النص المفهرس

صفحات 301-320

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول
٣٠١
قال رحمه الله: ((دخلتُ الكوفة ومعي درهم واحد ، فأخذتُ به
ثلاثين مُدًّا (١) باقِلًا، فكنتُ آكل منه ، وأكتب عن أبي سعيد الأشجّ ، فما
فرغ الباقلًا حتى كتبتُ عنه ثلاثين ألف حديث ، ما بين مقطوع
ومرسل)»(٢).
قال أبو بكر بن شاذان : (( قدم أبو بكر بن أبي داود سجستان،
فسألوه أن يُحدِّثهم ، فقال : ما معي أصلٌ ، فقالوا : ابن أبي داود وأصل !
قال : فأثاروني ، فأمليتُ عليهم من حفظي ثلاثين ألف حديث ، فلما قدمتُ
بغداد ؛ قال البغداديون : مضى إلى سجستان ولعب بهم ، ثم فيجوا فيجًا(٣)
اكتروْه بستة دنانير إلى سجستان ، ليكتب لهم النسخة ، فكتبت ، وجيء
بها وعُرضت على الحقَّاظ ، فخطّؤوني في ستة أحاديث ؛ منها ثلاثة أحاديث
حدَّثتُ كما حُدِّثت، وثلاثة أخطأتُ فيها ))(٤).
وقال رحمه الله: (( حدَّثتُ من حفظي بأصبهان بستة وثلاثين ألفًا ؛
ألزموني الوهم في سبعة أحاديث ، فلما انصرفتُ ؛ وجدتُ في كتابي خمسة
منها على ما كنتُ حدَّثتهم به)) (٥) .
قال الحافظ أبو محمد الخلّال : كان ابن أبي داود إمام أهل العراق ،
ومَنْ نصب له السلطان المنبر .
قال أبو حفص بن شاهين : أملى علينا ابن أبي داود سنين ، وما رأيتُ
بيده كتابًا ، إنما كان يُملي حفظًا ، فكان يقعد على المنبر بعد ما عَمِي ، ويقعد
(١) الباقلاء : الفول .
تاريخ بغداد ٩ / ٤٦٦ - ٤٦٧ .
(٢)
(٣)
الفيج : الجماعة من الناس .
تاريخ بغداد ٩ / ٤٦٦ .
(٤)
تذكرة الحفاظ ٧٦٩/٢ .
(٥)
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٠٢
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
دونه بدرجةٍ ابنُه أبو معمر - بيده كتاب - فيقول له : حديث كذا ،
فيسرده من حفظه ، حتى يأتي على المجلس .
يقول أبو بكر بن أبي داود :
فقولُ رسولِ الله أولى وأشرحُ
ودعْ عنك آراءَ الرجالِ وقولَهم
فتطعن في أهل الحديث وتقدحُ
ولاتكُ من قوم تَلَهَّوْا بدينهم
١٠١ - ابن أبي الخناجر الإِمام مُسنِد طرابلس أبو علي ، أحمد بن محمد
ابن يزيد بن مسلم بن أبي الخناجر الأنصاري :
حدَّث عن يزيد بن هارون ... وروى عنه ابن أبي حاتم ، وخيثمة .
((قال ابن دحيم: وسمعه خيثمة يقول: وقف المأمون على مجلس يزيد-
وكنتُ فيهم، وفي المجلس ألوف- فالتفت إلى أصحابه، وقال: هذا المُلكُ))(١).
١٠٢ - الإِمام التِّرمذي أبو عيسى ، محمد بن عيسى بن سورة :
مات البخاري، ولم يُخلِّف بخراسان مثل أبي عيسى؛ في العلم والحفظ
والورع والزهد ، بكى حتى عمي .
قال رحمه الله : ((كنتُ في طريق مكة ، فكتبتُ جُزأين من حديث
شيخ ، فوجدتُه ، فسألتُه ، وأنا أظنُّ أن الجزأين معي ، فسألتُه ، فأجابني ،
فإذا معي جُزآن بياض ، فبقي يقرأ علَّ من لفظه ، فنظر ، فرأى في يدي
ورقًا بياضًا ، فقال : أما تستحي مني ؟ فأعلمتُه بأمري ، وقلتُ : أحفظه
كله . قال: اقرأ ، فقرأَتُه عليه ، فلم يُصدِّقني ، وقال : استظهرتَ قبل أن
تجيء ؟ فقلتُ: حدِّثني بغيره . قال: فحدَّثني بأربعين حديثًا ، ثم قال :
هاتٍ، فأعدتُها عليه، ما أخطأتُ في حرفٍ)) (٢) .
(١) سير أعلام النبلاء ٢٤/١٣ .
(٢) تذكرة الحفاظ ٢ / ٦٣٥، وتهذيب التهذيب ٩ / ٣٨٨ - ٣٨٩.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٣٠٣
قال أبو عيسى: ((صنَّفتُ هذا الكتاب، وعرضتُه على علماء الحجاز،
والعراق، وخراسان، فرضوا به، ومَنْ كان هذا الكتاب- يعني ((الجامع)) -
في بيته؛ فكأنما في بيته نبِي يتكلّم))(١).
قال الذهبي: ((في ((الجامع)) علمٌ نافعٌ، وفوائدُ غزيرةٌ ، ورؤوسُ
المسائل ، وهو أحد أصول الإِسلام ، لولا ما كدَّره بأحاديث واهية ؛ بعضها
موضوع ، وكثير منها في الفضائل )) .
وقال أيضًا: ((((جامعه)) قاضٍ له بإمامته وحفظه وفقهه ، ولكنه
يترأَّخَّص في قبول الأحاديث ، ولا يُشدّد ، ونَفَسُهُ في التضعيف رخوٌ)).
قال أبو إسماعيل شيخ الإِسلام: ((جامع الترمذي أنفعُ من كتاب
البخاري ومسلم؛ لأنهما لا يقف على الفائدة منهما إلا المتبحِّرُ العالم، و((الجامع))
يصل إلى فائدته كُلُّ أحد ))(٢) .
