النص المفهرس
صفحات 81-100
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٨١
علو الهمة في استكمال الإيمان
وهذا هو السير المفضي إلى هذه الغاية التي لا تنال إلَّا به، ولا
يتوصل إليها إلّا من هذا الباب، وهذه الطريق، وحينئذٍ تجمع له في سيره
جميع متفرقات السلوك: من الحضور، والهيبة، والمراقبة، ونفي
الخواطر، وتخلية الباطن.
فإن المحب يشرع -أولًا- في التقربات بالأعمال الظاهرة. وهي
ظاهر التقرب، ثم يترقى من ذلك إلى حال التقرب، وهو الانجذاب إلى
حبيبه بكليته بروحه وقلبه، وعقله وبدنه، ثم يترقى من ذلك إلى حال
الإحسان، فيعبد الله كأنه يراه، فيتقرب إليه حينئذٍ من باطنه بأعمَال
القلوب: من المحبة والإنابة، والتعظيم والإجلال والخشية، فينبعث
حينئذٍ من باطنه الجود ببذل الروح، والجود في محبة حبيبه بلا تكلف،
فيجود بروحه ونفسه، وأنفاسه وإرادته، وأعماله لحبيبه حالًا، لا تكلفًا،
فإذا وجد المحب ذلك فقد ظفر بحال التقرب وسره وباطنه، وإن لم
يجده فهو يتقرب لسانه وبدنه وظاهره فقط، فَليَدُم على ذلك، وليتكلف
التقرب بالأذكار والأعمال على الدوام، فعساه أن يحظى بحال القرب.
• ووراء هذا ((القرب الباطن)) أمرٌ آخر أيضًا، وهو شيء لا يعبر عنه
بأحسن من عبارة أقرب الخلق إلى الله رسول الله وَل عن هذا المعنى،
حيث يقول حاكيًا عن ربه تبارك وتعالى: ((من تقرب مني شبرا تقربت منه
ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته
هرولة)»، فيجد هذا المحب في باطنه ذوق معنى هذا الحديث ذوقًا
حقيقيًّا.
فذكر من مراتب القرب ثلاثة، ونبه بها على ما دونها وما فوقها، فذكر
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة
٨٢
تقرب العبد إليه بالشبر، وتقربه سبحانه إلى العبد ذراعًا، فإذا ذاق العبد
حقيقة هذا التقرب انتقل منه إلى تقرب الذراع، فيجد ذوق تقرب الرب
إليه باعًا، فإذا ذاق حلاوة هذا القرب الثاني: أسرع المشي حينئذٍ إلى ربه،
فيذوق حلاوة إتيانه إليه هرولةً، وهاهنا منتهى الحديث، منبها على أنه إذا
هَزْوَل عبده إليه كان قرب حبيبه منه فوق هرولة العبد إليه، فإما أن يكون
قد أمسك عن ذلك لعظيم شاهد الجزاء، أو لأنه يدخل في الجزاء الذي لم
تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر، أو إحالةً له على المراتب
المتقدمة، فكأنه قيل له: وقس على هذا، فعلى قدر مَا تبذل منك متقربًا إلى
ربك: يتقرب إليك بأكثر منه، وعلى هذا فلازم هذا التقرب المذكور في
مراتبه، أي من تقرب إلى حبيبه بروحه وجميع قواه، وإرادته وأقواله
وأعماله: تقرب الرب منه سبحانه بنفسه في مقابلة تقرب عبده إليه.
وليس القرب في هذا المراتب كلها قرب مسافة حسية، ولا مماسة،
بل هو قرب حقيقي، والرب تعالى فوق سماواته على عرشه، والعبد في
الأرض.
وهذا الموضع هو سر السلوك، وحقيقة العبودية، وهو معنى
الوصول الذي يدندن حوله القوم.
وملاك هذا الأمر: هو قصد التقرب أولًا. ثم التقرب ثانيًا، ثم حال
القرب ثالثًا، وهو الانبعاث بالكلية إلى الحبيب.
وحقيقة هذا الانبعاث: أن تفنَى بمراده عن هواك، وبما منه عن
حظك. بل يصير ذلك هو مجموع حظك ومرادك، وقد عرفت أن من
تقرب إلى حبيبه بشيءٍ من الأشياء جوزي على ذلك بقرب هو أضعافه،
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٨٣
علو الهمة في استكمال الإيمان
وعرفت أن أعلى أنواع التقرب: تقرب العبد بجملته -بظاهره وباطنه،
وبوجوده- إلى حبيبه، فمن فعل ذلك فقد تقرب بكله، ولم تبق منه بقية
لغیر حبيبه، کما قيل:
يجد السبيل بها إليه العُذّل
لا كان من لسواك فيه بقية
وإذا كان المتقرب إليه بالأعمال يعطى أضعاف أضعاف ما تقرب به،
فما الظن بمن أَعْطِي حال التقرب وذوقه ووجده؟ فما الظن بمن تقرب
إليه بروحه، وجميع إرادته وهمته، وأقواله وأعماله؟.
