النص المفهرس

صفحات 441-460

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الأول
٤٤١
طُعْتكين ، وكان يقول الحقَّ وإنْ كان مُّا ، لا تأخذه في الله لومةُ لائم ،
وكان نحويًّا فقيرًا قانعًا مُتألّها حنفيًّا سلفيًّا.
قال الوزير يحيى بن هبيرة : جلستُ معه من بكرة إلى قريب الظهر
وهو يلوك شيئًا، فسألتُه، فقال: نواة أتعلَّل بها ، لم أجد شيئًا .
قال ابن شافع: كان له في علم العربية والأصول حفظٌ وافرً، وصنَّف
في فنون العلم نحوًا من مائة مُصنَّف، ولم يُضيِّعْ شيئًا من عمره))(١).
٢١٢ - الفيروزآبادي ، صاحب القاموس :
(( الإِمام الهمام قاضي القضاة مجد الدين ، أبو طاهر محمد بن يعقوب
ابن محمد الشيرازي ، اللُّغوي ، المُحدِّث، المُفسِّر ، المؤرِّخ ، الأديب ،
قاضي اليمن . حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين ، وكان سريع الحفظ ، وكان
يقول : لا أنام حتى أحفظ مائتي سطر . وانتقل إلى شيراز وهو ابن ثماني
سنين ، وأخذ عن والده ، وعن القوام عبد الله بن محمود وغيرهما من علماء
شيراز . وانتقل إلى العراق ، فدخل واسط وبغداد ، وجال في البلاد الشرقية
والشامية ، ودخل بلاد الروم والهند ومصر ، وأخذ من علمائها ، ولقي
الجَمَّاءَ الغَفيَرَ من أعيان الفضلاء، وأخذ عنهم شيئًا كثيرًا بيَّنَه في ((فهرسته))،
وبرع في الفنون العلمية ، وجَوَّد الخطَّ ، وفاق الأقران ، واعتنى بالحديث
جدًّا، وتوسَّع في الحديث والتفسير ، وجدَّ واجتهد في علم اللغة ، فمهر
فيه إلى أن بهر، وفاق مَنْ حضر ومَنْ غبر، وكان لا يُسافر إلا وصحبَتْهُ
عدَّة أحمال كثيرة من الكتب ، ويُخرجها في كل منزلة لينظر فيها ، وحصَّل
كُتُبًا نفيسة ، لكنه كان كثير التبذير ، فلا يُبقي ولا يذر، وإذا أملق باع
(١) سير أعلام النبلاء ٣١٦/٢٠.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٤٤٢
كُتُبَه))(١) .
٢١٣ - الإِمام أبو الفتح ابن برهان ، أحمد بن علي البغدادي الأصولي :
((كان حنبلي المذهب أوَّلًا ، ثم انتقل إلى المذهب الشافعي ، وتفقّه
على الشاشي، والغزالي، وإلكيا الهراسي، كان حاذق الذهن، عجيب الفطرة،
لا يكاد يسمع شيئًا إلا حفظه وتعلَّق بذهنه . ولم يزل مواظبًا على العلم حتى
ضُرب المثل باسمه ، وكانت الرحلة قد انتهت إليه ، وتزاحمت الطّلَابُ على
بابه حتى انتهى حاله إلى أن صار جميعَ نهاره وقطعةً من ليله مُستوعبًا في
الاشتغال ، يجلس من وقت السَّحَرِ إلى وقت العشاء الآخرة ، ويتأخّر أيضًا
بعدها .
حكى أنَّ جماعةً سألوه أن يذكر لهم درسًا من كتاب ((الإِحياء ))
للغزالي؛ فقال: لا أجد لكم وقتًا، فكانوا يعيِّنون الوقت، فيقول: في هذا الوقت
أذكر الدرس الفلاني، إلى أن قرروا معه أن يذكر لهم درسًا من ((الإِحياء))
نصف الليل))(٢) .
٢١٤ - ابن الخشَّاب :
((أبو محمد، عبد الله بن أحمد بن الخشَّب ، الحنبلي البغدادي الإِمام ،
النحوي اللغوي ، المُفسِّرِ المقرىء، المُحدِّث الأديب .
ذكر ابن النجَّار أنه لم يَمُتْ أحدٌ من أهل العلم وأصحاب الحديث
إلا وكان يشتري كُتُبَهُ كُلَّها ، فحصلت أصول المشايخ عنده ، وكان لا يخلو
كُمُّهُ من كُتُبِ العلمِ .
وذُكر عنه أنه اشترى يومًا كُتُبًا بخمسمائة دينار ولم يكن عنده شيء ،
(١) مُقدمة تاج العروس للمرتضى الزبيدي ١ / ١٣.
(٢) طبقات الشافعية ٣٠/٦.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الأول
٤٤٣
فاستمهلهم ثلاثة أيام ، ثم مضى ونادى على داره ، فبلغت خمسمائة دينار ،
فنقد صاحب الكتب وباعه بخمسمائة دينار ، ووُفِّي ثمنَ الكتب ، وبقيتْ
لصاحب الكتب الدار، ولمّا مرض أشهد عليه بوقف كُتُبه))(١).
٢١٥ - الإِمام القدوة ابن الخاضبة ، أبو بكر ، محمد بن أحمد البغدادي :
(( قال محمد بن طاهر المقدسي : سمعتُ ابن الخاضبة يقول : لما كانت
سنة الغرق سنة (٤٦٦هـ) في بغداد ، لم يكن لي شيءٌ! وكانت عندي عائلة :
الوالدة والزوجة والبنات ، فكنتُ أنسخ وأُنفق عليهن ، فأعرف أني كتبتُ
صحيح مسلم في تلك السنة سبع مَرَّات ، فلما كانت ليلة من الليالي رأيتُ
في النوم كأن القيامة قامت ومنادٍ يُنادي : أين ابن الخاضبة ، فأُحضرتُ ،
فقيل لي : ادخل الجنة ، فلما دخلتُ الباب وصرتُ من الداخل استلقيتُ
على قفاي ، ووضعت إحدى رجلَّي على الأخرى ، وقلتُ : استرحتُ والله
من النسخ))(٢) .
