النص المفهرس

صفحات 261-280

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٦١
علو الهمة في استكمال الإيمان
المسبوقون ..
لکن السبق للإیمان له ضریبة لا بد أن يدفعها هذا السابق راضیًا .. إنه
سابق للانتماء والالتزام ولهذا ينقم منه الكفار، وإنه الرافع لراية الإيمان
ولواء الإسلام ولهذا توجه السهام إليه لإسقاط الراية، وإنه الذي يفتح
الباب في طريق الإيمان والجنة، ويعلن بدء السباق، ويريد الآخرون
إغلاق الباب وسد الطريق ولهذا يهاجمونه ويكيدون له .. إنه سيواجَه
بأشرس وأعتى معركة وقتال وإيذاء من أعداء الحق .. ولكن تمتعه بلذة
السباق، وتذوقه لحلاوة الإيمان، وتوكله على الله، ونظره للدرجات
الرفيعة في الجنة، واستعلاءه بالإيمان، واستهانته بالدنيا، كل هذا زاد له
للمجاهدة والثبات والانتصار، واستمرار السير صعدًا نحو الجنة ..
هذه طريق الإيمان فأين السائرون؟ وهذا ميدان السباق فأين
المتسابقون؟ وهاهم قد بدأوا السباق فأين المفردون؟؟
• عن أبي هريرة قالعنه أن رسول الله وَ هر قال: ((سيروا، هذا جَمَدَان،
سبق المفردون)). قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: ((الذاكرون الله
كثيرًا والذاكرات .. ))(١)، (٢)
استعلاء الإيمان (٣) وعلو همة المؤمنين الكرام:
الإيمان حقيقة يقينية قاطعة، وقوة مؤثرة عجيبة، وهو أساس الخير،
ومنبع العزة، ومصدر الكرامة، لا توجد العزة إلّا معه، ولا تتولد الكرامة
(١) رواه أحمد، ومسلم.
(٢) ((في ظلال الإيمان)) (٢١٤ - ٢١٦).
(٣) انظر: ((في ظلال الإيمان)) (ص ٢٢٧ - ٢٣٢).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٦٢
صلاح الأمة في علو الهمة
إلّا منه، ولا تعيش الأنفة والجرأة والشجاعة إلّ في ظلاله ..
الإيمان الرباني القرآني، الفاعل الحي المؤثر، يمنح صاحبه الكثير،
ويقدم له الكثير، ويكسبه ويضفي عليه الكثير من الصفات الحية،
والسمَات الطيبة، والمعاني الإيجابية ..
الإيمان يمنح صاحبه شعورًا غامرًا بالعزة والكرامة، والأنفة
والشجاعة، والجرأة والإقدام، والحرية والإباء والاستعلاء.
واستعلاء الإيمان عظيم، يعيش به صاحبه حياته على منهج الله،
وينطلق به في حياته، ويواجه به أعداءه، ويثبت به على طريق الله .. إنه
باستعلاء الإيمان يعيش، وبه يتحرك، وبه يحيا، وبه يجاهد، وبه يفاصل،
وبه يثبت، وبه ينتصر، وبه يستشهد، وبه يغادر هذه الحياة، وبه يلقى الله ..
إن استعلاء الإيمان هو السر في حياة المؤمنين، وفي جهاد المجاهدین،
وفي ثبات الثابتين، وفي حرية الأحرار، وكرامة الكرماء، وعزة الأعزاء ..
وفي دعوة الدعاة، وفي مفاصلة الجاهليين، وفي السير مع المؤمنين، وفي
انتصار المنتصرين ..
* وقد دعانا الله في كتابه الکریم إلی أن نعيش استعلاء الإيمان في كل
لحظة من حياتنا حتى نحقق ما يريده بنا ومنا وفينا .. قال تعالى: ﴿ وَلَا
تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم ◌ُؤْ مِنِينَ (٦) إِن يَمْسَسْكُمْ فَرْجُ فَقَدْ
مَسَّ الْقَوْمَ قَرْعُ مِثْلُهُ، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَآءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الَّلِينَ ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
[آل عمران].
وَيَمْحَقَ الْكَفِرِينَ (١٨)
وقد نزلت هذه الآيات التي تشير إلى حقيقة استعلاء الإيمان في
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٠

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٦٣
علو الهمة في استكمال الإيمان
مناسبة الحرب والجهاد ومواجهة الكفار الجاهليين، نزلت في التعقيب
على أحداث غزوة أحد .. ومعروف أن المسلمين قد أصابهم القرح في
هذه الغزوة ودفعوا ثمنًا غاليًا شهداء وجرحى ودماءً وآلامًا، وأوشك
الوهن والحزن أن يدب إليهم، وأن يتدسس على قلوبهم، فجاء القرآن
يقضي عليه ويغلق الطريق في وجهه، ويجعل القلوب في حصانة ومناعة
وثبات، فأشار إلى حقيقة الإيمان في هذه القلوب المؤمنة، وأثر هذا في
شعور صاحبه في الاستعلاء وحياته بهذا الاستعلاء ..