وعلى هذا فكمًا جاد لحبيبه بنفسه، فإنه أهل أن يُجاد عليه، بأن يكون
ربه سبحانه هو حظه ونصيبه، عوضًا عن كل شيءٍ، جزاءً وفاقًا، فإن
الجزاء من جنس العمل، وشواهد هذا كثيرة.
منها: قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ، مَخْرَجً ا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا
٨٠/ / جورج
يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق] ففرق بين الجزائين كما
تری، وجعل جزاء المتو کل علیه کونه سبحانه حسبه و کافیه.
ومنها: أن الشهيد لما بذل حياته لله أعاضه الله سبحانه حياة أكمل
منها عنده في محل قربه و کرامته.
ومنها: أن من بذل لله شيئًا أعاضه الله خيرًا منه.
ومنها: قوله تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِ أَذْ كُرَّكُمْ وَأَشْكُرُ واْلِى وَلَا تَكْفُرُونِ
١٥٢
[البقرة].
ومنها: قوله في الحديث القدسي: ((من ذكرني في نفسه ذكرته في
نفسي، ومن ذکرني في ملاٍ ذکرته في ملاٍ خیر منه)».
ومنها: قوله: ((من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا)) الحديث.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٨٤
صلاح الأمة في علو الهمة
فالعبد لا يزال رابحًا على ربه أفضل ممَا قَدَّم له. وهذا المتقرب،
بقلبه وروحه وعمله: يفتح عليه ربه بحياة لا تشبه مَا الناسُ فيه من أنواع
الحياة، بل حياة من ليس كذلك بالنسبة إلى حياته: كحياة الجنين في بطن
أمه بالنسبة إلى حياة أهل الدنيا ولدتهم فيها، بل أعظم من ذلك.
فهذا نموذج من بيان شرف هذه الحياة وفضلها، وإن كان علم هذا
يوجب لصاحبه حياة طيبة، فكيف إن انصبغ القلب به، وصار حالًا
ملازمًا لذاته؟ فالله المستعان.
فهذه الحياة: هي حياة الدنيا ونعيمها في الحقيقة، فمن فقدها ففقده
لحياته الطبيعية أولى به ..
ففقده للحياة أليق به
هذي حياة الفتى فإن فُقدت
فلا عيش إلَّا عيش المحبين، الذين قَرَّت أعينهم بحبيبهم، وسكنت
نفوسهم إليه، واطمَانت قلوبهم به، واستأنسوا بقربه، وتنعموا بحبه، ففي
القلب فاقة لا يَسُدُّها إلَّا محبة الله، والإقبال عليه، والإنابة إليه، ولا يُلَمُّ
شَعَتُه بغير ذلك ألبتة، ومن لم يظفر بذلك: فحياته كلها هموم وغموم،
وآلام وحسرات، فإنه إن كان ذا همة عالية تقطعت نفسه على الدنيا
حسرات. فإن همته لا ترضى فيها بالدون وإن كان مَهينًا خسيسًا فعيشه
كعيش أخس الحيوانات، فلا تقر العيون إلَّا بمحبة الحبيب الأول ..
مَا الحب إلَّا للحبيب الأول
نقل فؤادك حیث شِئت من الهوی
وحَنينه أبدًا لأول منزل (١)
كم منزل في الأرض يألفُهُ الفتى
(١) ((مدارج السالكين)) (٢٦٤/٣ - ٢٧٤).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٨٥
علو الهمة في استكمال الإيمان
ومن مراتب الحياة: حياة الأرواح بعد مفارقتها الأبدان:
وخلاصها من هذا السجن وضيقه، فإن من ورائه فضاءً وروحًا
وريحانًا وراحة، نسبة هذه الدار إليه: كنسبة بطن الأم إلى هذه الدار، أو
أدنى من ذلك، قال بعض العارفين: لِتَكُنْ مبادرتك إلى الخروج من الدنيا
كمبادرتك إلى الخروج من السجن الضيق على أحبتك، والاجتماع بهم
في البساتين المونقة، قال الله تعالى في هذه الحياة: ﴿ فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَّرَّبِينَ
[الواقعة].
٨٩
فَرَوْعٌ وَرَتْحَانٌ وَحَتَّتُ نَعِيمٍ (
٨٨
ويكفي في طيب هذه الحياة: مرافقة الرفيق الأعلى، ومفارقة الرفيق
المؤذي المنكد، الذي تنغص رؤيته ومشاهدته الحياة، فضلًا عن
مخالطته وعِشْرته، إلى الرفيق الأعلى الذين أنعم الله عليهم من النبيين
والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، في جوار الرب
الرحمن الرحيم ..
في الموت ألفُ فضيلة لا تعرف
قد قلت، إذ مدحوا الحياة فأسرفوا:
وفراق كل معاشر لا ينصف
منها: أمَان لقائه بلقائه
ولو لم يكن في الموت من الخير إلَّا أنه باب الدخول إلى هذه الحياة،
وجِسْر يُعْبَر منه إليها: لكفى به تحفة للمؤمن ..