٢١٦ - حُجَّة الدين ابن ظفر الصقلِّي المكي الحموي ، أبو عبد الله ،
محمد بن عبد الله بن ظفر :
((النحوي ، اللُّغوي، الرخَّالة.
وُلد في صقلية، ونشأ بمكة المكرمة، وتنقَّل في البلاد، فدخل المغرب ،
وأجال في الأندلس ، وانتقل إلى صقلية ، ثم إلى مصر ، ثم قدم حلب ، وأقام
بمدرسة بقُرب قلعة حلب، وصنَّف فيها تفسيرًا كبيرًا جميلًا في مُصنَّف
((الينبوع))، ولما نهبت حلب قصد مدينة حماة واستوطنها ، ولسان حاله
يقول :
(١) ذيل طبقات الحنابلة ١ / ١٨٥ .
(٢) تذكرة الحفاظ ٤ / ١٢٢٦.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٤٤
صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
وُلِّيتُ أَمَرَ مساحةِ الآفاقِ
تقاذفُ الأموالُ بي کأنني
زوَّج ابنته من الحاجة والضرورة بغير كفء ! فرحل بها الزوج عن
حماة ، وباعها في البلاد !!! ولقي هو قبولًا في حماة ، فاستقرَّ بها ، وأفاد
الطلبة ، وأُجري له راتب دون الكفاف ، ولم يزل يُكابد الفقر إلى أنْ مات
رحمه الله تعالى. صنَّف الكتب الجميلة في أنواع الأدب، وترك من التآليف
نحو ثلاثين كتابًا ؛ فيها الفريد والعجيب ، وله شِعْر ؛ منه قوله :
ويُعرفُ عندَ الصبر فيما يُصيبُهُ
على قذرٍ فضل المرءِ تأتي خطوبهُ
فقد قَلّ فيما يرتجيه نصيبُهُ))(١)
ومَنْ قَّ فيما يَتَّقيه اصطبارُهُ
٢١٧ - الكمال الأنباري :
(( الإِمام القدوة ، شيخ النحو ، كمال الدين أبو البركات ، عبد الرحمن
ابن محمد بن عبيد الله الأنباري .
تفقَّه بالنظامية في بغداد على أبي منصور الرزّاز وغيره ، وبرع في
مذهب الشافعي ، وقرأ الخلاف ، وسمع الحديث بالأنبار من أبيه وخليفة بن
محفوظ ، وببغداد من أبي منصور بن خيرون وعبد الوهاب الأنماطي والقاضي
أبي بكر محمد بن القاسم الشهرزوري وعدَّةٍ، وحدَّث وأعاد بالنظامية ووعظ.
ثم إنه تأذَّب بابن الجواليقي وأبي السعادات ابن الشجري ، وشرح
عدَّة دواوينٍ ، وتصدّر ، وصار شيخ العراق في الأدب غير مُدافَع ، وأخذ
عنه أئمة ، وكان إمامًا كبيرًا في النحو ، ثقةً، عفيفًا، مُناظرًا ، غزيرَ العلم ،
وَرِعًا ، زاهدًا، عابدًا، تقيًّا ، لا يقبل من أحد شيئًا، وكان خشنَ العيشِ ،
جَشْبَ المأكل والملبس ، لم يتلَّس من الدنيا بشيء ، مضى على أَسَدِّ طريقة ،
وسرد له ابن النجار تصانيف جمَّة ، وإليه كانت الرحلة من سائر الأقطار .
(١) ((إنباه الرواة)) للقفطي ٣ / ٧٤، الوفيات لابن خلكان ١ / ٥٢٢، وبغية
الوعاة للسيوطي ( ص ٥٩ ) بتصرف .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٤٤٥
قال الموفّق بن عبد اللطيف البغدادي تلميذه : الكمال شيخنا ، لم
أُرَ في العُبَّاد المنقطعين أقوى منه في طريقه ، ولا أصدق منه في أسلوبه ،
جدّ محضٌ ، لا يعتريه تصنُّعٌ ، ولا يعرف الشرور ، ولا أحوال العالم ،
كان له من أبيه دارٌ يسكنها وحانوت ؛ مقدارُ أجرتهما نصف دينار في
الشهر، يقنع به، ويشتري منه ورَقًّا، وسيَّر له الخليفة المُستضيء خمسمائة
دينار ، فردَّها ، فقالوا له : اجعلها لولدك ، قال : إن كنت خلقتُه فأنا أرزقُه.
وكان لا يُوقِد عليه ضوءًا، وتحته حصير قَصَب، وعليه ثوبٌ وعمامة من
قُطن يلبسهما يوم الجمعة ، وكان لا يخرج إلا للجمعة ، ويلبس في بيته
ثوبًا خلقًا. وله مائة وثلاثون مُصنَّفًا، رحمه الله تعالى))(١) ومنها كتابه
المشهور: ((نزهة الألبّاء في طبقات الأدباء )).
٢١٨ - الإِمام الشاطبي ، شيخ القرّاء :
(( الشيخ العامل القدوة ، سيِّد القرّاء ، أبو محمد وأبو القاسم ، القاسم
ابن فِيُُّه ابن خلف الرُّعَيْنِي الأندلسي ، الشاطبي ، الضرير .
ناظمُ ((الشاطبية)) و((الرائية)) اللتين في القراءات والرسم ، حَفظهما
خلْقٌ لا يُحصَون ، وخضع لهما فحول الشعراء ، وكبار البلغاء ، وحُذَّاق
القُرّاء ، فلقد أبدع وأوجز وسَهَّل الصعبَ .
تلا ببلده بالسبع على أبي عبد الله بن أبي العاص النَّفْري ، ورحل إلى
(بَلَنْسِيَة))، فقرأ القراءات على أبي الحسن بن هُذَيل، وعرض عليه ((التيسير))
لأبي عمرو الداني من حفظه ، وسمع منه الكتب ، وسمع من آخرين ...
وارتحل للحج ، فسمع من أبي طاهر السلفي وغيره .
وكان يتوقُّدُ ذكاءً، له الباع الأطول في فنِّ القراءات والرسم والنحو
والفقه والحديث ، وله النظم الرائق ، مع الورع والتقوى والتألَّه والوقار .
