النص المفهرس

صفحات 561-580

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٥٦١
٢٥٧ - الكاساني صاحب (( بدائع الصنائع )) العلامة الحنفي :
تلميذ محمد بن أحمد أبو بكر علاء الدين السّمرقندي ، المتوفّى سنة
٥٣٩، صاحب كتاب ((تحفة الفقهاء)) في الفقه الحنفي.
كان لهذا العالم الجليل - محمد بن أحمد السمر قندي - بنت تُسمّى
فاطمة ، ربّاها فأحسن تربيتها ، وعلّمها فأحسن تعليمها ، يقول صاحب
كتاب ((الفوائد البهية))(١): ((كانت ابنته فاطمة الفقيهة العلّامة زوجة علاء
الدين الكاساني ، وكانت تفقّهتْ على أبيها ، وحفظت تُحفته ، وكان زوجها
يخطىء ، فتردّه إلى الصواب ، وكانت الفتوى تأتي فتخرج وعليها خطُّها
وخطُّ أبيها ، فلمّا تزوجت بصاحب الصنائع ، كانت تخرج وعليها خطها
وخط أبيها وخطّ زوجها )).
وقد تسامع الملوك بفاطمة فخطبوها من أبيها ، فامتنع والدها من
تزويجها ، وكان من طلبة الشيخ تلميذ يُسمّى علاء الدين أبا بكر بن مسعود
الكاساني ، لازم شيخه ، واشتغل بالعلم عليه ، وبرع في علم أصول الفقه
والفقه، وصنّف كتاب ((بدائع الصنائع )) في الفقه، وهو في الحقيقة شرحٌ
لكتاب شيخه ((تحفة الفقهاء ))، وعَرَضَ الكتاب على شيخه ، ففرح به فرحًا
شديدًا ، وزوّجه ابنته ، وجعل مهرها منه ذلك الكتاب الذي أَلّفه ، فقال
الفقهاء في عصره: ((شَرَحَ تُحفتَهُ، وزوّجَهُ ابنتَهُ)).
لله دُّهم من أهل بيت ... كان العلم دِثارهم ، شيخٌ وابنتُهُ وزوجُ ابنته .
٢٥٨ - العلامة المرداوي صاحب كتاب ((الإنصاف)) الحنبلي؛ الشيخ
الإِمام العلامة شيخ الحنابلة علي بن سليمان بن أحمد المرداوي السّعدي :
قال عنه ((العليمي)) في ((طبقات الحنابلة)): ((شيخ الإِسلام على
(١) الفوائد البهيّة للكنوي ص١٥٨.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٥٦٢
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
الإِطلاق ، ومحرِّر العلوم بالاتّفاق ، فقيه عصرنا وعُمدته : علاء الدين
أبو الحسن ، ذو الدين الشامخ والعلم الراسخ ، صاحب التصانيف الفائقة .
خرج من بلده ((مردا))، وأقام بالخليل بزاوية الشيخ عمر المجرد ،
وقرأ بها القرآن ، ثم قدم إلى دمشق ونزل بمدرسة شيخ الإسلام أبي عمر
بالصالحية ، واشتغل بالعلم فلاحظتْه العناية الرّبّانيَّة ، واجتمع بالمشايخ ،
وجدّ في الاشتغال ، وتفقّه على الشيخ تقي الدين بن قندس البعلي شيخ
الإِسلام في وقته ، فبرع وفضل في فنونٍ من العلوم ، وانتهت إليه رئاسة
المذهب ، ثم فُتح عليه في التصنيف ، فصنّف كتبًا كثيرة في أنواع العلوم جليلة
مفيدة ، أعظمها (( الإِنصاف في معرفة الراجح من الخلاف)) أربعة مجلدات ،
جعَلَهُ على المُقنع ، وهو من كتب الإِسلام ؛ فإنه سلك فيه مسلكًا لم يُسبق
إليه ، بيّن فيه الصحيح من المذهب وأطال فيه الكلام ، وذكر في كل مسألة
ما نقل فيها من الكتب وكلام الأصحاب ، فهو دليل على تبخُّر مصنّفه ، وسعة
علمه وقوة فهمه ، وكثرة اطّلاعه ، ولما فرغ من تصنيفه سنة ٨٦٧ توجّه به
إلى القاهرة في أيام قاضي القضاة عز الدين الكناني وعرضه عليه ، فأثنى
عليه ، وأمر جماعة الحنابلة بمصر بكتابته ونشْره في الديار المصرية .
وله تصحيح كتاب الفروع للعلامة ابن مفلح ، وشرح الآداب ،
وغير ذلك من الكتب المفيدة ، وانتفع الناس بمصنفاته ، وانتشرت في
حياته ، وبعد وفاته بحُسن نيته وإخلاصه ، وقصْده الجميل ، وصار قوله
حجة في المذهب ، يُعمل به ويُعوّل عليه في الفتوى والأحكام في جميع
مملكة الإِسلام ... ومحاسنه أكثر من أن تُحصر ، وأشهر من أن تُذكر،
وهو أعظم من أن ينبّه مثلي على فضله )) .
٢٥٩ - أبو القاسم العبدوسي ، حافظ المغرب في وقته :
قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مرزوق التلمساني المالكي ،
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاحِ الأمة في عُلُوُّ الهمة - المجلد الأول
٥٦٣
الشهير بالخطيب ، الإِمام الفقيه المسند الرّحّال المتوفى بالقاهرة سنة ٧٨١
رحمه الله تعالى يقول: (( إن الله أجرى سُنّته في علماء الإِسلام أن يُبارك
لأحدهم في قراءته ، والآخر في إلقائه وتفهيمه ، والآخر في نسخه
وجمْعه - أي للكتب - والآخر في عبادته ، وسيدي أبو القاسم العبدوسي
حافظ المغرب في وقته وإمام الدنيا - الفاسي نزيل تونس - ممّن جمع
اللهُ له ذلك كلّه، وبارك له في قراءته ، وإلقائه ، ونسخه ، وجمْعه ،
وعبادته .
قرأ أبو القاسم صحيح البخاري في نهارٍ يومٍ واحد ، وإنه ممن ◌ُتح
عليه في حفظ البخاري والقيام عليه نسخًا وفهمًا وقراءةً ، وإنه نسخ منه
ثماني نُسَخٍ أو أكثر ، أكثرها في سِفْر واحد ، ونسخ من صحيح مسلم ؛
تسْع نسخٍ ، ونَسَخَ غيرَهما من كتب الحديث والفقه ما لا يأتي عليه
العدُّ))(١) .
