النص المفهرس

صفحات 61-80

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٦١
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
فضاء فسيح رحيب وسيع ، تنتشر فيه الرحمة ، وتتسع خيوطها ، وتمتد
ظلالها ، وتشملهم بالرفق واللين والرخاء ، إن الحدود الضيقة لتنزاح ، وإن
الجدران الصلدة لترقُّ ، وإن الوحشة الموغلة لتشفَّ ، فإذا الرحمة والرفق
والراحة والارتفاق .
إنه الإِيمان !!
وما قيمة الظواهر ؟ وما قيمة القيم والأوضاع والمدلولات التي تعارفَ
عليها الناس في حياتهم الأرضية ؟ إن هنالك عالمًا آخر في جنبات القلب
المغمور بالإِيمان المأنوس بالرحمن ، عالمًا تُظلِّله الرحمة والرفق والاطمئنان
والرضوان ))(١).
لا تُسمع قصة الأحباب أعلى وأجلّ مما تُسمع من الأحباب ، قال عزَّ
من قائل: ﴿ نحن نقص عليك ﴾، وأنشدوا :
حنینًا فزدني من حنینك یاسعدُ
وحدثتني يا سعد عنها فزدتني
إنهم فتية آمنوا بربهم ﴾ .
يُقال : إنهم فتية ؛ لأنهم آمنوا على الوهلة بربهم ، آمنوا من غير مهلة ،
لما أتتهم دواعي الوصلة .
ويقال : فتية ؛ لأنهم قاموا لله ، وما استقروا حتى وصلوا إلى الله .
وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب
السموات والأرض .. ﴾ .
لاطفهم بإحضارهم ، ثم كاشفهم في أسرارهم ، بما زاد من أنوارهم ،
فلقّاهم أوَّلًّا التبيين ، ثم رقّاهم عن ذلك باليقين .
: وربطنا على قلوبهم ﴾ بزيادة اليقين حتى مَتَعَ نهارُ معارفهم ،
واستضاءت شموسهم ، ولم يبق للتردُّد مجال في خواطرهم ، وتمَّت سكينة
(١) الظلال .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٦٢
قلوبهم .
أفناهم عن الأغيار ، وأغناهم عن التفكّر بما أولاهم من نور التبصُّر ،
فلم تسنح فيها هواجس التخمين ، ولا وساوس الشياطين .
﴿ إذا قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض ﴾
قاموا لله بالله ، ومَنْ قام بالله فُقِدَ عما سوى الله .
ويُقال : مَنْ قام الله لم يقعد حتى يصل إلى الله .
ويُقال : قعدت عنهم الشهوات فصحّ قيامُهم بالله .
وإذا اعتزموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم
ربكم من رحمته ويهىء لكم من أمركم مرفقًا ﴾ .
العزلة عن غير الله توجب الصلة بالله ، بل لا تحصل الوصلة بالله إلا
بعد العزلة عن غير الله .
ويُقال: لما اعتزلوا ما عُبد من دون الله ؛ آواهم الحق إلى كنف
رعايته ، ومهَّد لهم مثوى في كهف عنايته .
ويُقال : من تبرّأ من اختياره في احتياله ، وصدق رجوعه إلى الله في
أحواله ، ولم يستعن بغير الله من أشكاله وأمثاله ؛ آواه إلى كنف أفضاله ،
وكفاه جميع أشغاله ، وهيَّأْ له محلًّا يتفيَّؤْ فيه في برد ظلاله بكمال إقباله .
﴾،
ياأخي ، انظر إلى ما في القصة ﴿ وكلبهم باسطٌ ذراعيه بالوصيد :
سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ﴾ .
كلب خطا مع أحبائه خطواتٍ ، فإلى يوم القيامة يُتلى ﴿وكلبهم
باسط ... ﴾ الآية، فهل ترى أن مسلمًا يصحب أحبابه من وقت شبابه
إلى وقت مشيبته يردُّه يوم القيامة خائبًا ؟!
ويُقال : كلب بسط يده على وصيد الأولياء ، فإلى يوم القيامة يُقال :
وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ﴾، فهل إذا رفعها مسلم إلى الله خمسين
سنة ، تُرى يردُّها خائبة ؟ هذا بكرمه لا يكون .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٦٣
ويُقال : لما صحبهم الكلب ؛ لم تضرّه نجاسة صفته ، ولا حساسة
قیمته .
أخي ، إن كنت مع الأبرار وفي جوارهم ؛ حَمَلُوكَ إلى ديارهم. كن
في نواحيهم ؛ يصوِّت بك صوت حاديهم .
قال تعالى : ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالمٌ
لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابقٌ بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل
الكبير ﴾ [فاطر: ٣٢ ] .
قال ابن كثير :
((﴿ ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله﴾: وهو الفاعل للواجبات
والمُستحَبَّات ، التارك للمُحَرَّمات والمكروهات.