(١) سير أعلام النبلاء ٢١ / ١١٣، وطبقات الشافعية للسبكي ٧ / ١٥٥.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الأول
٤٤٦
استوطن مصر وتصدَّر، وشاع ذكْرُهُ، وعظُمَ شأنُهُ ، وبعُد صيتُه ، انتهت
إليه رياسة الإِقراء ، وقصده الطلبة من النواحي .
قال أبو شامة : أخبرنا السخاوي أن سبب انتقال الشاطبي من بلده ؛
أنه أُرِيدَ على أن يلي الخطابة ، فاحتجَّ بالحجِّ ، وترك بلده ولم يَعُدْ إليه ؛
تورُّعًا مما كانوا يُلزمون به الخطباء ؛ من ذكرهم الأمراء بأوصاف لم يرها
سائغة ، وصبر على فقر شديد ))(١) .
٢١٩ - الإِمام الجُزُولي ، إمام النحو ، أبو موسى عيسى بن عبد العزيز
الجزولي البَربري المراكشي :
((كان إمامًا في النحو ، كثيرَ الاطلاع على دقائقه وغريبه وشاذِّهِ .
حجَّ ولازم عبد الله بن بري بمصر ، وأتقن عنه العربية واللغة ، وسمع
((صحيح البخاري)) من أبي محمد بن عُبيد الله ، ثم رجع إلى بلاد المغرب ،
وأقام بمدينة ( بجاية م مُدَّة، وتصدّرٍ بالمَرِيّة وغيرها، وتَخَّج به أئمةٌ وخلْقٌ
كثير، وكان إمامًا لا يُجارى، وعَلَّامة لا يُشَقُّ غُبارُه في النحو ، مع جودة
التفهيم وحُسْن العبارة .
قال الذهبي : وقرأتُ بخطِّ حمد بن عبد الجليل المُوقاني أن الجُزولي
قاسى بمدة مقامه بمصر كثيرًا من الفقر ، ولم يدخل مدرسة ، وكان يخرج
إلى الضياع يؤمُّ بقوم ، فيُحصِّل ما يُنفقه في غاية الصبر.
ورجع إلى المغرب فقيرًا مُدْقعاً ، فلما وصل إلى المَرِيَّة أو نحوها ؛
رهن كتاب ابن السرَّاج الذي قرأه على ابن بَّي وعليه خطَّه! فأنهى المُرتِهِنُ
أَمْرَهُ إلى الشيخ أبي العباس المغربي أحد الزَُّّاد بالمغرب ، وكان يُصاحب بني
عبد المؤمن، فأنهى أبو العباس ذلك إلى السلطان ، فأمر بإحضاره ، وقدَّمه
وأحسن إليه ))(٢).
(١) سير أعلام النبلاء ٢٦١/٢١، و((معرفة القُرّاء الكبار)) ٢ / ٥٧٣.
(٢) سير أعلام النبلاء ٤٩٧/٢١، و((وفيات الأعيان)) لابن خلكان ٤٨٨/٣.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوٌّ الهمة - المجلد الأول
٤٤٧
٢٢٠ - الفقيه المالكي ، أبو محمد عبد العزيز بن محمد القروي :
((قال ابن الخطيب القُسنطيني في ((رحلته)): قال لي بعض الفقهاء:
دخلتُ على عبد العزيز وهو مُحتزِمٌ في كسائه ، وكُتُبُ الفقه مبسوطةٌ بين
يديه ، وأعراقه تقطر عليه ، وماؤه في غاية ما يكون من الوسخ ! فقلتُ له :
ارفق بنفسك ، واغسلْ كساءك ، فقال : لي ستة أشهر نروم غسْلَها وما
وجدتُ سبيلًا لذلك ، من أجل هذا الشغل - أي الانهماك في العلم -
فتعجَّتُ منه وانصرفتُ ))(١) .
٢٢١ - الإِمام أبي علي الفارسي ، الحسن بن أحمد الفسوي :
أوحد زمانه في علم العربية .
((قال عثمان بن جنِي: حدَّثني شيخنا أبو علي أنه وقع حريق بمدينة
السلام ، فذهب به علمُ البصريين .
قال : وكنتُ كتبتُ ذلك كلَّه بخطِّي ، وقرأتُه على أصحابنا ، فلم
أجد من الصندوق الذي احترق شيئًا ألبتة ، إلا نصف كتاب الطلاق عن
محمد بن الحسن . وسألته عن سلوته وعزائه ، فنظر إلَّي عاجبًا ، ثم قال :
بقيتُ شهرين لا أُكلِّم أحدًا حزنًا وهمًّا ! وانحدرتُ إلى البصرة لغلبة الفكر
علَّي، وأقمتُ مُدَّةً ذاهلاً مُتحيّرًا!))(٢).
وفقْدُ الكتابِ كفقدِ الصواب فيا هول مَنْ قد أضاع الكُتبْ
٢٢٢ - أبو الحسن القالي ، علي بن أحمد بن سَلَّك القالي، المُحدِّث
الأديب الشاعر :
(( حكى الخطيب التبريزي أنَّ أبا الحسن علي بن أحمد القالي كانت
(١) نيل الابتهاج بتطريز الديباج لأحمد بابا التنبكتي ( ص ١٧٩ ).
(٢) معجم الأدباء ٧ / ٢٥٧ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٤٨
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الأول
له نسخة من كتاب (( الجمهرة )) لابن دُريد في غاية الجودة ، فدعتْهُ الحاجة
إلى بَيْعها ، فاشتراها الشريف المرتضى أبو القاسم بستين دينارًا ، وتصفَّحها
فوجد بها أبياتًا بخط بائعها أبي الحسن القالي المذكور ، وهي :
أَنِسْتُ بِها عشرين حَوْلًا وبِعتُها
لقد طال وَجْدي بعدها وحَنيني
ولو خلَّدتني في السجونِ دُیوني
وما كان ظَنِّي أنني سأبيعُها
صِغارٍ عليهم تَسْتَهُلُّ شُؤْوني
ولَكنْ لضعْفٍ وافتقارٍ وصبيةٍ
مقالةَ مَكويِّ الفؤادِ حزينٍ
فقلتُ ولم أَمْلِكْ سوابقَ عَبْرتي
كرائم من رَبِّ بهنَّ ضَنِينٍ
وقد تُخرِجُ الحاجاتُ يا أُمَّ مالٍ
فأرجع النسخة إليه، وترك له الدنانير رحمه الله تعالى))(١).