لله درّ القائل :
أحبُّ إلَّي من أُنسِ الصَّدِيقِ
لَمَخْبرةٌ تُجالسني نهاري
أحبُّ إلّي من عِدْلِ الدَّقِيقِ
ألذٌّ لَدََّ من شُربِ الَّحيقِ
ورِزْمَةُ کاغَدٍ في البيتِ عندي
ولطمةُ عالمٍ في الخَدِّ مني
والقائل :
وأجلُ مُكْتَسَبٍ وأسْنَى مفخرٍ
واعلمْ بأن العلْمَ أُرفعُ رُثِيَةٍ
إن السِّيادةَ تُقْتنى بالدَّفَتَرِ
فاسلُكْ سبيلَ المُقتنین له تَسُدْ
سمّاه باسم الحبرِ حَمْلُ المحبرِ
والعالمُ المدعوُّ حَبْرًا إنما
ما ليس يُبْلِغ بالجِيَادِ الضُّمَّرِ (٢)
وبضُمَّرِ الأقلامِ يبلُغ أهلُها
(١) ((فهرس الفهارس والأثبات)) للشيخ عبد الحي الكتاني ١٠٤٤/٢.
(٢) جامع بيان العلم وفضله ٢٠٤/٢ دار الكتب العلمية .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٥٦٤
صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الأول
٢٦٠ - ابن سيدَه صاحب كتاب ((المُخصَّص)) في اللغة :
أَلّف ابنُ سيده المخصص وهو ضرير، سلبتْه الأيام أكرم حواسّه ،
وأَنْفَس ما يحتاج إليه العلماء الباحثون ، ولم يمنعْه العمى القهّار أن يُخرج
للناس كتبًا جليلة ، منها المخصّص في سبعة عشر جزءًا، في كل جزءٍ قرابة
ثلاثمائة صفحة ، بها من أصول اللغة وخصائصها ، ونواحي اتصالها بالحياة ،
ما جعله قِبلةَ اللُّغوبين ومفزعهم .
أفبعد هذا علوّ همّةٍ وشرف مقصدٍ لمعارجِ قمّةٍ !
٢٦١ - الإِمام الشوكاني ، القاضي محمد بن علي بن محمد بن عبد الله
الشوكاني صاحب نيل الأوطار :
((كان والده قاضي صنعاء فربّاه على عينه . نشأ بصنعاء ، فقرأ
القرآن ، وجوّده على جماعة من مشايخ القُرّاء بصنعاء ، وفي أثناء ذلك حفظ
عدة مختصرات : في الفقه ، والنحو والعروض ، وآداب البحث وعلوم
اللغة ، وطالع عدّة كتبٍ من كتب التاريخ والأدب ، ثم شرع في طلب
العلم ، فدرس على والده وعلى البارزين من العلماء في عصره في مختلف
العلوم ؛ الدينية واللسانية والعقلية والرياضية والفَلَكِيّة، وظّ - كما يقول -
يأخذ عن شيوخه ، حتى استوفى كلّ ما عندهم من كتب ، بل زاد في قراءاته
الخاصّة على ما ليس عندهم . وكان طلبه للعلم في صنعاء نفسها ، لم يرحل
عنها على عادة طلاب العلم ؛ لعدم إذن أبويْه له في الرحلة ، فكان عند
إذنهما .
وكان في أثناء دراسته يُلقي ما يأخذه عن مشايخه إلى تلاميذه الذين
اجتمعوا عليه ، وهو لا يزال في دور الطَّلَب الأوّل ، ولذلك كانت دروسه
تبلُغ في اليوم والليلة ثلاثة عشر درسًا ، منها ما يأخذه عن أساتذته ، ومنها
ما يُلقيه على تلاميذه .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في غلوَ الهمة - المجلد الأول
٥٦٥
ثم تفرّغ لإِفادة طلاب العلم ، فكانوا يأخذون عنه في كل يوم زيادة
على عشرة دروس - كما قال - في فنونٍ متعدّدة ؛ كالتفسير والحديث
والأصول والمعاني والبيان والمنطق ، وتقدّم للإفتاء وهو في نحو العشرين
من عمره ، وكانت ترد عليه الفتاوى من خارج صنعاء ، وشيوخه إذ ذاك
أحياء ، وكاد الإفتاء يدور عليه وحده ، وهو في هذه السن .
وفي الجملة فقد درس دراسة واسعة ، واطلع اطّلاعا يندُر أن يُحيط
به غيره ، فليس من المستطاع سرد ما درسه من كتب ، أو استجازَهُ من
مَراجع ، ومن يرجع إلى كتابُه مثلًا ( إتحاف الأكابر بإمساك الدفاتر ) يُدرك
ما كان عليه الرجل من تنوُّع في الثقافة واتِّساعٍ فيها . وقد برع في كل
ذلك تقريبًا ، وصنّف ودرس فيه ))(١) .
ولقد سرد الدكتور إبراهيم إبراهيم هلال من كتب الشوكاني المخطوطة
والمطبوعة مائة وواحدًا وخمسين كتابًا. ولو لم يكن له إلّا ((السَّيل الجرار
المتدفّق على حدائق الأزهار)) و((نيل الأوطار))، لكفاه فخرًا وعلوّ مكانةٍ
وبُعْدَ همّةٍ .
لله درّ القائل: ((قلوب المغرمين بالمعرفة بالحقائق منابر الملائكة ،
وقلوب المؤثرين للشهوات مقاعد للشياطين)).
