النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
قال ابن القيم: ((العلل)) هاهنا هي علل الأعمال من رؤيتها، أو
رؤية ثمرتها وإرادتها ونحو ذلك ، فإنها عندهم علل .
فصاحب هذه الهمة يأنف على هِمَّته وقلبه من أن يُيالي بالعلل ، فإن
همته فوق ذلك ، فمبالاته بها ، وفكرته فيها ، نزول من الهمة ، وعدم هذه
المبالاة ، إما لأن العلل لم تحصل له ؛ لأن عُلُوَّ هِمَّته حال بينه وبينها ،
فلا يُيالي بما لم يحصل له ، وإما لأن هِمَّته وسعَتْ مطلوبه ، وعُلُوُّه يأتي
على تلك العلل ويستأصلها ، فإنه إذا علَّقَ هِمَّته بما هو أعلى منها ؛
تضمَّنتها الهِمَّة العالية ، فاندرج حكمُها في حكم الهمة العالية . وهذا
موضع غريب عزيز جدًا ، وما أدري أقصده الشيخ أو لا ؟
وأما أنَّفَته من النزول على العمل : فكلام يحتاج إلى تقیید وتبيين ، وهو
أن العالي الهمة مطلبُه فوق مطلب العُمَّال والعُبَّاد ، وأعلى منه ، فهو يأنف
أن ينزل من سماء مطلبه العالي إلى مجرد العمل والعبادة ، دون السفر بالقلب
إلى الله ، ليحصل له ويفوز به ، فإنه طالبٌ لربه تعالى طلبًا تامًّا بكل معنى
واعتبار في عمله، وعبادته ومناجاته، ونومه ويقظته، وحر كته وسكونه، وُزْلته
وخُلطته، وسائر أحواله، فقد انصبغ قلبه بالتوجّه إلى الله تعالى أيّما صبغة.
وهذا الأمر إنما يكون لأهل المحبة الصادقة ، فهم لا يقنعون بمجرد
رسوم الأعمال ، ولا بالاقتصار على الطلب حال العلم فقط .
قال :
الدرجة الثالثة: هِمَّةٌ تتصاعد عن الأحوال والمعاملات، وتزري بالأعواض
والدرجات ، وتنحو عن النعوت نحو الذات .
أي هذه الهمة أعلى من أن يتعلَّق صاحبها بالأحوال التي هي آثار
الأعمال والواردات ، أو يتعلَّق بالمعاملات ، وليس المراد تعطيلها ، بل القيام
بها مع عدم الالتفات إليها والتعلُّق بها .
ووجه صعود هذه الهمة عن هذا: ما ذكره من قوله: (( وتُزري
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٢
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول
بالأعواض والدرجات، وتنحو عن النعوت نحو الذات))؛ أي صاحبها لا يقف
عند عِوَضٍ ولا درجة ، فإن ذلك نزول من هِمَّته ، ومطلبُه أعلى من ذلك ،
فإن صاحب هذه الهمة قد قصر هِمَّته على المطلب الأعلى ، الذي لا شيء
أعلى منه ، والأعواض والدرجات دونه ، وهو يعلم أنه إذا حصل له فهناك
كل عِوَضٍ ودرجة عالية .
وأما نحوها ((نحو الذات)) فيريد به : أن صاحبها لا يقتصر على شهود
الأفعال والأسماء والصفات ؛ بل الذات الجامعة لمتفرقات الأسماء والصفات
والأفعال ، والله أعلم(١).
أخي ، إنما ◌ُخُلقنا لنحيا مع الخالق ، في دار غرسَ غراسها الرحمنُ بيده ،
إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ﴾ ، فما اشترى
إلا سلعةً هذَّبها الإِيمان ، فخرجت من طبعها إلى بلد ؛ سُكّانُه التائبون العابدون .
سلِّم المبيع قبل أن يتلف في يدك ، فلا يقبله المشتري ، قد علم المشتري
بعيب السلعة قبل أن يشتريها فسلمها ، ولك الأمان من الرد .
قدْرُ السلعة يُعرف بقدر مشتريها ، والثمن المبذول فيها ، والمنادي عليها ،
فإذا كان المشتري عظيمًا ، والثمن خطيرًا، والمنادي جليلًا؛ كانت السلعة نفيسةً.
ـترجعتّ ذا البيع قبل الفوت لم تخبٍ
يابائعًا نفسه بيع الهوان لو اسـ
بطيفٍ عيشٍ من الآلام منتهبٍ
وبائعًا طيبَ عيشٍ ما له خطرٌ
يوم التغابن تلقى غاية الحَرَبِ(٢)
غبنت والله غبنًا فاحشًا ولدى
أمامك الوردُ حقًّا ليس بالكذبِ
وواردًا صفو عيشٍ ما له كدرٌ
لكل داهية تدني من العطبِ
وحاطبَ الليل في الظلماء منتصبًا
فهل سمعتَ بُبرءٍ جاء من عطبٍ
ترجو الشفاءَ بأحداق بها مرضٌ
(١) مدارج السالكين لابن القيم ٣ / ٤ - ٦ .
