النص المفهرس

صفحات 121-140

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٢١
علو الهمة في استكمال الإيمان
وكيف جاز لبعضهم أن يقول بعدم زيادة الإيمان، وأن يقرر خلاف ما قرر
القرآن! إن هؤلاء الذين جانبوا مقررات القرآن حول زيادة الإيمان إنما
دخلوا عالَم القرآن بمقررات سابقة، وكانوا متأثرين وهم ينظرون فيه وفي
حقائقه بالعقلية الفلسفية المتأثرة بعلم المنطق والكلام، والغريبة على
التصور الإسلامي والهدى القرآني .. )) "، وهذا ترف عقلي وفراغ من
الاهتمَامَات العملية الجادة.
• ومن الأحاديث الدالة على زيادة الإيمان مَا رواه الإمام البخاري في
((صحيحه)) عن أبي سعيد الخدري خالته عن النبي وَلاو قال: ((يدخل أهل
الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه
مثقال حبة من خردل من إیمان، فيخرجون منها قد اسودوا، فيُلقون في نهر
الحيا أو الحياة -شك مَالك (يعني: أبو سعيد) - فينبتون كما تنبت الحبة
في جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية .. ))(٢).
وتفاضل أهل الإيمان في الأعمال ناتج عن تفاضلهم في الإيمان،
فليسوا جميعًا على مستوى واحد من الإيمان، فمن زاد إيمَانه زادت أعمَاله
وحسناته، ومن نقص إيمَانه نقصت حسناته ووقع في السيئات، وهذا
تضره المعاصي التي فعلها فيعذب في النار، لكنه لا يخلد فيها لما عنده
من إيمَان ..
• ومن هذه الأحاديث مَا رواه البخاري عن أنس عن النبي وَّه قال:
(١) ((في ظلال الإيمَان)) (ص١٠٤ - ١٠٥) للدكتور صلاح الخالدي- دار القلم.
(٢) رواه البخاري (٩١/١) ((الفتح)) (ح٢٢) - كتاب الإيمان -باب تفاضل أهل
الإيمَان في الأعمال.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٢٢
صلاح الأمة في علو الهمة
((يخرج من النار من قال: لا إله إلَّا الله، وفي قلبه وزن شعيرة من خير،
ويخرج من النار من قال: لا إله إلّا الله وفي قلبه وزن برة من الخير، ويخرج
من النار من قال: لا إله إلّا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير .. ))(١).
وفي رواية ((من إيمَان)) مكان ((من خير)) وهذه الرواية الثانية تبين أن
المراد بالخير هنا الإيمان ..
وروى البخاري أيضًا عن عمر بن الخطاب نفسه أن رجلاً من
يهود قال له: ((يا أمير المؤمنين: آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر
اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: أي آية؟ قال: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ
لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا ﴾ [المائدة: ٣]. قال
ج
عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي بَل، وهو
قائم بعرفة يوم جمعة))(٢).
قال ابن حجر في ((الفتح)): ((فإن قيل: كيف دلت هذه القصة على
ترجمة الباب حول زيادة الإيمان ونقصانه؟ أجيب: من جهة أنها بينت أن
نزولها كان بعرفة، وكان ذلك في حجة الوداع، التي هي آخر عهد البعثة
حين تمت الشريعة وأركانها، والله أعلم، وقد جزم السدي بأنه لم ينزل
بعد هذه الآية شيء من الحلال والحرام»(٣).
• عن طارق بن شهاب قال: ((أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل
(١) رواه البخاري (٢٧/١) ((فتح)) (٤٤) - كتاب الإيمَان- باب زيادة الإيمان
ونقصانه.
(٢) رواه البخاري (١٢٩/١) (ح٤٥) -باب زيادة الإيمان ونقصانه.
(٣) ((فتح الباري)) (١ / ٩٧).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٢٣
علو الهمة في استكمال الإيمان
الصلاة مروان. فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة. فقال: قد تُرك
مَا هنالك. فقال أبو سعيد: أما هذا فقد أدى ما عليه. سمعت رسول الله
ێټ یقول: «مَنْ رأی منکم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن
لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان))(١).
■ قال النووي في شرحه: ((أضعف الإيمان: معناه - والله أعلم - أقلَّه
ثمرة)) ودلالة الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه واضحة)).
• ومن الأحاديث الدالة على ذلك ما روى البخاري عن أبي سعيد
قال: قال رسول الله وَله: (( بَيْنا أنا نائمٌ رأيتُ الناسَ يُعرَضون عليّ وعليهم
قُمُص، منها مَا يبلُغُ الُّدِيَّ، ومنها مَا دُون ذلك، وعُرِضَ عليَّ عمرُ بنُ
الخطاب وعليه قميص يَجُرُّهُ)). قالوا: فمَا أَوَّلْتَ ذلك يا رسول الله؟ قال:
((الدِّينِ))(٢).