١٠٣ - شيخ الإِسلام بقُّ بن مَخْلَد، أبو عبد الرحمن الأندلسي القرطبي:
قال الذهبي في السير (٢٨٥/١٣): ((صاحب (التفسير)) و((المسند))
اللذيْن لا نظير لهما ، عني بالحديث عناية لا مزيد عليها ، وأدخل جزيرة
الأندلس علمًا جمًّا، وبه، وبمحمد بن وضَّاح صارت تلك الناحية دار حديث)).
قال عنه أحمد بن أبي خيثمة: (( ما كنا نُسمِّيه إلا المكنسة ، وهل
احتاج بلد فيه بقّ إلى أن يرحل إلى هاهنا منه أحدٌ))(٣).
قال أبو الوليد بن الفرضي في ((تاريخه)): ((ملأ بقي بن مخلد الأندلس
حديثًا، فأنكر عليه أصحابه الأندلسيون- أحمد بن خالد، ومحمد بن الحارث،
وأبو زيد - ما أدخله من كُتب الاختلاف ، وغرائب الحديث ، فأغروْا به
(١) تذكرة الحفاظ ٢ / ٦٣٤.
(٢) سير أعلام النبلاء ٢٧٧/١٣.
(٣) تذكرة الحفاظ ٢ / ٦٣٠.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٠٤
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
السلطان وأخافوه به ، ثم إن الله أظهره عليهم ، وعصمه منهم ، فنشر حديثه
وقرأ للناس روايته ، فمن يومئذٍ انتشر الحديث بالأندلس ، ثم تلاه ابن
وضاح ، فصارت الأندلس دار حديث وإسناد )) .
ومما انفرد به، ولم يُدخله سواه «مُصنَّف أبي بكر بن أبي شيبة )»
بتمامه ، و((كتاب الفقه)) للشافعي بكماله - يعني ((الأم)) - و((تاريخ))
خليفة، و ((طبقات)) خليفة، وكتاب ((سيرة عمر بن عبد العزيز)) لأحمد
ابن إبراهيم الدَّوْرقي ... وليس لأحد مثل ((مسنده)).
قال ابن حزم: ((أقطع أنه لم يُؤَلَّف في الإِسلام مثل ((تفسير بقّ))،
ولا (( تفسير محمد بن جرير))، ولا غيره(١) .
قال ابن حزم: ((وكان محمد بن عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس
مُحِبًّا للعلوم عارفًا، فلما دخل يقِّ الأندلس ((بمصنَّف أبي بكر بن أبي
شيبة))، وقُرىء عليه ؛ أنكر جماعة من أهل الرأي ما فيه من الخلاف ،
واستبشعوه ، ونشَّطوا العامة عليه ، ومنعوه من قراءته ، فاستحضره صاحب
الأندلس محمد وإياهم، وتصفَّح الكتاب كلَّه جزءًا جزءًا ، حتى أتى على
آخره ، ثم قال لخازن الكتب : هذا كتاب لا تستغني خزانتنا عنه ، فانظر
في نسْخه لنا ، ثم قال لبقِّ : انشرْ عِلْمَك ، واروٍ ما عندك ، ونهاهم أن
يتعرّضوا له))(٢) .
قال ابن حزم: ((و ((مسند)) بقيّ روى فيه عن ألف وثلاثمائة صاحب
ونيِّفٍ ورتَّب حديث كل صاحب على أبواب الفقه ، فهو مُسنَدٌ ومُصنَّفٌ ،
وما أعلم هذه الرتبة لأحد قبله ، مع ثقته وضبطه ، وإتقانه واحتفاله في
الحديث . وله مُصنَّفْ في فتاوى الصحابة والتابعين فمَنْ دونهم ، الذي قد
(١) معجم الأدباء ٧٧/٧-٧٨، وسير أعلام النبلاء ٢٨٨/١٣.
(٢) سير أعلام النبلاء ٢٨٨/١٣ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٣٠٥
أربى فيه على ((مُصنَّف)) ابن أبي شيبة، وعلى ((مُصنَّف)) عبد الرزاق، وعلى
((مُصنَّف)) سعيد بن منصور، وقال: فصارت تصانيف هذا الإِمام الفاضل
قواعد الإِسلام ، لا نظير لها ، وكان مُتخيّرًا لا يُقلِّدُ أحدًا، وكان ذا خاصَّة
من أحمد بن حنبل، وجاريًا في مضمار البخاري ومسلم والنسائي))(١).
قال الدكتور أكرم ضياء العمري: (( جملة أحاديث مسند بقي بن
مخلد (٣٠٩٦٩) ، وجملة أحاديث مسند أحمد بن حنبل - سوى زيادات
عبد الله وغيره - ثلاثون ألف حديث))(٢).
قال بقّ بن مخلد عن نشْره للسنة بالأندلس: ((لقد غرستُ لهم
بالأندلس غرسًا لا يُقْلَع إلا بخروج الدجّال))(٣).
قال حفيده عبد الرحمن بن أحمد: (( سمعتُ أبي يقول : رحل أبي من
مكة إلى بغداد ، وكان رجلًا، بُغيتُه ملاقاةُ أحمد بن حنبل . قال : فلما
قُرُبْتُ بلغتني المحنة ، وأنه ممنوع"، فاغتممتُ غمَّا شديدًا، فاحتللتُ بغداد ،
واكتريتُ بيتًا في فندق ؛ ثم أتيتُ الجامع وأنا أُريد أن أجلس إلى الناس ،
فدُفعت إلى حلقة نبيلة ، فإذا برجل يتكلّم في الرجال ، فقيل لي : هذا يحيى
ابن معين ، ففُرِجت لي فرجة ، فقمتُ إليه ، فقلتُ : ياأبا زكريا ، رحمك
الله ، رجل غريب ناءٍ عن وطنه ، يُحِبُّ السؤال ، فلا تستجْفني ، فقال :
قُلْ ، فسألتُ عن بعض مَنْ لقيتُه، فبعضًا زكِّى، وبعضًا جَرَح، فسألتُه
عن هشام بن عمَّار ، فقال لي : أبو الوليد صاحب صلاة دمشق ، ثقة ،
وفوق الثقة ، لو كان تحت ردائه كِبْرٌ ، أَوْ مُتقلِّدًا كِبْرًا؛ ما ضَرَّه شيئًا،
لخيره وفضله ، فصاح أصحاب الحلقة : يكفيك - رحمك الله - غيرُك له
(١) سير أعلام النبلاء ٢٩١/١٣.