(٢) الحرب : الهلاك .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٣
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
وصفًا للطخِ جمالٍ فيه مُستلبٍ
ومُفنيًّا نَفْسَهُ في إثر أقبحهم
وواهبًا نفْسَهُ في مثل ذا سفهًا
شاب الصِّبا والتصابي بعد لم یشب
وشمسُ عمرك قد حان الغروبُ لها
وفاز بالوصل مَنْ قد جدَّ وانقشعت
کم ذا التخلف والدنیا قد ارتحلت
ما في الديار وقد سارت ركائبُ مَنْ
ما في الخيام أخو وجْدٍ يُريحك إنْ
وسرْ في غمرات الليل مهتدیًا
وعادٍ كل أخي جُبنٍ ومَعجزة
وخذْ لنفسك نورًا تستضيء به
لو كنتَ تعرف قدر النفس لم تهبٍ
وضاع وقتُك بين اللهو واللعبِ
والفيء في الأفق الشرقي لم يغبِ
عن أُقْقِهِ ظلماتُ الليل والسُّحبِ
ورسُ ربك قد وافتك في الطلب
تهواه للصبِّ من شكرٍ ومن أُرَبِ
بثئتَه بعضَ شأنِ الحبِ فاغتربِ
بنفحة الطيب لا بالعود والحطبِ
وحارب النفسَ لا تلقیك في الحربِ
يوم اقتسام الورى الأنوار بالرئَبِ(١)
يا مختار القدر ... يامن هو من أرباب الخبرة ، اعرف قدْر قدرٍك ، إنما
خلقت الأكوان كلها لك ...
ياوعاء البدائع ... يامن غُذِّي بلبان البر ، وقُلِّب بأيدي الأيادي، يازرعًا
تهمي عليه سُحُبُ الألطاف ، كل الأشياء شجرة وأنت الثمرة ، وصورة وأنت
المعنى، وصَدَفٌ وأنت الدُّرُّ، مخ وأنت الزبد، مكتوب اختيار مولاك لك، واضح
الخط، غير أن استخراجك ضعيف، ويحك .. لو عرفت قدْر نفسك ما أهنتها ..
ياجوهرة بمضيعة، كم من ملك في السموات يُسبِّح ما لهم رتبة ﴿تتجافى﴾، لا
يعرف طعم طعام، وما لهم مقام ((ولخلوف))، سبحان من اختارك على الكل ،
وجادل عنك الملائكة قبل وجودك ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ .
صوّب إلى الرحيل ﴿ياليت قومي يعلمون﴾، تلمَّح القوم الوجود،
ففهموا المقصود، فأجمعوا الرحيل قبل الرحيل، وشمَّروا للسير في سواء السبيل.
(١) الفوائد ١٠١ - ١٠٢ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٤
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الأول
أخي ، إن هَمَمْتَ فبادرْ ، وإن عزمتَ فثابْ ، واعلم أنه لا يُدرك
المفاخر ، من رضي بالصف الآخر .
بليت الهمم العالية بعشق الفضائل، شجرُ المكاره يُثمر المكارم، متى لاحت
الفريسة قذفت الغابة السبع، إذا استقام للجواد الشوط، لم يحوج راكبه إلى السوط.
إذا طلع نجم الهمة في ظلام ليل البطالة، ثم ردفه قمر العزيمة؛ أشرقت
الأرض بنور ربها.
ياطالبًا للدَّعَة أخطأتَ الطريق ، علة الراحة التعب ، إن لم تكن أسدًا
في العزم ولا غزالًا في السبق ؛ فلا تتثعلب .
شَمِّر عن سوق الدأب ، في سوق الأدب ، أين عزائم الرجال ؟ أين
صرائم الأبطال ؟ تدَّعي وتتوانى ، هذا محال .
أشتاقكم ويحولُ العزمُ دونكمُ فأدّعي بُعْدَكم عني وأعتذرُ
وأشتكي خطرًا بيني وبينكمُ وَآيَةُ الشوقِ أن يستصغرَ الخطرُ
أخي ، من احتشم ركوب الأهوال بقي عن إدراك الآمال. الخواصُّ في
كل وقت يقُلُّ عددُهم، ولكن يجُلُّ قدْرُهم، حتى إن ماتوا فهم أحياء، فكم
من أناس موتى تحيا القلوب بذكرهم، وأناس أحياء تموت القلوب برؤيتهم.
لأجبتُ صوتك والعظام رفاتٌ
ولو أنّ فوقي تربةً ودعوتني
يقول ابن القيم :
وتفنى عظامُ الصبِّ بعد مماته وأشواقُهُ وقْفٌ عليه مُحرَّمُ
وعلى الطرف الآخر :
پاپۇس من يموت وتبقى ذنوبه من بعده .
من عرف قدْرَ مطلوبه سهُل عليه بذل مجهوده .
إذا شام الفتى برقَ المعاني فأهونُ فائتٍ طِيبُ الرقادِ
الله دَرُّ القائل :
والناس في محراب لذات الدنايا عاكفون
يكون
إن لم تكن للحق أنت فمن
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عَلَوِ الهمة - المجلد الأول
٢٥
قال العلامة ابن رجب الحنبلي في كتابه لطائف المعارف :
((لما سمع القوم قول الله عز وجل: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾، وقوله :
﴿سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض﴾ ؛
فهموا أن المراد من ذلك أن يجتهد كل واحدٍ منهم أن يكون هو السابق لغيره
إلى هذه الكرامة ، والمُسارعَ إلى بلوغ هذه الدرجة العالية ، فكان أحدهم إذا
رأى مَنْ يعمل عمَّلا يعجز عنه؛ خشي أن يكون صاحب ذلك العمل هو السابق
له ، فيحزن لفوات سبْقه ، فكان تنافُسُهم في درجات الآخرة واستباقهم إليها ،
ثم جاء من بعدهم قومٌ ، فعكسوا الأمر ، فصار تنافُسُهم في الدنيا الدنيئة
وحظوظها الفانية)».
قال الحسن : إذا رأيتَ الرجل ينافسك في الدنيا فنافسْه في الآخرة .
وقال رحمه اللَّه: من نافسك في دينك فنافسْه ، ومَنْ نافسك في دنياك
فألقها في نحره .
وقال وهيب بن الورد: إن استطعتَ ألا يسبقك إلى الله أحدٌ فافعل .
وقال بعض السلف : لو أن رجّلا سمع برجل أطوع لله منه ، فانصدع
قلبه فمات ؛ لم يكن ذلك بعجب .
وقال أحدهم: لو أن رجّلا سمع برجل أطوع منه لله؛ كان ينبغي أن يُحزنه
ذلك .
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أمرنا رسول اللَّه عَّ له أن نتصدَّق،
ووافق ذلك مني مالًا ، فقلتُ: اليوم أسبقُ أبا بكر إن سبقته . قال : فجئتُ
بنصف مالي، فقال رسول الله عَ لِ: ((ما أبقيتَ؟))، فقلتُ: مثله. وأتى
أبو بكر بكل ما عنده، فقال: (( يا أبا بكر، ما أبقيت لأهلك؟ )) قال: أبقيتُ
لهم الله ورسوله . قلتُ : لا أسبقه إلى شيء أبدًا (١).
(١) صحيح : رواه أبو داود والترمذي ، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٦
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
لله دَرُّكَ من صِدِّيق !!
وهذا الذي يسبق العلماء برتوة ؛ معاذ بن جبل ، يقول : أنام أول الليل ،
وأقوم آخره ، فأحتسب نومتي ، وأحتسب قومتي(١).
وهذا عبد الله بن مسعود ، يقول عنه شقيق بن عبد الله : مرض عبد الله
ابن مسعود فعُدناه ، فجعل بيكي ، فعُوتب ، فقال : إني لا أبكي لأجل
المرض ، لأني سمعتُ رسول الله عَ لِ يقول: ((المرض كفَّارة))، وإنما أبكي
أنه أصابني على حال فترة ، ولم يُصبني في حال اجتهاد ، إنه يُكتب للعبد من
الأجر إذا مرض ما كان يُكتب له قبل أن يمرضٍ فمنعه منه المرض(٢).
وهذا عمر رضي الله عنه يقول: إني لأكره نفسي على الجماع؛ رجاءً
أن يُخرج اللَّه نسمة تذكره .
وهذا الفضيل بن عياض یقول: أدر کت أقوامًا یستحیون من الله في سواد
الليل من طول الهجعة ، إنما هو على الجنب ، فإذا تحرَّك قال: ليس هذا لك ،
قومي خذي حظّك من الآخرة .
وكان ابن سيرين يدخل السوق نصف النهار ، فيُكبِّرِ اللَّهَ ويُسبِّحه
ويذكره ، ويقول : إنها ساعةُ غفلة للناس .
وهذا الأسود بن الأسود لا يأكل الخبز إلا بنية ، كان يأكل فإذا ثقُل
عن الصلاة خفّف بها ، فإذا خفَّف ضعُف فأكل لیقوی ، فكان أُكلُه له وتر كُه
لها . وخف أي نشط وتلذذ بها .