إن استعلاء الإيمان هو زاد للسير في الطريق إلى الله، وهو عدة أساسية
للجهاد في سبيل الله، وهو معلم بارز واضح في الطريق إلى الله إن استعلاء
الإيمان يمثّل الحالة الدائمة التي ينبغي أن يكون عليها شعور المؤمن،
وتصوره وتقديره للأشياء والأحداث والقيم والأشخاص سواء ..
إنه يمثل حالة الاستعلاء الذي يجب أن تستقر عليه نفس المؤمن
إزاء كل شيءٍ، وكل وضع وكل قيمة، وكل أحد. الاستعلاء بالإيمان
وقيمه على جميع القيم المنبثقة من أصل غير أصل الإيمان.
الاستعلاء على قوى الأرض الحائدة عن منهج الإيمان، وعلى قيم
الأرض التي لم تنبثق من أصل الإيمان، وعلى تقاليد الأرض التي لم يصغها
الإيمان، وعلى قوانين الأرض التي لم يشرعها الإيمان .. وعلى أوضاع
الأرض التي لم ينشئها الإيمان ..
الاستعلاء مع ضعف القوة وقلة العدد وفقر المَال، كالاستعلاء مع
القوة والكثرة والغنى على السواء.
الاستعلاء الذي لا يتهاوى أمام قوة باغية، ولا عرف اجتماعي، ولا
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٦٤
صلاح الأمة في علو الهمة
تشريع باطل، ولا وضع مقبول عند الناس (١).
إن استعلاء الإيمان هو صمام الأمان لدى المؤمن، وهو أساس
الثبات والانتصار؛ لأنه يواجه وضعًا جاهليًّا ومجتمعًا جاهليًّا وعرفًا
جاهليًّا، يضغط عليه بعنف ليتنازل أو يضعف، وقد يضعف ويشعر
بالوهن والحزن إذا لم يعش حقيقة الإيمان، ولم يتذوق استعلاء الإيمان،
ولم يواجه الجاهلية من حوله، وهو مستعل بالإيمان.
لماذا يعيش المؤمن استعلاء الإيمان؟ وما هي مظاهر استعلاء
الإيمان.
إن المؤمن هو الأعلى في كل شيء وإن الکافر هو دونه في كل شيء،
فماذا يطلب الأعلى ممن هو دونه؟ ولماذا يضعف ويحزن ويتهاوى أمام
من هو دونه؟ ..
إن المؤمن هو الأعلى سندًا ومصدرًا. إنه يتلقى عن الله، ويستند إلى
الله، ويتوكل على الله، والله يكفيه وينصره ويؤيده ..
إنه الأعلى إدارگًا وتصورًا لحقيقة الوجود، وسر الحياة، ودوره فيها
ووظيفته ورسالته من خلالها ..
إنه الأعلى تصورًا للقيم والموازين التي توزن بها الحياة والأحداث
والأشياء والأشخاص ..
إنه الأعلى ضميرًا وشعورًا وخلقًا وسلوكًا، وطهرًا وعفافًا، وخيرًا
ونورًا، وإيمَانًا ويقينًا ..
(١) ((المعالم)) (ص٢١٩ - ٢٢٠).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٦٥
علو الهمة في استكمال الإيمان
إنه الأعلى شريعة ونظامًا، وتشريعًا ومنهاجًا(١) ..
ولا يعني استعلاء الإيمان أن يتيه المؤمن على من حوله، وأن یتجبَّر
عليهم ويتكبر، وأن ينتفش أمامهم وينتفخ .. إن هذه أخلاق جاهلية
وليست أخلاقًا إِيمَانية، ولا يمكن أن تصدر عن إنسان امتلأ إيمَانًا ويقينًا
وطاعةً وتقوى ..
إن المؤمن وهو يعيش استعلاء الإيمان يكون مع الناس، ويعيش
معهم، يعاملهم ويجاملهم ويواسيهم ويساعدهم. إنه يسعهم بقلبه
الكبير، ويرحمهم بنفسه الكبيرة، ويحتمل أخطاءهم بصدره الرحب،
ويمنحهم - بصدق وإخاء وإخلاص وتواضع - حبه ورحمته وبره
وعطفه ..
ورحم الله من قال حول هذا المعنى: ((حين نعتزل الناس لأننا نحس
أننا أطهر منهم روحًا، أو أطيب منهم قلبًا، أو أرحب منهم نفسًا، أو أذكى
منهم عقلًا، لا نكون قد فعلنا شيئًا كبيرًا .. لقد اخترنا لأنفسنا أيسر السبل
وأقلها مؤونة ..
إن العظمة الحقيقية أن نخالط هؤلاء الناس، مشبعين بروح السمَاحة
والعطف على ضعفهم ونقصهم وخطئهم، وروح الرغبة الحقيقية في
تطهيرهم وتثقيفهم .. ))(٢).
المؤمن لا يترك لحظةً استعلاءَه بالإيمان واعتزازه به وحركته من
خلاله، سواء كان غالبًا أو مغلوبًا، منتصرًا أو مهزومًا، طليقًا أو سجينًا،
(١) المصدر السابق (ص٢٢١ - ٢٢٣).