أَبَرُّ بنا من كل بَرِّ وألطف
جزى الله عنا الموت خيرًا، فإنه
ويُدْنِي إلى الدار التي هي أشرف
يُعَجِّل تخليص النفوس من الأذى
فالاجتهاد في هذا العمر القصير، والمدة القليلة، والسعي والكلح،
وتحمل الأثقال، والتعب والمشقة، إنما هو لهذه الحياة، والعلوم
والأعمال: وسيلة إليها، وهي يقَظَة، ومَا قبلها من الحياة نوم، وهي عين،
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٨٦
صلاح الأمة في علو الهمة
وما قبلها أثر. وهي حياة جامعة بين فقد المكروه، وحصول المحبوب في
مقام الأنس، وحضرة القدس، حيث لا يتعذر مطلوب، ولا يفقد
محبوب، حيث الطمانينة والراحة، والبهجة والسرور، حيث لا عبارة
للعبد عن حقيقة كنهها؛ لأنها في بلد لا عهد لنا به، ولا إلف بيننا وبين
ساكنه، فالنفس -لإلفها لهذا السجن الضيق النكد زمَانًا طويلًا - تكره
الانتقال منه إلى ذلك البلد، وتستوحش إذا استشعرت مفارقته.
وحصول العلم بهذه الحياة: إنما وصل إلينا بخبر إلهي، على يد أكمل
الخلق وأعلمهم وأنصحهم وَّة، فقامت شواهدها في قلوب أهل
الإيمان، حتى صارت لهم بمنزلة العيان، ففرت نفوسهم من هذا الظل
الزائل، والخيال المضمحل، والعيش الفاني المشوب بالتنغيص وأنواع
الغصص، رغبة في هذه الحياة، وشوقًا إلى ذلك الملكوت، ووجدًا بهذا
السرور، وطربًا على هذا الحد، واشتياقًا لهذا النسيم، الوارد من محل
النعيم المقيم.
ولعمر الله إن من سافر إلى بلد العدل والخِصْب، والأمن والسرور:
صَبَرَ في طريقه على كل مشقة، وإعواز وجدب، وفارق المتخلفين أحوج
مَا كان إليهم، وأجاب المنادي إذا نادى به: حي على الفلاح، وبذل نفسه
في الوصول بَذْل المحب بالرضى والسمَّاح، وواصل السير بالغدوِّ
والرواح، فحمد عند الوصول مَسْراه، وإنما يحمد المسافر السُّرَى عند
الصباح ..
عند الصباح يحمد القوم السُّرَى
وفي الممَات يحمد القوم اللقا
ومَا هذا - والله - بالصعب ولا بالشديد، مع هذا العمر القصير، الذي
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٨٧
علو الهمة في استكمال الإيمان
هو بالنسبة إلى تلك الدار كساعة من نهار ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ
٤ [الأحقاف: ٣٥].
يَلْبَثُواْإِلَّسَاعَةً مِّن نَّهَارٍ
وقال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةٌ مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ
ج
﴾ [يونس: ٤٥].
بينهم
ء [النازعات].
* وقال تعالى: ﴿﴿كَأَنَّهُمْ يَؤْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَنُوا إِلََّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَتَهَا ﴾﴾
) قَالُواْلَبِئْنَا يَوْمَا أَوْ
١١٢
﴿ قَلَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَسِنِينَ
** وقال تعالى:
قَلَ إِن ◌َِّثْتُمْ إِلَّا قَلِلًاٌ لَّوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
١١٣
بَعَّضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعَآدِينَ
[المؤمنون].
١١٤
فلو أن أحدنا يُجَرُّ على وجهه -يَتَّقِي به الشوك والحجارة- إلى هذه
الحياة: لم يكن ذلك كثيرًا ولا غَبْنا في جنب مَا يُوقّاه.
فوا حسرتاه على بصيرة شاهدت هاتين الحياتين على مَا همَا عليه،
وعلى همة تؤثر الأدنى على الأعلى، ومَا ذاك إلَّا بتوفيق مَنْ أزِمَّة الأمور
بيديه، ومنه ابتداء كل شيءٍ وانتهاؤه إليه، أقعدَ نفوس من غلبت عليهم
الشقاوة عن السفر إلى هذه الدار، وجذب قلوب من سَبَقت لهم منه
الحسنى، وأقامهم في الطريق، وسَهَّل عليهم ركوب الأخطار، فأضاع
أولئك مراحل أعمارهم مع المتخلفين وقطع هؤلاء مراحل أعمارهم
مع السائرين، وعُقدت الغبَرة وثار العَجاج، فتوارى عنه السائرون
والمتخلفون، وسينجلي عن قريب، فيفوز العاملون، ويخسر المبطلون.
• ومن طيب هذه الحياة ولذاتها: قال النبي ◌َّر: ((مَا من نفس تموت
- لها عند الله خير - يسرها أن ترجع إلى الدنيا، وأن لها الدنيا وما فيها،
إلَّا الشهيد؛ فإنه يتمنى الرجوع إلى الدنيا، لما يرى من كرامة الله له))،
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٨٨
صلاح الأمة في علو الهمة
يعني: ليقتل فيه مرة أخرى))(١).
■ ثم قال له: ((وفي هذه المرتبة تعلم حياة الشهداء، وأنهم عند
ربهم يرزقون، وأنها أكمل من حياتهم في هذه الدنيا، وأتم وأطيب، وإن
كانت أجسادهم متلاشية، ولحومهم متمزقة، وأوصالهم متفرقة،
وعظامهم نَخِرة، فليس العمل على الطَّلَلَ، إنمَا الشأن في الساكِن.