فإذا تقرّر هذا ، فإن الآية عامَّة في جميع الأقسام الثلاثة في هذه الأمة ،
فالعلماء أغبطُ الناس بهذه النعمة، وأولى الناس بهذه الرحمة، ((وفضل العالم
على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ، إن العلماء هم ورثة الأنبياء ،
وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورَّثوا العلم ، فمن أخذ به
أخذ بحظٍّ وافر )).
قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ﴿ ثم أورثنا الكتاب
الذين اصطفينا﴾ قال: هم أمة محمد عَّه؛ ورّئهم الله كل كتاب أنزله ،
فظالُمهم يُغفر له ، ومقتصدُهم يُحَاسبُ حسابًا يسيرًا ، وسابقهم يدخل
الجنة بغير حساب .
وقال ابن عباس: السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد
يدخل الجنة برحمة الله ، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٦٤
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول
بشفاعة محمد عربية .
قالت عائشة رضي الله عنها : أما السابق بالخيرات : فقد مضى على
عهد رسول الله عَ ◌ّه، شهد له رسول الله عَ لّه بالحياة والرزق، وأما
المقتصد : فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به ، وأما الظالم لنفسه :
فمثلي ومثلكم . قال : فجعلت نفسها معنا .
قال ابن كثير: وهذا منها رضي الله عنها، من باب الهضم والتواضع،
وإلا فهي من أكبر السابقين بالخيرات ؛ لأن فضلها على النساء كفضل
الثريد على سائر الطعام .
قال كعب الأحبار: تماسّت مناكبهم ورَبِّ كعب، ثم أعطوا الفضل
بأعمالهم .
وقال محمد بن الحنفية : إنها أمة مرحومة ، الظالم مغفورٌ له ،
والمقتصد في الجنان عند الله ، والسابق بالخيرات في الدرجات عند
الله ))(١) .
الظالم من غلبت زلِّاته ، والمقتصد من استوت حالاته ، والسابق من
ازدادت حسناته .
((هذه كلمات جديرة بأن توحي لهذه الأمة بكرامتها على الله ، كما
توحي إليها بضخامة التَّبعة الناشئة عن هذا الاصطفاء وعن تلك الوراثة، وهي
تَبعة ضخمة ذات تكاليف، فهل تسمع الأمة المصطفاة وتستجيب ؟!))(٢).
(١) تفسير ابن كثير ٥٣٢/٦ - ٥٣٥، انظر تفسير الطبري ٩٠/٢٢.
(٢) الظلال ٢٩٤٤/٥.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٦٥
قال تعالى: ﴿والسابقون السابقون أولئك المقربون ﴾ [ الواقعة: ١٠].
قال الحسن وقتادة: ﴿ والسابقون السابقون ﴾ : أي من كل أمة .
وقال ابن سيرين : الذين صلَّوا للقبلتين .
وقال مجاهد : هم الأنبياء عليهم السلام .
وقال عثمان بن أبي سودة: أوَّلُهُم رواحًا إلى المسجد ، وأوّلُهم خروجًا
في سبيل الله .
قال ابن كثير :
((وهذه الأقوال كلها صحيحة ، فإن المراد بالسابقين هم المبادرون
إلى فعل الخيرات كما أمروا ، كما قال تعالى: ﴿ سابقوا إلى مغفرة من ربكم
وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ﴾ . فمن سابق في هذه الدنيا وسبق
إلى الخير ؛ كان من السابقين إلى الكرامة ، فإن الجزاء من جنس العمل ،
وكما تدين تُدان؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أولئك المقربون في جنات النعيم)))(١).
قال ابن كثير :
((وقد اختلفوا في المراد بقوله: ﴿ثُلَّةٌ من الأولين وقليلٌ من الآخرين﴾،
فقيل : المراد بالأولين : الأمم الماضية ، وبالآخرين : هذه الأمة . هذا رواية
عن مجاهد والحسن البصري ؛ رواها عنهما ابن أبي حاتم ، وهو اختيار ابن .
جرير .
وهذا الذي اختاره ابن جرير هاهنا فيه نظرٌ ، بل هو قول ضعيف ؛
لأن هذه الأمة هي خير الأمم بنصِّ القرآن ، فيبعُدُ أن يكون المقربون في غيرها
أكثر منها ، اللهم إلا أن يُقابل مجموع الأمم بهذه الأمة . والظاهر أن المقربين
من هؤلاء أكثر من سائر الأمم ، والله أعلم .
فالقول الثاني في هذا المقام هو الراجح ، وهو أن يكون المراد بقوله :
(١) تفسير ابن كثير ٤٩٠/٧ - ٤٩١ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٦٦
صلاح الأمة في عُلُوُّ الهمة - المجلد الأول
﴿ثلة من الأولين﴾: أي من صدر هذه الأمة، ﴿وقليل من الآخرين﴾: أي
من هذه الأمة .
قال الحسن : ﴿ ثلة من الأولين﴾ : ثُلَّةٌ ممن مضى من هذه الأمة .
وعن محمد بن سيرين أنه قال في هذه الآية: ﴿ ثلة من الأولين وقليل
من الآخرين﴾ كانوا يقولون - أو يرجون أن يكونوا - كلهم من هذه
الأمة .