قال القالي في غربة العلماء وذهاب العلم وأهله :
غيَرَ الذين عهدتُ من علمائِها
لما تبدَّلتِ المجالسُ أوجُهًّا
كانوا وُلاةَ صُدورِها وفِنائها
ورأيتُها محفوفةً بِسِوى الأُلَى
والعينُ قد شَرِقَتْ بجاري مائِها
أنشدتُ بيًا سائرًا مُتَقدِّمًا
وأرى نساءَ الحِي غير نسائها))
(( أمَّا الخيامُ فإنها كخيامِهم
ومن شِعْره :
بليدٍ تَسمَّى بالفقيهِ المُدَرِّسِ
تصدَّرَ للتدريس كلُّ مُهُوَّسٍ
ببيتٍ قدیمٍ شاعَ في كُلِّ مجلسِ
فَحُقَّ لأهل العلم أن يتمثَّلُوا
كُلاها وحتى سامَهَا كُلُّ مُفْلِس
لقد هُزِلَتْ حتى بدا من هُزَالِها
٢٢٣ - الشيخ الحدَّاد المهدوي ، أبو الحسن ، علي بن محمد بن ثابت
الخولاني :
باع كُتُبهُ اضطرارًا وفقْرًا، فتسأله زوجته - وهي تعرف حُبَّه لكُتُبه ،
(١) وفيات الأعيان في أبناء الزمان ١ / ٣٣٧ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول
٤٤٩
وشِدَّة تعلُّقِه بها -: كيف بعت الكتب وهي أعزّ شيءٍ لديك ؟! فيقول لها :
قالتْ وأبدتْ صفحةً كالشمسِ من تحتِ القِنَاعْ
خِرُ ما يُبَاعُ مِن المَتَاعْ
بِعْتَ الدفاترَ وهي آ
كَبِدي وهَمَّتْ بانصداعْ
فأجبتُها ويدي على
ـتِ فنحنُ في زمنِ الضَّاعْ(١)
لا تَعْجَبي مما رَأَيْـ
٢٢٤ - الإِمام ابن هشام النحوي المصري، أبو محمد، جمال الدين عبد الله
ابن يوسف :
صاحب كتاب ((القطر)) و((المغني)).
قال :
ومَنْ يصطِبْ للعلمِ يظفرْ بنيلِهِ ومَنْ يَخْطُب الحسناءَ يصبْ على البذلِ
ومَنْ لم يُذِلَّ النفسَ في طلبِ العُلا يسيرًا يَعِشْ دهرًا طويلًا أخا ذُلِّ
٢٢٥ - الإِمام يونس بن حبيب البصري ، أبو عبد الرحمن :
((أخذ الأدب عن أبي عمرو بن العلاء وحمَّاد بن سلمة ، وكان النحو
أغلب عليه ، وسمع من العرب .
وروى عنه سيبويه كثيرًا، وسمع منه الكسائي والفرّاء ، وله قياس في
النحو ، ومذاهب ينفرد بها ، وكان من الطبقة الخامسة ، وكانت حَلْقتُهُ
بالبصرة ينتابها الأدباء وفُصَحاء العرب وأهل البادية .
قال مَعْمر بن المُثنى : اختلفتُ إلى يونس أربعين سنة ، أملأ كلّ يومٍ
ألواحي من حفظه .
وقال أبو زيد الأنصاري النحوي : جلستُ إلى يونس بن حبيب عشر
سنين ، وجلس إليه قبلي خلف الأحمر عشرين سنة .
(١) معجم البلدان لياقوت الحموي ٨ / ٢٠٨.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٥٠
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي : عاش يونس بن حبيب ( ٨٨ )
سنة ، لم يتزوَّجْ ولم يتسرَّ ، ولم تكن له هِمَّة إلا طلب العلم ومحادثة
الرجال ، وله من الكتب : معاني القرآن الكريم ، وكتابُ اللغات ، وكتاب
الأمثال ، وكتاب النوادر الصغير ، وكتاب النوادر الكبير ، ومعاني الشعر ؛
رحمه الله تعالى ))(١) .
٢٢٦ - الإِمام معمر بن المثنى ، أبو عبيدة البصري النحوي :
الإِمام في العلم ، الذي صحب شيخه يونس بن حبيب أربعين سنة .
قال عنه الجاحظ : لم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم بجميع
العلوم منه .
ترك من المؤلّفات نحو ( ٢٠٠ ) كتاب .
٢٢٧ - أبو زيد الأنصاري النحوي ، سعيد بن يونس ، شيخ الأصمعي :
قال أبو عثمان المازني : كنا عند أبي زيد ، فجاء الأصمعي إلى حلقة
أبي زيد ، فأكبَّ على رأسه ، فقبَّله وجلس بين يديه ، وقال : أنت رئيسُنا
وسيِّدُنا ومُعلِّمُنا عشرين سنة. ولفظُ ابن خلِّكَان : خمسين سنة.
رحمة الله على العلماء !!
قال مالك : كان الرجل يختلف إلى الرجل ثلاثين سنةً يتعلم منه .
وهذا عبد الله بن نافع تلميذ مالك يقول : جالستُ مالكًا خمسًا
وثلاثين سنة .
وهذا الإِمام أحمد بن حنبل بعد أن لزم. هُشيمًا أربع سنوات يقول :
لزمنا إسماعيل بن عُلَيَّة بعدما مات هُشيم عشر سنين كُلّ يومٍ ، لا نُخِلُ
إلا أن تكون الحاجة .
(١) وفيات الأعيان ٢ / ٤١٦ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول
٤٥١
٢٢٨ - الحافظ المؤرِّخ الرحَّال ابن النجَّار :
الإِمام البغدادي ، محمد بن محمود مُحبّ الدين ، أبو عبد الله ، مُفيد
العراق .