(٢) بقي بن مخلد القرطبي ومُقدِّمة مسنده للدكتور أكرم ضياء العمري صـ ٢٠ .
(٣) تذكرة الحفاظ ٢ / ٦٣٠.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٠٦
صلاح الأمة في عُلوَ الهمة - المجلد الأول
سؤال ، فقلتُ - وأنا واقف على قدم -: اكشفْ عن رجل واحد ؛ أحمد
ابن حنبل ، فنظر إلَّ كالمُتعجّبْ ، فقال لي : ومثلنا نحن نكشف عن
أحمد ؟! ذاك إمام المسلمين ، وخيرُهم وفاضلُهم ، فخرجتُ أستدلُ على
منزل أحمد بن حنبل ، فدُللتُ عليه ، فقرعتُ بابه ، فخرج إلَّي ، فقلتُ :
ياأبا عبد الله ، رجل غريب ، نائي الدار ، هذا أوّلُ دخولي هذا البلد ، وأنا
طالب حديث ومقيّد سُنَّة، ولم تكن رحلتي إلا إليك، فقال: ادخل الأصطوان،
ولا يقع عليك عينٌ ، فدخلتُ ، فقال لي : وأين موضعُك ؟ قلتُ : المغرب
الأقصى ، فقال : إفريقية ؟ قلتُ : أبعد من إفريقية ، أجوز من بلدي البحر
إلى إفريقية ، بلدي الأندلس ، قال : إن موضعك لبعيدٌ ، وما كان شيء
أحبّ إلَّي مَنْ أنْ أُحسِنَ عون مثلك، غير أني مُمتحَنٌ بما لعلَّه قد بلغك ،
فقلتُ : بلى ، قدْ بلغني ، وهذا أوّلُ دخولي ، وأنا مجهول العين عندكم ،
فإنْ أُذِنْتَ لي أن آتي كل يوم في زِيِّ السُّؤَّال ، فأقول عند الباب ما يقول
السُّؤَّال ، فتخرج إلى هذا الموضع ، فلوْ لمْ تُحدِّثْني كل يوم إلا بحديث
واحد ؛ لكان لي فيه كفاية ، فقال لي : نعمْ ، على شرط أن لا تَظْهر في
الخلق ، ولا عند المُحدِّثين ، فقلتُ : لك شرطُك؛ فكنتُ آخذ عصا
بيدي ، وأُفُّ رأسي بخرقة مُدنَّسةٍ ، وأجعل كاغدي وأوراقي في كُمِّ ،
وآتي بابَهُ، فأصيح : الأجر - رحمك الله - والسَُّّال هناك كذلك ،
فيخرج إلَّي، ويُغلق، ويُحدِّثني بالحديثين والثلاثة والأكثر ، فالتزمتُ ذلك
حتى مات المُمتحِنُ له ، وولي بعده مَنْ كان على مذهب السُّنة ، فظهر
أحمد ، وعلتْ إمامته ، وكانت تُضَرَب إليه آباط الإِبل، فكان يعرف لي
حقَّ صبري ، فكنتُ إذا أتيتُ حلقته ؛ فسحَ لي ، ويقصُّ على أصحاب
الحديث قِصَّتي معه ، فكان يُناولني الحديث مناولةً ، ويقرؤه علَّي وأقرؤه
عليه ، فاعتللتُ علَّةً أَشفيتُ منها ، ففقدني من مجلسي ، فسأل عني ،
فأُعلمَ بِعِلَّتِي ، فقام من فوره مُقبلًا إلَّ عائدًا لي بمن معه، وأنا مُضطجِعٌ
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الأول
٣٠٧
في البيت الذي كنتُ اكتريتُ ، ولَبَدي تحتي ، وكسائي علَّ، وكُتُبِي
عند رأسي ، فسمعتُ الفندق قد ارتجّ بأهله ، وأنا أسمعهم : هو ذاك ،
أبصروه ، هذا إمام المسلمين مُقبلًا، فبدر إلَّ صاحب الفندق مُسرعًا ،
فقال لي : ياأبا عبد الرحمن ، هذا أبو عبد الله أحمد بن حنبل إمام المسلمين
مُقبلًا إليك ، عائدًا لك ، فدخل فجلس عند رأسي ، وقد احتشى البيت
من أصحابه فلم يسعهم ، حتى صارت فرقةٌ منهم في الدار وقوفًا ، وأقلامهم
بأيديهم ، فما زادني على هذه الكلمات ، فقال لي : ياأبا عبد الرحمن ،
أبشْ بثواب الله ، أيام الصحة لا سقم فيها ، وأيام السقم لا صحة فيها ،
أعلاك الله إلى العافية ، ومسح عنك بيمينه الشافية ، فرأيت الأقلام تكتب
لفظه ، ثم خرج عني ، فأتاني أهل الفندق يلطفون بي ، ويخدمونني ديانةً
وحسبَةً ، فواحد يأتي بفراش، وآخر بلحاف ، وبأطايب الأغذية ، وكانوا
في تمريضي أكثر من تمريض أهلي لو كنت بين أظهرهم؛ لعيادة الرجل
الصالح ))(١) .
((قام بقي بن مخلد القرطبي برحلتين ؛ إلى مصر والشام والحجاز
وبغداد ، طلبًا للعلم ، امتدت الرحلة الأولى أربعة عشر عامًا ، والثانية
عشرين عامًا)) (٢) .
ولقد كان ارتحاله كله من الأندلس ، وعلى قدميه !! نعم ، والله على
قدميه !!
(١) سير أعلام النبلاء ٢٩٢/١٣ - ٢٩٤، والمنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإِمام
أحمد للعليمي (٢٥٩ - ٢٦١). وقد وصف الذهبي هذه الرواية بأنها رواية
مُنكَرة، وقد حقّق الدكتور أكرم ضياء العمري في كتابه (( بقي بن مخلد ومقدمة
مسنده)) (صـ ٣٩ - ٤١) بأن سند الرواية صحيح، والمتن لا غبار عليه ، ولا
مانع من اللقيا بين الإِمام أحمد وبقي بن مخلد قبل وفاة المعتصم سنة ٢٢٧ هـ .