(٢) ((أفراح الروح)) (ص١٠) لسيد قطب.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٦٦
صلاح الأمة في علو الهمة
مكرمًا أو مضطهدًا معذبًا. الناس معه أو ضده، يحالفونه أو يحاربونه ..
لأنه يعيش باستعلاء الإيمان: ((وتتبدل الأحوال ويقف المسلم موقف
المغلوب المجرد من القوة المادية فلا يفارقه شعوره بأنه الأعلى، وينظر
إلى غالبه من عل ما دام مؤمنًا، ويستيقن أنها فترة وتمضي، وأن للإيمَان
كرة لا مفر منها .. وهبها كانت القاضية فإنه لا يحني لها رأسًا. إن الناس
كلهم يموتون أما هو فيُسْتَشْهد، وهو يغادر هذه الأرض إلى الجنة وغالبُه
يغادرها إلى النار، وشتان شتان .. ))(١).
لا يفارقه استعلاء الإيمان عندما يفسد المجتمع ويعيش حياة
جاهلية، فيبقى المؤمن مصرًّا على دعوة هذا المجتمع إلى الله ..
ولا يفارقه استعلاء الإيمان عندما يفسد الناس، ويتلوثون بالمعاصي
ويغرقون في الوحل والطين، فيبقى مع الإيمان والفضيلة والطهارة
والصفاء والنقاء.
ولا يفارقه استعلاء الإيمان والجاهلون يسخرون منه ويستهزئون به
ويضحكون عليه، فيبقى قابضًا على دينه رافعًا رايته داعيًا إليه (٢).
باستعلاء الإيمان عاش رسول الله وَّ وثبت ودعا إلى الله وواجه
الكفار فانتصر .. وباستعلاء الإيمان تعامل الصحابة مع الأعداء فسعدوا
وثبتوا وسادوا .. وباستعلاء الإيمان واجه الدعاة والصالحون والمربون
الظالمين والفاسدين والطغاة والجبابرة فجاهدوا وأنكروا وأصلحوا
وثبتوا ..
(١) ((المعالم)) (ص٢٢٦).
(٢) ((المعالم)) (ص٢٢٦ - ٢٣٠).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٦٧
علو الهمة في استكمال الإيمان
● كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يعيش استعلاء الإيمان عندما
قال لعمه أبي طالب: ((والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في
يساري، لن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه)).
قمم عالية في استعلاء الإيمان:
وكان نوح غَالِثَلا يعيش استعلاء الإيمان عندما خاطب قومه
الكفار: ﴿﴿ وَآَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْقَالَ لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى
بِشَايَتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَحْمِعُواْأَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَ كُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً
[یونس].
٧١
ثُمَّ أَقْضُوْا إِلَّ وَلَا نُنظِرُونِ
وكان هود غَلَّلا يعيش استعلاء الإيمان عندما خاطب قومه
الكفار: ﴿إِن تَقُولُ إِلَّا أَعْتَرَكَ بَعْضُ ءَالِهَتِّنَا بِسُوْءٍ قَالَ إِنَّ أُشْهِدُ اللَّهَ وَأَشْهَدُوا أَنِ
بَرِىٌّ مِّمَّا تُشْرِكُونَ
٥٤
مِن دُونِهِ، فَكِيدُونِ جَمِيعًا ثُمَّ لَا نُظِرُونِ
) إِنِّ تَوَكَّلْتُ عَلَى
اللَّهِ رَبِ وَرَبَّكُمْ مَّامِنِ دَائَةٍ إِلَّ هُوَ ءَاخِذٌبِنَاصِيَتِهَاْ إِنَّ رَبٍ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ
٥٦
[هود].
* وكان موسى غْلِثَلا يعيش استعلاء الإيمان عندما واجه فرعون
الطاغية بقوله: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَؤُلَاءٍ إِلَّ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
[الإسراء].
١٠٢
بَصَابِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُكَ يَفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا
قصة غلام الراهب والراهب وجليس الملك وأصحاب الأخدود :
هذه القصة قصة أصحاب الأخدود التي قص الله وَّ علينا خاتمتها
في سورة البروج، وبين لنا النبي ◌َّل بدايتها كما في ((صحيح مسلم))،
قصة من قصص الإيمان، مليئة بالمواقف الإيمانية الكريمة، التي يظهر
فيها بجلاء قيمة الإيمان، واستعلاء أهله علي التخويف والتعذيب.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٦٨
-
صلاح الأمة في علو الهمة
• عن صهيب أن رسول الله وَله قال: ((كان ملك فيمن كان قبلكم
وكان له ساحر، فلما كبر الساحر قال للملك: إني قد كبرت فابعث لي
غلامًا أعلمه السحر، فبعث إليه غلامًا يعلمه السحر، فكان في طريقه إذا
سلك راهبٌ، فقعد إلیه، وسمع كلامه فأعجبه.
