النص المفهرس
صفحات 501-520
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الأول ٥٠١ قلتُ - البزار -: وقد أبان - بحمد الله تعالى فيما ألَّف فيها - لكلّ بصير الحقَّ من الباطل، وأعانه بتوفيقه حتى ردَّ عليهم بدَعَهم وآراءهم، وخِدَعَهم وأهواءهم ، مع الدلائل النقلية بالطريقة العقلية ، حتى يُجيب عن كل شبهة من شبههِم بعدة أجوبة جليَّة واضحة يعقلها كل ذي عقل صحيح ، ويشهد لصحتها كلّ عاقل رجيح ، فالحمد لله الذي منَّ علينا برؤيته وصُحبته ، فلقد جعله الله حُجَّةً على أهل هذا العصر ، المُعرِض غالب أهله عن قليله وكثيره ؛ لاشتغالهم بقاني الدنيا عما يحصل به باقي الآخرة ، فلا حول ولا قوة إلا بالله))(١). قال العلامة شيخ الشافعية ابن الزملكاني في شيخ الإسلام ابن تيمية : وصفاتُهُ جلَّتْ عن الحصرِ ماذا يقولُ الواصفون له هو بيننا أُعْجُوبةُ الدهرِ هو حُجَّةٌ لله قاهرةٌ أنوارُها أربتْ على الفجرِ هو آيةٌ للخلقِ ظاهرةٌ ولقد كان نصيب شيخ الإسلام في تفسير القرآن القدح المُعلَّى . ولقد جمع في تفسير القرآن العظيم ما يشهد له بالإِمامة المطلقة في هذا العلم . وما جمعه في تفسير القرآن العظيم ، وما جمعه من أقوال مُفسِّري السلف الذين يذكرون الأسانيد في كتبهم ، وذلك في أكثر من ثلاثين مُجلَّدًا. وقد بيَّض أصحابه بعض ذلك ، وكثير منه لم يكتبوه بعد . · وكان رحمه الله يقول: ربما طالعتُ على الآية الواحدة نحو مائةَ تفسير، ثم أسأل الله الفهم، وأقول: يامُعلِّمَ آدم وإبراهيم علِّمْني، وكنتُ أذهب إلى المساجد المهجورة ، ونحوها ، وأُمّرِّغ وجهي في التراب ، وأسأل الله تعالى وأقول : يامُعلِّم إبراهيم فَهُمْني ، ويذكر قصة معاذ بن جبل وقوله لمالك بن (١) الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية (٣٠ - ٣٥). تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول ٥٠٢ يخامر لما بكى عند موته وقال : إني لا أبكي على دنيا كنتُ أَصيبها منك ، ولكن أبكي على العلم والإِيمان الذي كنتُ أتعلَّمُه منك فقال: إن العلم والإِيمان مكانهما ، مَن ابتغاهما وجدهما ، فاطلب العلم عند أربعة ، فإنْ أعياك العلم عند هؤلاء ، فليس هو في الأرض ، فاطلبْه من مُعلِّم إبراهيم . قال الشيخ أبو عبد الله ابن رشيق - وكان من أخصِّ أصحاب شيخنا وأكثرهم كتابةً لكلامه وحرصًا على جمعه -: (( كتب الشيخ رحمه الله نُقولَ السلف مُجرَّدة عن الاستدلال على جميع القرآن ، وكتب في أوله قطعة كبيرة بالاستدلال ، ورأيتُ له سُورًا وآياتٍ يُفسِّرُها ويقول في بعضها : كتبتُه للتذكَّر ونحو ذلك. ثم لمّا حُبس في آخر عمره ؛ كتبتُ له أن يكتب على جميع القرآن تفسيرًا مُرتَّبًا على السُّوَر ، فكتب يقول : إِنَّ القرآن فيه ما هو بيِّنٌ بنفسه ، وفيه ما قد بيَّنْه المفسرون في غير كتاب، ولكن بعض الآيات أُشكل تفسيرها على جماعة من العلماء، فُرُبَّما يُطالع الإِنسان عليها عدَّة كُتُبٍ ولا يتبيَّنُ له تفسيرها ، وربما كتب المُصنَّف الواحد في آية تفسيرًا ، ويُفسِّرِ غيرها بنظيره ، فقصدتُ تفسِير تلك الآيات بالدليل ؛ لأنه أهمُّ من غيره ، وإذا تبيَّن معنى آية ؛ تبيَّن معاني نظائرها . وقال : قد فتح الله علَّ في هذه المَّة من معاني القرآن ومن أصول العلم بأشياء ، كان كثير من العلماء يتمنَّوْنها ، وندمتُ على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن، أو نحو هذا))(١) . يقول الذهبي في رثاء شيخ الإسلام ابن تيمية : (١) العقود الدريَّة لابن عبد الهادي (٢٦ - ٢٨). تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول ٥٠٣ محوتَ رسَمَ العلومِ والورعِ يا موتُ خُذْ مَنْ أردتَ أو فدعِ عُرى التُّقى واشتفى أولو البدع. أخذتَ شيخَ الإِسلام وانفصمتْ غَيَّبتَ بحرًا مُفسّرًا جَبْلًا حَبْرًا تقيَّا مُجانبَ الشِّبَعِ وإنْ يُناظِرْ فصاحبُ اللُّمَعِ فإنْ يُحَدِّثْ فمسلمٌ ثقةٌ وإنْ يَخُضْ نحو سيبويه يَفُهْ بكلِّ معنى في الفنّ مُختَرَعٍ كشعبة أو سعيدٍ الضَّبَعي وصار عاليَ الإِسنادِ حافظةً وذا جهادٍ عارٍ من الجَزَعِ الفقهُ فيه فكان مُجْتهدًا وزهدي القادريُ في الطَّبعِ زال علينا في أجمل الخِلَعِ وجودُهُ الحاتميُّ مُشتهـرٌ أسكنَهُ الله في الجنان وَلا مع مالكِ والإِمام أحمد والنُّعْمانَ والشافعيِّ والنَّخَعي مضى ابنُ تيميةٍ وموعدُهُ مع خصمِهِ يومَ نفخةِ الفَزَعِ وللمتيم عبد الله بن خضر الرومي يرثي ابن تيمية : لما تَناءَوا نأتْ عني مسرَّاتي واليوم أصبحتُ أبكي بعد بُعدِهم راحي وروحي وريحاني وراحاتي ومُذْ تولَّوْا تولَّى طيبُ لذاتي ما