(٢) تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين ١ / ٢٣٨.
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٠٨
صلاح الأمة في غلوَ الهمة - المجلد الأول
قال رحمه الله : ((كلُّ مَنْ رحلتُ إليه فماشيًا على قدمَّ ، وكلّ
مَنْ سمعتُ منه في البلدان ماشيًا على قدمَّ .
قال تلميذه أبو عبد الملك أحمد بن محمد القرطبي : كان بقي
طُوَالًا، قويًّا جَلْدًا على المشي، لم يُرَ راكبًا دابةً قطُّ ، متواضعًا، مُلازمًا
لحضور الجنائز ))(١) .
فلله دَرّه ، وصبرُه ، وشوقُه وعشقُه للعلم ، ولله وَقْفُ أنفاسه وحياته
في تحصیلہ وجمعه !!
لولا عجائبُ صُنعِ الله ما نبتتْ تلك الفضائلُ في لحمٍ ولا عَصَبِ
طوَّف بقي الشرق والغرب على قدميه !!
((قال أبو الوليد الفَرضي: كان بقِّي يقول: إني لأعرف رجلًا كانت تمضي
عليه الأيام في وقت طلبه للعلم، ليس له عيشٌ إلا ورق الكرنب الذي يُرمى))(٢).
(( قال بقّ يومًا لطلبته : أنتم تطلبون العلم ؟! وهكذا يُطلبُ العلم ؟!
إنما أحدكم إذا لم يكن عليه شُغُلٌ يقول : أمضي أسمع العلم ! إني لأعرف
رجلًا - يعني نفسه - تمضي عليه الأيام في وقت طلبه للعلم ، لا يكون
له عيشٌ إلا من ورق الكرنب الذي يُلقيه الناس ! وإني لأعرفُ رجلًا باع
سراويله غير مرة في شراء كاغد، حتى يسوق الله إليه مِنْ حيث يُخْلِفُها))(٣).
١٠٤ - داود الظاهري وأبو يعقوب الشُريطي :
أما داود بن علي فهو رئيس أهل الظاهر ، الحافظ داود بن علي أبو
(١) تذكرة الحفاظ ٦٣٠/٢، والسير ٢٩١/١٣.
(٢) تذكرة الحفاظ ٢ / ٦٣٠، سير أعلام النبلاء ١٣ / ٢٩٢.
(٣) معجم الأدباء لياقوت الحموي ٨٣/٧ ، باع سراويله أي ويبقى عليه سروال
هو لابسُهُ ، لا أنه بقي مكشوف العورة .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الأول
٣٠٩
سليمان(١) ، ويُسمَّى بالأصبهاني .
((قال قاسم بن أصبغ الحافظ : ذاكرتُ ابن جرير الطبري ، وابن
سريج في كتاب ابن قتيبة في الفقه ، فقالا : ليس بشيء ، فإذا أردت الفقه ،
فكتبُ أصحاب الفقه كالشافعي وداود ، ونظرائهما ))(٢).
قال الذهبي في السير (١٠٧/١٣): ((داود بن علي بصيرٌ بالفقه ،
عالمٌ بالقرآن ، حافظٌ للأثر ، رأسٌ في معرفة الخلاف ، من أوعية العلم )).
كان في مجلسه أربعمائة صاحب طيلسان أخضر ، وقد كان الطيلسان
من شارات الفقهاء الكبار ، وكان السلطان إذا أراد تعظيم فقيه وتكريمه
طيلسه .
قال ابن حزم عن داود الظاهري : كان عراقيًّا ، كتب ثمانية عشر
ألف ورقة .
(( قال القاضي الحافظ أبو عبد الله المحاملي: صلَّيتُ صلاة الفطر في
جامع المدينة ، وقلتُ : أدخل على دواد بن علِيّ فأهنِيه ، فجئتُه ، وإذا بين
يديه طبقٌ فيه أوراق هِندباء(٢) ، وعصارة فيها نخالة ، وهو يأكل ، فهنَّأَتُه ،
وعجبتُ من حاله ! ورأيتُ أن جميع ما في الدنيا ليس بشيء ، فخرجتُ
من عنده ، ودخلتُ على رجل من مُحِّي الصنيعة (٤) ، يُقال له : الجرجاني ،
فخرج إلَي حاسَرَ الرأس، حافي القدمين، وقال لي: ما عنَّى القاضي ؟! قلتُ:
مهم! قال: ما هو ؟ قلتُ: في جوارك داود بن علي، ومكانُه من العلم ما تعلمُه،
وأنت كثير الصلة والرغبة في الخير، تغفل عنه ؟! وحدَّثته بما رأيت.
(١) عفا الله عنه، كان ممن يقول بأن القرآن مُحدث .
(٢) سير أعلام النبلاء ١٠٢/١٣.
(٣) نوع من البقول رخيص مبذول .
(٤)
أي فعل الخير .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣١٠
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول
قال الجرجاني: داود شرسُ الخلق ! وجَّهتُ إليه البارحة بألف درهم
ليستعين بها فردَّها علَّي ، وقال للغلام : قل له : بأي عينٍ رأيتني ؟ وما
الذي بلغك من حاجتي وخَلَّتي حتى بعثتَ لي بهذا ؟!
قال المحاملي : فعجبتُ ، وقلتُ للجرجاني : هاتِ الدراهم ، فإني
أحملُها إليه، فدفعها إلَّي، وقال للغلام : ائتني بكيس آخر ، فوزن ألفًا
أخرى ، وقال : تلك لنا ، وهذه لعناية القاضي ، فأخذتُ له الألفيْن ،
وجئتُ إليه، فقرعتُ البابَ، ودخلتُ، وجلستُ ساعةً، ثم أخرجتُ الدراهمَ
وجعلتُها بين يديه ، فقال : هذا جزاء مَنِ ائتمنك على سرِّه ؟ أنا بأمانة العلم
أُدخلتُك إلَّ، ارجع فلا حاجة لي فيما معك .
قال المحاملي : فرجعتُ وقد صغُرت الدنيا في عيني ، وأخبرتُ
الجرجاني، فقال : إني أخرجتُ هذه الدراهم لله تعالى فلا ترجعُ في مالي ،
فليتولَّ القاضي إخراجها في أهل البّ والعفاف )).