فكان إذا أتى الساحر مَرَّ بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه،
فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي،
وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إذ أتى على
دابةٍ عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب
أفضل، فأخذ حجرًا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحبَّ إليك من أمر
الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها، ومضى
الناس.
فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني،
قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل عليَّ، وكان
الغلام يبرئ الأكمة والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع
جليس للملك كان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة فقال: ما هاهنا لك أجمع إن
أنت شفيتني، فقال: إني لا أشفي أحدًا إنما يشفي الله، فإن أنت آمنت بالله
دعوت الله فشفاك، فآمن بالله فشفاه الله.
فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رَدَّ
عليك بصرك؟ قال: ربي، قال: ولك ربِّ غيري؟ قال: ربي وربك الله،
فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام فقال له الملك:
أي بني بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل، قال: إني
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٦٩
علو الهمة في استكمال الإيمان
لا أشفي أحدًا إنمَا يشفي الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على
الراهب، فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدعا بالمنشار
فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه، ثم جيء بجلیس الملك،
فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به
حتی وقع شقاه.
ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فدفعه الملك إلى
نفرٍ من أصحابه، فقال لهم: اذهبوا به إلى جبل كذا، فاصعدوا به الجبل،
فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطر حوه، فذهبوا به فصعدوا به
الجبل فقال: اللهم اكفينهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء
يمشي إلى الملك.
فقال له الملك: ما فَعَل أصحابك؟ قال كفانيهم الله، فدفعه إلى نفر
من أصحابه فقال: اذهبو به فاحملوه في قرقور، فتوسطوا به البَحر، فإن
رجع عن دينه وإلّا فاقذفوه، فذهبوا به فقال: اللهم اكفينهم بما شئت،
فانكفأت بهم السفينة فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما
فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله وَّ، فقال للمَلك: إنك لست بقاتلي
حتى تفعل ما آمرك به، قال: وما هو؟
قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ
سهمًا من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: بسم الله رب
الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيد
واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهمًا من كنانته ثم وضع السهم في كبد
القوس ثم قال: بسم الله رب الغلام، ثم رماه، فوقع السهم في صدغه
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٧٠
صلاح الأمة في علو الهمة
فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمَات.
فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، فأتي الملك فقيل له:
أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس، فأمر
بالأخاديد في أفواه السكك فخدت، وأضرم النيران، وقال: من لم يرجع
عن دينه فاحموه فيها، أو قيل له: اقتحم ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها
صبي، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أمَّ اصبري فإنك على
الحق)) (١).
هذه القصة التي سلّى الله وَجَّ بها نبيه وَله والصحابة الكرام وهم
يعانون أشد ألوان العذاب بمكة، مليئة بالمواقف الإيمانية، وما أحوج
الدعاة وعموم الناس إلى معرفة هذه المواقف، حتى يزدادوا تمسكًا بدين
الله وَّ، وصبرًا على الدعوة إليه، وهي تبين قيمة الإيمان وحرص المؤمن
على دينه، ومحافظته على يقينه، إنه يتمسك بالإيمان، ولو وضع المنشار
في مفرق رأسه، كما كان من الراهب وجليس الملك، ويرضى أن يُلقی
في نيران الدنيا، إذا كان يفدي بذلك دينَهُ، ويحافظ على يقينه.
وانظر إلى الغلام الذي يضحي بنفسه حتى تنتشر دعوته، وتعلو رايته،
إنها مواقف إيمَانية عظيمة متتابعة يستأنس بها المؤمن في سيره إلى الله
وَّ، وما أحوجنا في مثل تلك الأزمنة الغابرة إلى هذه المواقف الإيمانية،
والقصة تبين بجلاء انتصار الإيمان، واستعلاء أهله عن كل ما يراد بهم
حتى لو طرحوا في النار.
(١) رواه مسلم (١٨/ ١٣٠ - ١٣١)- الزهد، وابن حبان (١٥٤/٣ - ١٥٧) رقم
(٨٧٣) ((الإحسان)).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٧١
علو الهمة في استكمال الإيمان
أي استعلاء لغلام الراهب بإيمانه حتى يقول للمَلِك: ((إنك لست
بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به)).
■ قال صاحب ((الظلال)) ممنه: ((كذلك تنتهي رواية الحادث، وقد
ملأت القلب بالروعة، روعة الإيمان المستعلي على الفتنة، والعقيدة
المنتصرة على الحياة، والانطلاق المتجرد من أوهاق الجسم، وجاذبية
الأرض، فقد كان في مُكْنة المؤمنين أن ينجوا بحياتهم في مقابل الهزيمة
لإيمانهم، ولكن كم كانوا يخسرون هم أنفسهم في الدنيا قبل الآخرة،
وكم كانت البشرية كلها تخسر! كما كانوا يخسرون وهم يقتلون هذا
المعنى الكبير، معنى زهادة الحياة بلا عقيدة، وبشاعتها بلا حرية،
وانحطاطها حين يسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد،
إنه معنى كريم جدًّا، ومعنى كبير جدًّا، هذا الذي ربحوه وهم بَعْدُ في
الأرض، ربحوه وهم يجدون مس النار فتحترق أجسادهم، وينتصر هذا
المعنى الكبير الذي تزكيه النار، وبعد ذلك لهم عند ربهم حسابٌ
ولأعدائهم الطاغين حساب))(١).