((أوَّلُ شيءٍ سمع وله عشر سنين ، وأول عنايته بالطلب وهو ابن خمس
عشرة سنة ، وتلا بالروايات الكثيرة على أحمد بن أبي سُكينة وغيره .
سمع بأصبهان وبنيسابور وبهراة وبدمشق وبمصر ... وجمع فأوعى ،
وكتب العالي والنازل ، وخرّج لغير واحد ، وجمع تاريخ مدينة السلام ،
وذَيَّل به ، واستدرك على الخطيب ، وهو ثلاثمائة جزء . وكان من أعيان
الحُفَّاظ الثقات ، مع الدِّين والصيانة والنُّسُك والفهم وسعة الرواية .
قال ابن الساعي - تلميذه -: كانت رحلة ابن النجار سبعًا وعشرين
سنة ، واشتملت مشيختُه على ثلاثة آلاف شيخ . أَلَّف :
١ - كتاب القمر المُنير في المُسنَد الكبير . ذكر كل صحابي وما له من
الحديث .
- وكتاب كنز الإِمام في السُّنَن والأحكام .
٢
٣ - وكتاب المؤتلف والمختلف . ذيَّل به على ابن ماكولا .
- وكتاب المتفق والمفترق .
٤
- وكتاب أنساب المُحدِّثين إلى الآباء والبلدان .
٥
- وكتاب العوالي .
٦
- وكتاب المعجم .
٧
٨ - وكتاب جُنَّة الناظرين في معرفة التابعين .
٩ - وكتاب العقد الثقفي .
١٠ - وكتاب الكمال في الرجال .
١١ - وذيل التاريخ في ستة عشر مُجلَّدًا .
١٢ - وكتاب الدُّرَر الثمينة في أخبار المدينة .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول
٤٥٢
١٣ - وكتاب روضة الأولياء في مسجد إيلياء .
١٤ - وكتاب نزهة الورى في ذكر أُمّ القرى .
١٥ - وكتاب الأزهار في أنواع الأشعار .
١٦ - وكتاب عيون الفوائد ستة أسفار .
١٧ - وكتاب مناقب الشافعي .
وأوصى إلَّي، ووقف كُتُبَهُ بالنظامية ، وكان رحمه الله تعالى من محاسن
الدنيا ))(١).
ما أَطْيَبَ الذِّكْرَ والأخلاقَ والجسدا
نفسي فداؤك من ميْتٍ ومن بدٍ
٢٢٩ - المُسنِد ابن عبد الدائم المقدسي ، زين الدين أبو العباس ، أحمد
ابن عبد الدائم ت ( ٥٩٦٨ ) :
رحل إلى بغداد ، وتلقّى عن مشايخ عصره ، وقرأ بنفسه ، وتفرّد
بالإِسناد والرواية عن جملة من شيوخه ، وغدا مُسنِدَ الوقت في زمنه ، وانتهى
إليه عُلُوّ الإِسناد ، وكانت الرحلة إليه من أقطار البلاد .
روى عنه الأئمة الكبار والحفاظ المتقدمون؛ كالضياء المقدسي، والبرزالي،
وابن الحاجب ، وغيرهم ، والمتأخرون ؛ كالنووي ، وابن دقيق العيد ، وابن
تيمية ، والدمياطي ، وخلائق كثيرون .
كان مُحدِّثًا مُسِنِدًا، ونسَّاحًا عجبًا، كتب بخطّه السريع المليح ما
لا يدخل تحت الحصر ، لنفسه وبالأجرة ، وكان يكتب بسرعة ، حتى كان
يكتب في اليوم تسع كراريس أو أكثر إذا تفرّغ، ويكتب الكراسَيْن والثلاثة-
مع اشتغاله - في يوم وليلة، وكتب ((مختصر الخرقي)) في ليلة واحدة ، وقد
كتب (( تاريخ دمشق)) لابن عساكر مرتين . ولازم النسخ خمسين سنة ،
(١) تذكرة الحفّاظ ٤ / ١٤٢٨.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٤٥٣
وكتب بيده ألفيْ مُجلَّدة، وأُضِرَّ بآخر عمره أربع سنين، وكتب ((المغني))
لشيخه الموفق ابن قدامة المقدسي مرّات ، وروى الحديث ستين سنة .
ومن شِعْرِه - وقد أدركتْهُ الشيخوخة ، وغلبه الضعفُ ، فوقف عن الاشتغال
والكتابة - قوله :
مِنْ بعدِ إِلْفِي بالقرطاسِ والقَلَمِ
عَجَزْتُ عن حَمْلِ فِرْطاسٍ وعن قَلَمِ
فيها علومُ الورى من غيرِ ما ألمِ
كتبتُ ألفًا وألفًا من مُجلَّدةٍ
إنْ لم يكنْ عَمَلٌ فالعلمُ كالعدمِ
ما العلمُ فخْرُ امرىءٍ إلا لعامِلِهِ
فاعمل به فهو للطّلَاب كالعَلَمِ
العلمُ زينٌ وتشريفٌ لصاحبِهِ
حتى ابتُليتُ بضعف الجسم والهَرَمُ(١
ما زلتُ أَطلُبُهُ دهري وأكتُبُهُ
٢٣٠ - أبو الريحان البيروني ، محمد بن أحمد الخوارزمي ، المؤرخ اللغوي
الأديب :
((كان أبو الريحان مع الفسحة في التعمير - فقد عاش (٧٨) سنة -
وجلالة الحال في عامَّة الأمور ؛ مُكبًّا على تحصيل العلوم ، مُنصبًّا إلى تصنيف
الكتب ، يفتح أبوابها ، ويُحيط بشواكلها وأقرابها ، ولا يكاد يُفارق يده
القلم ، وعينه النظر ، وقلبه الفكر ، إلا فيما تمسُّ إليه الحاجة في المعاش ؛ من
بلغة الطعام وعُلْقة الرِّياش .
ثم هِجِّيرَاه(٢) في سائر الأيام من السَّنَةِ علْمٌ يسفر عن وجهه قناع
الإِشكال، ويحسر عن ذراعيه كمام الإغلاق .