قال تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ
[آل عمران].
١٦٩
رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
* وقال تعالى: ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتُّ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَّا
[البقرة].
تَشْعُرُونَ
■ وإذا كان الشهداء إنما نالوا هذه الحياة بمتابعة الرسل وعلى
أيديهم، فما الظن بحياة الرسل في البرزخ؟ ولقد أحسن القائل ما شاء:
فالعيش نوم، والمنية يقظة
والمرء بينهما خيال ساري
فللرسل والشهداء والصديقين من هذه الحياة - التي هي يقظة من
نوم الدنيا- أكملها وأتمها، وعلى قدر حياة العبد في هذا العالم يكون شوقه
إلى هذه الحياة، وسعيه وحرصه على الظفر بها، والله المستعان))(٢).
وآخر هذه المراتب وأعلاها: الحياة الدائمة الباقية في دار الحيوان بعدَ طي
هذا العالم وذهاب الدنيا وأهلها:
((وهي الحياة التي شمر إليها المشمرون، وسابق إليها المتسابقون،
(١) ((مدارج السالكين)) (٣/ ٢٧٤ - ٢٧٦).
(٢) المصدر السابق (٢٨٢/٣ - ٢٨٣).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٨٩
علو الهمة في استكمال الإيمان
ونافس فيها المتنافسون، وهي التي أجرينا الكلام إليها، ونادت الكتب
السماوية ورسل الله جميعهم عليها، وهي التي يقول من فاته الاستعداد
لها: ﴿إِذَا ذُكْتِ الْأَرْضُ ◌َّكَ دَكً ا وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّا صَفَّا وَجِاْىَّ
يَؤْمَيِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَنَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ﴿ يَقُولُ يَلَيْتَنِ قَّدَّمْتُ
لِيَاتِيِ ن فَوَمِذٍلَّا يُعَذِّبُ عَذّابُ أَحَدُ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدُّ
ة[ الفجر].
* وهي التي قال الله وَّ فيها: ﴿﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ
ج
[العنكبوت].
٦٤
وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ
/
• والحياة المتقدمة كالنوم بالنسبة إليها، وكل ما تقدم -من وصف
السير ومنازله، وأحوال السائرين، وعبوديتهم الظاهرة والباطنة- فوسيلة
إلى هذه الحياة، وإنما الحياة الدنيا، بالنسبة إليها، كما قال النبي وَّ: ((مَا
الدنيا في الآخرة إلّ كما يُدخِل أحدُكم إصبعه في اليَمِّ فلينظر بم ترجع؟».
وكما قيل: تنفست الآخرة، فكانت الدنيا نفسًا من أنفاسها، فأصاب
أهل السعادة نَفَس نعيمها، فهم على هذا النفس يعملون، وأصاب أهلَ
الشقاوة نفس عذابها، فهم على ذلك النفس يعملون.
وإذا كانت حياة أهل الإيمان والعمل الصالح في هذه الدار حياة طيبة،
فما الظن بحياتهم في البرزخ، وقد تخلصوا من سجن الدنيا وضيقها؟ فما
الظن بحیاتهم في دار النعيم المقيم الذي لا یزول، وهم یرون وجه ربهم
تبارك وتعالى بُكْرَةً وعَشِيًّا ويسمعون خطابه؟.
فإن قلت: مَا سبب تخلف النفس عن طلب هذه الحياة التي لا خَطَر
لها، ومَا الذي زَهَّدها فيها؟ وما سبب رغبتها في الحياة الفانية
المضمحلة، التي هي كالخيال والمنام؟ أفسادٌ في تصورها وشعورها؟ أم
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٩٠
صلاح الأمة في علو الهمة
تكذيب بتلك الحياة؟ أم لآفة في العقل، وعمى هناك؟ أم إيثار للحاضر
المشهود بالعيان على الغائب المعلوم بالإيمان؟
قيل: بل ذلکم لمجموع أمور مر کبة من ذلك كله.
وأقوى الأسباب في ذلك: ضعف الإيمان؛ فإن الإيمان هو روح
الأعمال. وهو الباعث عليها، والآمر بأحسنها، والناهي عن أقبحها،
وعلى قدر قوة الإيمان يكون أمره ونهيه لصاحبه، وائتمَار صاحبه
وانتهاؤه.
قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِءَ إِيمَنُكُمْ إِن كُنتُم
قال الله تعالى:
مُؤْمِنِينَ
﴾ [البقرة].
٩٣
وبالجملة: فإذا قوي الإيمان قوي الشوق إلى هذه الحياة، واشتد
طلب صاحبه لها.
السبب الثاني: جُثوم الغفلة على القلب؛ فإن الغفلة نوم القلب، ولهذا
تجد كثيرًا من الأيقاظ في الحس نيامًا في الواقع، فتحسبُهم أيقاظًا وهم
رقود، ضد حال من يكون يقظان القلب وهو نائم، فإن القلب إذا قويت
فيه الحياة لا ينام إذا نام البدن، وكمَال هذه الحياة كان لنبينا وَّةِ، ولمن
أحيا الله قلبه بمحبته واتباع رسالته على بصيرة من ذلك بحسب نصيبه
منهما.