يقول الشوكاني: (( ينبغي لمن كان صادق الرغبة ، قويّ الفهم ثاقب
النظر ، عزيز النّفْس شهْم الطّبْع، عالي الهمَّة سامي الغريزة ، أن لا يرضى
لنفسه بالدُّون ، ولا يقنع بما دون الغاية ، ولا يقعُد عن الجدِّ والاجتهاد ،
المبلّغيْن له إلى أعلى ما يُراد ، وأرفع ما يُستفاد ، فإن النفوس الأبّة ، والهمم
(١) من كلام الدكتور إبراهيم إبراهيم هلال في مقدمة كتابه ((قطر الولي على حديث
الولي)) للشوكاني ص ١٥ - ١٧ طبع دار الكتب الحديثة .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٥٦٦
العليّة ، لا ترضى بدون الغاية في المطالب الدنيوية ؛ من جاهٍ أو مالٍ أو
رئاسةٍ أو صناعةٍ أو حِرفةٍ ، حتى قال قائلهم :
فلا تقنعْ بما دُونَ النُّجومِ
إذا غامرتَ في شرفٍ مُرُوم
كطعمِ الموتِ في أمرٍ عظیمِ
فَطَعْمُ الموتِ في أمرٍ حقیٍ
وقال آخر مشيرًا إلى هذا المعنى :
فكن عبدًا لخالقه مُطِيعًا
إذا لم تكُن مَلِكًا مُطاعًا
كما تَهواه فاتركْها جميعًا
وإن لم تملِكِ الدنيا جميعًا
يُنيلانِ الفتى شرفًا رفيعًا
هما شيئان من مُلْكٍ ونُسْكِ
وقال آخر :
فإمّا مكانًا يضربُ النَّجمُ دُونَهُ سُرادِقَهُ أو باكيًا لِحِمامٍ
وقد ورد هذا المعنى كثيرًا في النظم والنثر ، وهو المطلب الذي
تنشط إليه الهمم الشريفة ، وتقبله النفوس العلّة . وإذا كان هذا شأنهم في
الأمور الدنيوية التي هي سريعة الزوال قريبة الاضمحلال ، فكيف لا يكون
ذلك من مطالب المتوجّهين إلى ما هو أشرف مطلبًا وأعلى مكسبًا ، وأرفع
مرادًا، وأجلّ خطرًا وأعظم قدْرًا، وأعْوَد نفعًا وأتُّ فائدةً !! وهي المطالب
الدينية ، مع كوْن العلم أعلاها وأولاها بكلِّ فضيلةٍ ، وأجلّها وأكملها في
حصول المقصود . فأكْرِمْ بنفْسٍ تطلب غاية المطالب ، في أشرف
المكاسب ، وأحْبِبْ برجُلٍ أراد من الفضائل ما لا تُدانيه فضيلة ، ولا تُساميه
مَنْقَبَةٌ ، ولا تُقاربه مَكْرَمَة .
ولما كانت المطالب في هذا الشأن متفاوتة ، وتتباين المقاصد
بتفاوت هِمَم الطالبين وأغراض القاصدين ، فقد ترتفع همَّة البعض من طلبة
العلم ، فيقصد البلوغ إلى مرتبةٍ في الطَّلَب لعلم الشرع يكون مقدّمًا لها ،
ويكون عند تحصيلها إمامًا مرجوعًا إليه ، مُستفادًا منه ، مأخوذًا بقوله ،
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول
٥٦٧
مدرسًا مُفيتًا مصنِّفًا ، فليس بعد ما يتصوّره أهل هذه الطبقة الأولى مُتصوَّر ،
فإن نالوه على الوجه الذي تصوّروه ، فقد ظفروا من خير العاجلة والآجلة ،
وشرف الدنيا والآخرة ، بما لا يظفر به إلّا من صنع صنيعهم ونال نيْلهم ،
وبلغ مبالغهم ، وإن اخترمهم دونه مُخترِم ، وحال بينهم وبينه حائل ، فقد
أعذروا ، وليس على من طَلَبَ جسيمًا ورام أمرًا عظيمًا - إنْ منعتْه عنه
الموانع وصرفتْه عنه الصَّوارِف - مِن بأسٍ . وما أحسن ما قاله الشريف
الرّضَّ الموسوي :
وقّاحَةً تحت غُلامٍ وَقَّاحْ
لا بُدّ أن أركبَها صعبةً
أُجهدها أو تنثني بالَّدَى
دون الذي أمَّلتُ أو بالنَّجاح
أو بطلٌ ذاق الَّدَى فاستراحْ
إمّا فَتَّى نال المُنى فاشتفَى
وكنت في أيام الطّلب وعصر الشباب ، قد نظمتُ قصيدةً في هذا
المعنى على هذا النّمط ، أذكُر منها الآن أبياتًا وهي :
قد أتعبَ السَّيْرُ رِحالي وقد آن لها بعدَ الوَحَى (١) أن تُراحْ
غايةٍ أُمنّته بالنَّجَاحْ
فما يهابُ العتبَ مَنْ فاز مِن
يمِينُهُ ألقَى العصا واستراحْ
سعَى فلمَّا ظِفِرَتْ بالمُنى
فيا أيها العالم الصّعلوك ، قد ظفرتَ برتبةٍ أرفع من رُتَب الملوك ،
ونلتَ من المعالي أعلاها ، ومن المناقب والفضائل أوْلاها بالشّرف وأُولاها .
فإن كل المعالي الدنيوية - وإن تناهتْ - فليست باعتبار المعالي العلمية
والشرف الحاصل بها في وِرْد ولا صَدْر، فإنه يحصل للعالم أولًا -
وبالذات - الفوز بالنعيم الأخروي الدائم السَّرمدي ، الذي لا تعدل منه الدنيا
بأسرها قيد شرط بل مقدار سوط . ويحصل له ثانيًا - وبالعرض - من
شرف الدنيا ما يصغُر عنده كل شرف ، ويَتقاصَر دونه كلَّ مجد ، ويتضاءل
(١) الوحى : السير بعجلة .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الأول
٥٦٨
لديه كلّ فخر . وإن من فهم مقدار ما في العلوم من العلوّ ، كان عند نفسه
أعزّ قدرًا وأعلى محلًا وأجلّ رتبةً من الملوك ، وإن كان متضايق المعيشة ،
يركب نعليْه ويلبس ◌ِمْرَيْه . وقلتُ في هذا المعنى من أبياتٍ :
قد كنتُ ذا ◌ِمْرَيْن أمرحُ في العُلى مَرَحَ الأَغَرِّ بجانب الميدانِ
أو خاملًا فأُرِيد شهرةَ شاني
ما كنتُ مضطَهَدًا فَأَطْلُب رِفعةً
فاحرص - أيها الطالب - على أن تكون من أهل الطبقة الأولى ،
فإنك إذا ترقّيتَ من البداية التّصُوُّرية ، إلى العلّة الغائّة ، التي هي أول الفِكر
وآخر العمل ، كنتَ فْدَ العالم ، وواحد الدهر ، وقريع الناس ، وفخر
العصر ، ورئيس القرن ، وأيّ شرفٍ يُسامي شرفك ، أو فخر يُداني
فخرك !! وأنت تأخذ دينك عن الله وعن رسوله ، لا تقلّد في ذلك أحدًا ،
ولا تقتدي بقول رجُلٍ ، ولا تقف عند رأي ، ولا تخضع لغير الدليل ،
ولا تعوِّل على غير النّقد . هذه والله رتبةٌ تسمو على السماء ، ومنزلة تتقاصر
عندها النجوم . فكيف بك إذا كنت مع هذه المزية مرجعًا في دين الله ،
ملْجأ لعباد الله، مُترجِمًا لكتاب الله وسنة رسول الله عَّةٍ، يدوم لك
الأجر ، ويستمرّ لك النفع ، ويعود لك الخير ، وأنت بين أطباق الثرى ،
وفي عداد الموتى ، بعد مئين من السنين ، ولا يحول بينك وبين هذا
المطلب الشريف ، ما تُنازِعك نفسُك إليه من مطالب الدنيا ، التي تروقها
وتودّ الظّفر بها ، فإنها حاصلةٌ لك على الوجه الذي تحبّ ، والسبيل الذي
تريد ، بعد تحصيلك لما أرشدتُك إليه من الرُّتبة العلمية ، وتكون - إذ
ذاك - مخطوبًا لا خاطِبًا ، ومطلوبًا لا طالبًا. وعلى فَرْض أنها تُكدي عليك
المطالب وتُعاند الأسباب ، فلست تعدمُ الكفافَ الذي لا بدّ لك منه ، فما
رأينا عالمًا ولا متعلِّمًا مات جوعًا، ولا أعوزه الحال(١) حتى انكشفت
(١) وجد على هامش المخطوطة ما نصّه :
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الأول
٥٦٩
عورتُه عُرْيًا ، أو لم يجد مكنًّا يكنّه ، ومنزلًا يسكنه ، وليس الدنيا إلا هذه
الأمور ، وما عداها فضلات مشغلةٌ للأحياء مهلكةٌ للأموات .
