النص المفهرس

صفحات 21-40

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢١
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث
الأحوال والأشخاص ، والله أعلم )) .
وعلى الجانب الآخر ، جانب من ذهبوا للكراهة ، نَسْرُد هنا قول
الحافظ الذهبي في السير ، تعليقًا على حديث عبد الله بن عمرو :
((وصحَّ أنَّ رسول الله عَّ ◌ُلِ نَازَلَهُ إلى ثلاثِ ليال، ونهاه أن يقرأه
في أقل من ثلاث ، وهذا كان في الذي نزل من القرآن ، ثم بَعْد هذا القول
نزل ما بقي من القرآن ، فأقُ مراتبِ النهي أنْ تُكْرِه تلاوةُ القرآنِ كله في
أقل من ثلاث ، فما فَقِهَ ولا تدبَّر من تلا في أقل من ذلك ، ولو تلا ورثَّل
في أسبوع ، ولازم ذلك لكان عملًا فاضلًا، فالدِّينُ يُسْرٌ ، فوالله إن تَرْتيل
سُبع القرآن في تهجّد قيامِ الليل ، مع المحافظة على النوافل الراتبة ،
والضُّحى وتحية المسجد ، مع الأذكار المأثورة الثَّابتة ، والقول عند النَّوم
واليقظة ودُبر المكتوبة والسَّحَر ، مع النظر في العلم النافع والاشتغال به
مُخلصًا لله ، مع الأمر بالمعروف وإرشاد الجاهل وتفهيمه ، وزجر الفاسق ،
ونحو ذلك ، مع أداء الفرائض في جماعةٍ بخشوعٍ وطمأنينةٍ وانكسار
وإيمان ، مع أداء الواجب واجتناب الكبائر ، وكثرة الدعاء والاستغفار
والصَّدَقة وصلة الرحم والتواضع والإِخلاص في جميع ذلك - لشغل عظيم
جَسِيم ، ولمقامُ أصحاب اليمين وأولياء الله المتقين ، فإن سائر ذلك مطلوبٌ ،
فمتى تشاغل العبد بختمة في كل يومٍ فقد خالف الحنيفيَّة السَّمْحة ، ولم
يَنْهض بأكثر ما ذكرناه ، ولا تدبر ما يتلوه. هذا السَّيد العابد الصاحب -
يعني عبد الله بن عمرو - كان يقول لمَّا شَاخ : ليتني قبلتُ رخصةً
رسول الله عَ ◌ّله . وكذلك قال له عليه السلام في الصوم ..
وكلُّ من لم يَزُمّ نَفْسَه في تعبُّده وأوراده بالسُّنَّة النَّبوية يَنْدم ويترهَّب
ويسوء مزاجه ، ويفوته خيرٌ كثير من متابعة سنة نبيِّه الَّءوف الرّحيم
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٢
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثالث
بالمؤمنين ، الحريص على نَفْعهم، وما زال عَ لَّمِ معلِّمًا للأمة أَفْضَل الأعمال ،
وآمرًا بِهَجْر التبتل والرَّهْبانية التي لم يُبْعث بها ، فنهى عن سَرْد الصَّوم ،
ونهى عن الوِصَال ، وعن قيام أكثر الليل إلا في العَشْر الأخير ، ونهى عن
العُزْبة للمستطيع ، ونهى عن ترك اللَّحم ، إلى غير ذلك من الأوامر
والنواهي ، فالعابدُ بلا معرفةٍ لكثيرٍ من ذلك معذورٌ مأجور ، والعابدُ العالم
بالآثار المحمدية المتجاوز لها مفضولٌ مغرورٌ ، وأحبُّ الأعمال إلى الله
تعالى أدومها وإن قلّ. أَلْهَمَنَا الله وإِيَّاكم حُسْنَ المتابعة، وجنَّبنا الهوى
والمخالفة))(١).
عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله عَ لمه قال: ((لم يَفقَه
من قرأ القرآن في أقل من ثلاث)) (٢).
قال العلامة ابن رجب الحنبلي: ((وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن
في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك ، فأمَّ في الأوقات المفضّلة
كمكَّة لمن دخلها من غير أهلها ، فُيُستحب الإكثارُ فيها من تلاوة القرآن
اغتنامًا للزمان والمكان ، وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة ،
وعليه يدلُّ عمل غيرهم كما سبق ذكره)) (٣). وكان قد أورد خَتمَ الشافعي
للقرآن ستين مرةً في شهر رمضان ، وختم قتادة للقرآن مرةً كل يوم في
العَشْرِ الأخير ، وختم أبي حنيفة للقرآن في ليلةٍ .
وعن عبد الله بن مسعود قال : من قَرَأْ القرآنَ في أقل من ثلاث فهو
(١) سير أعلام النبلاء ٣ / ٨٤ - ٨٦ .
(٢) حديث حسن صحيح . رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن صحيح ،
وهو كما قال .
(٣) لطائف المعارف لابن رجب صـ ١٩١ - ١٩٢، مؤسسة الرَّيَّان، ودار ابن حزم.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث
٢٣
رَاجِزٌ. وزاد في رواية أبي إسحاق: هذَّا كهذِّ الشِّعْر، ونثرًا كثرِ الدّقل(١).
وعن ابن وهبٍ قال: قيل لمالك: الرّجل المُحْصر يَخْتم القرآن في
ليلة ؟ قال : ما أجودَ ذلك، إن القرآن إمامٌ لكُلِّ خير . قال مالك : ولقد
أخبرني من كان يصلي إلى جنب عمر بن حُسين في رمضان قال : كنتُ
أسمعه يستفتح القرآن في كل ليلة(٢).
قال الإِمام النَّووي رحمه الله: (( ينبغي لحامل القرآن أن يحافظ على
تلاوته ويكثر منه ، ليلًا ونهارًا، سفرًا وحَضَرًا، وقد كانت للسَّلِفِ رضي الله
عنهم عادات مختلفة فيما يختمون فيه القرآن :
فكان جماعةٌ منهم يختمون في كل شهريْن ختمة ، وآخرون في
كل شهرٍ ختمة ، وآخرون في كل عشرٍ ليال ختمة ، وآخرون في كل
ثمانٍ ليال ختمة ، وآخرون في كل سبع ليال ختمة ، وهذا فعل الأكْثرين
من السَّلف . وآخرون في كل ستٍّ ليال ، وآخرون في كل خمس ليالٍ ،
وآخرون في كل أَرْبع ليال ، وكثيرون في كلِّ ثلاث ليال ، وكان كثيرون
يختمون في كل يومٍ وليلة ختمة ، وختم جماعةٌ في كل يوم وليلة
ختمتين ، وآخرون في كل يوم وليلة ثلاث ختمات ، وختم بعضهم في
(١) إسناده لا بأس به : أخرجه عبد الرزاق والطبراني في الكبير ، والبيهقي في الشعب.
(٢) إسناده رجاله ثقات ، أخرجه البيهقي في شعب الإِيمان ٥ / ١٤٧، ويعقوب
الفسوي في المعرفة ١ / ٦٦٥ . والرّجل المُحْصر ؛ إما محصر بالمهملتين، من
أحصره المرضُ إذا منعه من السَّفر ، أو من حاجةٍ يريدها . أو من أُحصر الرجل
ببول أو بغائط ، إذا أمسك عنه . ويجوز أن يكون المُحتَضَر بالضَّاد المعجمةِ ؛
من حَضَرَه الهُمُّ واحتضره وتحضره .
وعمر بن حسين المذكور في الخبر هو عمر بن حُسَين بن عبد الله الجُمحي ،
أبو قدامة المكي ، من رجال مسلم .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٤
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
اليوم والليلة ثماني ختمات ؛ أربعًا في الليل وأربعًا في النهار ، وهذا أكثر
ما بلغنا في اليوم والليلة .
وممن خَتَمَ أربعًا في الليل وأربعًا في النهار : السيد الجليل ابن الكاتب
الصوفي رضي الله عنه ، وهذا أكثر ما بلغنا في اليوم والليلة . وروى السيد
الجليل أحمد الدَّوْرَقي بإسناده عن منصور بن زاذان ، من عبّاد التابعين ،
رضي الله عنه أنه كان يختم القرآن ما بين الظهر والعصر ، ويختمه أيضًا
فيما بين المغرب والعشاء ، ويختمه فيما بين المغرب والعشاء في رمضان
ختمتين وشيئًا ، وكانوا يؤخّرون العشاء من رمضان إلى أن يمضي ربعُ
الليل . وروى ابن أبي داود بإسناده الصحيح أن مجاهدًا رحمه الله كان
يختم القرآن في رمضان فيما بين المغرب والعشاء .
وأما الذين ختموا القرآن في ركعةٍ أو في يوم وليلة فلا يُحصَون
لكثرتهم ؛ فمنهم : عثمان بن عفان ، وتميم الدَّاري ، وسعيد بن جبير ،
ختموا القرآن في ركعة في الكعبة .
ومنهم : مجاهد والشافعي وآخرون ، ختموا القرآن في يوم وليلة .
وعن منصور قال : كان علي الأزدي يختم فيما بين المغرب والعشاء
في كل ليلة من رمضان . وعن إبراهيم بن سعد قال : كان أبي يَحْتبي فما
يحلُّ حَبْوته حتى يختم القرآن .
ومن الذين كانوا يختمون ثلاث ختمات : سليم بن عِثْر رضي الله
عنه ، قاضي مصر في خلافة معاوية رضي الله عنه . وروى ابن أبي داود
أنه كان يختم في الليلة أربع ختمات . وروى أبو عُمر الكندي في كتابه
((قضاة مصر)) أنه كان يختم في الليلة أربع ختمات .
وأما الذين خَتَموا القرآن في أسبوعٍ فكثيرون ؛ نُقل عن عثمان بن
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث
٢٥
عفان ، وعبد الله بن مسعود ، وزيد بن ثابت ، وأُبّ بن كعب رضي الله
عنهم ، وعن جماعة من التابعين ؛ كعبد الرحمن بن يزيد ، وعلقمة ،
وإبراهيم ، رحمهم الله تعالى .
والمُختارُ أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص : فمن كان يَظْهر
له بدقيقِ الفكر لطائف ومعارف ، فليقتصر على قدرٍ يحصل له معه كمال
فهم ما يقرؤه .
وكذا من كان مشغولاً بِنَشْر العلم أو فَصْل الحكومات بين المسلمين ،
أو غيره من مُهمَّات الدين والمصالح العامة للمسلمين ، فليقتصرْ على قدرٍ
لا يَحْصُل بسببه إخلالٌ بما هو مُرْصَدٌ له ولا فْت كماله .
وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليستكثر منه ما أمكنه ، من غير
خروجٍ إلى حدِّ المَلَلِ والهَذْرَمة في القراءة)) (١).
قال ابن حجر في فتح الباري (٨ / ٧١٣): ((قوله : باب في
كم يقرأ القرآن؟ وقول الله تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾ كأنَّه أشار
إلى الردِّ على من قال : أقلّ ما يُجزئ من القراءة في كل يوم وليلة جزءٌ من
أربعين جزءًا من القرآن ، وهو منقول عن إسحاق بن راهويه والحنابلة ؛ لأن
عموم قوله : ﴿ فاقرءوا ما تيسر منه﴾ يشمل أقلّ من ذلك، فمن ادَّعى
التحديد فعليه البيان . وقد أخرج أبو داود من وجهٍ آخر عن عبد الله بن
عمرو: في كم يقرأ القرآن؟ قال: في أربعين يومًا. ثم قال: ((في شهر ... ))
الحديث ، ولا دلالة فيه على المدَّعِى)).