فالغفلة واليقظة يكونان في الحس والعقل والقلب، فمستيقظ القلب
وغافله كمستيقظ البدن ونائمه، وكما أن يقظة الحس على نوعين،
فكذلك يقظة القلب على نوعين.
فالنوع الأول من يقظة الحس: أن صاحبها ينفذ في الأمور الحسية،
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٩١
علو الهمة في استكمال الإيمان
ويتوغل فيها بكسبه وفطانته، واحتياله وحسن تأتيه.
والنوع الثاني: أن يُقبل على نفسه وقلبه وذاته، فيعتني بتحصيل كمَاله.
فيلحظ عوالي الأمور وسفسافها، فيؤثر الأعلى على الأدنى، ويقدم خير
الخيرين بتفويت أدناهما، ويرتكب أخف الشرين خشية حصول أقواهما،
ويتحلى بمكارم الأخلاق ومعالي الشِّيَم. فيكون ظاهره جميلًا، وباطنه
أجمل من ظاهره، وسريرته خيرًا من علانيته، فيزاحم أصحاب المعالي
عليها كما يتزاحم أهل الدينار والدرهم عليهمًا. فبهذه اليقظة يستعد
للنوعين الآخرين منهما.
أحدهما: يقظة تبعثه على اقتباس الحياة الدائمة الباقية، التي لا خَطَر
لها، من هذه الحياة الزائلة الفانية، التي لا قيمة لها.
فإن قلت: مَثَّل لي، كيف تقتبس الحياة الدائمة من الحياة الفانية؟
و کیف یکون هذا؟ فإني لا أفهمه.
قلت: وهذا أيضًا من نوم القلب، بل من موته. وهل تقتبس الحياة
الدائمة إلا من هذه الحياة الزائلة؟ وأنت قد تشعل سراجك من سراج
آخر قد أشفى على الانطفاء، فيتَّقِد الثاني ويضيء غاية الإضاءة، ويتصل
ضوءه، وينطفئ الأول. والمقتبس لحياته الدائمة من حياته المنقطعة:
إنما ينتقل من دار منقطعة إلى دار باقية. وقد توسط الموت بين الدارين،
فهو قنطرة لا يعبر إلى تلك الدار إلَّا عليها، وباب لا يدخل إليها إلَّ منه،
فهمًا حیاتان في دارین بینهما موت؛ و کما أن نور تلك الدار مقتبس من
نور هذه الدار، فحياتها كذلك مقتبسة من حياتها. فعلى قدر نور الإيمان
في هذه الدار يكون نور العبد في تلك الدار، وعلى قدر حياته في هذه الدار
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٩٢
صلاح الأمة في علو الهمة
تكون حياته هناك)»(١).
■ (فماذا فقد من وجد الأنس بتلك الحقائق والمدركات وتلك
المعاني والمشاعر؟ وعاش بها ومعها، وقطع رحلته على هذا الكوكب في
ظلالها وعلى هُدَاها؟ ومَا وجد من فقدها ولو تقلّبَ في أعطاف النعيم،
وهو يتمتّعُ ويأكل كما تأكل الأنعام. والأنعام أهدى؛ لأنها تعرف بفطرتها
الإيمان؛ وتهتدي به إلى بارئها الكريم))(٢).
وحياة الآخرين تعيسة مريرة بلا حدود ولا قيود ولا أمل:
■ كتب أنيس منصور تحت عنوان «هذا الجيل بلا حدود ولا قيود
ولا أمل)) يقول: ((هذه عبارة الكاتب الفرنسي (شارل موليه)) في الجزء
الثالث من كتابه عن ((أدب القرن العشرين والمسيحية)) في ٥٠٠ صفحة،
وهو في هذا الكتاب بأجزائه الثلاثة لا يدافع عن المسيحية ولا يهاجمها،
ولكن يجعلها حائطًا كبيرًا ترجع إليه الحضارة الغربية في محنتها
الروحية، وهذا الكتاب هو أحسن الكتب وأشملها عن أدب القرن
العشرين فلم يظهر كتاب شامل عن أدب القرن العشرين إطلاقًا. وإنما
كل الكتب التي صدرت هي دراسات خاصة مطوّلة عن كثير من هؤلاء
الأدباء .. ولكن هذه الدراسات الموضوعية قد انفرد بها صابرًا مجتهدًا
«شارل مولیه».
والمؤلف يعتمد على النصوص الأدبية ولا يُطلق حكمًا دون أن
يكون في يديه وفي جيوبه حيثيات هذا الحكم، وهو لا يخلو للمداولة
(١) ((مدارج السالكين)) (٣/ ٢٨٣ - ٢٨٥).
(٢) ((الظلال)) (٣٣٥٣/٦ - ٣٣٥٤).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٩٣
علو الهمة في استكمال الإيمان
ويصدر أحكامه، وإنما يصدرها علنًا في محكمة النقد الأدبي.