إذا سمتْ عينُ مَنْ تهواه عن ذهبٍ فِالتِّرُ والتَّرْبُ في الدنيا لديك سَوَا
(( قال داود : حضر مجلسي يومًا أبو يعقوب الشريطي ، وكان من
أهل البصرة ، وعليه خِرْقتان ! فتصدّر لنفسه من غير أن يرفعه أحد ، وجلس
إلى جانبي ، وقال لي : سلْ يافتى عمّا بدا لك ، فكأني غضبتُ منه! فقلتُ
له مُستهزئًا : أسألك عن الحجامة ، فبرك أبو يعقوب ، ثم روى طريق
حديث (( أفطر الحاجم والمحجوم)) ومَنْ أرسله، ومَنْ أسنده، ومَنْ
وقفه ، ومَنْ ذهب إليه من الفقهاء ، وروى اختلاف طريق حديث احتجام
النبي عَّهِ، وإِعطاء الحجَّام أجْرَهُ، ولو كان حرامًا لم يُعطه ، ثم روى
طرق حديث أَنَّ النبي عَّ ◌ُلّ احتجم بقْن، وذكر أحاديث صحيحة في
الحجامة، ثم ذكر الأحاديث المتوسطة مثل ((ما مررت بملأ من الملائكة ... ))،
ومثل ((شفاء أُمَّتي في ثلاث ... ))، وما أشبه ذلك، وذكر الأحاديث
الضعيفة- أي الموضوعة- مثل قوله عَ له: ((لا تحتجموا يوم كذا ولا ساعة
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الأول
٣١١
كذا ))، ثم ذكر ما ذهب إليه أهل الطب من الحجامة في كل زمان ، وما
ذكروه فيها ، ثم ختم كلامه بأن قال : وأول ما خرجت الحجامة من
أصبهان ! ( بلد داود بن علي الظاهري ) ، فقلتُ له : والله لاحَقَرتُ بعدك
أحدًا أبدًا))(١) .
١٠٥ - موسى بن إسحاق الإِمام المقرئ القاضي :
((وصَّى المعتضد وزيره بإسماعيل القاضي ، وبموسى بن إسحاق ،
وقال: بهما يُدفع عن أهل الأرض))(٢) .
قال ولده أحمد: قال أبي: سمعتُ من أبي كريب ثلاثمائة ألف حديث.
وقال ابن المنادي : بلغني أنه أقرأ الناسَ القرآن وله ثماني عشرة سنة .
١٠٦ - ثعلب إمام النحو المُحدِّث الحافظ أبو العباس:
قال : ابتدأتُ بالنظر وأنا ابن ثماني عشرة سنة - أي النظر في العربية
والشعر واللغة - ولمّا بلغتُ خمسًا وعشرين سنة ، ما بقي علَّي مسألة
للفّاء ، وسمعتُ من القواريري مائة ألف حديث .
قال الخطيب : ثقة حُجَّة، دَيِّنٌ صالح ، مشهور بالحفظ .
قال المبرد: أعلمُ الكوفيين ثعلب، فذكر له الفَرّاء، فقال: لا تُعْشِّرُه.
قال ابن مجاهد شيخ القرَّاء: رأيت النبي عَّهِ في المنام، فقال لي :
أَقْرىءْ أبا العباس السلام ، وقل له : إنك صاحبُ العلم المستطيل(٣).
وكان يُزري على نفسه ولا يعدُّ نفسه .
(١) وفيات الأعيان ١٧٥/١ - ١٧٦.
(٢) تذكرة الحفاظ ٢ / ٦٦٩ .
(٣) إنباه الرواة للقفطي ١ / ١٤٣ - ١٤٤.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣١٢
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
قال القفطي : كان مُكرِّر على كُتُبِ الكسائي والفَّاءُ(١).
١٠٧ - الفريابي الحافظ الثبت القاضي شيخ الوقت أبو بكر : جعفر بن
محمد بن المستفاض :
(( قال الخطيب : الفريابي قاضي الدِّينَور ، من أوعية العلم ، ثقة
حُجَّة ، ومن أهل المعرفة والفهم ، طوَّف شرقًا وغربًا، ولقي الأعلام .
عن أبي حفص الزَّيات قال : لما ورد الفريابي إلى بغداد استقبل
بالطيارات والَّبازب(٢)، ووعد له الناس إلى شارع المنار ليسمعوا منه .
قال : فحضر مَنْ حُزروا ، فقيل : كانوا نحو ثلاثين ألفًا ، وكان المُسْتَملون
ثلاثمائة وست عشرة نفسًا .
وقال أبو الفضل الزهري : لما سمعتُ من الفريابي كان في مجلسه من
أصحاب المحابر مَنْ يكتب حدود عشرة آلاف إنسان ، ما بقي منهم غيري ،
هذا سوى من لا يكتب ، ثم جعل يبكي .
وقال أبو أحمد بن عدي : كنا نشهد مجلس جعفر الفريابي ، وفيه
عشرة آلاف أو أكثر .
وقال مرة أخرى : رأيتُ مجلس الفريابي يُحزر فيه خمسة عشر ألف
محبرة، وكان الواحد يحتاج أن يبيت في المجلس؛ ليجد مع الغد موضعًا))(٣).
قد كان هذا زمان العلم .. زمان أصحاب الحديث .. زمان المحابر .
كفائَي ذاك رائحة المدادِ
إذا ما المسكُ طَيِّبَ ريحَ قومٍ
على حافاتِها حممُ السواد
فما شيءٌ بأحسنَ من ثيابٍ
(١) سير أعلام النبلاء ١٤ / ٥ - ٦ .
(٢) ضرب من السفن .
(٣) سير أعلام النبلاء ١٤ / ٩٨ - ١٠٠ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الأول
٣١٣
١٠٨ - الإمام محمد بن أحمد بن نصر الشافعي، أبو جعفر الترمذي الزاهد:
كتب الحديث تسعًا وعشرين سنة، وتفقّه بأصحاب الشافعي، وحدَّث
عنه الرامهرمزي صاحب كتاب ((المحدث الفاصل بين الراوي والواعي)).