أنا إنْ عشتُ لستُ أعْدَمُ قُوتًا وإذا متُّ لستُ أعدمُ قَبْرَا
وعلى العاقل أن يعلم أنه لن يُصيبه إلا ما كتبه الله له ، ولا يعدوه
ما قدّره له ، وأنه قد فرغ من أمر رزقه الذي فرضه الله له ، فلا القعود
يصدّه ، ولا السّعي وإتعاب النفس يُوجب الوصول إلى ما لم يأذن به الله .
وهذا معلومٌ من الشرع ، قد توافقت عليه صرايحُ الكتاب والسنة ، وتطابقت
عليه الشرائع ، وإذا كان الأمر هكذا ، فما أحقَّ هذا النوع العاقل من
الحيوان ، الذي دارت رَحَى التكليف عليه ، ونيطت أسباب الخير والشر
به ، أن يشتغل بطَلَب ما أمره الله بطلبه ، وتحصيل ما خلقه الله لتحصيله ،
وهو الامتثال لما أمره به من طاعته ، والانتهاء عما نهاه عنه من معاصيه .
وإن أعظم ما يريده الله منه ، ويقرّبه إليه ، ويفوز به عنده ، أن يشغل نفسه ،
ويستغرق أوقاته في ظلب معرفة هذه الشريعة التي شرعها الله لعباده ، ويُنفق
ساعاته في تحصيل هذا الأمر الذي جاءت به رسل الله إلى عباده ، ونزلت
به ملائكته ؛ فإن جميع ما يريده الله من عباده عاجلًا وآجلا ، وما وعدهم
به من خير وشر ، قد صار في هذه الشريعة ، فأكرِمْ برجُلٍ تاقت نفسُه
عن أن يكون عَبْدَ بطنِه ، إلى أن يكون عبدَ دِينِه ، حتى يناله على الوجه
الأكمل ، ويعرفه على الوجه الذي أراده الله منه ، ويُرشد إليه من عباده
من أراد له الرشاد ، ويهدي به من استحقّ الهداية ، فانظر - أعزَّك الله -
كم الفرق بين الرجُليْن ، وتأمّل قدر مسافة التفاوت بين الأمرين . هذا
يستغرق جميع أوقاته ، وينفق كل ساعاته في تحصيل طعامه وشرابه
من نظم العلامة البدر الأمير في هذا المعنى :
ما مات والله جوعًا عالمٌ أبدًا
عنه والدّوَاوِين
سلِ التواريخَ
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٥٧٠
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الأول
وملبسه ، وما لا بدّ منه ، قامَ أو قعدَ ، سعَى أو وقفَ ، وهذا يقابله بسعي
غير هذا السعي ، وعملٍ غير ذلك العمل ، فينفق ساعاته ويستغرق أوقاته
في طلب ما جاء عن الله وعن رسوله عَّ له، من التكاليف التي كلّف بها
عباده ، وما أذن به من إبلاغه إليهم من أمور دنياهم وأخراهم ؛ لينتفع بذلك
ثم ينفع به من شاء الله من عباده ، ويبلّغ إليهم حُجَّة الله ويعرِّفهم شرائعه .
فلقد تعاظم الفرق بين النوعين ، وتفاوت تفاوتًا يقصر التعبير عنه ، ويعجز
البيان له ، إلا على وجه الإِجمال ، بأن يقال : إن أحد النوعيْن قد التحق
بالدوابّ ، والآخر بالملائكة ؛ لأن كل واحدٍ منهما قد سعى سعيًا شابه
من التحقَ به ، فإن الدابّة يستعملها مالكها في مصالحه ، ويقوم بطعامها
وشرابها وما يحتاج إليه ، ومع هذا فمن نظر في الأمر بعين البصيرة ، وتأمّله
حق التأمُّل ، وجد عيشَ مَنْ شَعَل نَفْسَه بالطاعة ، وفَّرغها للعلم ، ولم
يلتفت إلى ما تدعو إليه الحاجة من أمر دنياه ، أرْفَه ، وحاله أقْوَم ، وسروره
أتَمّ ، وتلك حكمة الله البالغة ، التي يتبيّن عندها أنه لن يعدو المرء ما قُدِّر
له ، ولن يفوته ما كان يدركه ، وكما أن هذا المعنى الذي ذكرناه ثابتٌ
في الشريعة ، مصرَّح به في غير موطنٍ منها ، قد أجراه الله على لسان
الجبابرة من عباده وعُتاة أُمّته ، حتى قال الحجاج بن يوسف الثقفي في
بعض خطبه ما معناه : أَيُّها الناس ، إن الله كفانا أمْر الرِّزق ، وأمَرنا
بالعبادة ، فسعيْنا لما كُفيناه ، وتركْنا السَّعْي للذي أُمِرنا به ، فليتنا أمرنا
بطلب الرِّزق ، وكُفينا العبادة ؛ حتى نكون كما أراده الله منّا . هذا معنى
كلامه ، لا لَفْظه . فلما بلغ كلامه هذا بعضَ السلف المعاصرين له ، قال :
إن الله لا يُخرج الفاجر من هذه الدار وفي قلبه حِكمةٌ ينتفع بها العباد ،
إلّا أخرجها منه ، وإنّ هذا مما أخرجَهُ من الحجاج ، فانظر هذا الجبار ،
كيف لم يَخْفَ عليه هذا الأمر ، مع ما هو فيه من التجبر وسفك الدماء
وهتْك الحرم ، والتجُّؤ على الله وعلى عباده وتعدِّي حدوده . فما أحقُّه
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الأول
٥٧١
بأن لا يخفَى على من هو ألْيَنُ منه قلبًا، وأقلّ منه ظُلمًا، وأخف
منه تجبرًا، وأُقْرَب منه مِن خيرٍ ، وأَبْعَد منه من شرّ ، وإن مَن تصوّر
هذا الأمر حقَّ التصوُّر ، وتعقّله كما ينبغي ، انتفعَ به انتفاعًا عظيمًا، ونال
به من الفوائد جسيمًا ، والهداية بيد الهادي جل جلاله وتقدَّستْ أسماؤه .