والجزء الثالث هذا قد تناول فيه الآثار العميقة لكل من ((مَالرو))،
و((كفاكا))، و((فركور))، و((شولوخوف))، و((مولنيه))، و(بومبار))،
و((فراسنواز ساجان))، و((لاديستاس ريمون)). ومن رأي المؤلف أن
الفيلسوف السياسي الموسيقار الطيار ((أندريه مَالرو)) هو الذي وضع
أصابعه على الخطر الذي ينتظر الإنسانية، فهو وحده الذي أدرك منذ
أكثر من ربع قرن محنة الروح الأوربية، و((المرو)) هو الذي نفث روح
القلق والأسى في الأدب الفرنسي والأوربي بعد ذلك.
والغريب في هذا الجزء الثالث مَا قاله المؤلف عن الأديبة الفرنسية
((فرانسواز ساجان)) التي صدرت لها قصتان هما: ((مرحبًا أيها الحزن)) ..
و((ابتسامة مَا)) فهو يرى أن ((ساجان)) قد سجَّلت روح اليأس والمرارة
واللامبالاة والتواكل، تلك الروح التي عبّر عنها سارتر في أعقاب
الحرب الأخيرة. والذي يتذكر مَا قال ((سارتر)) في الأعداد الأولى من
مجلة ((العصور الحديثة)) يجده يصرخ ويقول: ((لقد انتهت الحرب في
فرنسا الجائعة، ولكن السلام لم يبدأ. إننا نعيش في محنة ما بين الحربين،
لقد كذب هؤلاء الذين قالوا: إن السلام من طبيعة الأشياء وإن الحرب
مسألة عارضة .. فما هذا الذي نحن فيه؟ إنه الحرب والسلام معًا، إنها
المحنة دائمًا !! )).
وهذا الذي قاله ((سارتر)) في قصصه وكتبه إنما هو تعميق للإحساس
بالمَاساة واليأس والمرارة، وقد عبَّر عنه الشاعر الألماني ((بروشرت))
الذي توفي سنة ١٩٤٧، قال في قصته ((أمَام الباب)): نحن جيل بلا رابط
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٩٤
صلاح الأمة في علو الهمة
ولا عمق. عمقنا هو الهاوية، نحن جيل بلا دين ولا راحة، شمسنا
ضيقة، حبنا وحشية، وشبابنا بلا شباب !!.
إننا جيل بلا قيود ولا حدود ولا حماية من أحد.
وكان لا بد أن تظهر هذه الصورة الشابة المعذبة في طلبة الجامعات
والمدارس وأعمَاق الأديرة، ومن هذه الأديرة، ومن الرهبانية القائمة،
خرجت ((فرانسواز ساجان)) لتُعلن في قصتها: إنني لا أفكر، ولا أستطيع،
ولا أطيق أن أبقى وحدي، ولا أريد لأحد أن يكون كذلك، وأريد أن
أعيش مثل شيءٍ جديد، ولو كان فيه عذاب، المهم أن يكون جديدًا.
وكذلكم فعلت ((سسيل)) بطلة قصة ((مرحبًا أيها الحزن))، ولم تتردد
((دومنيك)) طالبة الحقوق وبطلة قصة ((ابتسامة مَا)).
(سسيل))، و((دومنيك)) صورتان لأبناء هذا الجيل الذي يتحرك ويتألم
ويروح ويجيء، ويحارب ويصرخ في الظلام بلا حدود ولا قيود يؤمن
بها، ولا أمل في أن يكون لديه أمل))، وكفى بهذه الوثائق مستندًا)) (١).
ثانيًا: الإيمان بالله وَزَّ أفضل الأعمال:
الإيمان بالله وَّ هو أفضل أعمال القلب، كما أن الصلاة وهي من
الإيمان - أفضل أعمال الجوارح.
· قال رسول الله وَ له: «أفضل الأعمَال الإيمان بالله وحده، ثم
الجهاد، ثم حجّة بَرَّةٌ تفضُل سائر الأعمال كما بين مطلع الشمس إلى
مغربها)) (٢)
(١) الإيمان والحياة)) للقرضاوي (ص٣٠٩ - ٣١١).
(٢) صحيح: رواه ابن حبان عن أبي ذر، وصحَّحه الألباني في ((صحيح الجامع))
=
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٩٥
علو الهمة في استكمال الإيمان
• وقال رسول الله قال: «أفضل العمل إيمان بالله، وجهاد في سبيل
الله))(١).
• وقال النبي وَالّ: «أفضل الأعمال عند الله إيمَانٌ لا شك فيه، وغزوٌ
لا غلول فیه، و حج مبرور)»(٢).
• وقال رسول الله وَله: «أحب الأعمَال إلى الله إيمان بالله، ثم صِلةٌ
الرَّحِمِ، ثم الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر، وأبغض الأعمال إلى الله
الإشراك بالله، ثم قطيعة الرَّحِمِ)(٣).
أمر الله وَرَّ به، وأثنى على أهله ومدح من توسل إليه به:
* قال الله تعالى: ﴿قُولُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِزَهِمَ
وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوْتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَآ أُوْتِىَ النَّبِيُّونَ مِن
زَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
[البقرة].
١٣٦
* ومدح الله وَّ المؤمنين الذين توسلوا إليه بالإيمان، وذلك تعظيمًا
لقدر الإيمان وتنويهًا بشرفه فقال تعالى في وصف أولي الألباب: ﴿ الَّذِينَ
يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
(١١٢٤)، و((الصحيحة)) (١٤٩٠).