(١) التبيان في آداب حملة القرآن للنووي صـ ١١ - ١٢، والأذكار للنووي صـ ٩٥ -
٩٦ ٠
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٦
صلاح الأمة في عَلْوَ الهمة - المجلد الثالث
((فإنْ قلتَ : بعضُ المجاهدات مما لا يُعْقل وقوعها ، كثمانٍ ختمات
في يوم وليلة ، وكأداء ألف ركعةٍ في ليلة ونحو ذلك ؟!
قلتُ : وقوعُ مثل هذا ، وإن استُبْعد من العَوام ، لكن لا يُستبعَدُ
ذلك من أهل الله تعالى؛ فإنهم أُعطوا من ربهم قوةً مَلكِيَّة ، وصلوا بها إلى
هذه الصفات ، لا يُنكره إلا مَنْ يُنكر صدور الكراماتِ وخوارق العادات .
وإنَّ الذَّاكرين لهذه المناقب ليسوا ممن لا يُعتمد عليه ، أو ممن
لا يكون حُجَّة في النَّقل ، بل هم أئمةُ الإِسلام وعُمدُ الأنام ، الذين يُرجع
إلى أقوالهم في المهمات ، وتُجعل أخبارهم من القَطعيَّات ؛ كأبي نُعيم
وابن كثير والسَّمْعاني وابن حجر المكي وابن حجر العَسْقلاني والسيوطي
وعلي القاري وشمس الأئمة الكردري والنووي وشيخ الإِسلام الذهبي ومن
يحذو حذوهم .
أَفْتَرى هؤلاء قد اعتمدوا على نقل ما ينقله أرباب الكذب ؟! كلًّا
والله ، هم أئمة محتاطون ، لا يُنَاقَشون فيما يكتبون ، فإن شككتَ في
ذلك فارجع إلى الطبقات ينكشف لك أحوال صدقِ هؤلاء الثقات .
وإن اعتُبر مثل هذا الشَّك، ارتفع الأمان عن كتب التواريخ وأسماء
الرجال ، فإنهم غالبًا يكتبون ما يكتبون في تراجم العلماء بغير سندٍ مسلسل ،
بل بالاختصار والإِرسال ، فإن شكَّ في ذلك شاكٌّ عُلم قطعًا أنه متعصب ،
خارجٌ عن حدِّ الخطاب، لا يليق معه إلا الَّجْرِ والعتاب))(١).
(١) إقامة الحجة على أنَّ الإكثار في التَّعبد ليس ببدعة ، لأبي الحسنات اللكنوي ،
صـ ١٠١ - ١٠٣ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
٢٧
آدَابُ التِلاوَة
ومن علو الهمة في التلاوة ، مراعاة آدابها الظاهرة والباطنة :
ومن الآداب الظاهرة :
استحباب الوضوء ، واستقبال القبلة ، والتَّرتيل ، والبكاء ، قال تعالى :
ويُخُرُّون للأَذْقَان بَيْكُونَ وَيَزِيدُهُم ◌ُشُوعًا ﴾ [ الإسراء: ١٠٩]، ومراعاة
حقِّ الآيات ؛ فإذا مَرَّ بآيةِ سجدةٍ سجد ، والتَّعَوذ في مبتدأ قراءته ، وتحسين
القراءة؛ قال عَّم: ((ما أذِنَ الله لشيءٍ ما أُذن لنبِيّ يتغنّى بالقرآن)) متفق
عليه من حديث أبي هريرة ، وزاد مسلم: (( لنبِّ حسن الصوت )) ، وفي
رواية له : (( كإذنه لنبي يتغنّى بالقرآن )).
وقوله عَّله: ((ليس مِنَّا من لم يَتَغَنَّ بالقرآن)) (١).
وقوله عَّ ◌ُله: ((أَحْسَنُ الناس قراءة الذي إذا قرأ رأيتَ أنه يخشى الله))(٢).
وقوله عَّه: ((إن من أحسن النَّاس صوتًا بالقرآن الذي إذا سمعته
يقرأ رأيتَ أنه يخشى الله))(٣).
أما الآداب الباطنة فهي عَشْرة :
(١) فَهْم أصلِ الكلام .
(٢) التَّعْظيم .
(٣) حُضُور القلب .
(٥) التَّفهم .
(٤) التَّدُبُر .
(٦) التَّخلي عن موانع الفهم .
(١) رواه البخاري عن أبي هريرة ، وأحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم عن عائشة .
(٢) صحيح : رواه محمد بن نصر في الصلاة ، والبيهقي في شعب الإيمان والخطيب
عن ابن عباس ، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (١٩٤) .
(٣) صحيح : رواه ابن ماجه عن جابر ، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم
(٢٢٠٢) .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٨
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
(٧) التَّخصيص .
(٩) التَّرقي .
(٨) التَّثْرِ .
(١٠) التَّبُرُوِ .
فالأول : فهم أصل الكلام :
فهم عظمة الكلام وعلوّه ، وفضل الله سبحانه وتعالى ولطفه بخلقه ،
وإفهامه كلامه لهم، وتيسير القرآن للذكر ، ولولا لُطْفُ الله بعباده لَمَا ثبت
لسماع الكلام ، وهو من صفاته ، عرشٌ ولا ثَرِّى ، ولتلاشى ما بينهما من
عظمة سلطانه ، ولولا تثبيت الله لموسى عليه السلام لما أطاق سماع كلامه ،
كما لم يُطق الجبل مبادي تجلِّيه، حيث صار دَكًّا .