وإن لحُسن النية وإخلاص العمل تأثيرًا عظيمًا في هذا المعنى ، فمن
تعكّستْ عليه بعضُ أموره مِن طَلَبة العلم ، أو أكلف عليه مطالبه وتضايقت
مقاصدُه ، فليعلم أنه بذنبه أُصيب ، وبعدم إخلاصه عُوقب ، أو أنه أُصيب
بشيءٍ من ذلك محنةً له وابتلاءً واختبارًا ، لينظر كيف صبره واحتماله ،
ثم يفيض عليه بعد ذلك من خزائن الخير ومخازين العطايا ، في ما لم يكن
بحسبان ، ولا يبلُغ إليه تصوُّرُه ، فليعضّ على العِلْم بناجذه ، ويشدّ عليه
يده ، ويشرح به صدره ، فإنه لا محالة واصل إلى المنزل الذي ذكرنا ،
نائلٌ للمرتبة التي بيّنًا ، وما أحسن ما حكاه بعضُ أهل العلم عن الحكيم
أفلاطون ، فإنه قال : الفضائل مُرَّة الأوائل حُلوةُ العواقب ، والرذائل حلوة
الأوائل مُرّة العواقب . وقد صدقَ ؛ فإن من شغلَ أوائل عمره وعنفوان شبابه
بطلب الفضائل ، لا بد له أن يفطم نفسه عن بعض شهواتها ويحبسها عن
الأمور التي يشتغل بها أترابه ومعارفه ، من الملاهي ومجالس الراحة
وشهوات الشباب . فإذا انتهى إليه ما هم فيه من تلك اللّذّات والخلاعات ،
وجدَ في نفسه - بحُكم الشباب ، وحداثةِ السّنّ ، وميل الطبع إلى ما
هناك - مرارةً ، واحتاج إلى مجاهدةٍ يردّ جامِحَ طبعه ومتفلّت هواه ومتوثّب
نشاطه ، لا يتمّ له إلا بإلجام شهوته بلجام الصبر ، ورباطها بمربط العفّة .
وكيف لا يجد مرارة الحبْس للنفس من كان في زاويةٍ من زوايا المساجد ،
ومقصورة من مقاصِر المدارس ، لا ينظر إلا في دفتر ، ولا يتكلّم إلا في
فنٍّ من الفنون ، ولا يتحدث إلّا إلى عالم أو متعلّم ، وأترابُه ومعارفه مِن
قرابته وجيرانه وذوي سِنِّه وأهل نشأته وبلده ، يتقلّبون في رافِهِ العيش ورائق
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٥٧٢
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الأول
القصف . وإذا انضم لذلك الطالب ، إلى هذه المرارة الحاصلة له بعزف
النفس عن شهواتها ، مرارة أخرى هي إعواز الحال وضيق المكسب
وحقارة الدخل ، فإنه لا بدّ أن يجد من المرارة المتضاعفة ، ما يعظُم عنده
موقعه ، لكنه يذهب عنه ذلك قليلاً قليلاً ، فأول عقدةٍ تنحلّ عنه من عُقَد
هذه المرارة ، عند أن يتصوّر ما يؤول به الأمر وينتهى إليه حاله ، من
الوصول إلى ما قد وصل إليه مَنْ يجده في عصره من العلماء ،، ثم تنحلّ
عنه العقدة الثانية بفهم المباحث وحفظ المسائل وإدراك الدقائق ، فإنه عند
ذلك يجد من اللّذّة والحلاوة ، ما يذهب بكل مرارةٍ ، ثم إذا نال من
المعارف حظًّا ، وأحرز منها نصيبا ، ودخل في عداد أهل العلم ، كان
متقلِّبًا في اللّذّات النفسانية التي هي اللذات بالحقيقة ، ولا يعدم عند ذلك
من اللذات الجسمانية ، ما هو أفضل وأحلى من اللذات التي يتقلّب فيها كلّ
مَنْ كان مِن أترابه ، وهو إذا وازن بين نفسه الشريفة وبين فردٍ من معارفه
الذين لم يشتغلوا بما اشتغل به ، اغْتَبَطَ بنفسه غايةَ الاغتباط ، ووجد من
السرور والحبور ما لا يُقادر قدْره . هذا باعتبار ما يجده من اللذة النفسانية
عند أن يجد نفسه عالمةً ونفس معارفه جاهلةً . ويزداد ذلك بما يحصُل
له من لوازم العلم ، من الجلالة والفخامة ، وبُعد الصيت وعظم الشهرة ،
ونَبَالة الذِّكر ورِفعة المحلّ، والرجوع إليه في مسائل الدِّين ، وتقديمه على
غيره في مطالب الدنيا ، وخضوع مَن كان يُزري عليه ويستخفّ بمكانه
من بني عصره ، فإذا جَمَعهم مجلس من مجالس الدنيا كانوا له بمنزلة
الخَّدَم ، وإن كان على غايةٍ من الإِفلاس والعدم . ثم إذا تناهى حالُه وبلغ
من الحظّ في العلم إلى مكانٍ علِي ، انثال عليه الطََّبة للعلوم ، وأقبل إليه
المستفتون في أمر الدين ، واحتاج إليه ملوك الدنيا فضلًا عن غيرهم ،
فيكون عند هذا عيشُه حلوًا محضًا ، وعمره مغمورًا باللذات النفسانية
والجسمانية ، ويرتفع أمره عن هذه الدرجة ارتفاعًا لا يُقادر قدره ، إذا
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الأول
٥٧٣
تصوّر ما له عند الله من عظيم المنزلة وعلّ الرتبة وعظيم الجزاء ، الذي
هو المقصود أوّلًا وبالذات من علوم الدين .