(( قال الدارقطني : ثقة مأمون ناسك .
وقال أحمد بن كامل: لم يكن للشافعية بالعراق أرأس منه، ولا أورع،
ولا أنقل ولا أكثر تقلّلًا في المطعم ، على حال عظيمة من الفقر والصبر على
الفقر .
قال إبراهيم بن السري الزجَّاج: إنه كان يُجرى على أبي جعفر في
الشهر أربعة دراهم يتقوَّت بها ، وكان لا يسأل أحدًا شيئًا .
وقال محمد بن موسى بن حمّاد البربري : أخبرني أنه تقوّت في سبعة
وعشرين يومًا بخمس حبَّات، قلتُ له : وكيف عملتَ ؟ فقال: لم يكن
عندي غيرها ، فاشتريتُ بها لِفْتًا ، وكنتُ آكل كل يوم واحدة ، وتُوفّي عن
(٩٤ ) سنة))(١).
١٠٩ - الإِمام النسائي :
الإِمام الحافظ الثبت شيخ الإسلام أحمد بن شعيب ، أبو عبد الرحمن .
قال الذهبي في السير (١٢٧/١٤) :
((كان من بحور العلم ، مع الفهم والإِتقان ، والبصر ، ونقد الرجال ،
وحُسْن التأليف . جال في طلب العلم في خراسان ، والحجاز ، ومصر ،
والعراق ، والجزيرة ، والشام ، والثغور ، ثم استوطن مصر ، ورحل الحفاظ
إليه ، ولم يبقَ له نظير في هذا الشأن )).
وقال : ((ولم يكن أحد في رأس الثلاثمائة أحفظ من النسائي ، هو
(١) تاريخ بغداد ٣٦٥/١، سير أعلام النبلاء ٥٤٥/١٣ .
1
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣١٤
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
أحذق بالحديث وعلله ورجاله من مسلم، ومن أبي داود، ومن أبي عيسى،
وهو جارٍ في مضمار البخاري ، وأبي زرعة )).
قال الحاكم : كلام النسائي على فقه الحديث كثير ، ومن نظر في
سننه تحيَّر في حُسْن كلامه .
قال النسائي : أقمتُ عند قتيبة بن سعيد سنة وشهرين - أي لأخذ
الحديث منه - .
قال مأمون المصري المُحدِّث : خرجنا إلى طرسوس مع النسائي سنة
الفداء ، فاجتمع جماعة من الأئمة : عبد الله بن أحمد بن حنبل ، ومحمد
ابن إبراهيم بن مربع ، وأبو الآذان ، وكيلجة ، فتشاوروا : مَنْ ينتقي لهم
على الشيوخ ، فأجمعوا على أبي عبد الرحمن النسائي ، وكتبوا كلهم
بانتخابه .
قال ابن الأثير في أول ((جامع الأصول )): کان شافعيًّا ، له مناسك
على مذهب الشافعي ، وكان وَرِعًا مُتحرِّيًا ، قيل: إنه أتى الحارث بن
مسكين في زيّ أنكره ، عليه قلنسوة وقباءٍ ، وكان الحارث خائفًا من أمور
تتعلَّق بالسلطان ، فخاف أن يكون عينًا عليه ، فمنعه ، فكان يجيء فيقعد
خلف الباب ويسمع ، ولذلك ما قال : حدَّثنا الحارث ، وإنما يقول : قال
الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع .
وقال أبو طالب أحمد بن نصر الحافظ : مَنْ يصبر على ما يصبر
عليه النسائي ؟! عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة - يعني عن قتيبة ،
عن ابن لهيعة - قال : فما حدَّث بها .
وقال الدارقطني : أبو عبد الرحمن مُقدَّم على كل من يُذكر بهذا
العلم من أهل عصره .
وقال أيضًا : كان أبو بكر بن الحدّاد الشافعي كثير الحديث ، ولم
يُحدِّث عن غير النسائي ، وقال: رضيت به حُجَّة بيني وبين الله تعالى .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٣١٥
قال الدار قطني: ((خرج حاجًّا فامتحن بدمشق، وأدرك الشهادة، فقال:
احملوني إلى مكة ، فحُمِل وتوفّي بها ، وهو مدفون بين الصفا والمروة،
وكان أفقه مشايخ مصر في عصره، وأعلمهم بالحديث والرجال))(١).
١١٠ - الإِمام مسلم بن الحجّاج بن ورد القُشيري صاحب الصحيح :
قال أحمد بن سلمة : رأيتُ أبا زرعة وأبا حاتم يُقدِّمان مُسلمًا في معرفة
الصحيح على مشايخ عصرهما .
ذكر إسحاق بن راهويه مسلمًا ، فقال بالفارسية كلامًا معناه : أمّي
رجل يكون هذا ؟ ! .
وقال محمد بن بشار يقول : حفَّاظ الدنيا أربعة : أبو زرعة بالريِّ ،
ومسلم بنيسابور، وعبد الله الدارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل ببخارى.
وقال محمد الماسَرْجسي: سمعتُ مُسلمًا يقول: صنَّفتُ هذا ((المسند
الصحيح )) من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة .
وقال أحمد بن سلمة: كنتُ مع مسلم في تأليف ((صحيحه )) خمس
عشرة سنة(٢) . قال : وهو اثنا عشر ألف حديث .
قال مسلم: لو أن أهل الحديث يكتبون الحديث مائتي سنة؛ فمدارهم
على هذا المسند(٣).
قال الذهبي: ((هو كتاب نفيس كامل، فلما رآه الحفاظ أُعجبوا به)).
قال الحافظ أبو عمرو بن الصلاح عن الإِمام مسلم: (( وكان لموته
سببٌ غريب ، نشأ من غمرة فكرية علمية ، فقرأت بنيسابور - حرسها
الله وسائر ديار الإسلام وأهله- فيما انتخبته من ((تاريخها)) للحاكم النيسابوري
(١) سير أعلام النبلاء ١٢٥/١٤- ١٣٧.
(٢) في ((مقدمة صحيح مسلم)): ست عشرة سنة.
(٣) مقدمة صحيح مسلم بشرح النووي صـ ١٥ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣١٦
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
على الشيخ الزكي أبي الفتح منصور بن عبد المنعم ...