(١) صحيح: رواه ابن حبان، وأحمد عن مَاعز، وصححه الألباني في ((صحيح
الجامع» (١٠٩٢).
(٢) صحيح: رواه أحمد (٢٥٨/٢، ٤٤٢، ٥٢١)، وابن حبان (٤٥٨/١٠ -
الإحسان)- وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٣) حسن: رواه أبو يعلى عن رجل من خثعم. وحسّنه الألباني في ((صحيح الجامع))
(١٦٦)، وانظر: ((مجمع الزوائد» (١٥١/٨)، و((الترغيب)) (٢٢٣/٣).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٩٦
صلاح الأمة في علو الهمة
رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَتَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ { رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ
فَقَدْ أَخْرَيْتَةٌ، وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴿ رَبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ
ج
أَنْ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَشَامَنَّا رَبَّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ
[آل عمران].
١٩٣
الْأَبْرَارِ
: وأمر الله وَّ المؤمنين بمزيد من الإيمان فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُوْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْكِنَبِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ، وَالْكِتَبِ الَّذِىّ
ج
أَنْزَلَ مِن قَبْلُ ﴾ [النساء: ١٣٦].
كما أثنى الله تعالى على أصحاب محمد وَله بإيمانهم بالله وَاه
وملائكته وكتبه ورسله فقال تعالى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَبِّهِ،
وَاَلْمُؤْمِنُونَ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِن ◌ُسُلِهِ،
(١)
[البقرة])»
(٢٨٥)
وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
جعل الله وَّ الإيمَان شرطا لقبول الأعمال الصالحة وانتفاع العبد بها في
الدنيا والآخرة:
* فقال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ
لِسَعْيِلِ﴾ [الأنبياء: ٩٤].
فاشترط الله وَجَّ الإيمان.
* وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَرَادَاَلْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ
[الإسراء].
كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا (٥)﴾
(١) انظر: ((شجرة الإيمان)) للشيخ الدكتور أحمد فريد (ص٢٧ - ٢٨) - طبع دار
العقيدة.
هـ
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٩٧
علو الهمة في استكمال الإيمان
إذا فقد العبد الإيمان حبط جميع عمله وكان من الخاسرين:
* ولو كان نبيًّا رسولًا، ولو كان خاتم الأنبياء وَله، قال الله: ﴿ وَلَقَدْ
أُوْجِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَيِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ
٦٥
بَلِ اَللَّهَ فَأَعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّكِرِينَ
٦٦
[الزمر].
وهذا من تقدير المحال، وهو جائز في لغة العرب كما قال تعالى:
#[الزخرف].
٨١
قُلّ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَأْ أَوَّلُ الْعَبِدِينَ
أو هو خطاب للنبي وَله والمقصود به الأمة.
* وقال تعالى بعد أن ذكر الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام:
ذَلِكَ هُدَى اُللَّهِ يَهْدِى بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ (١٨)﴾[الأنعام].
ضرب الله وَزَّ لكلمة الإيمَان مثلا بالشجرة الطيبة التي تضرب جذورها
في الأرض الطيبة، وتثمر الثمرات اليانعة كل حين بإذن ربها :
** قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَكَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةٌ كَشَجَرَةٍ
طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرَعُهَا فِى السَّمَاءِ
تُؤْقِ أُكُلَهَا كُلُّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا
[إبراهیم].
٢٥
وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمَّثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
■ قال العلامة السعدي: ((فمثل الله كلمة الإيمان - التي هي أطيب
الكلمات- بشجرة هي أطيب الأشجار موصوفة بهذه الأوصاف
الحميدة: أصولها ثابتة مستقرة، ونماؤها مستمر، وثمراتها لا تزال كل
وقت وكل حين تغل على أهلها وعلى غيرهم المنافع المتنوعة والثمرات
(١)
النافعة)» (١).
(١) ((رسالة التوضيح والبيان لشجرة الإيمان)) من المجموعة الكاملة لمؤلفات
=
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٩٨
صلاح الأمة في علو الهمة
· وقال القاسمي: ((لحظ في الممثل به -أعني الشجرة- أو صاف
جليلة لتلحظ في جانب الممثل له. فمنها: كونها طيبة أعم من طيب
المنظر والصورة والشكل، ومن طيب الريح وطيب الثمرة وطيب
المنفعة، وكون أصلها ثابتًا أي راسخًا باقيًا في أمن من الانقلاع
والانقطاع والزوال والفناء ليعظم الفرح به والسرور، وكون فرعها في
السماء، فدل على كمَال حال تلك الشجرة من جهة ارتفاع أغصانها
وقوتها في التصاعد مما يبرهن على ثبات الأصل ورسوخ العروق، وجهة
بعدها عن العفونات والأقذار، فتكون ثمرتها نقية طاهرة طيبة عن جميع
الشوائب، وكون ثمرتها تجنى كل حين فلا تنقطع بركاتها وخيراتها، ولا
ريب أن وجود هذه الأوصاف مما يدل على فخامة الموصوف، وإنافة
فضله ولا تخفى مطابقة هذا الممثل به للممثل له))(١)، (٢).