وكنت في أوائل أيام طلبي للعلم في سن البلوغ أو بعدها بقليل ،
تصوّرتُ ما ذكرتُه هنا ، فقلت :
فلا داعٍ لدّ ولا مُجِيبُ
سددتُ الأُذنَ عن داعي التَّصابي
لمجدِ الشيب فليَهْنَ المشيبُ
وأنفقتُ الشَّبِيبَةَ غير وانٍ
وقلت أيضًا رامزًا إلى هذا المعنى :
وشوقًا لانتشاقي منه رِیَحا
وأُبدي رغبةً لنجود نَجْدٍ
وأضحى بين أهليهِ طريحا
وما بِسِوَى العقيقِ أقام قلبي
وأما كون الرذائل حلوة الأوائل مُرّة العواقب ؛ فصِدْق هذا غير خافٍ
على ذي لبٍّ ، فإن مَنْ أرسل عنان شبابه في البطالات ، وحلّ رباط نفسه
فأجراها في ميادين اللذات ، أدرك من اللذة الجسمانية من ذلك بحَسَب
ما يتفق له منها ، ولا سيما إذا كان ذا مال وجمال ، ولكنها تنقضي عنه
اللذة وتفارقه هذه الحلاوة ، إذا تكامل عقلُه ورجح فهمُه وقوي فكره ،
فإنه لا يدري عند ذلك ما يدهمه من المرارات ، التي منها الندامة على
ما اقترفه من معاصي الله ، ثم الحسرة على ما فوّته من العُمر في غير طائلٍ ،
ثم على ما أتفقه من المال في غير حلّه ، ولم يفز من الجميع بشيء ولا
ظفر من الكل بطائل . وتزداد حسرته وتتعاظم كربته إذا قاس نفسه بنَفْسٍ
مَن اشتغل بطلب المعالي من أترابه ، في مقتبل شبابه ، فإنه لا يزال عند
موازنة ذاته بذاته ، وصفاته بصفاته ، في حسراتٍ متجدِّدة ، وزفراتٍ
متصاعدة ، ولا سيما إذا كان بيته في العلم طويل الدعائم ، وسلفه من
المتأهِّلين لتلك المعالي والمكارم ، فإنه حينئذٍ تذهب عنه سكرةُ البطالة ،
وتنقشع عنه عماية الجهالة ، بكروبٍ طويلة ، وهموم ثقيلة ، وقد فاته ما
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٥٧٤
صلاح الأمة في عَلْوَ الهمة - المجلد الأول
فات ، وحِيلَ بين العَيْر (١) والنَّزَوان، و (حالَ الجَرِيضُ(٢) دُونَ الْقَرِيض)،
و ( في الصَّيف ضَيَّعتِ اللَّبَن)(٣). فانظر - أعزّك الله - أّ الرجلين أَرْبَح
صفقةً، وأكثر فائدةً، وأعظم عائدةً . فقد بيّن الصُّبْح لذي عينين، ( وعند
الصَّبَاحِ يَحْمَدُ القومُ السُّرَى )))(٤).
رحم الله الشوكاني الإِمام، حيث يقول واصفًا المتعالمين: ((لقد
أهدت لنا هذه الأيام ما لم يكن لنا في حساب ، من زعانف هم سقط المتاع
وفقعة القاع وأبناء الرِّعاع ، لابسُوا طَلَبَة العلم بعض المُلابسة ، وشارَكُوهم
بجامع الخلطة والعشرة في مثل النظر في مختصرات النحو ، حتى صاروا ممن
يتمكّن من إعراب أواخر الكلم ، ثم طاحت بهم الطواخ ورمتُ بهم الروامي
إلى أن سائر العلماء المتبحّرين - في علم الشرع وغيره من أهل العصر
وغيرهم - فهم عند هؤلاء النَّوْكاءُ(٥) الرُّقَعاء لا يفهمون شيئًا ولا يعقلون ،
فقبّح الله تلك الوجوه ، فإنها صارت عارًا وشنارًا على أهل العلم ... دئَّسوا
عرض العلم، وجهَّموا وجهه، وأهانوا شرفه ... )).
قال - رحمه الله - مرغّبا في طلب العلم: ((استكثِرِ من الفنون ما
أردتَ ، وتبخّرْ في الدَّقائق ما استطعتَ ، وجاوب من خالَفَك وعذلك وشنَّع
(١) العير : الحمار الأهلي أو الوحشي .
(٢) الجريض هو الريق ، وهذا المثل شهير، معناه أنه حال الغمُّ والغصصُ دون الشّعر
والطَّرَب .
(٣) زيادة يقتضيها المعنى . وأصل هذا المثل أن دختنوس بنت لقيط كانت امرأة لعمرو
ابن عدس، وكان شيخًا فابغضتْه ، فطلّقها ، وتزوّجها فتى جميل الوجه ،
وأجدبت السنة ، فبعثت إلى عمرٍو تطلب منه حلوبةً ، فقال المثل المذكور .
(٤) من الأمثلة السايرة ، يُضرب للرجل يحتمل المشقة رجاء الراحة .
(٥) الحمقى .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في غلو الهمة - المجلد الأول
٥٧٥
عليك بقول القائل :
علومًا ليس يعرفهنَّ سَهْلُ
أتانا أن سهلًا ذمّ جهلًا
ولكنَّ الرِّضا بالجهل سهلٌ »
علومًا لو دَرَاها ما قَلَاها
٢٦٢ - الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، صاحب (( أضواء البيان))(١):
الإِمام القدوة محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي ، صاحب
كتاب (( أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن)). من خير منْ يُقتدى به
من رجال القرن الرابع عشر في العلم والتُّقى والورع والزهد في الدنيا ، وبذل
الجهد في نشر العلم ، والدأب الشديد قبل ذلك في تحصيله حتى فاق أقرانه
في كل ذلك .
قال فيه الشيخ محمد بن إبراهيم مفتى الديار السعودية سابقًا -
رحمه الله -: ((مُلىء «علمًا من رأسه إلى أخمص قدميه)).
وقال عنه أيضًا: ((آية في العلم والقرآن واللغة وأشعار العرب)).
وقال عنه الألباني: ((من حيث جَمْعه لكثيرٍ من العلوم ، ما رأيتُ
مثله )) . وشبهه بابن تيمية .
وقال عنه الشيخ حمّاد الأنصاري: «وله حافِظةٌ نادِرِيَّةٌ قويّة ، ويعتبر
في وقته نادرًا ، ولم يكن له منافس في تفسير القرآن بأنواعه الأربعة :
بالقرآن، والسنة، وأقوال السلف، واللغة العربية. وعنده في اللغة استحضار
عديم النظير)) .