ضَرَّهم لو أعادوا لي أويقاتي وهُمْ نهاية مقصودي وغاياتي وهم نعيمي وروضاتي وجنَّاتي وذِكْرُهُمْ لم يزلْ في القلبِ جلواتي روحي بما ترتجي يومَ الأثيلاتِ ناديتُ من حرقي ياعِظَمَ لوعاتي حتى رمتني إلى الأبعاد راياتي وابك على ما قد جرى ياقلبي العاتي بعدَ الزُّلالِ بكاساتِ المِنَّاتِ وغاب مُذْ غاب عن عيني جمالُهُمو ولا صفا بعدهم عيشي بمنهلةٍ ياسادةً ملكوا قلبي بلُطْفِهمو هُمْ مُرادِي وهُمْ سُؤلي وهُمْ أملي وهُمْ سروري وهم سمعي وهم بصري وهم حياتي وهم أُنْسِي وهم شَرَفي لهفي على زمنٍ ولَّى وما ظَفِرتْ لما سَرَوْا وفؤادي في هوادجِهم ما كنتُ أعلمُ قْرْبي في محبَّتِهِم فاندُبْ علی ما مضى من عيشنا وصفا واذکر مصارع قومٍ کیف قد شربوا تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥٠٤ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول فأصبحوا في الثرى تبلی وجوهُهُم أقولُ ما قاله العبدُ المُنِيبُ(١) وقد أنا الذليلُ أنا المسكينُ ذو شَجَنٍ أنا الكسيرُ أنا المُحتاجُ يا أملي أنا الغريبُ فلا أهلٌ ولا وطنٌ أنا العُبْيْد الذي ما زلتُ مُفتقِرًا ما لي سواك وما لي عنك مُنصَرَفٌ أنت القديرُ على جبري بوصلِكَ لي أدعوك ياسيِّدي يا مُشتكَى حُزني فانظر إلى عَبْرتي وارحمْ صبا جسدي ما زال مُفتقرًا في باب سيِّدِهِ تحتَ الترابِ فيا عِظَمَ المُصيباتِ أودى به السجنُ في بِّ وطاعاتٍ أنا الفقيرُ إلى ربِّ السمواتِ جُدْ لي بفضلِك واعفُ عن خطيئاتي أنا الوحيدُ فكنْ لي في مُلمَّاتي إليك ياسيِّدي في كل حالاتي ذكراك في القلب قرآني وآياتي أنت العليمُ بأسراري الخفيَّاتِ يا جابري يا مُغِيثي في مُهمَّاتي يا راحم الخير يا باري البريَّاتِ مازال مُبتليًّا بالامتحاناتِ ما زال يتبعُ آثارَ الرسول على النَّهجِ القويمِ بأعلامِ الدلالاتِ يهدي لِسُنَّتَه يُفِي بِشِرْعَتِهِ قطبُ الزمانِ وتاجُ الناسِ كُلِّهِمُ حَبْرُ الوجودِ فريدٌ في معارفِهِ حوى من المصطفى علمًا ومعرفةً ما جاءه سائلٌ إلا ويمنحُه ماذا أقولُ وقولي فيه مُنحسرٌ في علمِهِ ما عِلِمْنا مَنْ يُناسبُهُ تلوحُ شمسُ المعالي في شمائِلهِ بحرُ المعارفِ تاهوا في بدايتهِ قطبُ الحقائقِ حاروا في فضائِلهِ 131 يرعى لحُرْمتِهِ فِي كَلَ ساعاتٍ روحُ المعاني حوى كلِّ العباداتِ أفنى بسيفِ الهدى أهلَ الضلالاتِ وجاءه منه إمدادُ النوالاتِ إِمَّا بجودٍ وإمَّا بالمداراةِ في وصْفِ أخلاقه كلَّتْ عباراتي إلا أئمتنا أهل العناياتِ وفي صفا وجهِه نورُ الهداياتِ أهُلُ المعاني وأربابُ النهاياتِ أهلُ التصوُّفِ أصحابُ الرياضاتِ (١) يعني شيخ الإسلام ابن تيمية في قصيدته ((أنا الفقير)). تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول ٥٠٥ عَلَّامةُ الوقتِ في الماضي وفي الآتِي أُعجوبةُ الدهرِ فردٌ في فضائِلِهِ على فنونِ المعاني والإِشاراتِ والهْفَ قلبي على مَنْ كان يجمعُنا إذا تبدَّى بدَا سِرّ العبادات فارقتُ مَن كان يرويني بروِيتِهِ فيطربُ الكونُ من طيبِ الرواياتِ يروي الأحاديث عن سكانٍ كاظمٍ فيرقصُ القلبُ شوقًا نحو ساداتٍ(١) ويُطنبُ الذکْرَ في إحسانِ حُسْنِهِمُ ٢٤٦ - شيخ الحفّاظ جمال الدين ، أبو الحجاج ، يوسف بن عبد الرحمن ابن يوسف المِزِّتي : ((القدوة ، حافظ الزمان ، حامل راية السُّنة والجماعة ، والقائم بأعباء هذه الصناعة، والمُتدرّع جلباب الطاعة، إمام الحفّاظ، كلمةٌ لا يجحدونها، وشهادةٌ على أنفسهم يُؤْدُّونها، ورُتبةٌ لو نُشر أكابر الأعداء لكانوا يودُّونها ، واحدٌ عصره بالإِجماع، وشيخُ زمانه الذي تُصغي لما يقول الأسماع))(٢). لم توجّهْه عائلته إلى طلب الحديث منذ فترة مُبكّرة كما فعلتْ عائلة رفيقه وتلميذه الذهبي ، فلم يكن له إلا أن يطلبه هو بنفسه حينما بلغ الحادية والعشرين من عمره . قال ابن حجر في الدُّرر (٥ / ٢٣٣): ((ولو كان له مَنْ يُسمِّعُه صغيّرًا؛ لسَمِع من ابن عبد الدائم والكرمانّ وغيرهما ، ولكنه طلب بنفسه في أول سنة خمسٍ وسبعين ». وكان أول سماعه الحديث على الشيخ أبي العباس أحمد بن أبي الخير سلامة الحدَّاد ، فسمع أول ما سمع كتاب ((الحلية)) لأبي نُعيم ثم أكثر عنه . ومنذ ذلك الحين اتجهتْ هِمَّةُ المزيِّ إلى سماع الحديث ، فسمع من الجمِّ الغفير ، سمع عليهم الكتب الكبار الأُمَّهات مثل : الكتب الستة ، ومُسند الإِمام أحمد، والمعجم الكبير للطبراني، وتاريخ بغداد للخطيب، وكتاب النسب (١) العقود الدريَّة ( ٤٧٣ - ٤٧٥). (٢) طبقات الشافعية ١٠ / ٣٩٥ - ٣٩٦ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ... ) تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول للزبير بن بكار، والسيرة لابن هشام، وموطأ الإِمام مالك، والسُّنَن الكبير، ودلائل النبوة للبيهقي ، بحيث قال تلميذه الصلاح الصفدي : وأشياء يطول ذكْرُها، ومن الأجزاء ألوفًا. وذكر ابن حجر في الدُّرر (٢٣٣/٥) أنَّ مشيخته نحو الألف شيخ . وتجوَّل المزيّ في المدن الشامية ، فسمع بالقدس الشريف ، وحمص ، وحماة ، وبعلبك، وحجَّ وسمع بالحرمين الشريفين ، ورحل إلى البلاد المصرية ، فسمع بالقاهرة والإسكندرية وبلبيس . ◌ُني المزيّ بدراسة العربية ، فأتقنها لغةً وتصريفًا ، ففاق أقرانه في ذلك ، بحيث قال الصلاح الصفدي فيه : ولم أر في أشياخي بعد شيخنا أثير الدين في العربية مثله ، خصوصًا في التصريف واللغة ، وقد عرف أبو حيَّان نفسه قدْرَ المزيِّ ، فأغدق الثناء عليه وعلى علمه الجمِّ . قال الذهبي عنه : تَرَافَق هو وابن تيمية كثيرًا في سماع الحديث ، وفي النظر في العلم ، وكان يُقرِّر طريقة السلف في السُّنَّة ، وما وراء ذلك بحمد الله إلا حُسْنُ إسلام وحسبةٌ لله . و کان ابن تيمية كثير الاعتماد على المزيِّ وعلمه ومعرفته ، فحينما خرج من سجنه بمصر سنة ٧٠٩هـ) بعد عودة السلطان محمد بن قلاوون، وجلس في القاهرة ينشر علمه ؛ احتاج إلى بعض كُتُبِه التي بالشام ، فكتب إلى أهله كتابًا يطلب جملةً من كتب العلم التي له ، وطلب منهم أن يستعينوا على ذلك بجمال الدين المزي ؛ فإنه يدري كيف يستخرج له ما يُريده من الكتب التي أشار إليها . وحينما ولي المزيّ أكبر دار حديث بدمشق - وهي دار الحديث الأشرفية - سنة ( ٧١٨ هـ) ؛ فرح ابن تيمية فرحًا عظيمًا بذلك، وقال: (( لم يلِ هذه المدرسة من حين بنائها إلى الآن أحقّ بشرط الواقف منه )). وقد وليها عظماء العلماء المُحدِّثين ، منهم تقي الدين ابن الصلاح، وابن الحرستاني، وأبو شامة، ومحيي الدين النووي، وغيرهم ، تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول ٥٠٧ فقد اعتمد ابن تيمية قول الواقف : (( إن اجتمع مَنْ فيه الرواية ومَنْ فيه الدراية ؛ قُدِّم مَنْ فيه الرواية)) ؛ فِفضَّله ابن تيمية بذلك على جميع المتقدِّمين في الرواية . ولقد احتلَّ المزيّ مكانةً عظيمةً بَيْنَ علماء القرن الثامن الهجري في الحديث وعلومه ، وقامت شُهرتُه على أعظم كتابيْن ألَّفهما في فنّهما ، هما: ((تحفة الأشراف))، و ((تهذيب الكمال)). ويُعدُّ كتاب ((تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف )» من أعظم الكتب المؤلّفة في أطراف الكتب الستة وبعض لواحقها . وهو عمل هائل تعجز عنه العُصبة . قال ابن حجر في النُّكت الظِراف بهامش تحفة الأشراف (٤١١): ((قد حصل الانتفاع بهذا الكتاب شرقًا وغربًا ، وتنافس العلماء في تحصيله بُعْدًا وقُرْبًا . ونظرا لهذه المنزلة التي احتلّها في هذا الفنِّ؛ فقد تناوله العلماء بالاستدراك والتلخيص والتعليق؛ لأنه صار الكتاب المُعتمد في هذا الفنِّ». أمّا كتاب المزيِّ الثاني، فهو (( تهذيب الكمال ))، وهو كتابنا هذا، فإنه يُعَدُّ أعظمَ كتابٍ أُلْف في فنِّه غير مُدافَع ، أربى فيه على مَنْ تَقدَّمه وكسف مؤلّفاتهم ، ولم يستطع أحدٌ بعده حتى اليوم أن يبلغ شأوه ، بله أن يأتي بأحسن منه . وكتاب ((تهذيب الكمال)) ليس اختصارًا لكتاب ((الكمال)) للحافظ عبد الغني المقدسي ، فقد نقّى كتاب (( الكمال)) وأصلح ما فيه من خَلَل ، وزاد عليه ، فصار التهذيب ثلاثة أضعاف (( الكمال))، وأصبح يتكون من مائتين وخمسين جزءًا حديثيًّا؛ يعني في عشرة آلاف صفحة ، في كل صفحة ( ٢١ ) سطرًا ، فضلًا عما كتبه من تحقيقات في حواشي نسخته . قال الصلاح الصفدي: ((وصنَّف كتاب ((تهذيب الكمال)) في أربعة عشر مُجلَّدًا؛ كسف به الكُتُبَ المتقدِّمة في هذا الشأن ، وسارت تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الأول ٥٠٨ به الركبان ، واشتهر في حياته )). وقال تاج الدين السبكي: ((وصنَّف ((تهذيب الكمال)) المُجْمع على أنه لم يُصنَّف مثله )) . وقال ابن تغري بردي: ((هو في غاية الحُسنِ في معناه)). وقال حاجي خليفة: ((هو كتاب كبير لم يُؤْلَّف مثله ، ولا يُظُّ أن يُستطاع )) . وقال العلامة علاء الدين مُغلطاي الحنفي: «إنه كتاب عظيمُ الفوائد، جمُّ الفرائد ، لم يُصنَّف في نوعه مثله؛ لأنَّ مُؤلِّفَه أبدع فيما وضع)). وقال أيضًا : وقد صار كتاب التهذيب حكمًا بين طائفتي المُحدِّثين والفقهاء ، إذا اختلفوا قالوا: بيننا وبينكم كتاب المزيّ)). وقال الذهبي: (( أتى فيه بكل نفيس ، وبالغ ولم يأل في استيفاء شيوخ الشخص ورواته ، وغرائبه وموافقاته ، وعدالته وجرحاته ، ومناقبه وهناته ، وعمره ووفاته ، فبقي حسرةً على مَنْ لم يُحصِّله من الفُضَلاءِ ، ولهفةً على مَنْ أعوزه الإِمكان )) . أصبح المزيُ حافظَ عصره غير مُدافَع، وفضَّله الإِمام الذهبي في الحفظ على جميع مَنْ لقي من الحفّاظ طيلة حياته ، وأتاحت له معرفتُه الفذّة في علم الرجال منزلةً مُتميِّزة بين أساتيذ العصر ، فأَمَّهُ طلبةُ العلم من كلٍ حَدَبٍ وصوبٍ ، وكانت دار الحديث الأشرفية من أعظم الأماكن التي بثّ منها المزيُّ عِلْمَهُ، وحدَّث زيادةً على خمسين سنة . قال الذهبي فيما نقله عنه ابن حجر في الدرر (٢٣٤/٥): ((وغالب المُحدِّثين من دمشق وغيرها قد تلمذوا له ، واستفادوا منه ، وسألوه عن المُعضلات ، فاعترفوا بفضيلته ، وعُلُوِّ ذكْرِه . وقد حدَّث بكتبه مَرَّات عديدة ، وحدَّث بصحيح البخاري مرات ، وبالمسند للإِمام أحمد ، وبالمعجم الكبير للإِمام الطبراني ، وبدلائل النبوة تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول ٥٠٩ للبيهقي ، وبكتب كثيرة جدًّا، كما حدَّث بسائر أجزائه العالية . ويكفيه فخرًا وفضلًا أنَّ عظماء العلماء من أساتيذه ورفاقه وتلامذته النُّجُب قد أخذوا عنه . فسمع منه الأعلام العلماء : شيخ الإسلام ابن تيمية ، وابن سيِّد الناس ، والذهبي أخذ عنه صحيح البخاري غير مَرَّة ، والإِمام تقي الدين السبكي، وبه تخَّج أعاظم الرواة والمُحدِّثين: البرزالي، وابن عبد الهادي، وصلاح الدين العلائي، وعلاء الدين مغلطاي، وابن رافع السلامي، وصهره الشيخ عماد الدين ابن كثير ، وخلْقٌ يطول ذكْرُهم . قال عنه ابن سيِّد الناس: (( وجدتُ بدمشق من أهل العلم الإِمامَ المُقدَّم ، والحافظ الذي فاق مَنْ تأخّر من أقرانه ومَنْ تقدَّم ، أبا الحجّاج المزيّ، بحر هذا العلم الزاخر وحَبْرَه ، القائل مَنْ رآه : كمْ ترك الأوائل للأواخر، أحفظُ الناسُ للتراجم، وأعلمُ الناس بالرواة من أعارب وأعاجم)). وقال عنه الذهبي: ((طلب هذا الشأن فما ونى ولا فتر ، ولا لَهَا ولا قصَّر، وعُني بهذا الشأن أتمَّ عناية ، وقرأ العربية وأفاد ، وأكثر من اللغة والتصريف ، وصنَّف وأفاد ... )). قال الذهبي عنه في (( تذكرة الحفاظ)): شيخنا الإِمام العالم الحبر الحافظ الأوحد ... أما معرفة الرجال، فهو حامل لوائها، والقائم بأعبائها، لم ترَ العيونُ مثله ... وأوضحَ مُشكلاتٍ ومُعضلاتٍ ما سُبق إليها في علم الحديث ورجاله ... وكان يُطالع وينقل الطباق إذا حدَّث ، وهو في ذلك لا يكاد يخفى عليه شيءٌ مما يقرأ، بل يردُّ في المتن والإِسناد ردًّا مُفيدًا يتعجَّبُ منه فُضَلاء الجماعة )). قال عنه الذهبي فيما نقل عنه الصفدي في (( أعيان العصر)): ((ولو كان لي رأيّ للإزمتُهُ أضعاف ما جالستُه ، فإنني أخذتُ عنه هذا الشيء بحسبي لا بحسبه ، وكان لا يكاد يعرف قدْرَهُ إلا مَنْ أكثر مُجالستَهُ)). تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥١٠ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الأول وقال عنه أيضًا فيما أورده عنه التاج السبكي والصفدي: (( ما رأيتُ أحدًا في هذا الشأن أحفظ من الإِمام أبي الحجّاج المزِّي ، وسمعتُه يقول في شيخنا أبي محمد الدمياطي : إنه ما رأى أحفظ منه ، وكان الدمياطي يقول : إنه ما رأى شيخًا أحفظ من زكي الدين عبد العظيم)). وقال عنه الصلاح الصفدي: ((العلامة الحافظ الفريد الرحلة، إمامُ المُحدِّثين، خاتمةُ الحفاظ، ناقدُ الأسانيد والألفاظ، لو عاصره ابن ماكولا؛ كان له مشروبًا ومأكولًا، وجعل هذا الأمر إليه موكولًا)). وقال الصلاح الصفدي أيضًا في حفظه : (( وسمعتُ صحيحَ مسلم على البَنْدَنِيجِّ وهو حاضر بقراءة ابن طُغريل ، وعدَّة نسخ صحيحة حاضرة يُقابل بها ، فيردُّ الشيخ جمال الدين رحمه الله على ابن طُغريل اللفظَ ، فيقول ابن طُغريل : ما في النسخة إلَّا ما قرأه ، فيقول مَنْ بيده بعض تلك النُّسَخ الصحيحة : هو عندي كما قال الشيخ ... أو في الحاشية تصحيح ذلك، ولما تكَّر ذلك؛ قلتُ أنا له : ما النسخة الصحيحة إلا أنت)). وقال عنه التاج عبد الوهاب السبكي مع مُخالفة المزيّ له في العقائد: (( شيخنا وأستاذنا وقدوتنا ... كان شيخنا المزيّ أُعجوبةَ زمانِهِ ، يقرأ عليه القارىء نهارًا كاملًا، والطُّرُقُ تضطربُ، والأسانيدُ تختلفُ، وضبطُ الأسماء يُشكِل، وهو لا يسهو ولا يغفُل، يُبيِّن وجْه الاختلاف، ويُوضِّحُ ضبْط المُشكِل ، ويُعيِّنُ المُبهَمَ ، يَقِظُ لا يغفل عند الاحتياج إليه، ولقد شاهَدَتْهُ الطلبة ينعَسُ فإذا أخطأ القارىء؛ ردَّ عليه كأنَّ شخصًا أيقظه ، وقال له : قال هذا القارىء كيْتَ وكيْتَ ، هل هو صحيح ؟ وهذا من عجائب الأمور . وكان قد انتهت إليه رئاسة المُحدِّثين في الدنيا))(١) . ونتيجةً لما بلغه المزيّ من منزلة مرموقةٍ بين علماء عصره ؛ ولي دار (١) طبقات الشافعية ١٠ / ٣٩٧. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الأول ٥١١ الأشرفية سنة ( ٧١٨ هـ ) ، وليها على الرغم من مُعارضة الكثيرين بسبب صُحبته لابن تيمية وتأييده لآرائه ، ولكن علمه وفضله لا يستطيع أن يُنكره الأشاعرة ولا غيرهم ، جعلهم يضطرون إلى توليته هذه الدار التي كانت تُعدُّ من أكبر دور الحديث بدمشق ، وأبان الأشاعرة عن سخطهم ، فلم يحضروا حفل الافتتاح . قال ابن كثير: ((مع أنه لم يتولَّها أحدٌ قبله أحقُ بها منه ، وما عليه منهم إذا لم يحضروا ؟! فإنه لا يوحشه إلا حضورهم عنده ، وبُعْدُهُم أُنْسٌ ، والله أعلم)) (١) . . واستمرّتْ تُحاك المكائد ضده حتى وهو في آخر شيخوخته ؛ ففيٍ سنة ( ٧٣٩ هـ ) ولي تقي الدين السبكي قضاء الشافعية بدمشق ، وما إن وصل دمشق حضر عنده صدر الدين سليمان بن عبد الحكيم المالكي ، وكان أشعريًّا جلْدًا، فقال للسبكي عن المزيّ : ينبغي لك عزلُه من مشيخة دار الحديث الأشرفية. قال تقي الدين السبكي: ((فاقشعَّ جلدي وغاب فكري، وقلتُ في نفسي : هذا إمامُ المُحدِّثين ، والله لو عاش الدار قطني ؛ استحيا أن يُدرس مكانه )) . ثم قال السبكي لابنه بعد ذلك: (( مَنْ ذا الذي يتجاسر أن يقول : المزيّ ما يصلح لدار الحديث ، والله رُكني ما يحمل هذا الكلام))(٢). وقد استمر المزيّ متوليًّا لهذه الدار طيلة حياته، وكانت مسكنَهُ، فكانت ولايتُهُ لها قُرابة أربعة وعشرين عامًا ، ومنها نشر علْمَهُ الجَمَّ ، وفيها حدَّث بكتابه العظيم (( تهذيب الكمال)) وغيره ، وسمعها عليه الجِلَّة من شيوخ العصر. وكان المزيّ- إضافةً إلى ذلك- شيخًا لدار الحديث الحمصية المغروفة (١) البداية والنهاية ١٤ / ٨٩. (٢) طبقات الشافعية ١٠ / ٣٩٧ - ٣٩٨. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥١٢ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول بحلقة صاحب حمص . وتولَّى أيضًا أقدمَ دار حديث بدمشق وأعرقَها - وهي دار الحديث النورية - إلى حين وفاته . هذي المفاخرُ لا قعبان من لبٍ شيبت بماء فعادت بعد أبوالا ٢٤٧ - الحافظ شرف الدين الدمياطي ، أبو محمد وأبو أحمد ، عبد المؤمن ابن خلف التوني : ((حافظ زمانه ، وأستاذ الأستاذين في معرفة الأنساب ، وإمام أهل الحديث المُجمَع على جلالته ، الجامع بين الدِّراية والرواية بالسند العالي ، للقدر الكثير) (١) . سمع من الجمِّ الغفير والعدد الكثير بالإسكندرية ودمشق وحلب ، ولازم بها الحافظ يوسف بن خليل ، وسمع بمكة والمدينة وبغداد وماردين وحماة وغيرها . وخرّج ببغداد ((أربعين حديثًا)) لأمير المؤمنين المُستعصم. روى عنه من الأئمة تلاميذه : الحافظ المزيّ ، والحافظ الذهبيّ، والحافظ ابن سيد الناس ، وتقي الدين السبكي . ودرَّس بالقاهرة لطائفة المُحدِّثين بالمدرسة المنصورية ، وهو أوَّلُ مَنْ درَّس فيها لهم(٢). قال عنه الذهبي: (( شيخنا الإِمام العلامة، الحافظ الفقيه النَّسَّابة ، شيخ المُحدِّثين. تفقّه بدمياط، وبرع، ثم طلب الحديث، فارتحل إلى الإِسكندرية، فسمع بها وبمصر وببغداد وبحلب ، وحمل عن ابن خليل حِمْلَ دابَّة كُتبًا (١) طبقات الشافعية ١٠٢/١٠ - ١٠٣. (٢) طبقات الشافعية ١٠ / ١٠٣ - ١٠٤. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاحِ الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول ٥١٣ وأجزاءً، وسمع بحماة ، وبماردين ، وبحرَّان ، وكتب العالي والنازل ، وجمع فأوعى ، وسكن دمشق ، فأكثر بها عن ابن مسلمة وغيره ، ومُعجم شيوخه يبلغون ألفًا وثلاثمائة إنسانًا، وكان صادقًا حافظًا، مُتقنًا، جيِّدَ العربية ، غزير اللغة ، واسع الفقه ، رأسًا في علم النسب . سمعتُ أبا الحجّاج الحافظ - وما رأيتُ أحفظَ منه لهذا الشأن - يقول : ما رأيتُ في الحديث أحفظ من الدمياطي . روى عنه أبو حيان الأندلسي والبرزالي وفخر الدين النويري)»(١). وكفى بشهادة المزيّ له شهادة !! ٢٤٨- شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية، حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، أبو عبد الله ، محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الحنبلي : يقول الشيخ الفاضل بقية السلف بكر بن عبد الله أبو زيد في كتابه ((ابن قيم الجوزية حياته وآثاره)): ((إن الناظر في ترجمة ابن القيم رحمه الله يلمس منه : الرغبة الصادقة في الطلب ، والجَلَّدَ العظيم في البحث والنظر ، والحريَّة في التلقّي عن الشيوخ من الحنابلة وغيرهم ، والتفاني في سبيل العلم ، وامتزاج ذلك بلحمه ودمه منذ نعومة أظافره . وانبرى للطلب في سِنِّ مُبَكرٍ ، وعلى وجه التحديد في السابعة من عمره . ويظهر ذلك بالمقارنة بين تاريخ ولادته سنة ( ٦٩١ هـ ) وتاريخ وفيات جملة من شيوخه الذين أخذ عنهم . فمن شيوخه الشهاب العابر المُتوفّى سنة ( ٦٩٧ هـ ) ، فيكون على هذا بدأ بالسماع وهو في السابعة من عمره ، وقد أثنى ابن القيم على شيخه الشهاب، وذكر طرفًا من تعبيره للرؤيا في كتابه ((زاد المعاد))، ثم قال : وسمعتُ عليه ◌ِدَّة أجزاء ، ولم يتفقْ لي قراءة هذا العلم عليه لِصِغَرِ السِّنِّ ، (١) تذكرة الحفاظ ٤ / ١٤٧٧ - ١٤٧٨ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥١٤ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول واخترام المنية له . رحمه الله)). قال الشيخ بكر أبو زيد: ((وقد منَّ الله تعالى - وهو المانُّ بفضله - فتَبَّعْتُ أسماء مؤلَّفاته أيضًا من ثنايا كُتُبه ومن غيرها ؛ فتحصَّل لي جملة منها بلغت ( ١٩ ) كتابًا ، فصار مجموع ما جرى الوقوف عليه حسب التُّع والاستقراء هو (٩٦) كتابًا)). وأما علومه التي تلقّاها وبرع فيها فهي تكاد تعمُّ علوم الشريعة وعلوم الآلة ، فقد درس التوحيد ، وعلم الكلام ، والتفسير ، والحديث ، والفقه وأصوله، والفرائض، واللغة، والنحو، وغيرها، على علماء عصره المتفنّنين في علوم الإِسلام ، وبرع هو فيها ، وعلا كعبُه ، وفاق الأقران ، ويكفي في الدلالة على عُلُوِّ منزلته ؛ أن يكون هو وشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية کفرسيْ رهان . وهذه الجامعيَّة المُدهشة في البراعة والطلب نجدها محلّ اتّفاق مُسجَّل لدى تلاميذه الكبار ومَنْ بعدهم من ثقات النَّقَلَةِ الأبرار . يقول تلميذه ابن رجب: (( تفقّه في المذهب ، وبرع وأفتى ، ولازم الشيخ تقي الدين ابن تيمية ، وتفنَّن في علوم الإِسلام ، وكان عارفًا في التفسير لا يُجارى فيه، وبأصول الدين وإليه فيها المنتهى، والحديث ومعانيه وفقهه ودقائق الاستنباط منه ، لا يُلحق في ذلك، وبالفقه وأصوله، وبالعربية وله فيها اليد الطولى، والنحو، وكان عالمًا بعلم السلوك وكلام أهل التصوف وإشاراتهم ودقائقهم. له في كلٌّ فىٍّ من هذه الفنون اليدُ الطولى))(١). ويقول تلميذه ابن كثير: ((سمع الحديث ، واشتغل بالعلم ، وبرع في علوم متعدِّدة ، لاسيما علم التفسير والحديث والأصلين ، ولما عاد شيخ الإِسلام ابن تيمية من الديار المصرية في سنة ( ٧١٢ هـ ) ؛ لازمه إلى أن (١) ذيل طبقات الحنابلة ٢ / ٤٤٨. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول ٥١٥ مات الشيخ، فأخذ عنه علمًا جمًّا مع ما سلف له من الاشتغال، فصار فريدًا في بابه في فنون كثيرة، مع كثرة الطلب ليلًا ونهارًا وكثرة الابتهال))(١). وقال عنه ابن حجر في الدُّرر الكامنة (٤ / ٢١): ((كان واسعَ العلم ، عارفًا بالخلاف ومذاهب السلف )). وقال ابن تغري بردي: ((كان بارعًا في عدة علوم ما بين تفسير وفقه وعربية ونحو وحديث ، وأصول وفروع ، ولزم شيخ الإسلام ابن تيمية بعد عودته من القاهرة سنة ( ٧١٢ هـ)، وأخذ عنه علمًا كثيرًا حتى صار أحدَ أفراد زمانه ، وانتفع به الناس قاطبة))(٢). وقال الشوكاني في ((البدر الطالع)) (١٤٣/١): ((برع في شتى العلوم، وفاق الأقران ، واشتهر في الآفاق، وتبخّر في معرفة مذاهب السلف )). وقال البيطار الدمشقي: ((هو إمام في لغة القرآن وأسلوبه ، وفقهه وتشريعه ، وإيجازه وإعجازه ، وحقيقته ومجازه )). وابن القيم يُزاحم بالُّكَب في شتى الحِلَقِ على أعداد مُتكاثرة من الشيوخ بروح مُتعطشة ، ونفْس مُتألْقة، ليشفَيَ غِلَّتَهُ ، ويروي نهمتَه ، فينهل من كل عالم مُتخصِّص ، حتى تفنَّن في علوم الإِسلام ، وصارت له اليدُ الطولى في فنون شتى . لم يشتهر أمْرُ الرحلة عن ابن القيم - وإن أتى إلى مصر - فقد عاش في عصر دُوِّنت فيه العلوم الإِسلامية وانتشرت وخاصة في دمشق ، وقد عاش في كنف والده ، وهو يُمثِّل الصدارة في بلده لعلماء الحنابلة ، فيكون قيِّمًا على المدرسة الجوزية. وكيف يرتحل عن دمشق وحال العلم في دمشق وأساتذتها الكبار ومكتباتها العامرة يجعلها موئلَ العلماء ومحطّ رحالهم ، لاسيما وقد وفد (١) البداية والنهاية ١٤ / ٢٠٢ . (٢) النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة ١٠ / ٢٤٩. ٦ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥١٦ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول إليها شيخ الإِسلام والبحر الذي لا ينزف : أبو العباس أحمد