■ قال ابن حجر عن هذا الحديث: ((ومطابقته للترجمة (٣) ظاهرة من
جهة تأويل القمص بالدِّين، وقد ذكر أنهم متفاضلون في لبسها، فدَلَّ على
أنهم متفاضلون في الإيمان)» (٤).
• وروى مسلم عن عبد الله بن مسعود خلفه: أن رسول الله وَله قال:
((مَا من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلَّا كان له من أمته حواريون وأصحاب،
يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنهم تخلف من بعدهم خلوف، يقولون
(١) رواه مسلم (٦٩/١- عبد الباقي) - كتاب الإيمان- باب كون النهي عن
المنکر من الإيمان، وأن الإیمان یزید وینقص.
(٢) رواه البخاري (٩٣/١) ((فتح)) (ح ٢٣) - باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال.
(٣) وهي: تفاضل أهل الإيمَان في الأعمال.
(٤) ((فتح الباري)) (١ / ٩٣).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٢٤
إصلاح الأمة في علو الهمة
مَا لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن،
ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس
وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)) ".
" وروى الإمام مسلم في ((صحيحه)) عن أبي هريرة عنه، أن رسول الله
آخر قال: «لا يزني الزاني حین یزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حین
يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)). وكان أبو
هريرة يلحق معهن: ولا ينتهب نهبة ذات شرف، يرفع الناس إليه فيها
(٢)
أبصارهم حین ینتهبها وهو مؤمن))" .
(٣)
وفي رواية عن مسلم: ((والتوبة معروضة بعد))".
وهذا الحديث يدل على نقصان الإيمان، ويشير إلى ضرر الذنوب
والمعاصي على الإيمان، وتأثر الإيمان بها ..
ونفي الإیمان عن أصحاب هذه الكبائر ليس نفيًا لحقيقة الإيمان، بل
هو نفي لكمَاله، كما ترجم الإمام النووي عنوان الباب، وهذا من عظيم
فقهه، ونافذ بصير ته ےگهُ.
■ قال الإمام النووي في شرح الحديث: ((هذا الحديث مما اختلف
العلماء في معناه، فالقول الصحيح الذي عليه المحققون أن معناه: لا
(١) رواه مسلم (٦٩/١ - ٧٠) باب- كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن
الإیمان یزید وینقص.
(٢) رواه مسلم (١/ ٧٦)- كتاب الإيمان باب بيان نقصان الإيمَان بالمعاصي، ونفيه
عن المتلبس بالمعصية على إرادة نفي كماله.
(٣) رواه مسلم (١/ ٧٧).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٢٥
علو الهمة في استكمال الإيمان
يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على
نفي الشيء ويراد نفي كمَاله))(١).
■ وقال موردًا بعض الأقوال الأخرى في الحديث -ولها وجاهتها
أيضًا -: ((وتأول بعض العلماء هذا الحديث على من فعل ذلك مستحلًا
له مع علمه بورود الشرع بتحریمه».
■ وقال الحسن وأبو جعفر محمد بن جرير الطبري: ((معناه ينزع منه
اسم المدح الذي يسمى به أولياء الله المؤمنين، ويستحق اسم الذم
فیقال: سارق وزان وفاجر وفاسق)).
■ وحكي عن ابن عباس فينضها أن معناه: ((ينزع منه نور الإيمان، وفيه
حديث مرفوع)).
■ وقال المهلب: ((ينزع منه بصيرته في طاعة الله تعالى .. )) (٢).
■ وقد قال أهل السنَّة والجماعة بمَا أشارت إليه هذه الأحاديث -
ومن قبلها تلك الآيات- قالوا: بزيادة الإيمان وبنقصانه، وتابعوا في ذلك
النصوص، وكانوا علميين ومنهجيين في تفكيرهم ونظراتهم كما كانوا
مقتدين سلفيين في آرائهم وأفهامهم رضوان الله عليهم)).
■ قال الإمام البخاري في أول كتاب الإيمان: «وهو قول وفعل،
ويزيد وينقص قال الله تعالى: ﴿ لِيَزْدَادُوَاْ إِيمَنَا مَّعَ إِيمَنِهِمْ﴾ [الفتح: ٤].
[الكهف]، ﴿ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ آَهْتَدَوْاْ هُدِّئُّ
١٣
و﴿وَزِدْنَهُمْ هُدَّی
[محمد].
١٧
وَالَّذِينَ أَهْتَدَوْ زَادَهُرْ هُدَى وَءَانَمُهُمْ تَقْوَنَّهُمْ
[مريم: ٧٦].
(١) («شرح النووي)) (٤١/٢).
(٢) (شرح النووي)) (٢/ ٤٢).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٢٦
صلاح الأمة في علو الهمة
ج
﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهٍِ إِيمَانًا
[المدثر: ٣١]. وقوله:
﴿ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِيَا.
﴾ [التوبة: ١٢٤]. وقوله جل ذكره:
فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا
﴿ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ
[الأحزاب]، والحب في الله والبغض في الله من
إِيَمَنَا وَتَسْلِيمًا
الإيمان، وكتب عمر ابن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: إن للإِيمَان
فرائض وشرائع وحدودًا وسننًا، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم
يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أَعِشْ فسأبينها لكم حتى تعملوا بها،
وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص .. وقال إبراهيم السَّلامُ ﴿لَيَطْمَيِنَ
﴾ [البقرة: ٢٦٠].
قلبى
■ وقال معاذ: «اجلس بنا نؤمن ساعة)).
■ وقال ابن مسعود خاتم: «الیقین الإیمان کله)).
■ وقال ابن عمر نفها: «لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما
حاك في الصدر)) .. )) (١).
■ وقال البخاري في باب زيادة الإيمان ونقصانه من كتاب الإيمان:
باب زيادة الإيمان ونقصانه، وقول الله تعالى: ﴿﴿وَزِدْنَهُمْ هُدَّى
١٣
و﴿ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَنًا﴾ وقال: ﴿﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ [المائدة: ٣]،
ج
فإذا ترك شيئًا من الكمال فهو ناقص.
■ ونقل ابن حجر في ((الفتح)) قول البخاري: «لقيت أكثر من ألف
رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدًا منهم يختلف في أن الإيمان
قول وعمل، ويزيد وينقص .. )).
(١) ((فتح الباري)) (١/ ٤٣ - ٤٦).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
علو الهمة في استكمال الإيمان
١٢٧
■ كما نقل قول الإمام الشافعي: ((الإيمان قول وعمل ويزيد
وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ثم تلا: ﴿ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُوَأْ
لا
إِيسَنَّا
ونقل الإمام النووي في ((شرح مسلم)) قول ابن بطال: ((فإيمَان من
0
لم تحصل له الزيادة ناقص، فإن قيل الإيمان في اللغة التصديق؟
فالجواب: أن التصديق يكمل بالطاعات كلها، فكلما ازداد المؤمن من
أعمال البر كان إيمانه أكمل، وبهذه الجملة يزيد الإيمان وبنقصانها
ینقص، فمتى نقصت أعمال البر نقص كمال الإيمان ومتى زادت زاد
الإيمان كمَالًاً))(٢).
■ ولخص النووي قول السلف في هذا الموضوع فقال: ((فإذا تقرر ما
ذكرناه من مذاهب السلف، وأئمة الخلف فهي متظاهرة متطابقة على
كون الإيمان يزيد وينقص، وهذا مذهب السلف والمحدِّثين وجماعة من
المتكلمين .. وأنكر أكثر المتكلمين زيادته ونقصانه، وقالوا: متى قبل
الزيادة كان شكّا وكفرًا .. قال المحققون من أصحابنا المتكلمين: نفس
التصديق لا يزيد ولا ينقص، والإيمان الشرعي يزيد وينقص، بزيادة
ثمراته وهي الأعمال ونقصانها .. قالوا: وفي هذا توفيق بين ظواهر
النصوص التي جاءت بالزيادة وأقاويل السلف، وبين أصل وضعه في
اللغة وما عليه المتكلمون ..
وهذا الذي قاله هؤلاء وإن كان ظاهرًا حسنًا، فالأظهر - والله أعلم -
(١) ((فتح الباري)) (٤٤/١).
(٢) (شرح النووي على مسلم)) (١/ ١٤٦).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة
١٢٨
أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة، ولهذا يكون إيمَان
الصديقين أقوى من إيمَان غيرهم، بحيث لا تعتريهم الشبهة، ولا يتزلزل
إيمَانهم بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة وإن اختلفت عليهم
الأحوال، وأمَا غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم فليسوا كذلك ..
فهذا مما لا يمكن إنكاره، ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبي
بكر الصدیق لا يساویه تصدیق آحاد الناس.
ولهذا قال البخاري في (صحيحه)): ((قال ابن أبي مليكة: أدركت
ثلاثين من أصحاب النبي وَجلة كلهم يخاف النفاق على نفسه، مَا منهم
أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل .. ))(١).
ك نأخذ من الآيات والأحاديث وأقوال الصحابة والعلماء: أن
الإیمان یزید وینقص.
■ فالقرآن صرح بزيادة الإيمان ولم يتحدث عن نقصانه، ولكن
يستدل من الآيات على نقصان الإيمان ولهذا يقول ابن حجر في ((فتح
الباري)): ((ثم شرع المصنف يستدل لذلك بآيات من القرآن مصرحة
بالزيادة ويثبوتها يثبت المقابل، فإن كل قابل للزيادة قابل للنقصان
(٢)
ضرورة»(٢).
■ ((وإذا ما سألنا مَا هو الذي يزيد في قلب المؤمن عندما يزداد
إيمانه، وعندما يسلك الوسائل إلى هذه الزيادة؟ نجد الجواب أن
التصديق هو الذي يزيد، وأن اليقين هو الذي يزيد، وأن الاطمئنان هو
(١) المصدر السابق (١٤٨/١ - ١٤٩).
(٢) ((فتح الباري)) (٩٦/١).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٢٩
علو الهمة في استكمال الإيمان
الذي يزيد، وأن الثقة هي التي تزيد .. وهي كلها من الإيمان))(١).
■ قال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر: ((فغير خافٍ
مَا للإِيمَان من منزلة رفيعة ومكانة عالية، إذ هو أهم المهمَات وأوجب
الواجبات على الإطلاق وأعظمها وأجلها، وكل خير في الدنيا والآخرة
متوقف على وجود الإيمان وصحته وسلامته، وكم للإيمَان من فوائد
مغدقة، وثمار یانعة، و جنی لذيذ، وأُكُل دائم، وخير مستمر.
ومن هنا شمر المشمرون وتنافس المتنافسون في العناية ب الإيمان
تحقيقًا وتكميلًا، إذ المسلم الموفق -ولا بد- تكون عنايته بإيمانه أعظم
من عنايته بكل شيءٍ، ولمَا تحقق سلف الأمة وصدرها وخيرها
ومقدموها بذلك كانت عنايتهم بإيمانهم بارزة واهتمامهم به عظيمًا.
فكانوا - رضي الله عنهم ورحمهم - يتعاهدون إيمَانهم ويتفقدون
أعمالهم ويتواصون بينهم، والآثار عنهم في ذلك كثيرة جدًّا.
■ فكان عمر بن الخطاب لم يقول لأصحابه: «هلموا نزداد
إِيمَانًا))، وفي لفظ: ((تعالوا نزداد إيمَانًا)).
■ وكان عبد الله بن مسعود فظته يقول: ((اجلسوا بنا نزداد إيمَانًا))،
وكان يقول في دعائه: ((اللهم زدني إيمَانًا ويقينًا وفقهًا)).
■ وكان معاذ بن جبل خيته يقول: ((اجلسوا بنا نؤمن ساعة)).
■ وكان عبد الله بن رواحة خلفه يأخذ بيد النفر من أصحابه فيقول:
((تعالوا نؤمن ساعة، تعالوا فلنذكر الله ونزدد إيمانًا بطاعته، لعله يذكرنا
بمغفرته)).
(١) ((في ظلال الإيمَان)) (ص١٣).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٣٠
صلاح الأمة في علو الهمة
■وكان عمير بن حبيب الخطمي لسه يقول: ((الإيمان يزيد وينقص،
فقيل: ومَا زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وَلَّ وحمدناه وسبحناه
فذلك زيادته، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا، فذلك نقصانه)).
■ وكان علقمة بن قيس النخعي اله، وهو أحد كبار التابعين
وأجلائهم يقول لأصحابه: ((امشوا بنا نزدد إيمَانًا)).
■ وسئل عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي اله عن الإيمان أيزيد؟
قال: ((نعم حتى يكون كالجبال، قيل: فينقص؟ قال: نعم حتى لا يبقى
منه شيء)).
■ وسُئل إمَام أهل السنة أحمد بن حنبل اللَّهُ عن الإيمان يزيد
وينقص؟ فقال: ((يزيد حتى يبلغ أعلى السموات السبع، وينقص حتى
يصير إلى أسفل السافلين السبع)).
■ وكان يقول: ((الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، إذا عملت الخير
زاد وإذا ضيعت نقص)».
■والنقول عنهم في ذلك كثيرة جدًّا، وكذلك من تأمل سيرهم وقرأ
أخبارهم، علم شدة عنايتهم بأمر الإيمان وعظيم اهتمامهم به.
فلقد علم هؤلاء الأخيار أن للإيمان أسبابًا كثيرة تزيده وتقويه
وتنميه، وأن له أسبابًا أخرى كثيرة تنقصه وتضعفه وتوهیه، فاجتهدوا في
تحقيق مَا يقوي الإيمان ويكمله، واشتد حذرهم من كل مَا يضعف
الإيمان وينقصه، فكانوا بذلك بررة أخیارًا.
لذا فإن في معرفة هذه الأسباب -أعني: أسباب زيادة الإيمان
ونقصانه- فوائد عظيمة ومنافع جمة غفيرة، بل إن الضرورة ماسة إلى
معرفتها والعناية بها، معرفة واتصافًا؛ وذلك لأن الإيمان هو كمَال العبد
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٣١
علو الهمة في استكمال الإيمان
وسبيل فلاحه وسعادته، وبه ترتفع درجاته في الدنيا والآخرة، وهو
السبب والطريق لكل خير عاجل وآجل، ولا يحصل ولا يقوى ولا يتم
إلَّا بمعرفة طرقه وأسبابه.
فجدير بالعبد المسلم الناصح لنفسه الحريص على سعادتها أن
يجتهد في معرفة هذه الأسباب، ويتأملها ثم يطبقها في حياته؛ ليزيد إيمَانُه
ويقوى يقينه، وأن يبعد نفسه عن أسباب نقص الإيمان ويحصنها من
الوقوع فيها؛ ليسلم من عواقبها الوخيمة ومغبتها الأليمة، ومن وفق
لذلك فقد وفق للخیر کله.
■ يقول العلامة ابن سعدي اله: ((فالعبد المؤمن الموفق لا يزال
يسعى في أمرين:
أحدهما: تحقيق الإيمان وفروعه والتحقق بها علمًا وعملًا وحالًا.
والثاني: السعي في دفع مَا ينافيها وينقضها أو ينقصها من الفتن
الظاهرة والباطنة، ويداوي مَا قصر من الأول، ومَا تجرأ عليه من الثاني
بالتوبة النصوح، وتدارك الأمر قبل فواته))(١)، (٢).
أسباب زيادة الإيمان:
(١) تعلم العلم النافع المستمدّ من كتاب الله وسَّنَّة رسوله وَله:
قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورُ
﴾ [فاطر].
٢٨
(١) (التوضيح والبيان لشجرة الإيمان)) للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي
(ص٣٨).
(٢) ((أسباب زيادة الإيمَان ونقصانه)) (ص٥ - ٧) لعبد الرزّاق بن عبد المحسن
العباد - غراس للنشر والتوزيع - الكويت.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٣٢
صلاح الأمة في علو الهمة
وقال تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ
فَيُؤْمِنُواْ بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ، قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْإِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
[الحج].
٥٤
■ وقال الآجري في ((أخلاق العلمَاء)): ((إن الله وَّ تقدّست أسماؤه
اختص من خلقه من أحب فهداهم للإيمان، ثم اختص من سائر
المؤمنين من أحب فتفضَّل عليهم فعلّمهم الكتاب والحكمة، وفقّههم
في الدين وعلّمهم التأويل، وفضَّلهم على سائر المؤمنين، وذلك في كل
زمَان وأوان))(١). والمراد من العلم العمل به.
■ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «العلمُ علمَان: علم في القلب، وعِلْمٌ
على اللسان، فعلم القلب هو العلم النافع، وعلم اللسان هو حجة الله على
عباده))(٢) .. فالفقيه الذي تفقّه قلبه غير الخطيب الذي يخطب بلسانه،
وقد يحصل للقلب من الفقه والعلم أمور عظيمة، ولا يكون صاحبه
مخاطبًا بذلك لغيره، وقد يخاطب غيره بأمور كثيرة من معارف القلوب
وأحوالها، وهو عار من ذلك، فارغ منه))(٣).
■ وقال ابن القيم: ((وكل علم وعمل لا يزيد الإيمان قوةً
فمدخول)» (٤).
(١) ((أخلاق العلماء)) للآجري (ص١٣، ١٤).
(٢) ((من كلام الحسن البصري)) أخرجه الدارمي (١٠٢/١)، وذكره ابن تيمية في
((مجموع الفتاوى» (٢٣/٧)، وعزاه للحسن.
(٣) ((درء التعارض)) (٤٥٣/٧، ٤٥٤).
(٤) ((الفوائد)» (ص ١٦٢).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٣٣
علو الهمة في استكمال الإيمان
ومن هذا العلم النافع:
(أ) قراءة القرآن وتدبره:
** قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ
: [الأنفال].
عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَ عَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ
لا يحول بين القلب وبين الانتفاع بالقرآن إلّا حجاب الكفر، فإذا
رُفع هذا الحجاب بالإيمان وجد القلب حلاوة هذا القرآن، وزاده تدبّر
القرآن إيمَانًا.
و ((لا يزال العبد يستفيد من هذا التدُّر لكتاب الله، ویشهد قلبه فیه من
العلوم مَا يزيد في إيمَانه ويُقوِّيه، وكيف لا؟ وهو يجد في القرآن مَلِكًا
عظيمًا جوادًا جميلًا هذا شأنه، فكيف لا يحبُّه وينافس في القرب منه،
وينفق أنفاسه في التودُّد إليه، وكيف لا يكون أحب إليه مما سواه، وكيف
لا يؤثر رضاه على رضَى كل من سواه، وكيف لا يلهج بذكره، ويصير
حبّه والشوق إليه والأنس به هو غذاؤه وقوته ودواؤه، بحيث إنْ فقد
ذلك فسد وهلك، ولم ينتفع بحياته»(١).
قال تعالى: ﴿كِتَبُ أَنزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَزَكٌ لِيَدَّبَّرُوْ ءَايَتِهِ، وَلِسَنَذَكَّرَ أُوْلُواْ
الْأَلْبَبِ (٢)﴾ [ص].
■ وعن جُنْدَب بن عبد الله عالِه قال: «كنا مع النبيِ وَّه ونحن غِلْمَانٌ
حَزَاوِرَة (٢) فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلَّم القرآن، ثم تعلَّمنا القرآن فازددنا
(١) المصدر السابق (ص ٦٠).
(٢) حزاورة: جمع حزور، والحزور هو الصبي الذي قارب البلوغ
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٣٤
صلاح الأمة في علو الهمة
به إيمَانًا))(١).
■ قال الشيخ محمد رشيد رضا: «واعلم أن قوة الدين وكمَال
الإيمان به واليقين لا يحصلان إلَّا بكثرة قراءة القرآن واستماعه مع
التدبر بنية الاهتداء به، والعمل بأمره ونهيه، فالإيمان الإذعاني الصحيح
يزداد ويقوى وينمى وتترتب عليه آثاره من الأعمال الصالحة وترك
المعاصي والفساد بقدر تدبر القرآن))(٢).
■ قال ابن سعدي: ((ويقوّيه من وجوه كثيرة، فالمؤمن بمجرد ما يتلو
آيات الله، ويعرف مَا رُكِّب فيه من الأخبار الصادقة والأحكام الحسنة
يحصل له من أمور الإيمان خير كبير، فكيف إذا أحسن تأمله، وفهم
مقاصده وأسراره))(٣).
(ب) معرفة الله بأسمائه وصفاته وربوبيته وإلهيته:
■ قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: ((إن علم توحيد الأسماء
والصفات أشرف العلوم وأجلها على الإطلاق، فالاشتغال بفهمه
والبحث عنه اشتغال بأعلى المطالب وحصوله للعبد من أشرف
المواهب .. وهو أحد أركان الإيمان، بل أفضلها وأصلها الإيمان بالله،
وليس الإيمان بمجرد قوله آمنت بالله من غير معرفة بربه، بل حقيقة
الإيمان أن يعرف الذي يُؤمن به ويبذل جهده في معرفة أسمائه وصفاته
(١) حسن: رواه ابن ماجه (٦١)، وابن منده في كتاب الإيمان (١/ ٣٧٠) رقم
(٢٠٨)
(٢) ((مختصر تفسير المنار)) (١٧٠/٣).
(٣) ((التوضيح والبيان لشجرة الإيمان)) (ص٢٧).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٣٥
علو الهمة في استكمال الإيمان
حتى يبلغ درجة اليقين، وبحسب معرفته بربه يكون إيمانه، فكلما ازداد
معرفة بربه ازداد إيمَانه، وكلما نقص نقص، وأقرب طريق يوصِّله إلى
ذلك تدبر صفاته وأسمائه سبحانه وتعالى))(١).
• قال رسول الله وَالو: ((أنا أعلمكم بالله وأشدّكم له خشية))(٢).
■ قال ابن القيم عنه: ((جميع ما يبدو للقلوب من صفات الرب
سبحانه يستغني العبد بها بقدر حظه وقسمه من معرفتها وقيامه
بعبوديتها، فمن شهد مشهد علو الله تعالى على خلقه، وفوقيته لعباده،
واستوائه على عرشه كما أخبر بها أعرف الخلق وأعلمهم به الصادق
المصدوق، وتعبد بمقتضى هذه الصفة بحيث يصير لقلبه صمد يعرج
إليه، مناجيًا له مطرقًا واقفًا بين يديه وقوف العبد الذليل بين يدي الملك
العزيز فيشعر بأن كلمه وعمله صاعد إليه معروض عليه مع أو فى خاصته
وأوليائه، فيستحيي أن يصعد إليه من كلمه مَايخزيه ويفضحه هناك
ويشهد نزول الأمر والمراسيم الإلهية إلى أقطار العوالم كل وقت بأنواع
التدبير والتصرف من الإماتة والإحياء والتولية والعزل والخفض والرفع
والعطاء والمنع وكشف البلاء وإرساله وتقلب الدول ومداولة الأيام بين
الناس إلى غير ذلك من التصرفات في المملكة التي لا يتصرف فيها سواه،
فمراسيمه نافذة فيها كما يشاء ﴿ يُدَبِرُلْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُ إِلَيْهِ
[السجدة] فمن أعطى هذا
فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ، أَلْفَ سَنَوْمِمَا تَعُدُّونَ
(١) ((تفسير ابن سعدي)) (٢٤/١ - ٢٦).
(٢) رواه البخاري (٥١٣/١٠)، ومسلم (١٠٦/١٥) في ((الفضائل))، وأحمد
(٤٥/٦، ١٨١).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٣٦
صلاح الأمة في علو الهمة
المشهد حقه معرفةً وعبودية استغنى به، وكذلك من شهد مشهد العلم
المحيط الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماوات، ولا
في قرار البحار ولا تحت أطباق الجبال، بل أحاط بذلك علمه علمًا
تفصيليًّا، ثم تعبد بمقتضى هذا الشهود، من حراسة خواطره وإرادته،
وجميع أحواله وعزماته وجوارحه علم أن حركاته الظاهرة والباطنة
وخواطره وإرادته وجميع أحواله ظاهرة مكشوفة لديه علانية بادية لا
يخفى عليه منها شيء، وكذلك إذا أشعر قلبه صفة سمعه سبحانه
الأصوات عباده على اختلافها وجهرها وخفائها، وسواء عنده من أسَرَّ
القول ومن جهر به، لا يشغله جهر من جهر عن سمعه صوت من أسر،
ولا يشغله سمعٌ عن سمع، ولا تغلطه الأصوات على كثرتها واختلافها
واجتماعها، بل هي عنده كلها كصوت واحد كما أنّ خلق الخلق جميعًا
وبعثهم عنده بمنزلة نفس واحدة، وكذلك إذا شهد معنى اسمه البصير
جل جلاله الذي يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في
حِندس الظلمَاء، ويرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة، ومخها وعروقها
ولحمها وحركتها، ويرى مَدَّ البعوضة جناحها في ظلمة الليل، وأعطى
هذا المشهد حقه من العبودية بحرس حركاته وسكناته، وتيقن أنها
بمرأى منه سبحانه ومشاهدة لا يغيب عنه منها شيء، وكذلك إذا شهد
مشهد القيومية الجامع لصفات الأفعال، وأنه قائم على كل نفس بما
كسبت، وأنه تعالى هو القائم بنفسه المقيم لغيره، القائم عليه بتدبيره
وربوبيته وقهره، وإيصال جزاء المحسن وجزاء المسيء إليه، وأنه بكمَال
قيوميته لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه
عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، لا تأخذه سنة
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٣٧
علو الهمة في استكمال الإيمان
ولا نوم، ولا يضل ولا ينسى، وهذا المشهد من أرفع مشاهد العارفين،
وهو مشهد الربوبية، وأعلى منه مشهد الألوهية الذي هو مشهد الرسل
وأتباعهم الحنفاء، وهو شهادة أن لا إله إلَّا الله، وأن إلهية مَا سواه باطل
ومحال، كما أن ربوبية مَا سواه كذلك، فلا أحد سواه يستحق أن يؤله
ويُعْبَد ويصلى له ويسجد، ويستحق نهاية الحب مع نهاية الذل، لكمَال
أسمائه وصفاته وأفعاله، فهو المطاع وحده على الحقيقة والمالوه وحده،
وله الحكم، فكل عبودية لغيره باطلة وعناء وضلال، وكلّ محبة لغيره
عذاب لصاحبها، وكل غنى بغيره فقر وفاقة، وكل عزِّ بغيره ذلَّ وصغار،
وكل تكثر بغيره قلة وذلة، فكما استحال أن يكون للخلق رب غيره،
فكذلك استحال أن يكون لهم إله غيره، فهو الذي انتهت إليه الرغبات،
وتوجهت نحوه الطلبات، ويستحيل أن یکون معه إله آخر، فإن الإله على
الحقيقة هو الغني الصمد الكامل في أسمائه وصفاته، الذي حاجة كل
أحدٍ إليه ولا حاجة به إلى أحدٍ، وقيام كل شيءٍ به وليس قيامه بغيره. إلى
أن قال: فمشهد الألوهية هو مشهد الحنفاء، وهو مشهد جامع للأسماء
والصفات، وحظ العباد منه بحسب حظهم من معرفة الأسمَاء
والصفات))(١) اهـ.
■ قال أبو عبد الله أحمد بن عاصم الأنطاكي: ((من كان بالله أعرف
كان له أخوف»(٢).
(١) نقلاً عن ((معارج القبول)) (٨٥/١ - ٨٧).
(٢) ((الرسالة القشيرية)) للقشيري (ص١٤١). انظر ترجمة الأنطاكي في ((سير أعلام
النبلاء)) (٤٠٩/١١).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٣٨
صلاح الأمة في علو الهمة
■ وقال ابن القيم عمله: ((وليست حاجة الأرواح قط إلى شيء أعظم
منها إلى معرفة باريها وفاطرها، ومحبته وذكره والابتهاج به، وطلب
الوسيلة إليه والزلفى عنده ولا سبيل إلى هذا إلَّا بمعرفة أوصافه وأسمائه
فكلما كان العبد بها أعلم كان بالله أعرف وله أطلب وإليه أقرب، وكلمَا
كان لها أنكر كان بالله أجهل وإليه أكره ومنه أبعد، والله ينزل العبد من
نفسه حيث ينزله العبد من نفسه .. ))(١).
وقد نبّه ابن القيم على أهمّية البصيرة في توحيد الأسماء والصفات
وفقهها وفهمها على نهج السلف الصالح، وعلى أهمية الحذر من شُبَه أهل
الكلام الباطل المُفسِد لهذا التوحيد، ثم ذكر كلامًا نافعًا جامعًا مؤدّيًا إلى
هذه البصيرة، فقال: ((وعقد هذا أن يشهد قلبك الرب تبارك وتعالى
مستويًا على عرشه، متكلمًا بأمره ونهيه، بصيرًا بحركات العالم علويه
وسفليه، وأشخاصه وذواته، سميعًا لأصواتهم، رقيبًا على ضمائرهم
وأسرارهم، وأمر الممَالك تحت تدبيره، نازل من عنده وصاعد إليه،
وأملاكه بين يديه تنفذ أوامره في أقطار الممالك، موصوفًا بصفات
الكمال، منعوتًا بنعوت الجلال، منزها عن العيوب والنقائص والمثال،
هو کما وصف نفسه في کتابه، وفوق ما يصفه به خلقه، حي لا يموت،
قيوم لا ينام، عليم لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض،
بصير يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلمَاء،
سميع يسمع ضجيج الأصوات، باختلاف اللغات على تفنن الحاجات،
تمت كلماته صدقًا وعدلًا، وجلت صفاته أن تقاس بصفات خلقه شبهًا
(١) ((الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية)) لابن القيم (ص٣، ٤).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٣٩
علو الهمة في استكمال الإيمان
ومثلًا، وتعالت ذاته أن تشبه شيئًا من الذوات أصلًا، ووسعت الخليقة
أفعاله عدلًا، وحكمة ورحمة وإحسانًا وفضلًا، له الخلق والأمر، وله
النعمة والفضل، وله الملك والحمد، وله الثناء والمجد، أول ليس قبله
شيء، آخر ليس بعده شيء، ظاهر ليس فوقه شيء، باطن ليس دونه
شيء، أسماؤه كلها أسمَاء مدح وحمد وثناء وتمجيد، ولذلك كانت
حسنى، وصفاته كلها صفات كمال، ونعوته كلها نعوت جلال، وأفعاله
كلها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل، كل شيء من مخلوقاته دال عليه،
ومرشد لمن رآه بعين البصيرة إليه، لم يخلق السموات والأرض وما
بينهما باطلًا، ولا ترك الإنسان سدى عاطلًا، بل خلق الخلق لقيام
توحيده وعبادته، وأسبغ عليهم نعمه ليتوسلوا بشكرها إلى زيادة كرامته،
تعرف إلى عباده بأنواع التعرفات، وصرف لهم الآيات، ونوع لهم
الدلالات، ودعاهم إلى محبته من جميع الأبواب، ومدّ بينه وبينهم من
عهده أقوى الأسباب، فأتم عليهم نعمه السابغة، وأقام عليهم حجته
البالغة، أفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضَمَّن الكتاب
الذي كتبه أن رحمته تغلب غضبه))(١).
فمن كانت معرفته لله كذلك، وتفقه في هذه البصيرة، كان من أقوى
الناس إيمَانًا، وأحسنهم إجلالاً وتعظيمًا ومراقبة الله وًَّ، وأكثرهم طاعة
وتقربًا إليه، والناس في ذلك متفاوتون فمقل ومستكثر))(٢).
(١) ((مدارج السالكين)) (١٢٤/١، ١٢٥)، وانظر أيضًا ((مدارج السالكين)) (٢٥٢/٣،
٢٥٣)، و((الوابل الصيب)) لابن القيم (ص١٢٥ - ١٢٩).
(٢) ((أسباب زيادة الإيمَان)) (ص ٣٠).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٤٠
صلاح الأمة في علو الهمة
(٣) معرفة سيرة الرسول الحبيب ◌َ﴾ والتأسي به:
فإن من أسباب زيادة الإيمان النظر في سيرة النبي وَل ودراستها
وتأمل ما ذكر فيها من نعوته الطيبة، وخصاله الكريمة، وشمائله
الحميدة، فهو أمین الله على وحيه، وخيرته من خلقه، وسفيره بينه وبين
عباده، المبعوث بالدين القويم، والمنهج المستقيم، أرسله الله رحمة
للعالمين، وإِمَامًا للمتقين، وحجة على الخلائق أجمعين، أرسله على حين
فترة من الرسل فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل، وافترض على
العباد طاعته وتعزيره، وتوقيره ومحبته، والقيام بحقوقه، وسد دون الجنة
الطرق فلن تفتح لأحد إلّا من طريقه، فشرح له صدره، ورفع له ذكره،
ووضع عنه وزره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره بل ولا
سبيل لأحد جاء بعده في نيل السعادة في الدنيا والآخرة إلّا باتباعه وطاعته
والسير على نهجه.
■ قال ابن القيم وله: ((ومن ها هنا تعلم اضطرار العباد فوق كل
ضرورة إلى معرفة الرسول ومَا جاء به، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته
فيما أمر، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح في الدنيا ولا في الآخرة إلَّا
على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلَّا
من جهتهم، ولا ينال رضى الله البتة إلَّا على أيديهم، فالطيب من الأعمال
والأقوال والأخلاق ليس إلَّا هديهم ومَا جاءوا به، فهم الميزان الراجح
الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأخلاق
والأعمال، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، فالضرورة
إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى
حياتها، فأي ضرورة وحاجة فرضت، فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com