حفظ القرآن في بيت أخواله وعمره عشر سنوات ، وتعلّم رسم
المصحف العثماني عن ابن خاله محمد بن أحمد بن محمد المختار ، وقرأ عليه
التجويد في مقرأ نافع برواية ورش ، وقالون من رواية أبي نشيط ، وعمره
(١) كل ما يأتي في هذه الترجمة من كتاب ((ترجمة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي
صاحب أضواء البيان )) للشيخ عبد الرحمن السديس . طبع دار الهجرة .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٥٧٦
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
ست عشرة سنة . ودرس الأدب دراسةً واسعة على زوجة خاله ، وأخذ
عنها مبادىء النحو كالأجرومية ، ودروسًا في أنساب العرب وأيامهم
والسيرة النبوية ، ونظم الغزوات لأحمد البدوي الشنقيطي ، وهو يزيد على
خمسمائة بيت ، وشروحه لابن أخت المؤلف المعروف بحمّاد . ونظم
عمود النسب للمؤلف وهو يعدّ بالآلاف ، وشرحه لابن أخته المذكور على
خصوص العدنانيين .
وقد صور الشيخ شدَّة انشغاله في شأن طَلَب العلم في شبابه ، بقوله
رحمه الله: (( ومما قلت في شأن طلب العلم ، وقد كنت في أخريات زمني
في الاشتغال بطلب العلم دائم الاشتغال به عن التزويج ؛ لأنه ربما عاق
عنه ، وكان إذ ذاك بعض البنات ممن يصلح لمثلي يرغب في زواجي
ويطمع فيه ، فلمّا طال اشتغالي بطلب العلم عن ذلك المنوال ، أيِسَتْ مني ،
فتزوّجتْ ببعض الأغنياء ، فقال لي بعض الأصدقاء : إنْ لم تتزوج الآن مَنْ
تصلحُ لك ؛ تزوّجتْ عنك ذواتُ الحسب والجمال ، ولم تجد من يصلح
لمثلك . يريد أن يُعجلني عن طلب العلم ، فقلت في ذلك هذه الأبيات :
غداةَ تَزَوَّجَتْ بِيضُ المِلاحِ
دَعَاني النَّاصحون إلى النّکاحِ.
حُلُوبَ اللَّحْظِ جَائِلَةَ الوشاحِ
فقالوا لي تزوَّجْ ذاتَ دَلِّ
تَمُجُّ الرَّاحَ بالماءِ القَراحِ
ضَحُوكًا عن مُؤشِّرَةٍ رِقاقٍ
تُذِيقُ القلبَ آلامَ الجراحِ
لِبَيْضاءِ المحاجِرِ كالرِّماحِ
ضعيفاتُ الجُفُونِ بلا سِلاح
من الغَِّ الصُّراحِ اليومَ صاحٍ
كأنَّ وُجُوهَها غُرَرُ الصَّباحِ
بَراقِعَ من معانيها الصِّحاحِ
لِفَهْمِ القَدْمِ خافِضةَ الجَنَاحِ
كأن لِحَاظَهَا رَشَقَاتُ نَبْلٍ
ولا عجَبٌ إذا كانتْ لِحَاظٌ
فكم قَتَلَتْ كَمِيًّا ذا دلاصٍ
فقلتُ لهم دَعُوني إن قلبي
ولي شُغْل بأبكارٍ عَذَارَى
أراها في المهارِقِ لابِساتٍ
أبيتُ مفكِّرًا فيها فتُضْحِي
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلَوَ الهمة - المجلد الأول
٥٧٧
أَبَحْتُ حَريمَها جَبْرًا عليها وما كان الحريمُ بُمُسْتباحٍ
يقول الشيخ عن بدء طلبه للعلم: ((قدمتُ على بعض المشايخ
لأدرس عليه ، ولم يكن يعرفني مِنْ قبل ، فسأل عني : مَنْ أكون ؟ في
ملأ من تلامذته ، فقلتُ مرتجلًا:
به الصّبًا عن لسانِ العُرْب قد عَدَلَا
هذا فَتَّى من بني جاكانَ قَدْ نَزَلا
إذْ شَامَ بْقَ علومٍ نورُهُ اشتَعَلَا
رَمَتْ به ◌َّمَةٌ علياءُ نَحْوَكُمُ
تكسو لسانَ الفتى أزهارهُ حُلَلَا
أَّا يُمَيِّزَ شَكْلَ العينِ مِنْ فَعَلَا
بـ ((الحمدُ للهِ)) لا أبغي به بَدَلَا
فجاءَ يرجو رُكامًا من سَحائِبه
إذا ضاقَ ذَرْعًا بجهلِ النَّحوِ ثُمَّ أبي
وقد أتى اليومَ صَبَّا مُولَعًا كَلِفًا
يريد دراسة ((لامية الأفعال)).
وقد مضى - رحمه الله - في طلب العلم قُدُمًا ، وقد ألزمه بعض
مشايخه بالقران ؛ أي أن يَقْرن بين كلِّ فَّيْن، حرصًا على سرعة
تحصيله ، وتفرّسًا له في القدرة على ذلك ، فانصرف بهمة عالية في درسٍ
وتحصيل .
صنَّف - رحمه الله - في بلاده قبل مجيئه إلى الديار السعودية :
١ - نظم في أنساب العرب .
أَلَّفه قبل البلوغ ، يقول في أوّله :
سمَّيْتُهُ بخالِصِ الجُمانِ في ذِكْرِ أنسابِ بني عَدْنانِ
وبعد البلوغ دَفَتَه ، قال: ((لأنه كان على نيّة التّفُّق على الأقران)).
وقد لامه مشايخه على دفنه ، وقالوا : كان من الممكن تحويل النّة
وتحسينها .
٢ - رَجَز في فروع مذهب مالك .
يختصّ بالعقود من البيوع والرهون ، وهو آلاف متعدّدة ، قال في
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الأول
٥٧٨
أوّله :
الحمدُ لله الذي قد نَدَبَا لأُنْ نَمِيزَ البَيْعَ عن لَبْسِ الرِّبَا
٣ - نظم في الفرائض .
٤ - ألفيّة في المنطق .
مصنَّفاته بعد إقامته بالمدينة المنورة :
١ - منع جواز المجاز في المنزل للتعبُّد والإِعجاز .
٢ - دفع إبهام الاضطراب عن آيات الكتاب .
وهذا الكتاب موضع إجلال وتقدير أهل العلم ؛ لما حواه من نفائس
ودُرَر ونُكَت من مسائل العلم ، لا تكاد توجد مجموعةً في غيره .
٣ - مُذكّرة أصول الفقه ، على روضة الناظر لابن قدامة .