فهذا قول الحسن وابن سيرين أن الجميع من هذه الأمة ، ولا شكَّ
أن أَوَّل كل أمة خيرٌ من آخرها، فيُحتمل أن يُعُمَّ الأمر جميع الأمم ؛ كل
أمة بحسبها .
ولهذا ثبت في الصحاح وغيرها من غير وجه، أن رسول الله عد اله
قال: ((خير الناس قرني ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ... )) (١).
أما الحديث الذي رواه الإِمام أحمد عن عمَّار بن ياسر قال : قال
رسول الله عَّةِ: ((مثل أمتي مثل المطر: لا يُدرى أوَّلُه خيرٌ أم آخره))(٢).
فهذا الحديث - بعد الحكم بصحة إسناده - محمول على أن الدين كما هو
محتاج إلى أول الأمة في إبلاغه إلى مَنْ بعدهم ؛ كذلك هو محتاج إلى القائمين
به في آخرها ، وتثبيت الناس على السنة وروايتها وإظهارها ، والفضل
للمتقدم . وكذلك الزرع الذي يحتاج إلى المطر الأول وإلى المطر الثاني ،
ولكن العمدة الكبرى على الأول ، واحتياج الزرع إليه آكدُ ، فإنه لولاه ما
(١) رواه البخاري ومسلم ، والترمذي وابن ماجه ، وأحمد ، وابن حبان ، وأبو
يعلى ، والطبراني في الكبير ، والبيهقي في السنن .
(٢) صحيح : أخرجه أحمد عن عمار ، وأحمد والترمذي عن أنس ، والطبراني في
الكبير عن ابن عمر ، وعن ابن عمرو ، ورواه الطيالسي ، وابن حبان ، وأبو
نعيم في الحلية .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٦٧
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
نبت في الأرض ، ولا تعلَّق أساسُه فيها . والغرض أن هذه الأمة أشرفُ
من سائر الأمم، والمقربون فيها أكثر من غيرها وأعلى منزلةً، لشرف دينها،
وعِظَمِ نبِّهَا عَ ◌ّهِ))(١).
أخي ، إن كنتَ عالي الهمة ستحلّ قريبًا من أحبابك ، وتكون يومًا
مع أشكالك .
قال تعالى: ﴿ فأما إن كان من المقربين فرَوْحٌ وريحانٌ وجنةُ نعيم ﴾
[ الواقعة: ٨٨، ٨٩ ] .
الألفاظ ذاتها تقطر رِقَّةً ونداوة ... وتُلقي ظلال الراحة الطيبة ، والنعيم
الليِّن ، والأنس الكريم .
قال ابن كثير عن المقربين في تفسيره لهذه الآيات :
(هم الذين فعلوا الواجبات والمُستَحبَّات، وتركوا المُحَّمات والمكروهات
وبعض المباحات، فلهم رَوْحٌ وريحان، وتُبشِّرهم الملائكة بذلك عند الموت.
والروح والريحان معناهما : أي رحمة ورزق وفرح وسرور )) .
قال القشيري في لطائف الإشارات ( ٦ / ٩٦ ) :
(( يُقال: الَّوْحُ لقلوبهم ، والريحانُ لنفوسهم، والجنة لأبدانهم .
ويُقال : رَوْح في الدنيا ، وريحانٌ في الجنة ، وجنةُ نعيمٍ في الآخرة .
ويُقال : رَوْحٌ وريحانٌ مُعجَّلان ، وجنةُ نعيم مؤجَّلة .
ويُقال : رَوْحُ نسيم القُرْب، وريحانُ كمالِ البسطِ، وجنةُ نعيم في محلّ
المُناجاة .
(١) تفسير ابن كثير ٤٩٣/٧ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٦٨
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
ويُقال : رَوْحُ رؤية الله ، وريحانُ سماعٍ كلامه بلا واسطة ، وجنةٌ
نعيم أن يدوم هذا ولا ينقطع في الجنة )).
قال تعالى : ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي
يريدون وجهه ولا تعدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تُطع من
.[ الكهف : ٢٨ ]
أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمرُهُ فُرُطًا ﴾
الله غايتهم ، يتوجَّهون إليه بالغداة والعشي ، لا يتحوَّلون عنه ، ولا
يبغون إلا رضاه ، وما يبتغونه أجلُّ وأعلى من كل ما يبتغيه طلاب الحياة .
اصبرْ نفسك مع هؤلاء ، صاحبْهم وجالسْهم وعلَّمْهم ، ففيهم الخير ،
وعلى مثلهم تقوم الدعوات .
فالدعوات لا تقوم على من يعتنقونها لأنها غالبة، ومن يعتنقونها ليقودوا
بها الأتباع، ومن يعتنقونها ليُحقِّقوا بها الأطماع، وليتَّجِروا بها في سوق
الدعوات ، تُشترى منهم وتُباع ؛ إنما تقوم الدعوات بهذه القلوب التي تتجه
إلى الله وحده خالصةً له ، لا تبتغي جاهًا ولا متاعًا ولا انتفاعًا ، إنما تبتغي
وجهه وترجو رضاه .
يُريدون وجهه ، وداوموا دعاءهم ربَّهم بالغداة والعشي ، ونظروا إلى
الله بقلوبهم ، فأمر رسوله عَ لِّ بألا يرفع بصره عنهم، ولا يُقلع عنهم نظره .
لا تقطع اليوم عنهم نظرك ، فإنا لا نمنع غدًا نظرهم عنّا .
آويناهم في الدنيا بعظمائنا ، وفي عقباهم بكرائمنا .
منهم عمّار بن ياسر، الذي قال فيه رسول الله عَ له: ((مُلع إيمانًا
إلى مُشاشه ))(١) .
(١) إسناده صحيح: رواه البزار من حديث عائشة، وقال الحافظ في الفتح
٧ / ٩٢ : وإسناده صحيح .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٦٩
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الأول
إن زينة الحياة الدنيا لا ترتفع إلى ذلك الأفق العالي الذي يتطلع إليه
مَنْ يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه .
أما الهامات المتشامخة التي لا تُخفِّفِ من غلوائها ، ولا تُطامن من
كبريائها ، فهي وأقوال أصحابها سفةٌ ضائع ، لا يستحق إلا الإِغفال ؛ جزاءً
ما غفلوا عن ذكر الله .
هذا دين رفيع .. لا يُعرض عنه إلا مطموسٌ، ولا يعيبُه إلا منكوسٌ ،
ولا يغفلُ عنه ويُحاربُه إلا موكوسٌ .
قال تعالى : ﴿ ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمنٌ فأولئك كان
سعيُهم مشكورًا ﴾ [ الإسراء: ١٩].
الذي يُريد الآخرة لابدَّ أن يسعى لها سعيها ، فيؤديَ تكاليفها ،
وينهض بتَبِعاتها ، ويُقيم سعيه لها على الإِيمان ، وليس الإِيمان بالتمني ، ولكن
ما وقر في القلب وصدَّقه العمل . والسعي للآخرة يمدُّ بالبصر إلى آفاقٍ أَعلى ،
فلا يكون المتاع في الأرض هو الهدف والغاية ، ولا ضير بعد ذلك من المتاع
حين يملك الإِنسان نفسه ، فلا يكون عبدًا لهذا المتاع .
وإذا كان الذي يُريد العاجلة ينتهي إلى جهنم مذمومًا مدحورًا ، فالذي
يُريد الآخرة ويسعى لها سعيها ؛ ينتهي إليها مشكورًا، يتلَّقى التكريم من الملأ
الأعلى، جزاءً السعي الكريم لهدفٍ كريم، وجزاء التطلّع إلى الأفق البعيد
الوضيء .
إن الحياة للأرض حياةٌ تليقُ بالديدان والزواحف والحشرات والهوامَ
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٠
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الأول
والوحوش والأنعام ، فأما الحياة للآخرة فهي الحياة اللائقة بالإِنسان الكريم
على الله ، الذي خلقه فسوَّاه ، وأودع روحه ذلك السَّر الذي ينزع به إلى
السماء ، وإن استقرّت على الأرض قدماه . إنها رفرفة الروح إلى آفاق لائقة
بكمال الإِنسان ، أما الذين يقفون عند الحياة الدنيا ؛ بما فيها من نقصٍ
وهبوطٍ ، ويرضونها ويستغرقون فيها ، فلا يُنكرون فيها نقصًا ، ولايُدركون
أنها لا تصلح أن تكون نهاية البشر ، فإنها تهبط بهم ثم تهبط ؛ لأنهم
لا يرفعون رؤوسهم إلى قمة ، ولا يتطلَّعون بأبصارهم إلى أفق ، إنما
يخفضون رؤوسهم وأبصارهم دائمًا إلى هذه الأرض وما عليها .
قال تعالى : ﴿ انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أکبر درجاتٍ
وأكبر تفضيلاً ﴾ [ الإسراء: ٢١ ].
(( من شاء التفاوت الحق ، ومن شاء التفاضُل الضخم ، فهو هناك
في الآخرة . هنالك في الرقعة الفسيحة ، والآماد المتطاولة التي لا حدود
لها ... وفي ذلك فليتنافس المُتنافسون، لا في متاع الدنيا القليل الهزيل)) (١).
(١) الظلال ٤ / ٢٢١٨ - ٢٢١٩.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧١
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
قال تعالى: ﴿ إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في
وجوههم نضرة النعيم يُسقون من رحيقٍ مختوم ختامُه مسكٌ وفي ذلك
فليتنافس المتنافسون ﴾ [ المطففين: ٢٢ - ٢٦ ] .
﴿ إن الأبرار لفي نعيم ﴾ اليوم وغدا ؛ اليوم في رَوْح العرفان،
وراحة الطاعة والإِحسان ، ونعمة الرضا ، وأنس القربة ، وبسْط الوصلة
وغدًا في الجنة وما وُعدوا به من الزلفة والقربة))(٢).
قال ابن كثير عن مآل الأبرار السابقين :
((وفي مثل هذه الحال فليتفاخر المتفاخرون ، ليستبق إليه المُتسابقون ،
كقوله تعالى: ﴿لمثل هذا فليعمل العاملون﴾)).
وقال البقاعي في نظم الدرر (٢١ / ٣٢٩ - ٣٣٠ ):
((وفي ذلك الأمر العظيم البعيد المتناول - وهو العيش والنعيم والشراب
الذي هذا وصفُه - فليرغبْ غاية الرغبة بجميع الجهد والاختيار المتنافسون ،
الذين من شأنهم المنافسة ؛ لأنه نفيسٌ جدًّا ، والنفيس هو الذي تحرص عليه
نفوس الناس وتتغالى فيه ، والمنافسة في مثل هذا بكثرة الأعمال الصالحات
والنّيَّات الخالصة)).
الأبرار المُقربون من عَلَتْ بهم هِمَمُم وأعمالهم، وحظَوْا بجوار الملك ..
كتابهم في عِلَيِّين ، يشهده المُقربون من الملائكة ، وهذا يُلقي ظلَّا كريمًا
طاهرًا رفيعًا على كتابهم ، فهو موضع مشاهدة المُقربين من الملائكة ،
ومُتعتُهم بما فيه من كرائم الأفعال والصفات ، وهذا ظِلّ كريم شفيف ، يُذكر
بقصد التكريم .
تفيض نضرة الأبرار على وجوههم وملامحهم ، وشرابهم مُصفى ،
ختامُه مسك . وإنما يكون التنافس في ذلك النعيم ، وفي ذلك التكريم ..
لطائف الإشارات للقشيري ٥ / ٢٧٠ .
(١)
الظلال بتصرف ٦ / ٣٨٥٩ - ٣٨٦٠ .
(٢)
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٢
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
فهو مطلب يستحقّ المنافسة ، وهو أفق يستحق السباق ، وهو غاية تستحق
الغلاب . والدين يتنافسون على شيء من أشياء الأرض ، مهما كبر وجلّ
وارتفع وعظُم ، إنما يتنافسون في حقير قليل ، فانٍ قريب . والدنيا لا تزن
عند الله جناح بعوضة ، ولكن الآخرة ثقيلة في ميزاته . فهي إذن حقيقة
تستحق المنافسة فيها والمسابقة . ومن عجب أن التنافس في أمر الآخرة
يرتفع بأرواح المتنافسين جميعًا، بينما التنفس في أمر الدنيا ينحطُّ بها
جميعًا. والسعي لنعيم الآخرة يُصلح الأرض ويعمرها ويُطهّرُها للجميع،
والسعي لعَرَض الدنيا يدع الأرض مُستنقعًا وبيئًا ، تأكل فيه الديدان بعضها
البعض ، أو يتنهش فيه الهوام والحشرات جلود الأبرار الطيبين ، وياله من
مستنقع آسن !!
إنّ عمر المرء في هذه العاجلة محدودٌ، وعمره في الآجلة لا نهاية
له، وإنّ متاع هذه الأرض في ذاته محدود، ومتاع الجنة لا تحُدُّه تصوُّراتُ
البشر، وإنّ مستوى النعيم في هذه الدنيا معروف، ومستوى النعيم هناك
يليق بالخلود! فأين مجال من مجال؟! وأين غاية من غاية؟! إلا إن السباق
إلى هناك))(١)؛ السباق إلى القرب، وتعليق القلب بالله، وجولان الهمم في
الملكوت .
وقال تعالى: ﴿لمثل هذا فليعمل العاملون﴾ [الصافات: ٦١ ].
لمثل هذا النعيم الذي لا يُدركه فوتٌ ، ولا يُخشى عليه من نفاد ،
(١) الظلال بتصرف ٦ / ٣٨٥٩ - ٣٨٦٠.
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٣
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الأول
ولا يعقبُه موتٌ ، ولا يتهدَّدُه العذابُ ؛ لمثل هذا فليعمل العاملون ، فهذا
هو الذي يستحق الاحتفال ، وما عداه - مما يُنفق فيه الناس أعمارهم على
الأرض - زهيدٌ زهيدٌ ، حين يُقاس إلى هذا الخلود والنعيم الآمن الدائم
الراضي ، والتكريم الذي ما فوقه تكريم .
حَذِّرِ النفسَ حسرة المسبوقِ
السباق السباق قولاً وفعلا
إنه الإعداد للمهمة الكبرى بوسائل الإِعداد الإلهية المضمونة .. قيام الليل .
إن تلقّي القرآن والنور لثقيل ، يحتاج إلى استعداد طويل .
إنّ الاصطبار للعبادة ، وقيام الليل والناس نيام ، والانقطاع عن غبشٍ
الحياة اليومية وسفسافها ، والاتصال بالله ، وتلقّي وحي الله ونوره ، والأُنس
بالخلوة ؛ إن هذا كله هو الزاد لاحتمال القول الثقيل ، والعبء الباهظ ،
والجهد المرير الذي ينتظر الرسول ، وينتظر مَنْ يدعو بهذه الدعوة في كل
جيل، ويُنير القلب في الطريق الشاقُّ الطويل ، ويعصمه من وسوسة
الشيطان ، ومن التيه في الظلمات الحافّة بهذا الطريق المُنير .
إنّ مغالبة هتاف النوم وجاذبية الفراش بعد كدِّ النهار أشدُّ وطئًا ، وأجهد
للبدن ، ولكنه إعلانٌ لسيطرة الروح ، واستجابة لدعوة الله ، ومن ثمَّ فإنها أقوم
قيلًا؛ لأن الذِّكْر فيها حلاوته ، وللصلاة فيها خشوعها ، وللمناجاة فيها
شفافيتها .. وإنها لتسكب في القلب أنسًا وراحة وشفافية ونورًا .
قال تعالى: ﴿ واذكر اسم ربك وتبتَّل إليه تبتيلًا ﴾ [ المزمل: ٨].
قال ابن كثير :
((أي أكثر من ذكْرُه، وانقطع إليه، وتفَّعْ لعبادته إذا فرغت من
أشغالك .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٤
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
وقال ابن عباس : أي أخلص له العبادة . وقال ابن جرير : يقال
للعابد: مُتَبِّل))(١).
((والتبتُّل هو الانقطاع الكُلِّي عما عدا الله، والاتجاه الكُلِّي إليه بالعبادة
والذكر والخلوص من كل شاغل ومن كل خاطر ، والحضور مع الله بكامل
الحسِّّ والمشاعر))(٢) .
وقال تعالى: ﴿ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب ﴾ [ الانشراح: ٧-٨].
قال ابن مسعود : إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل .
وقال ابن عباس : إذا فرغتَ من الصلاة فانصب في الدعاء .
وقال مجاهد : إذا فرغت من أمْر دنياك فانصب في عمل آخرتك .
وقال علي بن أبي طلحة: إذا صحَّ بدنك فاجعل صحتك نصبًا في العبادة.
قال ابن كثير: إذا فرغتَ من أمور الدنيا وأشغالها وقطعتَ علائقها؛
فانصب إلى العبادة، وقمْ إليها نشيطًا فارغ البال، وأخلص لربك النيّة والرغبة.
إذا فرغت من شغلك مع الناس ومع الأرض فتوجَّهْ بقلبك كله إلى
ما يستحق أن تنصب فيه وتكدَّ وتجهد .. العبادة والتجُّد والتطلُّع والتوجُّه ،
﴿ وإلى ربك فارغب﴾ إلى ربك وحده خاليًا من كل شيء، حتى من
أمْر الناس الذين تشتغل بدعوتهم .. إنه لا بدَّ من الزاد للطريق .. وهذا
الزاد ... هذا هو الطريق .
(١) تفسير ابن كثير .
(٢) زاد المسير ٩ / ١٦٦ - ١٦٧ .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٥
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الأول
قال تعالى: ﴿ والذين يُمسِّكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجْر
المصلحين ﴾ [ الأعراف : ١٧١ ].
((إن الصيغة اللفظية * يُمسِّكون ﴾ تصوَّر مدلولًا يكاد يُحسّ
ويُرى ، إنها صورة القبض على الكتاب بقوة وجدّ وصرامة .. الصورة التي
يُحبُّ الله أن يؤخذ بها كتابه وما فيه .. في غير تعنُت ولا تنطُّع ولا تزمُّت ..
فالجدُّ والقوة والصرامة شيء ، والتعنُّت والتنطّع والتزمُّت شيء آخر .. إن
الجدّ والقوة والصرامة لا تُنافي اليُسْر، ولكنها تُنافي التميّع! ولا تُنافي سعة
الأفق ، ولكنها تنافي الاستهتار .
والتمسُّك بالكتاب في جدٍّ وقوة وصرامة ، وإقامة الصلاة - أي شعائر
العبادة - هما طرفا المنهج الربّاني لصلاح الحياة .. والتمسُّك بالكتاب في هذه
العبارة مقرونًا إلى الشعائر يعني مدلولًا مُعيَّنا .. إذ يعني تحكيم هذا الكتاب
في حياة الناس لإصلاح هذه الحياة، مع إقامة شعائر العبادة لإصلاح قلوب
الناس .. فهما طرفان للمنهج الذي تصلح به الحياة والنفوس ، ولا تصلح
بسواه .. والإِشارة إلى الإصلاح في الآية: ﴿إنا لا نُضيع أجْر المصلحين﴾))(١).
قال القشيري في لطائف الإشارات (١ / ٥٨٣ - ٥٨٤ ) :
يُمسِّكون بالكتاب ﴾ إيمانًا، ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ إحسانًا ،
فبالإِيمان وجدوا الأمان ، وبالإِحسان وجدوا الرضوان ؛ فالأمان مُعجَّل ،
والرضوان مُؤْجَّل. ويُقال ﴿ يُمسكون بالكتاب ﴾ سبب النجاة ، وإقامة
الصلاة تُحقِّق المناجاة ؛ فالنجاة في المآل ، والمناجاة في الحال .
ويُقال : أفرد الصلاة ها هنا بالذكر عن جملة العبادات ؛ ليُعْلَم أنها
أفضل العبادات بعد معرفة الذات والصفات .