والثاني : التَّعْظِيم للمتكلِّم :
فالقارئ عند البداية بتلاوة القرآن ينبغي أن يُخْضر في قلبه عظمة
المتكلم ، ويَعْلم أن ما يقرؤه ليس من كلام البشر ، وأنَّ في تلاوة كلام الله
غاية الخطر ﴿لا يَمَسُّه إلَّ المُطَهِّرُونَ﴾ [ الواقعة: ٧٩]، وكما أنَّ ظاهر
جِلْدِ المصحف وورَقه محروسٌ عن ظاهر بَشّرة اللَّامس إلا إذا كان متطهّرًا ،
فباطنُ معناه أيضًا بحُكْم ◌ِزِّه وجلاله محجوبٌ عن باطن القلب إلا إذا كان
متطهِّرًا عَن كلِّ رِجسٍ ، ومستنيرا بنورِ التعظيم والتوقير ، وكما لا يصلح لمسِّ
جلدِ المصحف كلُّ يدٍ ، فلا يصلح لِنَيْل معانيه كلُّ قلب ، ولمثل هذا التعظيم
كان عكرمة بن أبي جهل إذا نشر المصحف وضعه على وجهه وقال : كتاب
ربي ، کتاب ربي .
فتعظيم الكلام تعظيمُ المتكلم ، ولن تحضره عظمةُ المتكلم ما لم يتفكّر
في صفاته وجلاله وأفعاله ، فبالتفكّر في جلاله وصفاته وأفعاله يَحْضر تعظيمُ
المتكلم ثم تعظيم الكلام .
قال مالك بن دينار : إن الصِّدِّيقين إذا تُليت عليهم آياتُ الرحمن
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
٢٩
طربت قلوبهم واشتاقت إلى ما عنده، ثم يقول: ((اسمعوا إلى ما يقول
الصَّادق من فوق عرشه)) ثم يبدأ في التلاوة .
الثالث : حُضُور القلب وتّرْك حديث النَّفْس :
قيل لبعْضهم : إذا قرأتَ القرآن تحدّث نفسك بشيءٍ ؟ فقال : أوَ شيء
أحبُّ إلَّي من القرآن حتى أحدِّثَ به نفسي ؟! وكان بعض السَّلف إذا قرأ
آية لم يكن قلبه فيها أعادها ثانية .
وهذه الصفة تتولّد عمَّا قبلها من التعظيم ؛ فإن المعظِّم للكلام الذي
يتلوه ويَسْتَبْشِر به ويستأنس ، لا يغفل عنه ؛ ففي القرآن ما يَسْتأنس به
القلب ، إن كان التالي أهلًا له ، فكيف يطلب الأُنس بالفِكْر في غيره وهو
في مُتَنَزَّه ومتفرّج، والذي يتفَّج في المتنزهات لا يتفكر في غيرها ؟ قال
الفضيل بن عياض : كفى بالله مُحبًّا، وبالقرآن مؤنسًا، وبالموت واعظًا ،
أنَّخذِ الله صاحبًا ، وَدَعِ الناس جانبًا .
وقال : من لم يَسْتأنس بالقرآن فلا أَنَّس اللهُ وحشته .
وقيل لذي النّون : ما الأُنْس بالله ؟ قال : العلم والقرآن .
وأَبحتُ جسْمِي مَنْ أَرادَ جُلوسي
وَلَقَدْ جعلتُكَ في الفُؤَادِ مُحدِّثي
وحبيبُ قَلبي في الفؤادِ أنيسي
فَالْجِسْمُ مِنِّي للجَلِيسِ مُؤانسٌ
وقال محمد بن واسع : القرآنُ بستانُ العارفين ، فأينما حلّوا منه حلّوا
في رياضٍ نضرة .
و کم في القرآن من میادین وبساتین ومقاصیر وعرائس وَ دَیابیچ وریاضٍ
وخاناتٍ ، فإذا دخل القارئ الميادين ، وقطف من البساتين ، ودخل المقاصير ،
وشهد العرائس ، ولبس الدَّيابيج ، وتَنَزَّه في الرياض ، وسكن غرف الخانات -
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٠
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث
استغرقه ذلك ، وشغله عما سواه فلم يعزب قلبه ، ولم يتفَرَّق فكره .
الرابع : التَّدبُّر :
وهو وراء حضور القلب ؛ فإنه قد لا يتفكّر في غير القرآن ، ولكنه
يقتصر على سماع القرآن من نفسه وهو لا يتدبره .
وقد قام رسول الله عَ لّم بآية يردّدُها: ﴿إِن تُعذِّبْهِمْ فإنَّهم عِبَادُكَ
وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُم فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [ المائدة: ١١٨].
وقام تميم الداري ليلةً بهذه الآية : ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا
السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سواءً مَحْيَاهُمْ ومَمَاتُهم
سَاءَ مَا يَحْكُمونَ ﴾ [ الجاثية: ٢١ ].
وقام سعيد بن جبير ليلة يردِّد هذه الآية: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا
المُجْرِمُونَ ﴾ [ يس : ٥٩ ].
ومحمد بن المنكدر يسأله أبو حازم عن البكاء طيلةَ ليلِهِ ، فيقول :
آيةٌ من كتاب الله أبكتني: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبون
[ الزمر : ٤٧ ] .
وقال بعضهم : إني لأُفتتح السُّورة فيوقفني بعضُ ما أَشْهَد فيها عن
الفَرَاغ منها حتى يطلع الفجر .
وكان بعضهم يقول : آيَةٌ لا أتفهَّمُهَا ، ولا يكون قلبي فيها ، لا أعدّ
لها ثوابًا .
ويقول أبو سليمان الدَّاراني : إني لأتلو الآية فأقيم فيها أربع ليالٍ أو
خمس ليال ، ولولا أني أقطع الفكر فيها ما جاوزتها إلى غيرها .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣١
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث
قال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْقَالُهَا
[ محمد : ٢٤ ] .
الخامس : التَّفهم :
قال أبو تراب النخشبي :
وَمِنَ الدَّلَائِلِ أَنْ يُرَى مُتَفَهِّمًا
لكلامٍ مَنْ يَحْطَّى لَدَيْهِ السَّائِلُ(١)
فيستوضح من كل آيةٍ ما يليق بها ؛ إذ القرآن يشتمل على ذِكْرٍ
صفات الله عز وجل ، وذكر أفعاله ، وذكر أحوال الأنبياء ، وذكر أحوال
المُكذِّبين ، وَذِكْرٍ الأوامر والزّواجر ، وذكر الجنة والنار .
ومن أراد علم الأَوَّلين والآخرين فليتَوِّر القرآن . وأعظمُ علوم القرآن
تَحْتَ أسماء الله عز وجل وصفاته ؛ إذْ لم يدرك أكثر الخلقِ منها إلَّا أمورًا
لائقةً بأفهامهم ، ولم يَعْثروا على أغْوارها .
السادس : التخلّي عن مَوَانِعِ الفَهْم :
فإن أكثر الناس مُنِعوا عن فهمِ معاني القرآن ؛ لأسباب وحُجُبٍ
أَسْدَلَهَا الشيطانُ على قلوبهم ، فعميت عليهم عجائبُ أسرارِ القرآن .
وحُجُب الفَهْم ثلاثة :
أولها : أن يكون الهَمُّ منصرفًا إلى تحقيق الحروف فقط ، فأنَّى تنكشف
له المعاني .
ثانيها : أن يكون مقلِّدًا لمذهب سمعه بالتقليد .
ثالثها : أنْ يكون مُصِّا على ذنبٍ أو متّصفًا بكبرٍ أو مبتلى بهوَّى في
(١) صفة الصفوة ٤ / ١٧٢ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٢
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث
الدنيا مطاع ، فُيُخْرم بركة الانتفاع بالوحي وفهم القرآن ، فالإِنابة شرط
في الفهم والتذكير ، قال تعالى: ﴿ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّ مَنْ يُنِيبُ ﴾ [ غافر: ١٣ ]،
وقال تعالى: ﴿ تبصرةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾ [ قَ: ٨].
السابع : التَّخْصيص :
وهو أن يُقَدِّرْ أنه المقصود بكلِّ خطاب في القرآن ، فإنْ سمع أمرًا
أو نهيًّا قدَّر أنه المنهي والمأمور، وإنْ سمع وَعْدًا أو وعيدًا فكمثل ذلك ،
وإن سمع قَصَصَ الأَوَّلين علم أن السَّمر غير مقصودٍ وإنما الاعتبار ، فهذا
القارئ الواحد مقصود ، فما له ولسائر الناس فليقدِّر أنه المقصود .
قال محمد بن كعب القرظي : من بَلَغَه القرآنُ فكأنَّما كلَّمه الله .
قال بعض العلماء : هذا القرآن رسائلُ أتتنا من قِبَلِ ربِّنا عز وجل
بعهوده ، نتدبَّرها في الصلوات، ونقفُ عليها في الخَلَوات، ونُنفِّذُهَا في
الطاعات والسنن المُتَّبَعات .
وكان مالك بن دينار يقول : يا أصحاب السورة ، ويا أصحاب
السورتين ، يا حملة القرآن ، ماذا غَرَسَ القرآنُ في قلوبكم ؛ إن القرآن ربيع
قلب المؤمن ، كما أنَّ الغَيْثَ ربيعُ الأرض ، إن الغيث قد ينزل على الحَبَّة في
الحُشِّ ما يمنعه نَتَن موضعها من أن تثمر ، فماذا غرس القرآن في قلوبكم .
وقال قتادة : لم يجالس أحدٌ هذا القرآن إلا قام بزيادةٍ أو نقصان، قال
تعالى: ﴿هو شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ للمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾
[ الإسراء : ٨٢ ] .
الثامن : التَّأْثُر :
وهو أن يتأثّر قلبه بآثارٍ مختلفة بحسب اختلاف الآيات ، فيكون له
بحسب كلِّ فهم حالٌ ووَجْد يَتَّصف به قلبه من الخوف والرجاء .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٣
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث
قال الحسن : والله ما أَصْبَحَ اليوم عبدٌ يتلو القرآن يؤمن به إلا كَثُرَ
حُزْنُه ، وقلَّ فرحه ، وكثر بكاؤه ، وقلّ ضحكه ، وكثر نصبه وشغله ،
وقلَّت راحته وبطالته .
وقال طبيب القلوب وهيب بن الورد : نظرنا في هذه الأحاديث
والمواعظ فلم نجد شيئًا أرقَّ للقلوب ، ولا أشدَّ استجلابًا للحزن من قراءة
القرآن وتفهُّمِه وتدُبُّره . فرحم الله أقوامًا كانوا إذا مُرُوا بآية فيها ذِكْرٌ للنار
فكأنَّ زَفِيرها في آذانهم .
مُقَلَ العُيونِ بِلَيْلِهَا لَا تَهْجَعُ
مَنَعَ القُرَانُ بِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ
فَهْمًا تَذِلُّ لَه الرِّقَابُ وَتَخْضَعُ
فَهِمُوا عن المَلِكِ الجَلِيلِ كَلَامَه
وإذا مُرُوا بآية فيها ذِكْرٌ للجنَّة فكأنَّهم فيها مُنْعَّمين ، وطربتْ قلوبُهم
لنعيمها ، وَتَنْبعث بواطنُهم شوقًا إليها . ومن الصالحين مَنْ مات من سماعٍ
آياتِ العذاب ؛ كعلّ بن الفضيل وزرارة بن أبي أوفى ، وغيرهما كثير .
قال ابن أبي الحواري : إني لأعجب لقُرَّاء القرآن ، كيف يُهِنِّيهم النوم
ومعهم القرآن، أما والله لو علموا ما حَمَلوا لطار عنهم النوم فرحًا بما رزقوا .
وسُئل : رجلٌ ينامُ ومعه القرآن ؟ قال : ذاك رجل يتوسَّد القرآن .
ومن لا يتأثر بالقرآن يكون له نصيبٌ من هذه الآية : ﴿ وَمِنْهُمْ
أُمَُّّونَ لَا يَعْلَمُونَ الكِتَابَ إِلَّا أمَانِي﴾ [ البقرة: ٧٨ ]؛ أي تلاوةً مجرّدة . أمَّا
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَتْلُونَه
أهُلُ العلم بالله فَهُمُ الَّذِينَ قال الله فيهم :
حَقَّ تَلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ... ﴾ [ البقرة: ١٢١ |٠
فتلاوة القرآن حَقّ تلاوتِهِ هو أن يَشْترك فيه اللِّسان والعقل والقلب ،
فحظُّ اللسان تصحيح الحروف ، وحظّ العقل تفسير المعاني ، وحظُّ القلب
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٤
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث
الانِّعاظ والتأثر بالانْزِجَار والائْتِمَار ، فاللسان يُرتِّل ، والعقل يترجمُ ، والقلب
يَتَّعظ .
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أُنْ تَحْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ
الحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْل فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأُمَدُ فَقَسَتْ
قُلُوبُهمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُم فَاسِقُونَ ﴾ [الحديد: ١٦].
وقال تعالى: ﴿لَوْ أُنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا
مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
[ الحشر: ٢١ ] .
التاسع : التَّرقِّيْ :
والمرادُ به أن يترقَّى؛ حتى كأنَّه يَسْمعه من ربِّه لا من نفسه ،
فدرجات القراءة ثلاث :
أدناها : أن يُقدِّر العبدُ كأَنَّه يَقْرؤه على الله عز وجل ، واقفًا بين
يَدَيْه ، وهو ناظر إليه ومستمع منه ، فيكونُ حالُه عند هذا التقدير السؤالَ
والتملُّق والتَّضُرُّع والابتهال .
الثانية : أَنْ يَشْهَد بِقَلْبِه كأنَّ الله عز وجل يراه ويخاطبه بأَلْطافه ،
ويناجيه بإِنْعامه وإحسانه ، فمقامه مقامُ الحياءِ والتَّعظيم والإِصغاءِ والفَهْم .
والثالثة : أن يَرَى في الكَلام المُتكلِّمَ وفي الكلماتِ الصِّفات ، فيكون
مقصورَ الهُمِّ على المتكلم ، فهذه درجة المقرّبين .
وقد قال كعب : عَلَيْكُمْ بالقرآن ؛ فإنه فَهْم العقل ، ونُور الحكمة ،
وأَحْدَثُ الكتب بالرحمن ، لقد كان رسول الله عَ لِّ يتَقَّى المطَرَ بِثَوْبِه،
ولَمَّا يُسأل عن ذلك يقول: «إنه حَديثُ عهدٍ بربه)) فما ظَنُّكم بالقرآن ...
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٥
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
فليست كل التلاوة واحدة، وإلَّا فما معنى قول رسول الله عَ ◌ّةٍ: ((من
أحبَّ أن يقرأ القرآن غَضَّأ كما أُنزل فليقرأ على قراءةٍ ابن أمِّ عبدٍ))(١).
يعني عبد الله بن مسعود .
قال بعض الحكماء : كنت أقرأ القرآن فلا أُجد له حلاوةً ، حتى
تلوثُه كأني أسمعه من رسول الله عَ لّه يتلوه. على أصحابه، ثم رُفعتُ إلى
مقامٍ فوقه كأني أسمعه من جبريل عليه السلام يُلقيه على رسول الله عَ اله ،
ثم جاء اللهُ بمنزلةٍ أخرى كأني أسمعه من المتكلِّم به ، فعندها وجدتُ
له لذَّةً ونعيمًا لا أصبر عليه .
قال عثمان بن عفان: لو طَهُرَتْ قلوبُكم ما شَبِعْتم من كلام ربِّكم .
وقال ثابت البناني : كابدتُ القرآن عشرين سنةً ، وتنعَّمْتُ به عشرين
سنة .
العاشر : التَّبُرُوِ :
فيتبرّأْ مِنْ حَولْهِ وقوَّته والالتفات إلى نفسه بعينِ الرِّضا والتّزكية ، فإذا
تلا آيات الوعد والمدح للصالحين فلا يشهد نَّفْسَه عند ذلك ، بل يَشْهَد
المُوقنين والمُصدِّقين ، ويتشوَّف إلى أن يُلْحقه اللهُ عزَّ وجلّ بهم ، وإذا تلا
آيات المَفْت وذمِّ العصاة والمقصِّرين شهد على نفسه هناك، وَقَدَّرَ أنه
المُخاطَب خوفًا وإشفاقًا .
قيل ليوسف بن أسباط : إذا قرأت القرآن بماذا تدعو ؟ قال : بماذا
أدعو ! أستغفر اللهَ من تَقْصِيري سبعين مرة ، وكان يقول: اللهم لا تَمْقُتْنَا .
(١) صحيح : رواه أحمد وابن ماجه والحاكم عن أبي بكر وعمر ، ورواه البخاري
في التاريخ عنهما ، وابن سعد عن ابن مسعود والحاكم عن عمار ، وصححه
الألباني في صحيح الجامع رقم (٥٩٦١) .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٦
صلاح الأمة في عُلُمَّ الهمة - المجلد الثالث
قال عَّ ◌َلَّه: ((مَنْ قَرَأْ بمائة آيةٍ في ليلة كُتب له قنوت ليلة))(١).
قال أبو سليمان الدَّاراني : ربما أقمتُ في الآية الواحدة خمسَ ليالٍ ،
ولولا أني أَدعُ الفِكْرَ فيها ما جُزْتها أبدًا، ولربَّما جاءتِ الآية من القرآن
فيطيرُ العقلُ، فسبحان الذي يَردُّه(٢).
وقال عَّ لَه: ((إذا قام صاحبُ القرآنِ فقرأه بالليل والنهار ذَكَره ،
وإن لم يقمّ به نسيه ))(٣).
قال زهير البابي: ((إن الله عبادًا ذكروه ، فخرجت نفوسهم إعظامًا
واشتياقًا ، وقومٌ ذكروه فوجلت قلوبهم فَرَقًا وهيبةً ، وآخرون ذكروه في
الشّتاء فارفضُّوا عرقًا من خوفه ، وقوم ذكروه فحالت ألوانُهم غَيّرًا ، وقوم
ذكروه فجفتْ أُعينُهم سَهَرًا)) ... يَتْلُون كتاب الله بشفاهٍ ذابلة ، ودموع
وابلة ، وَزَفَرات قاتلة ، وأجسام نَاحلة ، وخواطر في عظمتهِ جائلة .
عَمِيَ أحدُ العُبَّاد ؛ فكان إذا قرأ في المُصْحف عاد إليه بَصَرُهُ .
قال مالك بن دينار : ما تنعَّمَ المتنعِّمونَ بمثل ذِكْرِ الله .
نعم .. إذا سَئِمَ البَطَّلون من بطالتهم فَلَن يَسْأُم مُحِبُّوك من ذكرك
ومناجاتك ... وأَهُ الليل والذِّكر في ليلهم ألذُّ من أهل اللهو بِلَّهْوهم .
(١) صحيح : رواه أحمد والنسائي عن تميم ، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم
(٦٤٦٨) .
(٢) صفة الصفوة لابن الجوزي ٤ / ٢٣٢ .
(٣) صحيح : أخرجه ابن نصر في قيام الليل عن ابن عمر ، وصححه الألباني في
الصحيحة رقم ٥٩٧ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
.

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث
٣٧
صِّىالله
علوساءِ :
وهاك نعیمهم وهذه جَنَّتهم وبساتینھم ، نبدأ بسيِّدهم وإمامهم
O رسول الله عَ ◌ّ سَيِّدُ الذَّاكِرِين °
قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله عَ لّه يَذكر الله تعالى
على كل أُخْيانه . رواه مسلم .
(( ولم تَسْتَثْنِ حالةً من حالةٍ ، وهذا يدلُّ على أنه كان يذكر ربَّه -
تعالى - في حال طهارته وجنابته .
وأما حال التَّخلِّي، فلم يكن يشاهده أحدٌ يُحكى عنه، ولكن شَرَع
لأَمَّتِهِ من الأذكار قبل التخلِّي وبعده ما يدل على مزيد الاعتناء بالذِّكر ، وأنه
لا يخلُّ به عند قضاء الحاجة وبعدها ، وكذلك شَرَعَ للأمَّة من الذكر عند
الجماع أن يقول أحدهم: ((اللهم جَنّْنَا الشيطانَ، وجَنِّب الشيطان ما
رزقْتَنَا))(١).
وأما عند نَفْسِ قضاء الحاجة وجِماع الأهل ، فلا ريبَ أنَّه لا يُكْرَه
بالقلب ؛ لأنه لا بدّ لقلبه من ذِكرٍ ، ولا يمكنه صَرْف قلبه عن ذكرٍ مَنْ
هو أحبُّ شيءٍ إليه، فلو كَلَّفَ القلبَ نسيانه ؛ لكان تكليفه بالمحال ، كما
قال القائل :
◌ُرَادُ من القَلْبِ نِسْیَانِكُمْ
وَتَأْبِى الطِّبَاعُ على النَّقِلِ
فأما الذِّكْر باللسان على هذه الحالةِ ؛ فليس ممَّا شُرِعَ لنا ، ولا نَدَبَنَا
إليه رسول الله عَ ◌ٍّ ولا نُقِلَ عن أحدٍ من الصحابة رضي الله عنهم .
ويكفي في هذه الحال استشعار الحياء والمراقبة والنعمة عليه في هذه
(١) أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٨
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث
الحالة ، وهي من أجلِّ الذكر . فَذِكْر كلِّ حالٍ بحسب ما يليق بها))(١).
أما القرآن .. فما قام أحدٌ به قيام رسولنا عَّ له .. وما تدبَّره أحدٌ
تدُبُّر رسولنا عَ ◌ّه .. وما بكى أحدٌ من تلاوتهِ أو استماعِهِ ما بكى سَيِّدُ
الخائفين .. أما قال لابن مسعود: ((اقرأْ علَّي، فإني أُحبُّ أن أستمعه من
غيري)) ... وينظر ابنُ مسعود فإذا وجه الكريم عَ ◌ّـ قد بلّلَتْه الدموع.
وَفِيْنَا رسولُ اللهِ يَتْلو كِتَابَهُ إِذَا انْشَقَّ مَعْرِوٌ من الفَجْرِ سَاطِعُ
صلى الله عليه وسلم قَدْرَ ما ذكره الذَّاكِرونَ .
أُبُّ بن كَعْبٍ سَيِّد القُرَّاءِ :
عن أنس بن مالك قال : لما نَزَلت ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ
الكِتَابِ والمُشْرِكِينَ ... ﴾ [ البيّة: ١] قال رسول الله عَّم لأُبِيّ بن كعب:
((إِنَّ الله أمرني أن أقرأ عليك)) قال: وذكرني؟ قال: ((نعم)) فبكى أُبِّ(٢).
وفي رواية: أَوَذُكرت فيما هنالك؟ قال النبي عَّةٍ: ((نعم)).
قال : فبكى أُبِّ(٣).
هذا والله السُّؤدد ، وهذا والله الشَّرف .
عن عبد الرحمن بن أَبْزى عن أبّ بن كعب قال : قال النبي عَيِّ:
((أُنزلت علَّي سورةٌ وأردتُ أن أُقرِئَكَهَا)) قلت: أَسُمِّيتُ لك ؟ قال :
((نعم)). فقلتُ لأبي: أَفَرِحْتَ بذلك يا أبا المنذر؟ قال : وما
(١) الوابل الصيب صـ ١٢٨ - ١٢٩.
(٢) أخرجه البخاري ومسلم وأبو يعلى وأبو نُعيم وأحمد وابن سعد والبغوي في شرح
السُّنة .
(٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه والنسائي في ((فضائل القرآن)) وأحمد .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
٣٩
يمنعني، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ... ﴾(١
الآية [ يونس : ٥٨ ] .
وَصَحَّ من طرقٍ عن أنس بن مالك أن رسول الله عَ لِّ قال: ((أَرْحَمُ
أمتي أبو بكر ... وأقرؤهم أتّ ... ))(٢).
قال الذهبي في (( معرفة القُراء الكبار)): أُبُّ بن كعب أَقْرَأُ من أبي بكر
ومن عمر .
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله عَ ليه كان
يقول: ((استقرئوا القرآنَ من أربعة: عبد الله بن مسعود، وسالم مولى
أبي حُذيفة، ومعاذ بن جبل ، وأُبِّ بن كعب))(٣).
وعن أبي قلابة عن أبي المهلب قال : كان أبّ يختم القرآنَ في ثمانٍ .
قال الذهبي : إسناده صحيح .
وقال له النبي عَ ◌ّهِ: ((لِيَهْنِكَ العِلْمُ أَبَا المُنْذر)).
وقال عمر رضي الله عنه يوم موت أبّ : اليوم مات سَيِّد المُسْلمين .
ذو النُّورَيْنِ عُثمان بن عَقَّان :
(( قال عبد الرحمن الثَّيمي: لأُغْلبنَّ الليلةَ على المقام ، قال : فلما
صلَّيتُ العَتَمَة تخلَّصتُ إلى المقام حتى قُمتُ فيه ، فبينا أنا قائم إذا رجل وضع
(١) إسناده حسن: رواه أحمد والبيهقي في ((الشعب)) والبخاري في (( خلق أفعال
العباد )) وابن أبي شيبة في المصنّف، وأبو نعيم في (( الحِلْية)).
(٢) صحيح : رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد والبغوي، وصحَّحه ابن حبان والحاكم
والطحاوي في المُشْكل ، وأبو نعيم والطيالسي وابن سعد .
(٣) رواه البخاري والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وأبو نُعيم .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٠
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثالث
يده بين كَتِفِّ ، فإذا هو عثمان بن عفان فبدأ بأمِّ القرآن ، فقرأ حتى ختم
القرآن فركع وسجد ، ثم أخذ نَعْليه ، فلا أدري أصلَّى قبل ذلك شيئًا أمْ
لا))(١).
((كان رضي الله عنه يقرأ القرآن في ركعةٍ، ثم يُوتر بها)) (٢).
وعن ابن سيرين قال : قالت امرأة عثمان حين قُتل : لَقَدْ قتلتموه ،
وإنه ليُحْيِي الليلَ كلَّه بالقرآن في ركعة(٣).
قال الحافظ ابن كثير : ((وقد رُوي من غَيْرِ وجهٍ أنه صلَّى بالقرآن
العظيم في ركعة واحدةٍ عند الحَجَر الأسود ، أيام الحج ، وقد كان هذا
من دأبه رضي الله عنه ، ولهذا رَوَيْنَا عن ابن عمر أنه قال في قوله تعالى :
أَمَّنْ هو قَانِتْ آنَاءَ الليلِ سَاجِدًا وَقَائمًا يَحْذَرُ الآخرة وَيَرْجُو رحمةً
ربِّه﴾ [ الزمر: ٩] قال: هو عثمان بن عفان)).
وقال فيه حسان بن ثابت :
يُقَطِّعُ الليلَ تَسْبِيحًا وقُرآنًا
ضخَّوْا بأَشْمطَ عُنْوانُ السُّجود به
قال النووي في ((التبيان)) (٥٥): ((فَمِن الَّذين كانوا يختمون الختمة
في اليوم والليلة : عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وتَميم الداريّ ، وسعيد
ابن جبير ، ومجاهد ، والشَّافعي، وآخرون)).
(١) الحلية ١ / ١٥٦ .
(٢) إسناده صحيح: أخرجه الطحاوي والبيهقي ٣ / ٢٥، وابن أبي داود، وصحّح
إسناده الشيخ شعيب الأرناؤوط ، والشيخ زهير الشاويش في تحقيق شرح السنة
٤ /٤٩٩ .
(٣) الزهد صـ ١٢٧ لأحمد بن حنبل .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com