منك ؛ لمحبتي دوامَ أيامِك . وأن أقدم قول القائل : اتق الله .
خيرٌ من قول القائل : إنكم أهل بيت مغفورٌ له . وكان عمر بن الخطاب
يقول : إذا بلغني عن عامل ظالم أنه قد ظلم الرعية ، ولم أغيِّره فأنا الظالم .
يا أمير المؤمنين ، كان يوسف عليه السلام لا يشبع في زمان القحط ؛ لئلا
يَنسى الجياع . وكان عمر يضرب بطنه عامَ الرمادة ويقول : قُرْقِري إن
شئت أوْ لا ، والله ، لا شبعْتِ والمسلمون جياع . فترتب على هذه الموعظة
أن أطلق أمير المؤمنين المستضيء بالله المحابيس ، وتصدق صدقات كثيرة ،
وأشبع الجياع(١).
الغزالي والسلطان محمد بن ملك شاه السلجوقي :
((في كلّ زمان تقتدي الرعية بالسلطان )):
كان مما كتبه الإِمام الغزالي للسلطان محمد بن ملك شاه السلجوقي :
((ويجب أن تعلم أن صلاح الناس في حُسْن سيرة الملك ، فينبغي للملِك
أن ينظر في أمور رعيته ، ويقف على قليلها وكثيرها وعظيمها وحقيرها ،
لا يشارك رعيته في الأفعال المذمومة ، ويجب عليه احترام الصالحين ، وأن
يثبت على الفعل الجميل ، ويمنع من الفعل الرديء الوبيل ، ويعاقب من ارتكاب
القبيح ، ولا يحابي مَنْ أصر على القبيح ؛ ليرغُّب الناس في الخيرات ويحذَّرُوا
من السيئات ، ومتى كان السلطان بلا سياسة وكان لا ينهى المُفْسِد عن
فساده ويتركه على مراده ، أفسد سائر أموره في بلاده . وقال الحكماء :
إن طباع الرعية نتيجة طباع الملك ؛ لأن العوامّ إنما يبخلون ، ويركبون
الفساد ، وتضيق أعينهم اقتداء منهم بمُلوكهم ، فإنهم يتعلمون منهم ،
(١) مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com