حدَّث الفقيه أبو الحسن علي بن عيسى الوَلْوَالجِي ، قال : دخلتُ على
(١) العِبَر للذهبي ٢٨٨/٥، و((البداية والنهاية)) لابن كثير ٢٥٧/١٣، فوات
الوفيات لابن شاكر ٤٦/١.
(٢) أي ديدنه ودوام حاله .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٥٤
صلاح الأمة في عُلُوٌّ الهمة - المجلد الأول
أبي الريحان وهو يجود بنفسه ، قد حشرج نَّفَسُهُ! وضاق به صدرُهُ ! فقال
لي في تلك الحال : كيف قلتَ لي يومًا : حساب الجَدَّات الفاسدة(١).
فقلتُ له إشفاقًا عليه : أفي هذه الحالة ؟! قال لي: يا هذا، أُودِّع الدنيا
وأنا عالم بهذه المسألة ، ألا يكون خيرًا من أن أُخلِّيها وأنا جاهل بها ؟!
فأعدتُ ذلك عليه ، وحَفِظ وعَلَّمَني ما وعد ، وخرجتُ من عنده وأنا في
الطريق، فسمعتُ الصراخ! ))(٢).
الله ما أغلى العلم على قلوبهم ! وما أشغل خواطرهم وعقولهم به ؟!
حتى في ساعة النزع لم يتذكروا فيها زوجة أو ولدًا أو قريبًا عزيزًا ، وإنما
تذكروا العلم !
وإنَّ سيادَة الأقوام فاعلمْ لهَا صَعْداءُ مطلعُها طويلُ
٢٣١ - شيخ الإِسلام ، أبو الفرج ابن الجوزي :
الشيخ الإِمام العلّامة ، الحافظ المفسِّر ، مفخر العراق ، جمال الدين
أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد القرشي .
وُلد سنة تسع أو عشر وخمسمائة. وأوَّلُ شيءٍ سمع في سنة ست عشرة.
قال الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) (٢١ / ٣٦٧): ((كان رأسًا
في التذكير بلا مُدافعة ، يقول النظم الرائق والنثر الفائق بديهًا ، ويُسهب
ويُعجب ، ويُطرب ويُطنِب ، لم يأت قبله ولا بعده مثلُه ، فهو حامل لواء
الوعظ ، والقيم بفنونه ، مع الشكل الحسن ، والصوت الطّيِّب ، والوقع في
النفوس ، وحُسن السيرة ، وكان بحرًا في التفسير ، علامة في السِّير والتاريخ ،
عليمًا بالإِجماع والاختلاف ، ما عرفتُ أحدًا صنَّف ما صَنَّف ، وكان ذا
حظ عظيم وصيتٍ بعيد في الوعظ ، يحضر مجالسه الملوكُ والوزراءُ
(١) أي في الميراث ، وهي التي تكون من قِبَل الأم .
(٢) معجم الأدباء لياقوت الحموي ١٧ / ١٨١ - ١٨٢.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٤٥٥
وبعضُ الخلفاء والأئمة والكُبَراء ، لا يكاد المجلس ينقص عن ألوف كثيرة .
قال سبطه أبو المظفر : سمعتُ جدِّي على المنبر يقول : بأصبعّ
هاتين كتبتُ ألفي مُجلَّدة ، وتاب على يديّ مائة ألف ، وأسلم على يدئَّ
عشرون ألفًا، وكان يختم في الأسبوع)) (١) .
وُجد بخطّه قبل موته أنَّ تواليفه بلغت مائتين وخمسين تأليفًا .
قال رحمه الله - يصف انهماكه في طلب العلم ، وإنفاق شبابه في
تحصيله ، ويذكر مَلاذّ ذلك الانهماك والإِنفاق في زمن الاكتمال والاكتمال -:
((مَنْ أنفق عصر الشباب في العلم ؛ فإنه في زمن الشيخوخة يحمد جَنْي ما
غرس ، ويلتذُّ بتصنيف ما جمع ، ولا يرى ما يفقد من لذَّات البدن شيئًا
بالإضافة إلى ما يناله من لذَّات العلم ، هذا مع وجود لذَّاته في الطلب الذي
كان تأمَّل به إدراك المطلوب ، وربما كانت تلك الأعمال أطيبَ مما نيل منها ،
كما قال الشاعر :
أهتُ عند تمنِّي وصْلِها طربًّا وُربَّ أمنيةِ أحلى من الظَّفَرِ
ولقد تأمَّلتُ نفسي بالإِضافة إلى عشيرتي الذين أنفقوا أعمارهم في
اكتساب الدنيا ، وأنفقتُ زمن الصبوة والشباب في طلب العلم ، فرأيتني
لم يفُتني مما نالوه إلا ما لوْ حصل لي ندمتُ عليه، ثُمَّ تأمَّلتُ حالي فإذا
عيشي في الدنيا أجود من عيشهم ، وجاهي بين الناس أعلى من جاههم ،
وما زلتُه من معرفة العلم لا يُقَوَّم . فقال لي إبليس : ونسيتَ تعبَك
وسهَرَك ؟! فقلتُ له : أيها الجاهل ، تقطيع الأيدي لا وَقْع له عند رؤية
يوسف ، وما طالتْ طريق أدَّتْ إلى صديق :
(١) سير أعلام النبلاء ٢١ / ٣٧٠ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٥٦
صلاح الأمة في عُلُوٌّ الهمة - المجلد الأول
جزى الله المسير إليه خيرًا وإن ترك المطايا كالمزادٍ)) (١)
أين هِمَّةُ ابن الجوزي في شبابه ولذّته في تحصيل العلم .. من شباب
قال فيهم أبو عبد الله المراغي الفقيه الشافعي :
لا يَنْقُلُون قِلال الحِبْرِ والوَرقَا
إذا رأيتَ شبابَ الحِّ قد نشئوا
يَعُونَ مِن صالحِ الأخبارِ ما اتَّسقا
ولا تراهم لدى الأشياخ في حِلَقٍ
قد بدَّلُوا بِعُلَوِّ الِهِمَّةِ الحُمُقَا(٢)
فَذَرْهُمُ عنك واعلمْ أَنَّهُم هَمَجٌ
يقول ابن الجوزي مُتُحدِّثًا عن الشدائد التي نالته في بدء طلبه للعلم ،
وعن محامد صبره على تلك الشدائد: (( ولقد كنتُ في حلاوة طلبي للعلم
ألقى من الشدائد ما هو عندي أحْلى من العسل ؛ لأجل ما كنتُ أطلب
وأرجو .