ماشطة ابنة فرعون:
• عن عبد الله بن عباس ﴿إنضها قال: قال رسول الله وَجاله: ((لمَّا كانت
الليلة التي أسري بي فيها، أتت عَلَيَّ رائحة طيبة، فقلت: يا جبريل ما هذه
الرائحة الطيبة؟ فقال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها، قال:
قلت: وما شأنُها؟ قال: بينما هي تمشط ابنة فرعون ذات يوم إذ سقط
المِدْري من يدها فقالت: بسم الله، فقالت لها ابنة فرعون: أبي؟ قالت: لا
(١) ((في ظلال القرآن)) (٣٨٧٤/٦).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٧٢
صلاح الأمة في علو الهمة
ولكن ربي ورب أبيك الله، قالت: أخبره بذلك؟ قالت: نعم، فأخبرته،
فدعاها، فقال: يا فلانة، وإن لك ربًّا غيري؟ قالت: نعم ربي وربك الله،
فأمر ببقرة من نحاس فأحميت، ثم أمر بها أن تلقى هي وأولادها فيها،
قالت له: إنَّ لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك؟ قالت: أحب أن تجمع
عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد وتدفننا.
قال: ذلك لكِ علينا من الحق.
قال: فأمر بأولادها فألقوا بين يديها واحدًا واحدًا، إلى أن انتهى ذلك
إلى صبي لها مُرْضَع، وكأنها تقاعست من أجله، قال: يا أُمّه اقتحمي، فإن
عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فاقتحمت.
قال ابن عباس فضا: تكلم أربعة صغار، عيسى ابن مريم ظلَّلاَ،
وصاحب جريج، وشاهد يوسف، وابن ماشطة ابنة فرعون (١).
■ قال الدكتور عمر الأشقر حفظه الله: «كانت هذه المرأة تعيش في
قصر الملك، وكانت تعنى بابنته فتمشط شعرها، وتقوم على أمرها، ومن
كان هذا عمله لا بد أن يكون مُكرَّمًا معَزرًا مرفهًا، ولكن الإيمان غزا
قلبها، وملك عليها أمرها، كما غزا قلب الملكة زوجة فرعون، فالإيمَان
يجد له طريقًا إلى قلوب الأغنياء، كما يجده إلى قلوب الفقراء، عندما
(١) حسن: رواه أحمد (٣٠٩/٣) وحسَّنه محققوا ((المسند))، وقال الهيثمي في
(المجمع)) (٦٥/١): رواه أحمد والبزّار والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))، وفيه
عطاء بن السائب، وهو ثقة ولكنه اختلط. ومال الألباني إلى تحسينه في ((الإسراء
والمعراج)) والمِدْري: أداة يُسَرَّح بها الشعرة. بقرة من نحاس: الظاهر أنها إناء
كبير من نحاس على هيئة البقرة كانوا يوقدون تحته نارًا حتى يحترق ثم يلقوا
فیه من أرداوا.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٠

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٧٣
علو الهمة في استكمال الإيمان
یرید الله بعبده خیرًا.
وقد کتمت هذه المرأة إيمانها کما کتمته زوجة فرعون، و کتمه مؤمن
آل فرعون ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِّنْ ءَلِ فِرْعَوْنَ يَكْثُمُ إِيمَانَهُ ﴾ [غافر:
٢٨]. ولكن مهما حاول المرء أن یکتم ما يجري في أعماق نفسه، فلا بد
أن تدل عليه تصرفاته وسمته، وحركاته وأقواله، ففي بعض الأوقات
يغفل الإنسان عن نفسه فيتصرف على سجيته(١).
■ ثم ذكر حفظه الله في عِبَرِ الحديث وفوائده ما ملخصه:
بيان ما فعله الإيمان بالنفوس، ففي سبيل الله يستروح
المؤمنون العذاب، ويواجهون الطغاة، ولا ينفع في مواجهة
المؤمن أشد ألوان الظلم، وأقسى أنواع التعذيب.
-
إكرام الله لأوليائه الذين بذلوا أنفسهم رخيصة في سبيله، فقد
أعلى الله مقام هذه المرأة، وأكرمها إكرامًا عظيمًا هي
وأولادها.
عظم كراهية الكفرة أمثال فرعون للمؤمنين، وخلو قلوبهم من
الرحمة عندما يواجهون المؤمنين.
-
لم تكن هذه المرأة منتحرةً عندما اقتحمت النار، فقد أرادت أن
تَغُمَّ فرعون وزبانيته، فبدل أن ترضي غرورهم بتمنعها
وصياحها ورفضها الإلقاء في النار، اقتحمتها بنفسها غير هيابة
ولا وجلة، فزاد ذلك في غيظهم وقهرهم، وأبانت لهم حقارة
أنفسهم، ففي الدنيا من لا يقبل المذلة، ويأبى أن يطأطئ رأسه
(١) ((صحيح القصص النبوي)) للدكتور عمر الأشقر (٢٨٩).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٧٤
صلاح الأمة في علو الهمة
للظلم والظالمين.