وهي مذكّرة قيمِّة لا يكاد يُغني غيرها عنها ، ولا سيّما في مواطن
الترجيح والمباحث العقليّة . وقد استدرك الشيخ - رحمه الله - على ابن قدامة
عَزْوه لمذهب مالك ما ليس منه .
٤ - رحلة الحج إلى البيت الحرام .
وهي رحلة علمية ، وحَصَر الشيخ في كتابه هذا خمسًا وأربعين مسألة
أجاب عنها .
٥ - آداب البحث والمناظرة .
٦ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن .
يقول الشيخ عطية محمد سالم تلميذ الشيخ الشنقيطي في (( تتمَّة أضواء
البيان)) ٧٥/٨: ((ينبغي أن يُعلم أن أضواء البيان ليس تفسيرًا شاملًا لجميع
القرآن ، كما يظنه البعض ، ويتطلّب فيه تفسير كل ما أشكل عليه ، بل هو
تفسير خاصّ على منهج مختصٍّ به ، وهو تفسير ما أُجمل من الآيات ، أيًّا
كان سبب إجماله من حيث اللفظ أو المعنى ، وبيان هذا الإِجمال من آيات
أخر ، سواء كان بالمنطوق أو المفهوم أو الفحوى ، أو بسُنَّةٍ ثابتة ، ثم استتباع
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الأول
٥٧٩
ذلك ببيان الأحكام التي تُؤخذ من هذه الآية ، فهو تفسير خاص وبمنهج
مختصٍٍّ به .
وإن هذا المنهج الخاص الجديد في مسلكه ، لهو حقٌّ على كل من
تحقّق فيه قول الشيخ رحمه الله ، حقٌّ على من توَّفر حظّه من العلم
بكتاب الله ممّن كان مثله أو قريبًا منه .
وقد كان - رحمه الله - حريصًا كل الحرص على إتمامه ، ولكن
وافته المنّة قبل ذلك بعد أن أنجز مهامّه ومقاصده ، وذلّل صعابه ، وفتح
أبوابه إلا اليسير اليسير منه ، وهو ما بعد سورة قد سمع .
ومن العسير جدًّا ، أو المتعذّر فعلًا، أن يأتي أحد بمنهج الشيخ
رحمة الله تعالى علينا وعليه ، ولا سيّما مع ما أعطاه الله من سعة العلوم
في عدّة فنون كالمتخصِّص في كل فنٍّ .
وقد اشتغل بتفسير القرآن على أوسع مجال في المملكة حوالي
ثلاثين سنة تقريبًا ، وفسّر القرآن في المسجد النبوي وحده ثلاث مراتٍ
تقريبًا ، وقد سمعتُه يقول : ما من آية في المصحف إلّا وعندي عنها ما
قيل فيها . وقد ظهر ذلك جليًّا في أضواء البيان بحمد الله .
يقول الشيخ عبد الرحمن السديس : وأخبرني ابنُه عبد الله ، أنه كان
يجلس في المجلس ، فيأتي الضيف ولا يشعر به ، حتى ينبّهه ابنُه إلى قدوم
الضيف ، وذلك لانشغال فكره بتجميع شواهد آيةٍ من كتاب الله ، وذلك
زمن تأليفه ((أضواء البيان)). وأخبرني بنحو ذلك تلميذه الشيخ أحمد بن
أحمد الشنقيطي .
وحدثني ابنه عبد الله ؛ قال : حدثني أبي أنه كان يقرأ في البلاد زمان
طلبه للعلم في ((مختصر خليل)) في أول كتاب النكاح ، حتى وصل إلى
قول خليل : ((في عشرة ندبه ولو ببيع سلطان لفلس)) ، قال لي : أقرأنيها
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٥٨٠
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الأول
شيخي بعد العصر ، وكانت دراسته جرديّة ، بحيث يقرأ كل ما قيل في
الباب . قال : فأخذتُ شُرّاح خليل وحواشيه على هذه المسألة ، وجلستُ
أُراجعها حتى جاء الليل ، ثم أوقدتُ النار أُطالع في ضوئها إلى الصبح ،
ولم أَثُمْ ، ولم أُصَلِّ غير الفريضة ، فوجدتُ أن للشُّراح في قول خليل
قوليْن ، ولو كنت أبحث في الكتاب والسُّنَة ، لأتيتُ للأُمّة بالعَجَب .
يقول الشيخ عطية سالم في ترجمته للشيخ ص٣١ في تعليقه على
قول الشيخ - رحمه الله - عن نفسه :
كأنّ وجوهَها ضوْءُ الصّباحِ
ولي شُغْلِ بأبكارٍ عَذَارَى
لِفَهْمِ الفَدْمِ خافضةَ الجناحِ
أبيتُ مُفكِّرًا فيها فتُضحي
ما نصُّه: ((نعم ، إنه كان يبيت في طلب العلم مفكّرًا أو باحثًا ،
حتى يذلِّل الصّعاب، وقد طابق القول العمل ؛ حدثني - رحمه الله -
قال : جئت للشيخ في قراءتي عليه ، فشرح لي كما كان يشرح ، ولكنّه
لم يشفِ ما في نفسي على ما تعوّدتُ ، ولم يروٍ لي ظمئي ، وقمتُ من
عنده وأنا أجدني في حاجةٍ إلى إزالةِ بعضِ اللَّيْسِ ، وإيضاح بعضِ المشكل ،
وكان الوقت ظُهرًا ، فأخذت الكتب والمراجع ، فطعالتُ حتى العصر ،
فلم أفرغ من حاجتي ، فعاودتُ حتى المغرب ، فلم أنْتَهِ أيضًا ، فأوقد لي
خادمي أعوادًا من الحطب أقرأ على ضوئها ، كعادة الطّلاب، وواصلتُ
المطالعة ، وأتناول الشاهي الأخضر كلّما مللتُ أو كسلتُ ، والخادم
بجواري يُوقد الضوء ، حتى انبثق الفجر وأنا في مجلسي ، لم أُقُم إلا لصلاةِ
فرضٍ أو تناول طعامٍ ، وإلى أن ارتفع النهار ، وقد فرغت من درسي ،
وزال عني لبسي ، ووجدتُ هذا المحلّ من الدرس كغيره في الوضوح
والفهم ، فتركتُ المطالعة ونمتُ ، وأوصيتُ أن لا يوقظني لدرس ذلك
اليوم ؛ اكتفاءً بما حصلتُ عليه ، واستراحةً من عناء سهر البارحة . فقد
بات مفكّرًا فيها، فأضحت لفهم الفَدْم خافِضة الجناح)).
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد