النص المفهرس
صفحات 281-300
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الأول ٢٨١ توبين دَبْيَقِيّين لأقطعهما (١) ، فلما عزمتُ على كتابتها أمرتُ ببيعهما ، فبيعا بستين درهمًا ، واشتريتُ مائة ورقة كاغد بعشرة دراهم ، كتبتُ فيها كُتُب الشافعي ، ثم خرجتُ إلى الشام ، فأقمتُ بها ما أقمتُ ، ثم خرجتُ إلى الجزيرة ، وأقمتُ بها ما أقمتُ ، ثم رجعتُ إلى بغداد ، ورجعتُ إلى الكوفة ، وأقمتُ بها ما أقمتُ ، وقدمتُ البصرة ، فكتبتُ بها عن شيبان وعبد الأعلى ، وأقمتُ في خرجتي الثالثة بالشام والعراق ومصر أربع سنين وستة أشهر))(٢). حضر ابن وارة والمنذر بن شاذان وأبو حاتم عند وفاة أبي زرعة، وهُوَ في السَّوْق، فقالوا: كيف يُلقِّنُ مثل أبي زرعة ؟ وذكروا حديث التلقين ((لقِّنوا موتاكم لا إله إلا الله))(٣) واستحيوا من أبي زرعة أن يُلقِّنوه ، فقالوا: تعالَوْا نذكر الحديث ، فقال ابن وارة : حدَّثنا أبو عاصم ، حدَّثنا عبد الحميد بن جعفر ، عن صالح ، وجعل يقول : ابن أبي ، ولم يُجاوزه . وقال أبو حاتم : حدَّثنا بندار ، حدَّثنا أبو عاصم ، عن عبد الحميد بن جعفر ، عن صالح ، ففتح عينيه ، وقال : حدَّثنا بندار ، حدَّثنا أبو عاصم ، أخبرنا عبد الحميد ، حدَّثنا صالح بن أبي غريب ، عن كثير بن مرَّة ، عن معاذ ، قال : قال رسول الله عَّ: ((مَنْ كان آخر كلامه لا إله إلا الله)) (٤) ، وخرج روحه معه . وفي رواية أخرى: ((دخل الجنة)) (٤) ، وتُوفِّي رحمه الله . (( قال ابن وارة : رأيتُ أبا زُرعة في النوم ، فقلتُ له : ما حالُك. ياأبا زرعة ؟ قال : أحمدُ الله على أحواله كلُّها ، إني حضرتُ ، فوقفتُ بين (١) أي ليخيطهما في بلده . (٢) مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي صـ ٣٤٠. (٣) أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي سعيد ، وأخرجه مسلم عن أبي هريرة والنسائي عن عائشة . (٤) إسناده حسن ، وأخرجه أحمد وأبو داود والحاكم، وقال : صحيح الإسناد ، ووافقه الذهبي . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٨٢ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الأول يدي الله تعالى ، فقال : ياعُبيد الله ، لِمَ تذرَّعتَ القول في عبادي ؟ قلتُ : يارب ، إنهم حاولوا دينك ، قال : صدقت ، ثم أتي بطاهر الخُلقاني ، فاستعديتُ عليه إلى ربي ، فضُرب الحدَّ مائة ، ثم أمر به إلى الحبس ، ثم قال : ألحقوا عبيد الله بأصحابه : أبي عبد الله ، وأبي عبد الله ، وأبي عبد الله: سفيان الثوري، ومالك بن أنس ، وأحمد بن حنبل )) . قال الذهبي في السير (١٣ / ٨٥ ): إسنادها كالشمس. ٨٦ - شيخ الحفّاظ الإِمام أبو حاتم الرازي : قال الذهبي في السير (٢٤٧/١٣): ((كان من بحور العلم طوف البلاد، وبرع في المتن والإِسناد، وجمع وصنَّف، وجرح وعدَّل، وصحّح وعلَّل. قال يونس بن عبد الأعلى : أبو زرعة وأبو حاتم إماما خراسان ، ودعا لهما ، وقال : مقاؤهما صلاحٌ للمسلمين . قال أبو حاتم اللبَّان الحافظ: قد جمعتُ مَنْ روى عنه أبو حاتم الرازي، فبلغوا قريبًا من ثلاثة آلاف . قال أبو حاتم الرازي : قال لي أبو زرعة : ما رأيتُ أحرص على طلب الحديث منك، فقلتُ له: إن عبد الرحمن ابني لحريصٌ، فقال: ((مَنْ أَشبه أباه فما ظلم)) . قال الرّقام: فسألتُ عبد الرحمن عن اتّفاق كثرة السماع له، وسؤالاته لأبيه ، فقال : ربما كان يأكل وأقرأ عليه ، ويمشي وأقرأ عليه ، ويدخل الخلاء وأقرأ عليه ، ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ عليه )). أقول شبيهات بما قال عالمًا بهنَّ ومَنْ يُشبه أباه فما ظلمْ (( قال أبو حاتم : جرى بيني وبين أبي زرعة يومًا تمييزُ الحديث ومعرفتُه ، فجعل يذكر أحاديثَ وعللها ، وكذلك كنتُ أذكر أحاديث خطأ وعللها، وخطأ الشيوخ، فقال لي : ياأبا حاتم ، قَلَّ مَنْ يفهم هذا، ما تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الأول ٢٨٣ أعزَّ هذا ! إذا رفعتَ هذا من واحد واثنين ، فما أقلّ مَن تجد منْ يحسن هذا ! وربما أشكّ في شيء ، أو يتخالجني في حديث ، فإلى أن ألتقي معك لا أجد مَنْ يشفيني منه ، وكذلك كان أمري . وقال رحمه الله : قلتُ على باب أبي الوليد الطيالسي : مَنْ أغرب علَّ حديثًا [ غريبًا مسندًا لم أسمع به ] صحيحًا ؛ فله علَّ درهم يتصدَّق به ، وكان ثَمَّ خَلْقٌ : أبو زرعة ، فمنْ دونه ، وإنما كان مرادي أن يُلقى عَلَيّ ما لم أسمع به ، فيقولون : هو عند فلان ، فأذهب وأسمعه(١) ، فلم يتهيَّأَ لأحد أن يُغرِب علَّ حديثًا))(٢) . هذا والله العُّ والملك والسيادة !! ((وقال أبو حاتم رحمه الله : أول سنة خرجت في طلب الحديث ، أقمتُ سبع سنين ، أحصيتُ ما مشيتُ على قدميّ زيادة على ألف فرسخ . قال الذهبي : مسافة ذلك نحو أربعة أشهر ، سير الجادة . قال أبو حاتم : ثم تركتُ العدد بعد ذلك ، وخرجتُ من البحرين إلى مصر ماشيًا ، ثم إلى الرملة ماشيًا ، ثم إلى دمشق ، ثم أنطاكية وطرسوس ، ثم رجعتُ إلى حمص ، ثم إلى الرَّقَّة ، ثم ركبتُ إلى العراق ؛ كل هذا في سفري الأول وأنا ابن عشرين سنة ، خرجتُ من الريِّ ، فدخلتُ الكوفة في رمضان سنة ثلاث عشرة ، ورحلتُ ثانيًا سنة اثنتين وأربعين ، ثم رجعتُ إلى الرِّ سنة خمس وأربعين، وحججتُ رابع حَجَّة في سنة خمس وخمسين)) . ((وقال رحمه الله : بقيتُ في سنة أربع عشرة ثمانية أشهر بالبصرة ، (١) زاد في ((الجرح)) هنا: ((وكان مرادي أن أستخرج منهم ما ليس عندي)). (٢) سير أعلام النبلاء ٢٥٥/١٣ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٨٤ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول وكان في نفسي أن أقيم سنة ، فانقطعت نفقتي ، فجعلتُ أبيع ثيابي حتى نفدت ، وبقيتُ بلا نفقة ، ومضيتُ أطوف مع صديق لي إلى المشيخة ، وأسمع إلى المساء ، فانصرف رفيقي ، ورجعتُ إلى بيتي ، فجعلتُ أشرب الماء من الجوع ، ثم أصبحتُ ، فغدا علَّ رفيقي ، فجعلتُ أطوف معه [ في سماع الحديث ] على جوع شديد ، وانصرفتُ جائعًا ، فلما كان من الغد؛ غدا علَّ، فقال: مَُّ بنا إلى المشايخ، قلتُ: أنا ضعيف لا يُمكنني، قال : ما ضعفُك ؟ قلتُ : لا أكْتُمك [ أمري ، قد ] مضى يومان ، ما طعمتُ فيهما شيئًا، فقال: قد بقي معي دينار، فنصفه لك، ونجعل النصف الآخر في الكراء، فخرجنا من البصرة، وأخذتُ منه النصف دينار)) (١). قال أبو حاتم : (( خرجنا من المدينة من عند داود الجعفري ، وصرنا إلى الجار وركبنا البحر ، فكانت الريح في وجوهنا ، فبقينا في البحر ثلاثة أشهر ، وضاقت صدورنا ، وفَنِي ما كان معنا ، وخرجنا إلى البر نمشي أيامًا ، حتى فَنِي ما تبقَّ معنا من الزاد والماء ، فمشينا يومًا لم نأكل ولم نشرب ، ويوم الثاني كمثل ، ويوم الثالث ، فلما كان يكون المساء صلَّيْنا ، وكنا نُلقي بأنفسنا [ حيث كنا ] ، فلما أصبحنا في اليوم الثالث ؛ جعلنا نمشي على قدر طاقتنا ، وكنا ثلاثة أنفس : شيخ نيسابوري ، وأبو زهير المروذي ، فسقط الشيخ مغشيًّا عليه ، فجئنا نُحرِّكُه وهو لا يعقل، فتركناه ، ومشينا قَدْر فرسخ ، فضعُفتُ ، وسقطتُ مغشيًّا علَّي ، ومضى صاحبي يمشي ، فبصر من بُعْد قومًا ، قَرّبوا سفينتهم من البِّ ، ونزلوا على بئر موسى ، فلما عاينهم ؛ لَوَّح بثوبه إليهم ، فجاءوه معهم ماء في إداوة (٢) ، فسقوْه وأخذوا بيده ، (١) سير أعلام النبلاء ٢٥٦/١٣ - ٢٥٧، وما بين القوسين من الجرح والتعديل ٣٦٣/١ - ٣٦٤. (٢) الإداوة : المطهرة ، وهي إناء صغير يُحمل فيه الماء . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الأول ٢٨٥ فقال لهم : الحقوا رفيقيْن لي ، فما شعرتُ إلا برجل يصبُّ الماءَ على وجهي، ففتحتُ عينَّ، فقلت: اسقني، فصبَّ من الماء في مَشْربة قليلًا، فشربتُ ، وَرَجَعَتْ إلّ نفسي ، ثم سقاني قليلًا، وأخذ بيدي ، فقلتُ : ورائي شيخ مُلْقَى ، فذهب جماعة إليه ، وأخذ بيدي ، وأنا أمشي وأجُ رِجلَّي، حتى إذا بلغتُ إلى عند سفينتهم ، وأتوا بالشيخ وأحسنوا إلينا ؛ فبقينا أيامًا حتى رجعتْ إلينا أنفسُنا ، ثم كتبوا لنا كتابًا إلى مدينة يُقال لها : راية (١)، إلى واليهم وزوَّدونا من الكعك والسَّويق والماء، فلم نزل نمشي حتى نَفِدَ ما كان معنا من الماء والقوت، فجعلنا نمشي جياعًا على شطٍّ للبحر ، حتى دفعنا إلى سلحفاة مثل التُّرس ، فغمدنا إلى حجر كبير ، فضربنا على ظهرها ، فانفلق ، فإذا منها صُفرة البيض ، فتحسَّيْناه حتى سكن عنا الجوع ، ثم وصلنا إلى مدينة الراية ، وأوصلنا الكتاب إلى عاملها ، فأنزلنا في داره ، فكان يُقدِّم لنا كل يوم الفرع ، ويقول لخادمه : هاتي لهم اليقطين المبارك ، فيقدِّمه مع الخبز أيّامًا، فقال واحدٌ منّا : ألا تدعو باللّحم المشئوم ؟! فسمع صاحب الدار، فقال: أنا أُحسن الفارسية، فإن جدَّتي كانت هَرَوية، وأتانا بعد ذلك باللحم ، ثم زوَّدنا إلى مصر))(٢) . قال أبو حاتم : كتبت الحديث سنة تسع ، وأنا ابن أربع عشرة سنة . ألا تعجبوا خبر المرتضى أبي حاتم أعلم العالمينا ٨٧ - الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم صاحب ((الجرح والتعديل)): قال أبو الحسن علي بن إبراهيم الرازي الخطيب: ((كان رحمه الله قد كساه الله نورًا وبهاءً، يُسُّ من نظر إليه)). وقال الذهبي في السير (٢٦٤/١٣): ((كان بحرًا لا تُكَدِّره الدِّلاءُ)). (١) مكان عظيم بفسطاط مصر ، وهي المحلة التي في وسطها جامع عمرو بن العاص . (٢) سير أعلام النبلاء ٢٥٦/١٣ - ٢٥٨؛ والجرح والتعديل ٣٦٤/١ - ٣٦٦. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٨٦ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الأول قال أبو يعلى الخليلي: ((أخذ أبو محمد علْمَ أبيه ، وأبي زرعة ، وكان بحرًا في العلوم ، ومعرفة الرجال . صنَّف في الفقه ، وفي اختلاف الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار ، وكان زاهدًا يُعدُّ من الأبدال)). وقال الذهبي: ((له كتاب نفيس في ((الجرح والتعديل)) أربع مُجَلَّدات(١)، وكتاب ((الردُّ على الجهميّة)) مُجلَّد ضخم ، انتخبت منه ، وله ((تفسير)) كبير في عدة مجلدات، عامّته آثار بأسانيده ، من أحسن التفاسير)). قال ابن أبي حاتم : لم يدعني أبي أشتغل في الحديث حتى قرأتُ القرآن على الفضل بن شاذان الرازي ، ثم كتبتُ الحديث . قال رحمه الله: (( كنا بمصر سبعة أشهر، لم نأكل فيها مرقة ، كلّ نهارنا مُقسّم لمجالس الشيوخ ، وبالليل : النسخ والمقابلة . قال : فأتينا يومًا أنا ورفيق لي شيخًا ، فقالوا : هو عليل ، فرأينا في طريقنا سمكةً أعجبتنا ، فاشتريناه ، فلما صرنا إلى البيت ، حضر وقت مجلس ، فلم يمكنا إصلاحه ، ومضينا إلى المجلس ، فلم نزل حتى أتى عليه ثلاثة أيام ، وكاد أن يتغيّر ، فأكلناه نيِّئًا، لم يكن لنا فراغٌ أن نُعطيه مَنْ يشويه ، ثم قال : لا يُستطاع العلم براحة الجسد ))(٢). ليس عندهم وقتٌّ لقَلْي سمكة ، فأكلوها نيئة !! ٨٨ - شيخ الإسلام : إبراهيم الحربي : قال الدارقطني عن إبراهيم الحربي : إبراهيم إمام بارع في كل علم . كان يُقاس بأحمد بن حنبل في زهده وعلمه وورعه . وقال الخطيب : كان إمامًا في العلم ، رأسًا في الزهد عارفًا بالفقه ، بصيرًا بالأحكام، حافظًا للحديث، مُميِّزًا لعلله، قَيِّمًا بالأدب، جَمَّاعة للُّغة . (١) هو تسع مُجلَّدات في عصرنا هذا بخلاف المقدمة . (٢) سير أعلام النبلاء ٢٦٥/١٣ - ٢٦٦، وتذكرة الحفاظ ٨٣٠/٣. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في غلوَ الهمة - المجلد الأول ٢٨٧ دخل أبو إسحاق إبراهيم الحربي على إسماعيل القاضي عالم العراق ، فقال : ما رأيتُ مثل إبراهيم . ولما دخل أبو إسحاق ؛ بادر أبو عمر محمد ابن يوسف القاضي إلى نعله ، فأخذها ، فمسحها من الغبار . قال أبو إسحاق : لا أعلم عصابة خيرًا من أصحاب الحديث ، إنما يغدو أحدهم، ومعه محبرة، فيقول: كيف فعل النبي عَ لِّ، وكيف صلَّى، إياكم أن تجلسوا إلى أهل البدع ، فإن الرجل إذا أقبل ببدعة ليس يُفلح . قال ثعلب : ما فقدتُ إبراهيم الحربي في مجلس لغة ولا نحو ، من خمسين سنة (١) . قال الحربي رحمه الله : ما أنشدتُ بيتًا قطُّ إلَّا قرأتُ بعده: ﴿قل هو الله أحدٍ ﴾ ثلاثًا(٢) . قال الذهبي: يُروى أن إبراهيم لما صنَّف ((غريب الحديث )) وهو كتابٌ نفيسٌ كامل في معناه . قال ثعلب : ما لإِبراهيم وغريب الحديث ؟! رجل مُحدِّث ، ثم حضر مجلسه ، فلما حضر المجلس ؛ سجد ثعلب ، وقال : ما ظننتُ أن على وجه الأرض مثل هذا الرجل . ((قال أبو طاهر المُخَلِّص : سمعتُ أبي ، سمعتُ إبراهيم الحربي ، وكان وعدنا أن يُمِلَّ علينا مسألةً في الاسم والمُسمَّى ، وكان يجتمع في مجلسه ثلاثون ألف محبرة ، وكان إبراهيم مُقِلًا ، وكانت له غرفة ، يصعد ، فُيُشرف منها على الناس ، فيها كوَّةٌ إلى الشارعِ ، فلما اجتمع الناس ؛ أشرف عليها ، فقال لهم : قد كنتُ وعدتكم أن أُملي عليكم في الاسم والمُسمَّى ، ثم نظرتُ ، فإذا لم يتقدَّمْني في الكلام فيها إمامٌ يُقتدى به ، فرأيتُ الكلام (١) معجم الأدباء ١١٨/١. (٢) تاريخ بغداد ٣٢/٦، وإنياه الرواة ١٥٧/١. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٨٨ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الأول فيه بدعة ، فقام الناس وانصرفوا))(١) . وقال رحمه الله - وقد سُئل عن الاسم والمسمّى -: لي مُذْ أجالس أهل العلم سبعون سنة ، ما سمعتُ أحدًا منهم يتكلّم في الاسم والمُسمّى . قال الذهبي في السير (٣٦٢/١٣): ((يظهر في تصانيف الحربي أنه ينزل في أحاديث ، ويُكثر منها ، وهذا يدلُّ على أنه لم يزل طَلَّابة للعلم )). قال القفطي في ((تاريخ النحاة)) (١٥٥/١): ((إبراهيم الحربي له في اللغة كتاب ((غريب الحديث))، وهو من أنفس الكتب وأكبرها في هذا النوع)). قال إبراهيم الحربي: (( أفنيتُ من عمري ثلاثين سنة برغيفين ، إن جاءتني بهما أُمِّي أو أختي ، وإلا بقيتُ جائعًا إلى الليلة الثانية ، وأفنيتُ ثلاثين سنة برغيف في اليوم والليلة ، إنْ جاءتني امرأتي أو بناتي به ، وإلا بقيتُ جائعًا عطشان ، والآن آكلُ نصف رغيف وأربع عشرة تمرة إن كان بْنيًّا ، أوْ نَيِّقًا وعشرين إنْ كان دَقَلًا، ومرضتْ ابنتي ، فمضتْ امرأتي فأقامت عندها شهرًا ، فقام إفطاري في هذا الشهر بدرهم ودانقين ونصف ! ودخلت الحمامَ ، واشتريتُ لهم صابونًا بدانقين ، فقامت نفقة شهر رمضان كله بدرهم وأربعة دوانق ونصف ! )). وقال رحمه الله: ما كُنَّا نعرف من هذه الأطبخة شيئًا، كنتُ أجيء من عشِّ إلى عشِّ ، وقد هيأت لي أُمي باذنجانة مشويَّة أو لَعْقة بُنِّ(٢)، أو باقة فجل(٣) . (١) سير أعلام النبلاء ١٣ / ٣٦٠ - ٣٦١. . (٢) البنُّ بكسر الباء : الطبقة من الشحم، وبضم الباء : إدام يُصنع من عَكّرٍ المُرِّي : أي من رديء الإِدام وأسوئه ، ،يتأدَّم به الغرباءِ لفقرهم . (٣) الحزمة . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الأول ٢٨٩ قال أبو علي الخيَّط المعروف بالميِّت: ((كنتُ يومًا جالسًا مع إبراهيم الحربي على باب داره ، فلما أن أصبحنا ؛ قال لي : ياأبا عليٍ ، قُم إلى شغلك ، فإن عندي فجلة قد أكلتُ البارحة خضِرها ، أقوم أتغدِّى بجزرتها)) (١). وروى الذهبي في السير: (٣٦٧/١٣) عن إبراهيم قال: «ما تروَّحتُ، ولا رُوِّحتُ قطُّ، ولا أكلتُ من شيء في يوم مرتين)). وانظر رحمك الله إلى قيمة الكتاب عند ((الحربي)) : . ((قال أحمد بن سليمان القطيعي: قال: أضقتُ إضافةً، فأتيتُ إبراهيم الحربي لأبثّه ، فقال لي : لا يضيق صدرُك، فإن الله من وراء المعونة ، فإني أضقتُ مرةً ، حتى انتهى أمري إلى عدم عيالي قوتهم ، فقالت الزوجة : هب أَنِّي أَنا وأنت نصبر ، فكيف بالصبيَّتين ؟ هاتِ شيئًا من كُتُبِك نبيعه أو نرهنه، فضننتُ بذلك، وقلتُ: أقترضُ غدًا، فلمّا كان الليل، دُقَّ البابُ ، فقلتُ : مَنْ ذا ؟ قال : رجلٌ من الجيران ، [ فقلتُ: ادخلْ ، فقال: ] فأطفىء السِّراج حتى أدخل ، فكيبتُ شيئًا على السراج ، فدخل ، وترك شيئًا ، وقام ، فإذا هو منديل فيه أنواع من المآكل ، وكاغد فيه خمسمائة درهم ، فأنبهْنا الصغارَ وأكلوا ، ولما كان الغد ، إذا جمَّال يقود جَمَلين عليهما حملان وَرَقًّا خراسانيًّا، وهو يسأل عن منزل إبراهيم الحربي ، فانتهى إلَّي، فقلت: أنا إبراهيم الحربي، فحطَّ الحملين، وقال: هذان الحملان أنفذَهما لك رجلٌ من أهل خراسان ، فقلتُ : مَنْ هو ؟ فقال : قد استحلفني أن لا أقول مَنْ هو ، فأخذتهما منه، ودعوتُ الله لمرسلهما وللحامل))(٢). (١) تاريخ بغداد ٣١/٦، طبقات الحنابلة ٨٦/١-٨٨، و((إنباه الرواة)) للقفطي ١٩٠/١، وسير أعلام النبلاء ٣٦٧/١٣. (٢) تاريخ بغداد ٣١/٦- ٣٧، وسير أعلام النبلاء ٣٦٨/١٣، وقال الذهبي: إسنادها مرسل. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٩٠ صلاح الأمة في عُلَوَ الهمة - المجلد الأول (( قال رجل لإِبراهيم الحربي : كيف قويتَ على جمع هذه الكتب ؟ فغضب إبراهيم الحربي ، وقال : قويتُ عليها بلحمي ودمي ! بلحمي ودمي !))(١) . بعد قول إبراهيم هذا ؛ لا يخطر بالبال أن يستجيب إبراهيم لزوجته يبْع كتبه ((فالعالم يبيع ثيابه ، ولا يبيع كتابه ))، وكما قال الزمخشري في كتابه ((نوابغ الكَلِم)): ((مجدُ التاجر في كِيسه، ومجدُ العالم في كراريسه)). قال أبو القاسم بن الجبلي: ((اعتَلَّ إبراهيم الجربي علة حتى أشرف على الموت ، فدخلتُ إليه يومًا ، فقال لي : ياأبا القاسم ، أنا في أمر عظيم مع ابنتي ، ثم قال لها : قومي اخرجي إلى عمِّك ، فخرجتْ وألقت على وجهها خمارها، فقال لها إبراهيم : هذا عمُّك كلِّميه ، فقالت لي : ياعم ، نحن في أمر عظيم ! لا في الدنيا ولا في الآخرة ! الشهرَ والدهَرَ ما لنا طعامٌ إلا كِسَرٌ يابسة وملح ، وربَّما عَدِمنا الملح! وبالأمس قد وجَّه إليه المعتضد مع بدر بألف دينار فلم يأخذها ! [ وقال له : رُدَّها إلى مَنْ أخذتَها منه وهو مُحتاجٌ إلى فلس ] ووجَّه إليه فلان وفلان فلم يأخذ منهما شيئًا ! وهو عليل ! فالتفت إبراهيم إليها وتبسَّم ، فقال لها : يابُنيَّة ، إنما خفتِ الفقرَ ؟! فقالت : نعم ، فقال لها: انظري إلى تلك الزاوية، فنظرت، فإذا كتبٌ، فقال: هناك اثنا عشر ألف جزء لغة وغريب ، كتبتُها بخطّي ، إذا متُّ فوجِّهي كل يوم بجزء تبيعينه بدرهم، فمن كان عنده اثنا عشر ألف درهم فليس هو بفقير!))(٢). ٨٩ - الهيثم بن جميل البغدادي أبو سهل الحافظ : نزيل أنطاكية .. ثقة ، صاحب سُنَّة ، يغلط على الثقات . قال سفيان بن محمد المصيصي: (( شهدتُ الهيثم بن جميل وهو يموت وقد سُجِّي نحو القبلة ، فقامت جاريته تغمز رجليه ( أي لترى صحْوه )، فقال : (١) مناقب الإِمام أحمد لابن الجوزي صـ ٥٠٨، وتاريخ بغداد . (٢) تاريخ بغداد، سير أعلام النبلاء ٣٦٩/١٣ - ٣٧٠. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول ٢٩١ اغمزيهما ، فالله يعلم أنه ما مشتا إلى حرام قط)). رحل وتجوّل في طلب الحديث ، وتحمَّل الكثير . قال ابن سعد : سمعتُ موسى بن داود يقول: (( أفلس الهيثم بن جميل في طلب الحديث مرتین ))(١) . وهذا ابن خراش عبد الرحمن بن يوسف الرافضي الحافظ يقول : ((شربتُ بولي في هذا الشأن - يعني الحديث - خمس مرات))(٢). فأين هِمَّة أهل السنة ، وهذا رافضّ خبيثٌ يُشرف على الهلاك في طلب الحديث ، حتى يضطر إلى شرب بوله .. هذا الرافضّ الذي صنَّف جزأين في مثالب الشيخين ، فأجازه شيعِّي بألفي درهم ، بنى له حجرةً ببغداد لُيُحدِّث فيها ، فمات حين فرغ منها . قال الذهبي في السير (٥١٠/١٣) .: ((هذا معثر مخذولٌ، كان علمُهُ وبالًّا، وسعيُه ضلالًا، نعوذ بالله من الشقاء)). ٩٠ - الحافظ محمد بن سنجر أبو عبد الله : قال رحمه الله : ((رحلتُ ومعي إسحاق الكوسج - تلميذ الإِمام أحمد - ومعي تسعة آلاف دينار ، فكان إسحاق يُورق لي - أي يكتب لي الحديث - ويتزوَّج في كل بلد، وأنا أؤدِّي عنه المهر)). قال الذهبي: ثم إن ابن سنجر سكن قرية قطاية، من أعمال مصر(٣). ٩١ - ابن رستم أبو جعفر المديني أحمد بن محمد : المتوفّى سنة ( ٢٧٢ هـ) . (١) الرحلة في طلب الحديث- استدراك نور الدين عتر على كتاب الرحلة (صـ٢٠٥). (٢) سير أعلام النبلاء ٥٠٩/١٣ . (٣) تذكرة الحفاظ ٥٧٨/٢ - ٥٧٩ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٩٢ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول كتب بالشام ومصر والعِرَاقَيْن ، وصنَّف المسند . قال محمد بن يحيى بن منده: (( لم يُحدِّث ببلدنا منذ أربعين سنة أوثق منه ، كان ظاهر الثروة ، صاحبَ ضياع ، لم يكن في أصبهان أكثر منه حديثًا ، صاحب الكتب والأصول الصِّحاح ، أنفق عليها نحوًا من ثلاثمائة ألف درهم ، لم يُعرف له فراش منذ أربعين سنة ، صاحب صلاة واجتهاد ))(١) . ٩٢ - الحافظ أبو محمد حجَّاج بن يوسف بن حجَّاج الثقفي ( حجَّاج ابن الشاعر ) : روى عنه مسلم ، وأبو داود ، وبقي بن مخلد ، وأبو يعلى الموصلي ، وابن أبي حاتم . (( قال صالح جزرة : سمعتُ حجاج بن الشاعر يقول : جمعتْ لي أُمِّي مائة رغيف ، فجعلتُها في جراب ، وانحدرت إلى شَبابة بالمدائن ، فأقمتُ ببابه مائة يوم، أغمس الرغيف في دجلة وآكله، فلما نفدت خرجتُ))(٢). لك الله أيها الحافظ الأوحد الثقة المأمون .. يوم برغيف .. والطعام الماء مع الرغيف .. ولكنه العلم .. ولذة العلم تُنسي ألَمَ الجوع !! ٩٣ - الفَسَوي أبو يوسف ، يعقوب بن سفيان بن جُوان الفارسي : الإِمام الحافظ الحُجَّة ، الرحَّال ، مُحَدِّث إقليم فارس . وله تاريخ كبير جمُّ الفوائد . (١) أخبار أصبهان للحافظ أبي نعيم الأصبهاني ٨٥/١ . (٢) سير أعلام النبلاء ٣٠١/١٢ - ٣٠٢، تاريخ بغداد ٢٤٠/٨، وطبقات الحنابلة ١٤٨/١، وتذكرة الحفاظ ٥٥٠/٢ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول ٢٩٣ قال الحاكم: ((فأما سماعه ورحلته وأفراد حديثه ، فأكثُرُ من أن يُمكن ذكرها)). قال الفسوي رحمه الله: ((كتبتُ عن ألف شيخ وكسر، كلُّهم تقات)). ((قال الحافظ أبو إسحاق بن حمزة: سمعتُ أبي يقول: كنتُ رحلتُ إلى يعقوب بن سفيان ، فبقيتُ عنده ستة أشهر ، فقلتُ له : طال مقامي عندك ولي والدة ، فقال: رددت الباب على والدتي ثلاثين سنة))(١). قال أبو زرعة الدمشقي: ((قدم علينا رجلان من نبلاء الرجال : أحدهما وأجلُّهما يعقوب بن سفيان أبو يوسف ، يعجز أهل العراق أن يروا مثله رجلًا، وذكر الثاني : حرب بن إسماعيل الكرماني))(٢). قال يعقوب الفسوي : (( [ أقمتُ في الرحلة ثلاثين سنة ] ، كنتُ في رحلتي في طلب الحديث، فدخلتُ إلى بعض المدن، فصادفت بها شيخًا، احتجتُ إلى الإِقامة عليه للاستكثار عنه، وقلّت نفقتي، وبعُدتُ عن بلدي، فكنتُ أُدمنُ الكتابةَ ليلًا وأقرأ نهارًا ، فلما كان ذات ليلة ، كنتُ جالسًا أنسخ، وقدْ تَصَرَّم الليل، فنزل الماء في عينَيّ، فلم أُبصر السِّراج ولا البيت، فبكيتُ على انقطاعي ، وعلى ما يفوتني من العلم ، فاشتدَّ بكائي حتى اتكأتُ على جَنْبي، فنمتُ، فرأيتُ النبي عَّ ◌ُِّ في النوم ، فناداني: يايعقوب بن سفيان ، لِمَ أَنت بكيت ؟ فقلتُ : يارسول الله ، ذهب بصري ، فتحسَّرتُ على ما فاتني من كَتْبِ سُنَّتك ، وعلى الانقطاع عن بلدي ، فقال : ادنُ مني ، فدنوتُ منه، فأمَّ يده على عينَي، كأنه يقرأ عليهما . قال : ثم استيقظتُ فأبصرتُ، وأخذتُ نسخي ، وقعدتُ في السراج أكتب ))(٢). (١) سير أعلام النبلاء ١٨١/١٣. (٢) سير أعلام النبلاء ١٨٢/١٣، وتهذيب التهذيب ٣٨٧/١١ . (٣) سير أعلام النبلاء ١٨١/١٣-١٨٢، وتهذيب التهذيب ٣٨٦/١١-٣٨٧. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٩٤ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الأول نعم ، كنْ على الجادة ، فإن أمير القوم يدعو الله أن يرعى القافلة .. وهذه عناية الله بأهل الحديث وفرسانه .. وهذا الفسوي يعقوب ، له من سميِّه يعقوب عليه السلام صلةٌ ، ردَّ الله عليه بصره كما ردَّه على يعقوب . هذا في حُبِّ يوسف يبكي حتى العمى، وهذا في حديث محمد عَ لَّهِ. ٩٤ - ابن الصُّريْس الحافظ أبو عبد الله محمد بن أيوب بن يحيى : صاحب ((فضائل القرآن)). انتهى إليه عُلُوُّ الإِسناد بالعجم مع الصدق والمعرفة . ثقة مُحدِّث ابن مُحدِّث ، وجدُّه يحيى بن الضريس من أصحاب سفيان الثوري . قال ابن الضريس : ((آخرُ قدْمةٍ قدمتُها البصرة أدَّيتُ أجرة الورَّاقين عشرة آلاف درهم))(١) . ((لمَّا سمع أبو بكر الإِسماعيلي بموت ابن الضريس - وكان يودّ أن يرحل إليه - صاح ، ولطم ؛ وقال لأهله : منعتموني من الرحلة إليه . قال : فَرَقُوا وسَفَّروني مع خالي إلى الحسن بن سفيان))(٢). ٩٥ - ابن أبي عاصم ، أبو بكر : أحمد بن عمرو : حافظ كبير ، إمامٌ بارعٌ مُتَّبِعٌ للآثار ، كثيرُ التصانيف . قال أبو الشيخ : كان من الصيانة والعِفَّة بمحلّ عجيب . قال أبو نعيم : كان فقيهًا ظاهري المذهب . قال الذهبي : (( وفي هذا نظرٌ ، فإنه صنَّف كتابًا على داود الظاهري أربعين خبرًا ثابتة مما نفى داود صحتها )). (١) تذكرة الحفّاظ ٦٤٣/٢ . (٢) سير أعلام النبلاء ٤٥٠/١٣ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول ٢٩٥ صحب النُّساك . قال رحمه الله : (( خرجتُ إلى مكة من الكوفة ، فأكلتُ أكلةً بالكوفة ، والثانية بمكة )). قال الذهبي في السير (٤٣١/١٣): ((إسنادها صحيح)). قال ابن أبي عاصم: ((لما كان من أمر العلوي [فتنة الزنج] بالبصرة ما كان، ذَهَبَتْ كُتُبي، فلم يبقَ منها شيء، فأعدتُ عن ظهر قلبي خمسين ألف حديث ، كنتُ أمُّ إلى دكَّان البقال ، فكنتُ أُكتب بضوء سراجه ، ثم تفكّرتُ أني لم أستأذن صاحب السِّراج ، فذهبتُ إلى البحر فغسلته ، ثم أعدتُه ثانيًا )) . هذا والله العلم ، وهذه والله ثمرته : الورع !! قال الذهبي في ذكر تصانيفه في السير (٤٣٦/١٣): ((جُمع جزء فيها، فيه زيادة على ثلاثمائة مُصنَّف، رواها عنه أبو بكر القبَّاب، من ذلك: ((المسند الكبير) نحو خمسين ألف حديث، و((الآحاد والمثاني)) نحو عشرين ألف حديث في الأصناف، و (( المختصر من المسند )) نيّفٌ وعشرون ألفًا، فذكر نحوًا من هذا إلى أن عدَّ مائةً وأربعين ألفًا ونِيِّقًا )). وكان يحفظ لشقيق البلخي ألف مسألة . وانظر ياأخي إلى حفظ الله لأهل الحديث : قال الحكيمي : (( ذكروا عند ليلى الديلمي أن أبا بكر بن أبي عاصم ناصبِّي ، فبعث غلامًا له ومخلاة وسيفًا ، وأمره أن يأتيه برأسه ، فجاء الغلام ، وأبو بكر يقرأ الحديث ، والكتاب في يده ، فقال : أمرني أن أحمل إليه رأسك ، فنام على قفاه ، ووضع الكتاب الذي كان في يده على وجهه ، وقال : افعل ما شئت ، فلحقه إنسان ، وقال : لا تفعل ، فإن الأمير قد نهاك ، فقام أبو بكر وأخذ الجزء ، ورجع إلى الحديث الذي https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٩٦ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول قطعه ، فتعجَّب الناس )) (١) . أموت إذا ذكرتُك ثم أحيا فكم أحيا عليك وكم أموتُ أما حفظهم بعد موتهم .. قال أبو الشيخ: (( حضرت جنازة أبي بكر ، وشهدها مائتا ألف ؛ من بين راكب وراجل ، ما عدا رجلًا كان يتولَّى القضاء ، فحُرِم شهود جنازته ، وكان يرى رأي جهم)) (٢) . ٩٦ - الدارمي : عثمان بن سعيد الإِمام الحافظ أبو سعيد صاحب ((المُسنَدْ)): قال عنه الذهبي في ((السير)) ٣١٩/١٣: ((طوَّف الأقاليم في طلب الحديث)). أخذ علْم الحديث وعِلَلَهُ عن علي ويحيى وأحمد ، وفاق أهل زمانه : قال عنه أبو داود : منه تعلَّمْنا الحديث . وقال عنه أبو زرعة الرازي : رُزق حُسْنَ التصنيف . قال المُحدِّث يحيى بن أحمد الهروي ، صاحب ابن معين : رأيتُ في النوم كأن قائلًا يقول : إن عثمان - يعني الدارمي - لذو حظ عظيم(٢). قال له رجل كبير يحسده : ماذا أنت لولا العلم ؟ فقال له : أردتَ شَيْئًا ، فصار زيْنًا . كان الدارمي جذعًا في أعين المبتدعة ، وهو الذي قام على محمد بن كَرَّام وطرده عن هراة . (( قال الدارمي رحمه الله : مَنْ لم يجمع حديث شعبة وسفيان ومالك، سير أعلام النبلاء ٤٣٥/١٣، وتاريخ ابن عساكر ٢٥/٢ ب. (١) سير أعلام النبلاء ٤٣٥/١٣ - ٤٣٦ . (٢) (٣) سير أعلام النبلاء ٣٢٣/١٣ - ٣٢٤. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٩٧ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول وحماد بن زيد ، وسفيان بن عيينة ؛ فهو مُفلس في الحديث ، يُريد أنه ما بلغ درجة الحُفَّاظ )). قال الذهبي: (( وبلا ريب، أنَّ مَنْ جمع علم هؤلاء الخمسة ، وأحاط بسائر حديثهم ، وكَتَّبَه عاليًا ونازلًا، وفَهِمَ عِللَهُ - فقد أحاط بشطر السُّنة النبوية ، بل أكثر من ذلك ، وقد عدم في زماننا مَنْ ينهض بهذا ، وببعضه ، فنسأل الله المغفرة ، وأيضًا فلو أراد أحدٌ أن يتبَّعَ حديث الثوري وحده ، ويكتبه بأسانيد نفسه على طولها ، ويُبيِّن صحيحه من سقيمه ؛ لكان يجيء ((مسنده)) في عشر مُجلَّدات، وإنما شأن المُحدِّث اليوم الاعتناء بالدواوين الستة، و ((مسند)) أحمد بن حنبل، و ((سنن البيهقي))، وضبط متونها وأسانيدها ، ثم لا ينتفع بذلك حتى يتَّقي ربَّه ، ويدين بالحديث، فعَلى علم الحديث وعلمائه لِيبكِ مَنْ كان باكيًا ، فقد عاد الإِسلام المحضُ غريبًا كما بدأ ، فليسعَ امرؤ في فكاك رقبته من النار ، فلا حول ولا قوَّة إلا بالله . ثم العلم ليس هو بكثرة الرواية ، ولكنه نورٌ يقذفه الله في القلب ، وشرطُهُ الاتباع ، والفرار من الهوى والابتداع ، وفّقنا الله وإياكم لطاعته )) (١). ٩٧ - أبو قلابة الإِمام الحافظ القدوة العابد مُحدِّث البصرة عبد الملك ابن محمد الرقاشي : (( قال عنه محمد بن جرير الطبري : ما رأيتُ أحفظَ من أبي قلابة الرقاشي . وقال أحمد بن كامل القاضي: حدَّث من حفظه بستين ألف حديث))(٢). (١) سير أعلام النبلاء ٣٢٣/١٣. (٢) سير أعلام النبلاء ١٧٧/١٣ - ١٧٨. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول ٢٩٨ ٩٨ - المَرُّوذي الإِمام أبو بكر ، أحمد بن محمد صاحب الإِمام أحمد : حدَّث عن أحمد ، ولازمه ، وكان أجلَّ أصحابه . قال الخَلَّال: ((المروذي أوَّلُ أصحاب أبي عبد الله، وأورعُهم ، روى عن أبي عبد الله مسائل مُشبعة كثيرة ، وأغرب على أصحابه في دقاق المسائل وفي الورع ، وهو الذي غمَّض أبا عبد الله وغسَّله، ولم يكن أبو عبد الله يُقدِّم عليه أحدًا )). وكان إمامًا في السنة ، شديدَ الاتباع ، له جلالةٌ عجيبة ببغداد . قال الخطيب في تاريخه (٤٢٤/٤): ((قال الخلال: كان أبو عبد الله يبعث بي في الحاجة ، فيقول : قل ما قلت ، فهو على لساني، فأنا قلتُه)). قال الخَلَّال : خرج أبو بكر إلى الغزو فشيّعوه إلى سامراء ، فجعل يرُّهم فلا يرجعون . قال: فَحُزِروا فإذا هم بسامراء - سوى مَنْ رجع - نحو خمسين ألفًا ، فقيل له : ياأبا بكر ، احمدِ الله فهذا علمٌ قد نُشر لك ، فبكى ، وقال : ليس هذا العلم لي ، إنما هو لأبي عبد الله أحمد . ٩٩ - الإِمام ، شيخ السُّنة ، مُقدّم الحقَّاظ ، أبو داود السِّجستاني مُحدِّث البصرة : قال الحافظ موسى بن هارون : خُلق أبو داود في الدنيا للحديث ، وفي الآخرة للجنة . وقال عَلَّان بن عبد الصمد : سمعتُ أبا داود ، وكان من فرسان الحديث . وقال إبراهيم الحربي: ((لمّا صنّف أبو داود ((السنن)) أُلين لأبي داود الحديث ، كما ألين لداود عليه السلام الحديد ))(١) . (١) تهذيب التهذيب ١٧٢/٤. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول ٢٩٩ وقال أحمد بن محمد بن ياسين : كان أبو داود أحد حُفَّاظ الإِسلام لحديث رسول الله عَ له وعلمه وعلله وسنده، في أعلى درجة النسك والعفاف، والصلاح والورعٍ ، من فرسان الحديث . وقال الخلال : أبو داود الإِمام المُقدَّم في زمانه ، رجلٌ لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم وبصره بمواضعه أحدٌ في زمانه ، رجلٌ ورعٌ مُقدَّمٌ . وقال الحاكم : أبو داود إمام أهل الحديث في عصره بلا مُدافعة . وقال محمد بن مخلد: كان أبو داود يفي بمذاكرة مائة ألف حديث، ولمّا صنَّف كتاب (( السنن)) وقرأه على الناس ؛ صار كتابه لأصحاب الحديث كالمصحف يتبعونه ، ولا يُخالفونه ، وأقرّ له أهل زمانه بالحفظ والتقدم فيه . قال أحمد بن محمد بن الليث القاضي: (( جاء سهل بن عبد الله التُستَري إلى أبي داود السجستاني ، فقيل : ياأبا داود ، هذا سهل بن عبد الله التستري جاءك زائرا ، فرخَّب به ، وأجلسه ، فقال سهل : ياأبا داود ، لي إليك حاجة. قال: وما هي ؟ قال: حتى تقول: قد قضيتها مع الإِمكان. قال : نعم . قال : أخرِجْ إلَّي لسانك الذي تُحدِّث به أحاديث رسول الله مَ الِ حتى أُقْبِّله، فأخرجَ إليه لسانه فقبّله)) (١). قال الحافظ زكريا الساجي : كتاب الله أصلُ الإِسلام ، وكتاب أبي داود عهدُ الإِسلام . قال الذهبي في السير (٢١٥/١٣): ((كان أبو داود - مع إمامته في الحديث وفنونه - من كبار الفقهاء ، فكتابه يدلُّ على ذلك ، وهو من نجباء أصحاب الإِمام أحمد ، لازم مجلسه مُدَّة ، وسأله عن دقاق المسائل في الفروع (١) وفيات الأعيان لابن خلّكان ٤٠٤/٢ - ٤٠٥، سير أعلام النبلاء ٢١٣/١٣. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٠٠ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول والأصول ، وكان على مذهب السلف في اتّباع السنة والتسليم لها ، وترك الخوض في مضائق الكلام )) . كان عبد الله بن مسعود يُشَبَّ بالنبي عَ ◌ّهِ فِي هَذْيه ودلِّه. وكان علقمة يُشَبَّ بابن مسعود في ذلك . وكان إبراهيم النخعي يُشبَّه بعلقمة في ذلك. وكان منصور يُشبَّ بإبراهيم. وكان سفيان الثوري يُشبَّه بمنصور. وكان وكيع يُشبَّ بسفيان . وكان أحمد يُشبَّه بوكيع . وكان أبو داود يُشبّه بأحمد . قال أبو داود: ((كتبتُ عن رسول الله عَّلُه خمسمائه ألف حديث ، انتخبتُ منها ما ضمَّنْتُه هذا الكتاب - يعني كتاب السنن - جمعتُ فيه أربعة آلاف حديث ، وثمانمائة حديث )). ((جاء الأمير أبو أحمد الموفق ولّ العهد فدخل ، ثم أقبل عليه أبو داود ، فقال : ما جاء بالأمير في مثل هذا الوقت ؟ قال : خِلال ثلاث . قال : وما هي ؟ قال : تنتقل إلى البصرة فتتخذها وطنًا ؛ ليرحل إليك طلبة العلم ، فتعمر بك ، فإنها قد خربت ، وانقطع عنها الناس ؛ لما جرى عليها من محنة الزنج. فقال: هذه واحدة. قال: وتروي لأولادي ((السنن)) قال : نعم . قال : وتُفرد لهم مجلسًا ، فإن أولاد الخلفاء لا يقعدون مع العامَّة . قال : أما هذه فلا سبيل إليها ؛ لأن الناس في العلم سواء ، فكانوا يحضرون ويقعدون في كِمٍّ حِيري، عليه ستر، ويسمعون مع العامة))(١). قال ابن داسة: ((كان لأبي داود كمّ واسع وكُمٌّ ضيِّق ، فقيل له في ذلك، فقال: الواسع للكتب ، والآخر لا يحتاج إليه )). ١٠٠ - الحافظ أبو بكر بن أبي داود عبد الله بن سليمان بن الأشعث شیخ بغداد : قال الذهبي: ((كان من بحور العلم)). (١) طبقات السبكي ٢٩٥/٢ - ٢٩٦؛ وسير أعلام النبلاء ٢١٦/١٣. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com