بن تيمية وخيركم مَنْ يأتيه رزقه عند عتبة بابه ، ولنتمثّل بما كان يلهج به في بعض مؤلفاته متمثِّلًا: ((وليس وراء عبادان قريبة)). وحجَّ مَرَّات كثيرة، وجاور بمكة، وألّف كتابه ((مفتاح دار السعادة)) مُدَّة مقامه بمكة . يقول في آخر مُقدِّمته: (( وكان هذا من بعض النزول والتحف التي فتح الله بها علَّ حين انقطاعي إليه عند بيته ، وإلقائي نفسي ببابه مسكينًا ذليلًا ، وتعرُّضي لنفحاته في بيته وحوله بكرةً وأصيلاً ، فما خاب مَنْ أنزل به حوائجه ، وعلَّق به آماله، وأصبح ببابه مُقيمًا، وبحماه نزيلًا . لقد أفنى ابن القيم حياته مُتَقلبًا في أعطاف العلم ، في حِلُّه وترحاله ، في سفره وإقامته ، وإن شدَّه الرحالَ لحجِّه والمجاورة بمكة - حرسها الله تعالى - كانت أسفارًا مشحونة بالعلم ، وتدوينه ، وصدْق التعبُّد ، واللَّهج بذكْر الله والتعلُّق به . إن السفرَ والبُعدَ عن الوطن؛ لم يشغلْه شيءٌ من ذلك عن التأليف والنظر . فابن القيم وإنْ سافر لا يحمل إلا زادًا ومزادةً ، فمكتبتُه في صدره ، ويكفي في هذا أنه ألَّف جملةً من كُتُبه في حال سفره عن وطنه وبُعْدِه عن مكتبته ، وهي : ١ - مفتاح دار السعادة . ٣ - زاد المعاد . ٢ - روضة المحبين . ٤ - بدائع الفوائد . ٥ - تهذيب سُنَنِ أبي داود . ولقد كان غرامُهُ بالكتب أكبر دليلٍ على المحبَّة الصادقة والرغبة المُتناهية للعلم ، بحثًا ومُطالعةً وقراءةً وإقراءً وتأليفًا. وابن القيم رحمه الله تعالى شديدُ المحبة للعلم وكتابته ، فلا عجب إذا رأينا مُترجميه يخصُّون بالذكْر في ترجمته اقتناءه للكتب ، ولهفَه على ذلك ، وأنه اقتنى ما لا يُحصى ، وما لم يحصُل لغيره . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد م تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوٌّ الهمة - المجلد الأول ٥١٧ وآثارُهُ العلميةُ تُكسبُنا الدليلَ المادي على ذلك، فإِنَّ مَنْ يقرأ واحدًا من مُصنَّفات ابن القيم رحمه الله ، يرى فيه الاطلاع المذهل على طائفة كبيرة من كُتُب المكتبة الإسلامية على اختلاف فنونها . ففي كتابه ((الجيوش الإسلامية )) يذكر في مسألة استواء الله على عرشه أقوال السلف من أكثر من مائة كتاب . وكتاب (( أحكام الذِّمَّة)) ذکر فیه نحوًا من ثلاثین کتابًا . و کتابه ( الروح )» ذکر فیه نحوًا من ثلاثين كتابًا . وهل غزارة المادة في مؤلفاته ، والقدرة العجيبة على حشْد الأدلة ، وذكْر الخلاف والقائل به؛ إلا نتيجة الاطلاع المُدهش، والقراءة المتتابعة !! يقول ابن قيم الجوزية في معرض كلامه عن الإِمام أحمد بن حنبل في كتابه (( أعلام الموقعين)): (( وكان الإِمام أحمد رضي الله عنه شديد الكراهة لتصنيف الكتب ، وكان يُحبُّ تجريدَ الحديث ، ويكره أن يكتب كلامه ، ويشتدُّ عليه جدًّا، فعلم الله حُسْنَ نَّته وقصْده ، فكتب من كلامه وفتواه أكثر من ثلاثين سِفْرًا ؛ منَّ الله سبحانه علينا بأكثرها ، فلم يفُتنا منها إلا القليل ، وجمع الخلال نصوصه في (( الجامع الكبير )) فبلغ نحو عشرين سفرًا أو أكثر . وقد منَّ الله عليه أيضًا بكتب شيخ الإسلام رحمه الله ، فقد قرأ عليه أکثرها . قال ابن رجب تلميذه: ((كان شديدَ المحبة للعلم وكتابته ومطالعته وتصنيف واقتناء الكتب ، واقتنى من الكتب ما لا يحصل لغيره )). وقال ابن كثير في («البداية والنهاية)) (٢٠٢/١٤): ((واقتنى من الكتب ما لا يتهيَّأْ لغيره تحصيل عُشْر معشاره من كتب السلف والخلف )). وقال ابن حجر في الدُّرر (٢٢/٤): ((وكان مُغرى بجمع الكتب ، فحصَّل منها ما لا يُحصى)). تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥١٨ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول وتولَّى ابن القيم : ١ - الإمامة بالجوزية: ((فهو إمام الجوزية وابن قيِّمها)) كما يقول ابن كثير في البداية (٢٠٢/١٤) . ٢ - ودرس بالصدرية وغيرها . وأخذ عنه العلم جمعٌ غفيرٌ من كبار الحفاظ ؛ كابن رجب ، والذهبي ، وابن كثير ، وابن عبد الهادي . ٣ - وتصدَّى للفتوى . ٤ - أما التأليف فهو موطنُ الجمال والجلال والجاذبية الغريبة في حياة ابن القيم العلمية اللامعة المُتألق نجمها على مدى سبعة قرون ، يتجاذبها الناس بالدرس والفحص والقراءة والإِقراء ، ويكفي أنها بالجملة محلّ إعجاب من أنصاره وخصومه على حدٍّ سواء . وفي ذلك يقول الحافظ ابن حجر في الدُّرر الكامنة (٤ / ٢٢): ((وكلُّ تصانيفه مرغوبٌ فيها بين الطوائف)). وكيف لا يرغب فيها المسلم ، وفيها تيسير الوحيين ، وتحرير الأحكام وإخراجها للناس عذبةً نقيَّةً من زيغ العقائد، وتعصُّب المذاهب ، والانتصار للطوائف ، ولو لم يكن من مؤلّفاته إلا كتابه ((زاد المعاد في هدي خير العباد )) ، ذلك الكتاب النافع المعطار ، وكتابه الجامع لأُمَّهات الأحكام ، وحقائق الفقه وأصول التشريع وحكمته وأسراره، المُسمَّى ((أعلام الموقعين))، لو لم يكن منها إلا هذان الكتابان لكفى ، فكيف وقد ملأ المكتبة الإسلامية بالعديد من المؤلّفات الطُّوَل والمختصرة في فنون شتى من العلم !! وتمتاز مؤلَّفاته رحمه الله بالسَّعة والشمول ، ويكفي مثالًا على ذلك : مبحث التحسين والتقبيح العقليين ، أو مبحث المجاز وردّه . وتمتاز أيضًا بالاستطراد التناسبي، وليس كل عالم يستطيعه ، ولا كلُ مؤلَّف يُطيقه ، فهو لا يتأتّى إلا من أكابر الحفاظ وأوعية العلم الذين تموج قرائحهم وأذهانهم بشتى العلوم والمعارف . وهذا من الجود بالعلم - فكيف https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الأول ٥١٩ ثُعاب كُتُبُه من الجهال بهذا . لقبوه حامضٌ وهو خَلِّ مثلُ مَنْ لم يصلْ إلى العنقود وتمتاز كُتُبُه ومُؤْلَّفاته بتفهُّم محاسن الشريعة ؛ فإن مَنْ يقرأ في مباحثه العقائدية والفقهية على حَدٍّ سواء ، يلمس منه نَفْسًا شفَّافَةً ، لها بصّرٌ وعنايةٌ بتفهُّم مقاصد الشريعة ومحاسنها ، وحكمة الأحكام وأسرارها ، بما يشفي ويكفي ، ويجعل النفس في راحة وانشراح ؛ لما يُبيِّنُه ويُقرِّرُه وأن هذا هو ما تقتضيه أصول الشريعة المحمدية . وهذا من أعظم الأسرار في تفوُّقِ مؤلَّفاته على غيره ، ومن أبرز خصائصه في التأليف بين معاصريه فمن بعدهم . ومما تمتاز به كُتُبُ شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية : الحيوية والمشاعر الفياضة بأحاسيس مجتمعة . وهذه من أروع الخصائص والمُميزات التي اتسمتْ بها كتابات ابن القيم ، فلم يكن مُجرَّدَ آلة تكتب ؛ بل يربط بين العلم وبين أجزاء الحياة بقلبٍ واعٍ ، وفِكْرٍ حسَّاسٍ ، وروح تفيض حيوية ونبوغًا . فلا عجب إذًا إذا رأينا كُتُبَه ومُؤْلَّفاته تعيش على مدى سبعة قرون ، وهي محلّ إعجاب وروعة وتأثير عميق من كافّة طبقات الناس . وتتصف مُؤلفاته بعذوبة لفظها ، وسِحْر بيانها ، وأخذها بمجامع القلوب . يقول الشوكاني: ((وله من حُسْن التصرف مع العذوبة الزائدة وحُسْن السياق ما لا يقدر عليه غالب المُصنِّفين ؛ بحيث تعشق الأفهامُ كلامه ، وتميل إليه الأذهان ، وتُحِبُّه القلوب )). ويقول خصمه التقي السبكي: (( إن ابن القيم رجل أُعطي فضل كلام)). ولله ما أجمل تواضُعَ ابن القيم العالم الحافظ العابد العامل وتضُرُّعَهُ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥٢٠ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول وابتهالَه ... وسبَرَه لأغوار القلوب ... ولله دَرُّه وهو يصف منازل السائرين وأحوال القلوب ، وعيش الصالحين !! . ونختم بذكر كتابين من كُتُبه : قال أبو الحسن الندوي في كتابه (( رجال الفكر والدعوة في الإِسلام)) ٣١٩/٢ - وهو يتكلّم عن ((زاد المعاد)) لابن القيم -: (( يُعتبر من أهمِّ كُتُب الإِسلام الذي يقوم مقام مكتبة بأسرها ، وإنّ وجوده كوجود عالِمٍ كثير الفنون مُتبخِّر ومُحَقِّقٍ في العلوم ، نال به آلافْ مُؤْلَّفةٌ من طُلَاب الحق ومُتَبِعِي السُّنة هدايةً دينيةً، وغذاءً روحيًّا ، وصلاةً إيمانيةً . ومن المدهش أنَّ هذا الكتاب أملاه مُؤْلّقُه وهو في حال سفره ، وغيبةٍ عن داره ومكتبته ... فقال في فاتحة الكتاب: ((وهذه كلماتٌ يسيرة ، لا يستغني عن معرفتها مَنْ له أدنى نعمة إلى معرفة نبيِّه عَّ ◌ُله وسيرته وهديه ؛ اقتضاها الخاطر المكدود على عُجَرِه وبُجَرِهِ ، مع البضاعة المزجاة ... مع تعليقها في حال السفر لا الإِقامة ، والقلبُ بكل وادٍ منه شُعبة ، والهمَّة قد تفرَّقتْ شذَرَ مذرَ)). وكتاب («الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية)): وهي منظومة رائعة من البحر الكامل ، وقصيدة عظيمة في عقيدة أهل السُّنة والجماعة ونصْرها . وقد تناولها بالشرح والاختصار جهابذة العلماء . وعددُ أبياتها (٥٩٤٩) بيتًا ؛ أي ستة آلاف إلا واحدًا وخمسين بيتًا . فأسكن الله حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ابن قيم الجوزية أعلى علّين، ورزقه جوار النبيين ؛ بما هزهز الأرواحَ ورطّب القلوبَ وأدماها ، وألان العَبراتِ وأجراها ... بِرقّة كلامه ؛ وسلسبيل ونمير بيانه)). ٢٤٩ - الإِمام الحافظ الذهبي ، أبو عبد الله ، محمد بن أحمد بن عثمان ابن قايماز التركماني : قال عنه تقي الدين السبكي: ((اشتمل عصرنا على أربعة من الحفّاظ ، تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com