الجزاء من جنس العمل، فهذه المرأة لمَّا انبعثت روائح
-
احتراق جسدها وجسد أولادها جعل الله لها رائحةً طيبةً
عطرة تفوح منها ومن أولادها في السموات العُلى.
يُثبت الله عباده الذين شاء لهم الكرامة في المواقف الصعبة،
فقد أنطق الله الطفل الرضيع فأمر أمه بالثبات، وبذلك قطع ما
دار في خلدها من وساوس الشيطان التي كادت تهلكها (١).
■ وانظر إلى ربعي بن عامر خلالثم يقول لرستم: ((إن الله ابتعثنا لنُخرجَ
من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ظُلْم الكُهَّان إلى عدل
الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة)).
■ وقالها خالد بن الوليد لقائد الروم يوم اليرموك لمَّا قال: «نحن
نعلم أنه ما أخرجكم من بلادكم إلَّا الجوع وشظف العيش، فقال له
خالد لتعنه: «نحن قوم نُحب شرب الدماء، وقد بلغنا أن دماء الروم من
أحلى الدماء مذاقًا».
استعلاء الإيمان عند الإمام قاضي القضاة أبي صالح نصر بن عبد الرزّاق
ابن شيخ الإسلام عبد القادر:
■ قال عنه الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) قال ابن النجار: ((كان
مقدامًا رجلًا من الرجال سمعته يقول: كنت في دار الوزير القُمِّي، وهناك
جماعة، إذ دخل رجل ذو هيئة، فقاموا له وخدموه، فقمتُ وظنتُه بعض
(١) باختصار من ((صحيح القصص النبوي)) (٢٩٣ - ٢٩٤) وانظر: ((مواقف إيمانية))
للشيخ الدكتور أحمد فريد (ص ٢٤١ - ٢٤٣).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
.

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٧٥
علو الهمة في استكمال الإيمان
الفقهاء، فقيل: هذا ابن كرم اليهوديُّ عاملُ دار الضَّرب، فقلت له: تعالَ
إلى هنا، فجاء، ووقف فقلتُ: ويلَك توهَّمتُك فقيهًا فقمت إكرامًا لكَ،
ولستَ -ويلك- عندي بهذه الصِّفة، ثم كرَّرتُ ذلك عليه، وهو قائم
يقول: الله يحفظك! الله يبقيك! ثم قلتُ له: اخْسأ هناك بعيداً عنّا،
فذهب. قال: وحدَّثني أبو صالح أنه رُسِمَ له برزق مِن عند الخليفة، وأنه
زار يومئذٍ قبرَ الإمام أحمد، فقيل لي: دُفِعِ رَسْمُك إلى ابن توما النصراني
فامض إليه فخذه، فقلت: والله لا أمضي ولا أطلبه. فبقي ذلك الذهب
عنده إلى أن قُتِل إلى لعنة الله في السَّنَة الأخرى، وأُخِذَ الذهب من داره،
فَنُفِّذَ إِلَيَ)(١).
استعلاء الأستاذ سيد قطب بإعدامه على قاتليه، والله الموعد بينه
وبينهم:
لمَّا سمع ◌َلَّهُ الحكم بإعدامه قال: ((الحمدُ لله، لقد عملت خمسة
عشر عامًا لنيل الشهادة.
وعِندما طُلِب منه الاعتذار مقابلَ إطلاقِ سَرَاحه قال: لن أعتذر عن
العَمَلِ مع الله.
وَعندما طُلِب منه كتابة كلمات يسترحم عبد الناصر قال: إن أصبع
السبَّابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة ليرفضُ أن يكتبَ حَرْفًا يُقرُّ
به حکم طاغية.
وقال ردًّا على ذلك الطَّلَب: ((لمَاذا أسترحِم؟ إِن سُجِنتُ بحقٌّ،
فأنا أقبل حُكْمَ الحق، وإن سُجِنتُ بباطل فأنا أكبرُ من أن أسترحِمَ
(١) انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)) (٣٩٦/٢٢ - ٣٩٩).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة
٢٧٦
الباطِلَ))(١).