قال أحمد بن سلمة - رفيق مسلم في الرحلة -: عُقد لأبي الحسين
مسلم بن الحجاج مجلسٌ للمذاكرة ، فذكر له حديث لم يعرفه ، فانصرف
إلى منزله ، وأوقد السراج ، وقال لمن في الدار: لا يدخلَنَّ أحدٌ منكم
هذا البيت ، فقيل له : أُهديتْ لنا سلَّةٌ فيها تمرٌ ، فقال: قدِّموها إلَّي،
فقدَّموها إليه ، فكان يطلب الحديث ، ويأخذ تمرةً تمزةً يمضغها ، فأصبح
وقد فني التَّمر ! ووجد الحديث .
قال الحاكم: زادني الثقة من أصحابنا أنه منها مرض ومات)) (١).
١١١ - الطحاوي الإِمام الحافظ الكبير مُحدِّث الديار المصرية وفقيهها
أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي :
قال الذهبي في السير (٣٠/١٥): ((مَنْ نظر في تواليف هذا الإِمام
علم محلّ من العلم وسعة معارفة . برز في علم الحديث والفقه وجمع وصنَّف )).
قال مسلم بن القاسم في ((الصلة)) فيما نقله عنه ابن حجر في ((اللسان))
(٢٧٦/١): ((جليل القدر، فقيه البدن، عالمًا باختلاف العلماء، بصيرًا
بالتصنيف)).
وقال ابن عبد البر: ((كان من أعلم الناس بسِيَرِ الكوفيين وأخبارهم
وفقههم ، مع مشاركة في جميع مذاهب الفقهاء)) .
وقال ابن كثير في البداية (١٨٦/١١): ((الفقيه الحنفي صاحب التصانيف
المفيدة ، والفوائد الغزيرة ، وهو أحد الثقات الأثبات ، والحفّاظ الجهابذة)).
وقال البدر العيني في ((نخب الأفكار)): ((أمّا الطحاوي، فإنه مُجمَعٌ عليه
(١) سير أعلام النبلاء ٥٦٤/١٢، و((صيانة صحيح مسلم من الإِخلال والغلط
وحمايته من الإسقاط والسقط)) صـ ٦٤ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول
٣١٧
في ثقته وديانته وأمانته وفضيلته التامة، ويده الطولى في الحديث وعلله وناسخه
ومنسوخه، ولم يَخْلُفْه في ذلك أحدٌ، وقد أثنى عليه السلف والخلف».
نشأ الطحاوي في بيت علم وفضل ، وأُمُّه معدودة في أصحاب
الشافعي الذين كانوا يحضرون مجلسه ، وخاله هو الإِمام المزني صاحبُ
الشافعي وناشرُ علمه .
حفظ القرآن على شيخه ابن عمروس ، وتفقّه على خاله المزني ،
وسمع منه مختصره ، ولقد عاصر الذهبي الأئمة الحفاظ أصحاب الكتاب
الستة .
ولما بلغ سِنَّ العشرين ترك المذهب الشافعي ، وتحوَّل إلى المذهب
الحنفي .
لما بنى أحمد بن طولون والي مصر البيمارستان ، وأراد أن يقف
عليه ، وعلى المسجد العتيق - مسجد عمرو بن العاص - أحباسًا ، وأراد
أن يكتب وثائق أحباسه ، فتولّى كتابة ذلك أبو حازم عبد الحميد بن عبد
العزيز قاضي دمشق ، فلما جاءت الوثائق ؛ أحضر علماء الشروط لينظروا
هل فيها شيء يُفْسِدها ، فنظروا ، فقالوا : ليس فيها شيء ، فنظر فيها أبو
جعفر الطحاوي وهو يومئذ شابٌّ ، فقال : فيها غلطٌ ، فطلبوا منه بيانه ،
فأبى ، فأحضره أحمد بن طولون ، فقال له : إنْ كنت لم تذكر الغلط
الرسلي فاذكره لي ، فقال: ما أفعل. قال : ولِمَ ؟ قال : لأن أبا خازم رجل
عالم ، وعسى أن يكون الصواب معه ، وقد خفي عليَّ ، فأعجب ذلك
ابن طولون ، وأجازه ، وقال له: تخرج إلى أبي خازم ، وتُوافقه على ما
ينبغي . فخرج إليه ، فاعترف أبو خازم بالغلط ، فلما رجع الطحاوي إلى
مصر ، وحضر مجلس ابن طولون ؛ سأله ، فقال : كان الصواب مع أبي
خازم، ورجعتُ إلى قوله، وستر ما كان بينهما، فزاد في نفس ابن طولون،
فقرَّبه وشَّفه .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣١٨
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الأول
وقد انتهز الطحاوي فرصة وجوده في الشام ، فتنقل خلالها بين غزة
وعسقلان وطبرية وبيت المقدس ودمشق ، فروى عن شيوخها وأفاد منهم ،
وتفقّه على القاضي أبي خازم ، وتفقّه الطحاوي وتخرج على الإِمام شيخ
الحنفية ابن أبي عمران البغدادي الحافظ الفقيه ، ولازمه مدة عشرين سنة ،
مكَّنته من الإحاطة بمذهب الحنفية ، ومعرفة دقائقه ، واختلاف رواياته ،
وكان ابن أبي عمران من بحور العلم .
وأخذ الطحاوي أيضًا العلم عن بكّار بن قتيبة وسمع منه ، وتأثّر
بمنهجه ، وأكثر الرواية عنه ، وبه انتفع وتخرّج ، إلا أن انتفاعه به كان
في الحديث أكثر منه في الفقه ، فإنه لم يكن يتخلّف عن مجلسه في إملاء
الحديث .
وأخذ أيضًا من القاضي أبي عبيد البغدادي ، وحدَّث عنه الطحاوي
في (( المُشكَل))، وكان يُجالسه ويذاكره ، وأخذ عن النسائي وأكثر من
الرواية عنه ، وأخذ عن يونس بن عبد الأعلى وكثير غيرهم .