ومن شرف الإيمَان أنه إذا كمل دخل العبد الجنة من أول وهلة وحرّمه الله
على النار:
وكذا إذا رجحت حسناته بسيئاته والإيمان ولو كان قليلًا يمنع من
الخلود في النار، فإنه يخرج من النار من كان في قلبه مثال ذرة من إيمان،
وقال النبي وَّ: ((إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلَّ الله يَبْتَغِي بِذَلِكَ
وَجْهَ الله))(٣).
الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي وكهر (٣/ العقيدة الإسلامية/ ٨٨).
(١) ((محاسن التأويل)) للقاسمي (٢٧/١٠).
(٢) ((شجرة الإيمان)) (ص٢٧ - ٣٠).
(٣) رواه مسلم (١/ ٢٤٤).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٩٩
علو الهمة في استكمال الإيمان
2 استكما
■ قال شيخ الإسلام: ((وأكثر من يقولها تقليدًا وعادة، ولم تخالط
حلاوة الإيمان بشاشة قلبه، وغالب من يفتن عند الموت وفي القبور
أصحاب المعاصي، وغالب أعمَال هؤلاء إنما هو تقليد واقتداء
بأمثالهم، وهم من أقرب الناس من قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ
[الزخرف]، وحينئذٍ فلا منافاة بين
٢٣
وَإِنَّا عَلَىْ ءَائَِهِم مُقْتَدُونَ
الأحاديث؛ فإنه إن قالها بإخلاص ويقين تام لم يكن في هذه الحال مصرًّا
على ذنب أصلًا، فإن كمَال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحبَّ إليه
من كل شيءٍ، فإذًا لا يبقى في قلبه إرادة لمَا حرم الله، ولا كراهة لمَا أمر
الله، وهذا هو الذي يحرم على النار، وإن كانت له ذنوب قبل ذلك، فإن
هذا الإيمان وهذا الإخلاص وهذه التوبة وهذه المحبة وهذا اليقين لا
يترك له ذنبًا إلَّا محي كما يمحو الليل النهار، فإن قالها على وجه الكمال
المَانع من الشرك الأكبر والأصغر فهذا غير مصرٍّ على ذنب أصلاً، ولم
يأت بعدها بمَا يناقض ذلك فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات
فيرجح لها ميزان الحسنات كما في حديث البطاقة فيحرم على النار ولكن
تنقص درجته في الجنة بقدر ذنوبه، وهذا من رجحت سيئاته بحسناته
ومَات مصرًّا على ذلك فإنه يستوجب النار)) اهـ.
فمن رجحت سيئاته بحسناته وهو من أهل الإيمان فإنه في مشيئة
الملك الديان، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، ولكنه يدخل النار إذا
دخلها عقوبة، ثم يخرج منها برحمة أرحم الراحمين، ثم بشفاعة الشافعين،
ولا يخلد في النار أحد من أهل الإيمان.
* قال الله تعالى: ﴿﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا
وَيُؤْتٍ مِن لَّدُنَّهُ أَجْرًا عَظِيمًا
[النساء].
٤٠
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٠٠
صلاح الأمة في علو الهمة
● وعن أبي سعيد الخدري لهعنه أن النبي وَّ قال: ((إذا دخل أهل
الجنة الجنة وأهل النار النار يقول الله: من كان في قلبه مثقال حبّة من
خردل من إيمان فأخرجوه)) (١).
ومن شرف الإيمان أن العبد لا يفلح الفلاح التام ويهتدي الاهتداء الكامل
إلا بالإيمان:
*كما قال تعالى: ﴿الَّّ ٥) ذَلِكَ الْكِتَبُ لَرَيْبَ فِيهِ هُدَى لِلْنَّقِينَ ا الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
بِالْغَيْبٍ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمَّا رَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ () وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ
هُمْيُوقُِنَ ا أُوْلَبِّكَ عَلَى هُدًى مِن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾﴾ [البقرة].
قال السعدي اللّهُ: ((فهذا هو الهدى التام والفلاح الكامل، فلا
سبيل إلى الهدى والفلاح -اللذين لا صلاح ولا سعادة إلَّا بهمَا إلَّا
ب الإيمان التام بكل كتاب أنزله الله وبكل رسول أرسله الله، فالهدى
أجمل الوسائل والفلاح أكمل الغايات))(٢).
ولشرف الإيمَان أخبر الله وَّ أن الشيطان ليس له سلطان على أهله:
* فقال تعالى: ﴿ إِنَّهُ، لَيْسَ لَهُ، سُلْطَانُ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ
إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ، وَاُلَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ
يَتَوَ كَّلُونَ (١)
[النحل].
١٠٠
قال القاسمي لعلّهُ: ((بين تعالى أن أثر وسوسته إنما يكون فيمن له
0
سلطان عليهم، أي تسلط وولاية من أوليائه المتبعين خطواته، وأما
(١) رواه البخاري (٤٢٤/١١).
(٢) ((المجموعة الكاملة)) لمؤلفات الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ((٣ العقيدة
الإسلامية)) (١٣١).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com