مَنْ أَمَّل سبب إنعامهم ؛ لم تَخْسِر له صفقة ، ولم تخفق له في الرجاء
رفقة. مَنْ نقل إلى بابه قَدَمَه؛ لم يَعْدم في الآجل نعمَه . ومَنْ رفع إلى
(١) الظلال ٣ / ١٣٨٨.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٦
صلاح الأمة في غلوّ الهمة - المجلد الأول
ساحات جوده هِمَمَه ؛ نال في الحال كرمَه . ومَنْ توصَّل إليه بجوده ؛
نال في الدارين شرفَه . ومن اكتفى بجوده ، كان الله عنه خلفه .
قال تعالى : ﴿ إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورًا عينًا
يشربُ بها عبادُ الله يفجِّرونها تفجيرًا يُوفون بالنذر ويخافون يومًا كان شرُّه
مُستطيرًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إن هذا كان لكم جزاءً وكان سعيُكم
مشكورًا ﴾ [ الإنسان: ٥ - ٢٢ ] .
قال ابن القيم :
((أخبر سبحانه عن العين التي يشرب بها المُقربون صرفًا ؛ لأن شراب
الأبرار يُمزج منها؛ لأن أولئك أخلصوا الأعمال كلها لله فأخلص شرابهم ،
وهؤلاء مزجوا فمزج شرابهم .
إنه سبحانه أخبر عن مزج شراب المقربين بالكافور وبرده ، في مقابلة
ما وصفهم به من حرارة الخوف ، والإِيثار ، والصبر ، والوفاء بجميع
الواجبات التي نَبَّه على وفائهم بأضعفها ، وهو ما أوجبوه على أنفسهم بالنذر
على الوفاء بأعلاها ، وهو ما أوجبه الله عليهم، ولهذا قال: ﴿وجزاهم
بما صبروا جنة وحريرًا ﴾، فإن في الصبر من الخشونة وحبس النفس عن
شهواتها ما اقتضى أن يكون في جزائهم من سعة الجنة ، ونعومة الحرير ،
ما يُقابل ذلك الحبس والخشونة ، وجمع لهم بين النضرة والسرور ، وهذا
جمال ظواهرهم ، وهذا حال بواطنهم ، كما جملوا في الدنيا ظواهرهم بشرائع
الإِسلام ، وبواطنهم بحقائق الإِيمان ، ونظيره قوله في آخر السورة : ﴿ عالیہم ثيابُ
سُنْدُس خضرٌ وإستبرقّ وحُلُّوا أساورَ من فضة﴾ فهذه زينة الظاهر ، ثم
قال: ﴿وسقاهم ربهم شرابًا طهورًا﴾ فهذه زينة الباطن المُطهّر لهم من
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٧
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الأول
كل أذى ونقص))(١).
يقول ابن القيم :
ذاك الشرابُ فتلك تصفيتانِ
صفَّى المُقرب سعيه فصفا له
ج بالمُباح وليس بالعصيانِ
لكنَّ أصحابَ اليمين فأَهُ مِزْ
أعمال ذاك المزج بالميزانِ
مُزْجَ الشرابُ لهم كما مزجوا همُ الْـ
قال ابن جرير الطبري :
((الأبرار الذين بّوا بطاعتهم ربهم وأداء فرائضه واجتناب معاصيه .
قال قتادة: ﴿يوفون بالنذر﴾: كانوا ينذرون طاعة الله من الصلاة
والزكاة والحجّ والعمرة وما افترض عليهم ، فسمَّاهم الله بذلك الأبرار .
قال قتادة: ﴿وجزاهم بما صبروا جنةً وحريرًا﴾: جزاهم بما صبروا
على طاعة الله ، وصبروا عن معصيته ومحارمه ؛ جنة وحريرًا .
وقال قتادة: ﴿ وَيُسقون فيها كأسًا كان مزاجُها زنجبيلًا عينًا فيها
تُسمَّى سلسبيلًا﴾: رقيقة يشربها المقربون صرفًا، وتُمزج لسائر أهل الجنة.
إن هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكورًا ﴾ :
يقول الله تعالى ذكره : يُقال لهؤلاء الأبرار حينئذ : إن هذا الذي
أعطيناكم من الكرامة ؛ كان لكم ثوابًا على ما كنتم تعملون في الدنيا من الطاعات .
﴿ وكان سعيُكم مشكورًا ﴾: كان عملكم فيها مشكورًا ، حمدكم
عليها ربُّكم ، ورضيه لكم ، فأثابكم بما أثابكم به من الكرامة عليه .
قال قتادة: غفر لهم الذنب، وشكر لهم الحسن))(٢).
يُسمِّيهم الله في الآية الأولى ﴿الأبرار﴾، ويُسمِّيهم في الثانية
عباد الله﴾ .. إيناسًا وتكريمًا، وإعلانًا للفضل تارة ، وللقُرْب من الله
(١) حادي الأرواح لابن القيم صـ ١٨٤ - ١٨٥.
(٢) تفسير الطبري ١٢ / ٢٠٦ - ٢٢٤.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الأول
٧٨
تارة ، في معرض النعيم والتكريم .
﴿ يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيّرًا ... ﴾ إلى آخر
الآيات :
صورة وضيئة شفّافة لقلوب مخلصة جادة عازمة على الوفاء لله بتكاليف
العقيدة ، مع رحمة ندية بعباده الضِّعاف، وإيثار على النفس ، وتحرّج وخشية
الله ، ورغبة في رضاه ، وإشفاق من عذابه ، تبعثه التقوى والجد في تصوّر
الواجب الثقيل. ﴿ يوفون بالنذر ﴾ فيفعلون ما اعتزموا من الطاعات ، وما
التزموا من الواجبات ، فهم يأخذون الأمر جدًّا خالصًا ، لا يُحاولون التفلُّت
من تَّبِعاته ، ولا التفصِّي من أعبائه ، ولا التخلِّي عنه بعد التزامه ، وهذا
معنى أنهم يوفون بالنذر ، فهو أعمُّ من المعنى العُرفي المُتبادر من كلمة
((النذر)).
ويُقابل هذا عطاءٌ كريمٌ من مُعطِ كريم ، ثم يتلقون عليه الودَّ
والتكريمَ ، ﴿ إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورًا ﴾ .
يتلقّون هذا النطق من الملأ الأعلى ، وهو يعدل هذه المناعم كلها ،
ويمنحها قيمة أخرى فوق قيمتها .
يقول القشيري :
((الأبرار: هم الذين سمت هِمَّتُّهم عن المُستحقرات ، وظهرت في
قلوبهم ينابيع الحكمة ، فاتقوا عن مساكنة الدنيا ، يوفون بالعهد القديم
الذي بينهم وبين الله على وجه مخصوص)) .
وهناك آيات تدعو إلى عُلُوِّ الهمة ؛ بذكر الأجر العظيم أو الكبير أو
الكريم لأصحابها ، فعِظَمُ الجزاء والأجر يدعو إلى التنافس والحرص على هذه
الأعمال :
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٩
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
قال تعالى: ﴿ ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز
الخبيث من الطيِّب وما كان الله ليُطلعكم على الغيب ولكنّ الله يجتبي من
رُسُلِهِ من يشاء فآمنوا بالله ورُسُلِهِ وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجْر عظيم ﴾
[ آل عمران: ١٧٩ ].
قال تعالى : ﴿ وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة
وأجر عظيم ﴾ [المائدة : ٩ ] .
وقال تعالى : ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنُبِّئَنَّهم من الجنة
غُرَفًا تجري من تحتها الأنهار نعم أجر العاملين ﴾ [العنكبوت: ٥٨].
وقال تعالى: ﴿الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا
الصالحات لهم مغفرة وأجْر كبير ﴾ [فاطر : ٧ ] .
وقال تعالى: ﴿إنما تُنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشّرْه
بمغفرة وأجرٍ كريم ﴾ [ يس: ١١ ].
وقال عن المتقين : ﴿ وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا
الأرض نتبؤَّأ من الجنة حيث نشاء فنِعْمَ أجْر العاملين ﴾ [الزمر: ٧٤] .
وقال تعالى : ﴿ إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا
دينهم الله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرًا عظيمًا
[ النساء : ١٤٦ ] .
وقال تعالى: ﴿لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما
أنزل إليك وما أُنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون
بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرًا عظيمًا ﴾ [النساء: ١٦٢ ] .
وقال تعالى: ﴿ويُبشّر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا
كبيرًا ﴾ [ الإسراء : ٩ ] .
وقال تعالى: ﴿ويُبشّر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا
حسنًا ﴾ [ الكهف : ٢].
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٨٠
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول
وقال تعالى: ﴿ ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرًا عظيمًا ﴾
[ الفتح : ١٠ ] .
وقال تعالى عن الصحابة: ﴿وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات
منهم مغفرة وأجرًا عظيمًا ﴾ [الفتح : ٢٩].
وقال تعالى: ﴿ومن يتق الله يُكفِّر عنه سيئاته ويُعِظِم له أجرًا ﴾
[ الطلاق : ٥ ] .
ومرة أخرى يدعوهم إلى عُلُوِّ الهمة ببيان أن الجزاء هو الفوز العظيم :
قال تعالى: ﴿ومن يُطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١].
وقال تعالى: ﴿ تلك حدود الله ومن يُطع الله ورسوله يُدخله جنات
تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ﴾ [النساء: ١٣].
وقال تعالى : ﴿ وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها
الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر
ذلك هو الفوز العظيم ﴾ [ التوبة : ٧٢ ] .
وقال تعالى : ﴿ أَلَا إنَّ أولياء الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون
الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البُشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبدیل
لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم ﴾ [ يونس: ٦٤ ].
وقال تعالى : ﴿ فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيُدخلهم ربُّهم
في رحمته ذلك هو الفوز المبين ﴾ [الجاثية: ٣٠] .
وقال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري
من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير ﴾ [البروج: ١١ ].
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com