فكُلُّ الذي يَلْقَاهُ فيها مُحَبَّبُ
ومنْ تكنِ العلياءُ مِنَّةَ نَفْسِهِ
كُنتُ في زمن الصِّبًا آخذ معي أرغفة يابسة ، فأخرج في طلب
الحديث ، وأقعد على نهر عيسى في بغداد ، فلا أقدر على أكّلها إلا عند الماء ،
فكلما أكلتُ لقمة شربتُ عليها ، وعينُ هِمَّتي لا ترى إلا لذّة تحصيل العلم ،
فأثمر ذلك عندي أني عُرفتُ بكثرة سماعي لحديث الرسول عَ ◌ّه وأحواله
وآدابه ، وأحوال أصحابه وتابعيهم ))(٣) .
وقال رحمه الله: ((ولم أقنعْ بفرٌّ واحدٍ ، بل كنتُ أسمعُ الفقه
والحديث، وأتبعُ الزّهَّاد، ثم قرأتُ اللغة، ولم أترك أحدًا ممن يروي ويعظ ،
(١). صيد الخاطر ٢ / ٣٢٩ والمطايا: المراد هنا النوق التي أضناهن السير ، حتى
تركها جلدًا على عظم ، والمزاد : جمع مزادة ، وهي القربة من جلد إذا كانت
خالية من الماء ، فإنها تكون لا قوة فيها .
(٢) الأنساب للسمعاني ٨ / ٩٧.
(٣)
صيد الخاطر ٢ / ٣٣٠ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٤٥٧
ولا غريبًا يقدُمُ ؛ إلا وأحضُرُهُ وأتخيَّرُ الفضائل.
ولقد كنتُ أدور على المشايخ لسماع الحديث ، فينقطع نَفَسي من
العَدْو لئلا أُسَبَق، وكنتُ أُصبحٍ وليس لي مأكل ! وأُمسي وليس لي
مأكل ! ما أذلَّني الله لمخلوق قطُّ ، ولو شرحت أحوالي لطال الشرحُ .
قال رحمه الله :
لأنالَ بالإِنعامِ ما في ◌ِيَّتِي
الله أسألُ أن يُطوّلَ مُدَّتي
وهي التي جَنَتِ النُّحولَ هي التي
لي هِمَّةٌ في العلم ما إنْ مِثْلُها
خُلقتْ من العِلْقِ العِظِيمِ إلى المُنى
دُعِيت إلى نيلِ الكمالِ فَلَبَّتِ
حالاتُه لتشبَّهتْ بِالجَنَّةِ
كمْ كان لي من مجلسٍ لو شُبِّهَتْ
◌ُطْلًا وتُعْذَرُ ناقةٌ إِنْ حَنَّتِ
أشتاقُهُ لَمَّا مَضَتْ أيامُهُ
أمّ هلْ على وادي منّ من نَظْرَةِ
يا هَلْ لِليلاتٍ بجمْعِ عَوْدَةٌ
قدْ كان أحلى من تصاريفِ الصَّبًا
فيهِ البديهاتُ التي ما نَالَها
ومن الحمامِ مُغنِيًا في الأيكةِ
خَلْقٌ بغيرِ مُخَمَّرٍ ومُبَيَّتِ
٢٣٢ - الإِمام ابن قدامة ، القدوة العلامة المجتهد ، شيخ الإِسلام ، موفق
الدين أبو محمد ، عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الجمَّاعيلي ،
ثم الدمشقي الحنبلي صاحب (( المغني )) :
((ولد بجمَّاعيل من عمل نابلس سنة (٥٤١ هـ). حفظ القرآن ، ولزم
الاشتغال من صِغَرِه ، وكان من بحور العلم وعالم أهل الشام في زمانه .
قال ابن النجَّار : كان إمامَ الحنابلة بجامع دمشق، وكان ثقةً، حُجَّةً ،
نبيلًا، غزير الفضل ، نَزِهَا ، وَرِعًا ، عابدًا ، على قانون السلف ، عليه النور
والوقار ، ينتفع الرجل برؤيته قبل أن يسمع كلامه .
وقال عمر بن الحاجب : هو إمام الأئمة ، ومفتي الأُمَّة ، خصَّه الله
بالفضل الوافر ، والخاطر الماطر ، والعلم الكامل ، طنَّتْ بذكْره الأمصار ،
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الأول
٤٥٨
وضَّت بمثله الأعصار ... إلى أن قال : وله المؤلّفات الغزيرة ، وما أظنُّ
الزمان يسمح بمثله ، مجلسُهُ معمور بالفقهاء والمُحدِّثين .
رحل هو وابن خاله الحافظ عبد الغني المقدسي في أول سنة (٥٦١هـ)
في طلب العلم إلى بغداد ، فأدرَكًا نحو أربعين يومًا من جنازة الشيخ عبد القادر ،
فنزلا عنده بالمدرسة ، واشتغلا عليه تلك الأيام ، وسمعا منه .
وأقام هو والحافظ عبد الغني ببغداد أربع سنين ، فأتقنًا الفقه
والحديث والخلاف ، وأقاما عند ابن الجوزي ، ثم انتقلا إلى رباط النعال ،
واشتغلا على ابن المَنِّي ، ثم سافر في سنة ( ٥٦٧هـ ) ومعه الشيخ العماد ،
وأقاما سنة .