■ ويرحمُ الله مَن قال في استعلائه على المساوَمات؛ وثباته على الحق:
عن العهودِ بأسْرِها
كَمْ ساوموهُ لکن یحیدَ
باعُوا النفوسَ لربِّها
ولِكِيْ يخونَ كتائبًا
الكونَ من صفحاتها
ولِكَنْ يُشَوهَ ما أضاءَ
الشيطانِ بين صُفوفِها
ولكي يكونَ صنيعة
الدنيا وطَلَّق أمْرَها
وَأَبَى الكريمُ مباهجَ
ورَأى السجونَ معاقلَ
وأصَرَّ أنْ يُعْلي نِداءَ
فَقَضَى السِّنينَ العَشْرَ
وطَوَتُهُ جدرانُ السجون
الأحرارِ رَغْم قيودِها
الحقُّ فِي جَنَبَاتِها
عِمْلاقًا كَثُمِّ جِبالها
لكي يَرَى أهوالَها
وتَلَقَّفَتْهُ كلابُها
كمْ مَزَّقَتْهُ سياطُهُم
حتى ارْتَقَنْهُ شَهَادَةٌ(٢)
وهناكَ يَلْقَى رَبَّهُ
ليكونَ من أبرارِها
ويُطلُّ من عليائِها(٣)
(١) (سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد)) للدكتور صلاح الخالدي (ص ٤٧١ -
٤٧٤) بتصرُّف واختصار - طبع القلم دمشق. وانظر ((مواقف إيمانية))
(ص٢٦١ - ٢٦٢) للدكتور أحمد فرید.
(٢) نرجو له ذلك إن شاء الله، ولا نقطع لأحدٍ من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا ما
نصّ عليه النبي وَلّو فضلاً أن نحكم له بالشهادة.
(٣) ديوان: ((الصبر والثبات)) لجمال فوزي (ص٣٤ - ٣٦).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٧٧
علو الهمة في استكمال الإيمان
والشاعر محمد عوّاد يتحدّى زبانية السجن الحربي أن يأخذوا منه حَرّفا
/
B
حتى الممات فصبر واستعلى بإيمانه ووَفى:
تحدَّى محمد عوّاد زبانية السجن الحربِّي أن يأخذوا منه حَرْفًا واحدًا
ففعلوا به الأفاعيل التي لا يطيقها أحد فاستعلى بإيمانه عليهم يقول
الأستاذ سليم العفيفي - في حديثه الذي أدْلَى به إلى الأستاذ جابر رزق:
((بعد إلقاء القبض عَلَيَّ صحبوني إلى السجن الحربي، وساقوني مع غيري
إلى ساحة التعذيب أمام مكتب العقيد شمس بدران وزبانية السجن
الحربي، وبدأ الجلّادون يمزّقون أجسادَنا بالسّياط، وكان الوقتُ ليلًا،
وفجأة رأينا صفوت الرُّوبي جَلّاد السجن الحربي يسوق أمامه شابًّا
عرفنا أن اسمه محمد عَوّاد، يعمل مدرسًا بوزارة التربية والتعليم، ومن
قرية الزوامل محافظة الشرقية، تقدّم الجلاد صفوت الرُّوبي من قائد
الشرطة العسكرية العميد سعد زغلول عبد الكريم قائلًا في زهو: هذا هو
المجرم محمد عوّاد .. يا أفندم.
وسلك الجلّادون مع عوّاد أبشع صور التعذيب التي تفوق كُلّ
تَصَوُّرٍ ولم تزد هذه الأساليب الوحشية البطل عوّادًا إلَّا صلابة، وظهر منْه
الثبات والمصابرة وقوة الإرادة، وما كان البطل يزيد على قوله -وهو
يُعَذَّب -: يا مُقَلِّبَ القلوب ثَبَّتْ قلبي .. أعِنِّي .. لا تفتِنِّي، وما إن سمعَه
کبیر الجلَّادین حتی رَکَلَهُ بقدمِه، وأخذَ سوطًا أهوى به علیه، وانهال عليه
ضَرْبًا، وبعد أن أعياهُ التعذيب أمرَهُ الجَلَّاد أن ينهَضَ فحاوَلَ ولكن لم
يَقْوَ .. خانته قواه، وحاولَ مِرَارًا فلم يستطع.
ونادى الجلَّاد زبانيته وأمرهم أن يوثقوه بالحِبال، ثم سأله: تكلّمْ،
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة
٢٧٨
اعتَرف. قال: بِمَ أتكَلَّمُ؟ وعلى أيِّ شيء أعترف؟ أنا لا أعرِف شيئًا. فَأمَرَ
الجلَّاد أن تُوضَعَ رأسه في الحوض -به ماء قذر - وأن تُرضَخَ في جدران
الحوض، وتكرَّر هذا العمل الإجرامي البشع، حتى اختلط الدم بماء
الحوضِ، وتركوهُ في الحوض، وما هي إلّا لحظات حتى فاضت روحه
إلى باريها)) (١).
مستهترين كأنه ابن لبونٍ
سُخْقًا لجزّارين قد ذبحوا فتى
أن الإله يراهُمُ بعيونِ
وَارَوْه عن عين الأنام وما دَرَوْا
وكفى بهم شهداء يوم الدين
الليل يشهدُ والكواكبُ والثَّرَى
■ ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية إذْ يستعلى بالإيمان حين يقول
لسلطان مصر ابن قلاوون: ((إن ملكك وملك ملك المُغْل لا يساوي
عندي فِلْسًا».
■وحين يقول: «ما يصنع أعدائي بي، أنا جنتي وبستاني في صدري
أينما رحت فيه معي إن معي كتاب الله وسنة رسوله وَّه إن قتلوني فقتلي
شهادة، وإن نفوْني عن بلدي فنفي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خُلْوَة)).
عالي الهمة وحلاوة الإيمان:
محبة المؤمن للإيمَان وبغضه للكفر:
المؤمن يحب الإيمان حبًّا عميقًا خالصًا؛ لأن الإيمان هو نور مقابل
الظلمات، وطهر مقابل الخبث، وفضيلة مقابل الرذيلة، وصلاح مقابل
(١) باختصار وتصرُّف من ((شهداء الدعوة الإسلامية في القرن العشرين)) لمحمد
الصايم (١٢٤ - ١٢٧) - طبع دار الفضيلة.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٧٩
علو الهمة في استكمال الإيمان
الفساد، وهدى مقابل الضلال، وحياة مقابل الموت، وبصيرة مقابل
العمى، وحق مقابل الباطل ..
* إن الودود الكريم هو الذي أراد بنا الخير فحبَّب إلينا الإيمان، قال
تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيَنَ وَزَيَّنَهُ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ
وَاُلْعِصْيَانَ ﴾ [الحجرات: ٧].
إن محبة الإيمان دليل الخير والحياة عند صاحبه وهذا لن يكون إلَّا
للمؤمن.
ومحبة الإيمان تكون في القلب فتعمه كله، وتتغلغل فيه، وتذهب إلى
كل شغافه وجوانحه .. محبة الإيمان لا تترك في القلب مجالًا لمحبة
نقيضه وضده، ولا تستثني منه جانبًا ولو يسيرًا لنقيضه وضده، ولا تسمح
للقلب أن يغفل لحظة عنه، وينشغل فيها بنقيضه وضده، ولا أن ينبض
لحظة هاتفًا بنقيضه وضده .. إن القلب لا بد أن يصفو كله للإيمان، وأن
يخلص كله للإيمان، وأن يتجمع كله على الإيمان، وأن يتجرد كله
للإِيمَان .. وإلَّا فلا إيمَان، ولا محبة للإِيمَان، وصدق الله القائل:
مَّا
جَعَلَ اَللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِ جَوْفِهِ، ﴾ [الأحزاب: ٤].
أيُّ إنسان في قلبه حياة يختار الشر على الخير؟! ويُفضِّل الظلام على
النور؟ ويريد العمى بدل البصر؟ والضلالة بدل الهُدَى؟! والعذاب بدل
المغفرة؟ والنار بدل الجنة؟ والموت بدل الحياة؟ وهل الكافرون إلَّا
هكذا؟ إن محبة الكفر وشهوة الكفر كفر، وإن محبة الإيمان إيمان.
ذوقُ حلاوة الإيمان، ووَجْد حلاوة الإيمان، وذوقُ طعم الإيمان:
! قال الإمام ابن القيم: ((إن للإيمَان طَعْمًا، وإنَّ القلبَ يذوقه كما
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٢٨٠
صلاح الأمة في علو الهمة
يذوق الفم طعم الطعام والشراب)).
• وقد عبّر النبي وَّر عن إدراك حقيقة الإيمان، والإحسان، وحصوله
للقلب ومباشرته له: بالذوق تارة، وبالطعام والشراب تارة، وبوجود
الحلاوة تارة، كما قال: ((ذاق طعم الإيمان))، وقال: ((ثلاث من كُنَّ فیه
وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن
يُحبَّ المرءَ لا يحبُّهُ إِلَّا لله، وأنْ يكرهَ أنْ يعودَ في الكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أنقذه الله؛
كما يكرهُ أنْ يُلقَى في النار))(١).
• ولمَّا نهاهم عن الوصال قالوا: ((إنك تواصل، قال: ((إني لست
كهيئتكم، إني أَطعَمُ وأَسقَى))، وفي لفظ: ((إن لي مُطعِمًا يطعمني، وساقيًا
یسقیني)».
وقد غلظ حجاب مَن ظنَّ أنَّ هذا طعامٌ وشراب حِسِّي للفم. ولو
كان كما ظنه هذا الظان لما كان صائمًا، فضلاً عن أن يكون مواصِلًا.
ولما صحّ جوابه بقوله: (إني لست کھیئتكم)) فأجاب بالفرق بينه وبينهم،
ولو كان يأكل ويشرب بفيه الكريم حسًّا لكان الجواب أن يقول: وأنا
لستُ أواصلُ أيضًا. فلمَّا أقرَّهم على قولهم: ((إنك تُواصِل)) عُلِم أنه وَلِّل
كان يُمسِك عن الطعام والشراب، ويكتفي بذاك الطعام والشراب
الروحاني، الذي يغني عن الطعام والشراب المشترَك الحِسِّي.
وهذا الذوق هو الذي استدلَّ به هِرَفْل على صحَّة النُبوّة حيث قال:
لأبي سفيان: «فهل يرتَدَّ أحدٌ منهم سَخْطَةً لدينه؟ فقال: لا. قال: وكذا
(١) رواه أحمد، والبخاري (٢١/١)، ومسلم (٤٣)، والترمذي، والنسائي، وابن
ماجه عن أنس.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com