والإِمام الطحاوي إمام مجتهد كبير ، عارف بأحكام القرآن ومعانيه ،
وبما أثر عن الصحابة والتابعين ، من تفسير آيه ، وأسباب نزوله ، وله ثقافة
ممتازة بعلم القراءات ، حافظ للحديث ، واسع المعرفة بطُرُقه ومتونه وعلله
وأحوال رجاله ، ذو حظّ كبير من العلم بلسان العرب ومواقع كلامها وسعة
لغتها ، واسع الاطلاع على مذاهب الصحابة والتابعين ، والأئمة الأربعة
المتبوعين، وغيرهم من الأئمة المجتهدين، بارع في علم الشروط والوثائق.
صنّف التصانيف المتنوعة الفريدة في بابها ، المُقدَّمة في موضوعها ،
المشحونة بالفوائد أكثر من غيرها .
(( قال الطحاوي : كان لمحمد بن عبدة القاضي مجلسٌ للفقه عشَّية
الخميس، ويحضره الفقهاء وأصحاب الحديث، فإذا فرغ وصلَّى المغرب،
انصرف الناس ولم يبق أحد إلا من تكون له حاجة فيجلس ، فلما كان
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٣١٩
ليلة رأينا إلى جنب القاضي شيخًا عليه عمامةٌ طويلةٌ ، وله لحيةٌ حسنةً ،
لا نعرفه، فلما فرغ المجلس ، وصلَّى القاضي؛ التفت ، فقال: يتأخّر
أبو سعيد - يعني الفريابي - وأبو جعفر ، وانصرف الناس ، ثم قام يركع ،
فلما فرغ ؛ استند ، ونُصبت بين يديه الشموع ، ثم قال : خذوا في شيء ،
فقال ذلك الشيخ : أيش روى أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، عن أُمِّه ،
عن أبيه ؟ فلم يقل أبو سعيد الفريابي شيئًا ، فقلتُ أنا : حدَّثنا بكَّار بن
قتيبة ، حدَّثنا أبو أحمد ، حدَّثنا سفيان ، عن عبد الأعلى الثعلبي ، عن أبيٍ
عبيدة بن عبد الله، عن أُمِّه، عن أبيه، أن رسول الله عَ ◌ّم قال: ((إنّ
الله ليغارُ للمؤمن فَلَيَغْ)). قال: فقال لي ذلك الشيخ: أتدري ما تتكلم
به ؟ فقلتُ : أيش الخبر ؟ فقال : رأيتُك العشَّية مع الفقهاء في ميدانهم ،
ورأيتُك الساعة في أصحاب الحديث في ميدانهم ، وقلّ مَنْ يجمع بين
البابين . فقلتُ : هذا من فضل الله وإنعامه . فأعجب القاضي في وصفه
لي ، ثم أخذنا في المذاكرة )) (١) .
قال ((اللكنوي)) في ((الفوائد البهية)) صـ ٣١: ((إنّ الطحاوي له
درجة عالية ، ورتبة شامخة ، قد خالف بها صاحب المذهب في كثير من
الأصول والفروع. وَمَنْ طالع ((شرح معاني الآثار )) وغيره من مصنَّفاته ،
يجده يختار خلاف ما اختاره صاحب المذهب كثيرًا ، إذا كان ما يدلُّ عليه
قويًّا . فالحق أنه من المجتهدين المنتسبين الذين ينتسبون إلى إمام معين من
المجتهدين ، لكن لا يُقلِّدونه لا في الفروع ولا في الأصول ؛ لكونهم مُتصفين
بالاجتهاد ، وإنما انتسبوا إليه ؛ لسلوكهم طريقه في الاجتهاد ، إن انحطّ عن
ذلك فهو من المجتهدين في المذهب ، القادرين على استخراج الأحكام من
(١) تذكرة الحفاظ ٣ / ٨٠٩ - ٨١٠، ولسان الميزان ١ / ٢٧٨، وسير أعلام
النبلاء ٣٠/١٥ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الأول
٣٢٠
القواعد التي قَّرها الإِمام ، ولا تنحطُّ مرتبته عن هذه المرتبة أبدًا على رغم
أنف مَنْ جعله مُنحطا )).
ولقد أحصى المؤرخون من تصانيفه ما يزيد على ثلاثين كتابًا ؛
منها :
١ - العقيدة الطحاوية : وقد حظيت هذه الرسالة بشهرة واسعة ،
ونالت قبول أهل السنة وإعجابهم على اختلاف مذاهبهم ، فتناولوها بالشرح
والبيان ، ومن أجود تلك الشروح شرح القاضي ابن أبي العز الدمشقي .
قال التاج السبكي في (( مُعيد النِّعَمَ ومُبيد النِّقَم)) (٢٢ - ٢٣) :
(( وهذه المذاهب الأربعة - ولله الحمد - في العقائد واحدة ، إلا مَنْ لحق
منها بأهل الاعتزال أو التجسيم ، وإلا فجمهورها على الحق يُقُّون عقيدة
أبي جعفر الطحاوي التي تلقَّاها العلماء سلفًا وخلفًا بالقبول)).
٢ - شرح معاني الآثار : تناوله العلماء بالشرح، وهو كتاب فريد في بابه ،
يُدرِّب طالبَ العلم على التفقُّه، ويُطلعُه على وجوه الخلاف ، ويُربِّي فيه ملكة
الاستنباط، وقد شرحه العلامة العيني في (( نُخَبِ الأفكار في شرح معاني
الآثار )) ، وهو في ثمانية مُجَلَّدات بخطِّه .
٣ - اختلاف الفقهاء : في نحو مائة وثلاثين جزءًا حديثيًّا .
٤ - مختصر الطحاوي : في الفقه الحنفي على شاكلة مختصر المزني في مذهب
الشافعي .
قال أبو الوفا الأفغاني عنه: (( أول المختصرات في مذهبنا، وأبدعُها ،
وأحسنُها تهذيبًا ، وأصحُّها روايةً عن أصحابنا ، وأقواها درايةً ، وأرجحها
فتوى ، ترى فيه المسائل على وجهها معزوةً إلى مَنْ رواها عن الأئمة - أئمة
المذهب - كأبي يوسف ، ومحمد ، وزفر ، والحسن بن زياد ، فإنْ كان في
المسألة أقوال ؛ تراه يُرجِّح بعضها على بعض، ويختاره)).
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com