صنَّف (المغني) عشر مُجَّدات، و((الكافي) أربعة، ((والمقنع)) مُجلَّد،
و((العمدة))، و ((القَنعة)) في الغريب، مجيليد، و((الروضة)) مُجلَّد،
و ((الرقة)) مُجلَّد، و((التوابين)) مُجلَّد، و((نسب قريش))، مجيليد ،
و ((نسب الأنصار)) مُجلَّد، و ((مختصر الهداية)) مُجيليد، و(( القدر))
جزء، و ((مسألة العُلُوِّ)) جزء، و ((المتحابين)) جزء، و((الاعتقاد))
جزء، و ((البرهان)) جزء، و((ذمّ التأويل)) جزء، و ((فضائل الصحابة))
مجيليد، و((فضل العشر)) جزء، و((عاشوراء)) أجزاء، و((مشيخته))
جزآن، و((وصيِّته)) جزء، و ((مختصر العلل للخلَّال)) مُجلَّد، وأشياء.
قال الحافظ الضياء : رأيتُ أحمد بن حنبل في النوم ، فألقى علّ
مسألة ، فقلتُ : هذه في الخرقي . فقال : ما قصّر صاحبكم الموفق في
شرح الخرقي .
قال الضياء: كان رحمه الله إمامًا في التفسير، وفي الحديث ومشكلاته،
إمامًا في الفقه ؛ بل أوحدَ زمانه فيه ، إمامًا في علم الخلاف ، أوحدَ في
الفرائض ، إمامًا في أصول الفقه ، إمامًا في النحو والحساب .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٥٩
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الأول
وسمعتُ داود بن صالح المقرىء ، سمعتُ ابن المنّ يقول - وعنده
الإِمام الموفق -: إذا خرج هذا الفتى من بغداد احتاجت إليه .
قال الحافظ أبو عبد الله اليُونيني : أمَّا ما علمتُه من أحوال شيخنا
وسيِّدنا موفق الدين ؛ فإنني إلى الآن ما أعتقد أن شخصًا ممن رأيتُه حصل
له من الكمال في العلوم والصفات الحميدة التي يحصل بها الكمال سواه ؛
فإنه كان كاملًا في صورته ومعناه ، من حيث الحسن والإِحسان والحلم
والسؤدد والعلوم المختلفة والأخلاق الحميدة ، رأيتُ منه ما يعجز عنه كبار
الأولياء، فإن رسول الله عَ ◌ّه قال: ((ما أَنْعَمَ الله على عبدٍ نعمةً أفضل
من أن يُلهمه ذكْرَهُ )) فقلتُ بهذا: إن إلهام الذِّكْر أفضل من الكرامات ،
وأفضل الذِّكْر ما يتعدَّى إلى العباد ، وهو تعليم العلم والسُّنَّة ، وأعظمُ من
ذلك وأحسن ما كان جِبِلَّةً وطبعًا ؛ كالحلم والكرم والعقل والحياء ، وكان
الله قد جبله على خُلُقٍ شريف ، وأفرغ عليه المكارم إفراغًا ، وأسبغ عليه
النِّعم ، ولطف به في كل حال .
وبقي الموفق يجلس زمانًا بعد الجمعة للمناظرة، ويجتمع إليه الفقهاء،
وكان يُشغل - يُدَرّس - إلى ارتفاع النهار ، ومن بعد الظهر إلى المغرب ،
ولا يضجر ، ويسمعون عليه ، وكان يُقرِىء في النحو ، وكان لا يكاد يراه
أحد إلا أحبَّه ، إلى أن قال الضياء : وما علمتُ أنه أوجع قَلْب طالبٍ ،
وكانت له جاريةٌ تُؤذيه بخُلُقِها فما يقول لها شيئًا ، وأولاده يتضاربون وهو
لا يتكلّم ، وسمعتُ البهاء يقول : ما رأيتُ أكثر احتمالاً منه .
قال أبو شامة : كان إمامًا في العلم والعمل ))(١).
(١) سير أعلام النبلاء ١٦٥/٢٢ - ١٧٢.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٦٠
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الأول
٢٣٣ - العماد المقدسي ، الشيخ الإِمام العالم الزاهد ، أبو إسحاق ،
إبراهيم بن عبد الواحد بن علي المقدسي ، أخو الحافظ عبد الغني :
((سافر إلى بغداد مرّتين، وحفظ القرآن، و ((غريب)) الغريري فيما
قيل، وحفظ الخرقي، وألقى الدرس من ((التفسير)) ومن ((الهداية))، واشتغل
في الخلاف ، شاهدتُه يُناظر غير مرَّةٍ ، وكان عالمًا بالقراءات والنحو
والفرائض؛ قرأ بالروايات على أبي الحسن ابن عساكر البطائحي ، وأقرأ بها ،
وصنَّف (( الفروق في المسائل الفقهية))، وصنَّف كتابًا في الأحكام لم
يُتْمَّهُ ، ولا كان يتفَّغ للتصنيف من كثرة اشتغاله وإشغاله . أقام بحرَّان مدَّة ،
فانتفعوا به ، وكان يُشغل - أي يُدَرِّسُ - بالجبل إذا كان الشيخ الموفق
بالمدينة، فإذا صعد الموفق؛ نزل هو وأشغل، فسمعتُ الشيخ الموفق يقول :
ما نقدر نعمل مثل العماد، كان يتألَّف الناس، وربّما كرّر على الطالب
من سَحِرٍ إلى الفجر .
قال الضياء : وكان يجلس في جامع البلد من الفجر إلى العشاء ، لا
يخرج إلَّا لحاجة ، يُقرىء القرآن والعلم ، فإذا فرغوا اشتغل بالصلاة ،
فسألتُ الشيخ موفق الدين عنه ؛ فقال : كان من خيار أصحابنا وأعظمهم
نفعًا، وأشدّهم وَرَعًا ، وأكثرهم صبرًّا على التعليم، وكان داعيةً إلى السُّنَّة ، أقام
بدمشق مُدَّة يعلِّم الفقراء ويُقرِئهم ، ويُطعمهم ويتواضع لهم ، كان من أكثر
الناس تواضُعًا واحتقارًا لنفسه ، وخوفًا من الله .
وقال الضياء : أعرف وأنا صغير أنَّ جميع مَنْ كان في الجبل يتعلَّم
القرآن ؛ كان يقرأ على العماد ، وختم عليه جماعة ، وكان يبعث بالنفقة إلى
الناس ، ويأخذ بقلب الطالب ، وله بِشْرٌ دائم .
قال الضياء : وسمعتُ الإِمام محاسن بن عبد الملك التنوخي يقول :
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com