وهذا محمد بن المنكدر يقول: بتّ أغمز رِجْلَ أمي ، وبات أخي عمر
يُصلِّي ، وما أودّ أن ليلتي بليلته .
وقال رجل لمالك بن دينار: رأيتُ فيما يرى النائم مناديًا ينادي :
(١) تاريخ بغداد ٣٧٥/٢ .
(٢) جامع الأصول لابن الأثير ٨٥٦/٩- الأولى دار الفكر .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٧
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول
الرحيل الرحيل ، فما رأيت أحدًا يرتحل إلا محمد بن واسع ، فصاح مالك
وغشي عليه .. ﴿ والسابقون السابقون أولئك المقربون ﴾.
قيل لبعض المجتهدين في الطاعات: لِمَ تُعذّب هذا الجسد ؟ قال: كرامَتهُ
أريد .
وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام
صاحب الهمة العلية ، والنفس الشريفة التّاقة ، لا يرضى بالأشياء الدنيئة
الفانية وإنما هِمَّته المسابقة إلى الدرجات الباقية .
قال عمر بن عبد العزيز : إن لي نفسًا توّاقة ، ما نالت شيئًا إلا تاقت
إلى ما هو أفضل منه ، وإنها لما نالت هذه المنزلة - يعني الخلافة - وليس في
الدنيا منزلة أعلى منها ، تاقت إلى ما هو أعلى منها - يعني الآخرة .
على قدر أهل العزم تأتي العزائم .
وجاءت مولاة لعمر بن عبد العزيز ، فقصَّت أنها رأت في المنام كأن
الصراط قد نُصب على جهنم ، وهي تزفر على أهلها ، وذكرت أنها رأت رجالًا
مُّوا على الصراط فأخذتهم النار ، قالت : ورأيتُك يا أمير المؤمنين وقد جيء
بك ، فوقع مغشيًّا عليه ، وبقي زمانًا يضطرب ، وهي تصيح في أذنه : رأيتك
والله قد نجوت(١) .
أخي، لما علم الصالحون قِصَرَ العمر، وحثّهم حادي ﴿وسارعوا﴾؛ طووا
مراحل الليل مع النهار انتهابًا للأوقات . أصغ سمعك لنداء ربك ﴿ففروا إلى
الله﴾، وبادرْ طَي صحيفتك، واحسرْ عن رأسك قناع الغافلين، وانتبه من رقدة
الموتى، وشمِّرْ للسباق غدًا، فإن الدنيا ميدان المتسابقين، واعلم أنما خُلقنا لنحيا
مع الخالق، ونافسْ في الفردوس، فإن الرحمن جلّ جلاله قد غرس غراسه بيده.
يا إخوتاه ، سيروا إلى ربكم سيرًا جميلًا .
(١) لطائف المعارف لابن رجب الحنبلى صـ ٢٦٠، ٢٦١ طبع دار الفتح .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٨
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
ونحن قعود ما الذي أنت صانعُ
أیا صاحِ هذا الر کبُ قد سار مسرعًا
صريعَ الأماني والغرام ينازعُ
أترضى بأن تبقى المُخلَّفَ بعدهم
أيذهب وقتّ وهو باللهو ضائعُ
على نفسه فلیبكِ مَنْ کان باکیًا
كن بقلبك بل بكلّك مع القوم الذين قال عنهم شيخنا ابن القيم ((حادي
الأرواح إلى بلاد الأفراح)) :
((رفع لهم علم الجنة فشمَّروا إليه ، ووضح لهم صراطها المستقيم
فاستقاموا عليه ، ورأوا من أعظم الغبن بيع ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ،
ولا خطر على قلب بشر في أبد لا يزول ولا ينفد ، بصبابة عيش إنما هو
كأضغاث أحلام ، أو كطيف زار في المنام ، مشوب بالنغص ، ممزوج
بالغصص ، إنْ أضحك قليلا أبكى كثيرًا ، وإنْ سَّ يومًا أحزن شهورًا ، آلامه
تزيد على لذاته ، وأحزانه أضعاف أضعاف مسرّاته ، أوله مخاوف ، وآخره
متالف .
فيا عجبًا من سفيه في صورة حليم ، ومعتوه في مسلاخ عاقل ، آثر
الحظ الفاني الخسيس على الحظ الباقي النفيس ، وباع جنة عرضُها الأرض
والسموات ، بسجن ضيِّق بين أرباب العاهات والبليَّات ، ومساكن طيبةً في
جنّات عدن تجري من تحتها الأنهار ، بأعطان ضيِّقة آخرها الخراب والبوار ،
وأبكارًا عُرُبًا أترابًا كأنهن الياقوت والمرجان ، بقذِرَاتٍ دَنِساتٍ سيئاتٍ
الأخلاق مُسافحات أو متخذات أخدان ، وحورًا مقصوراتٍ في الخيام ،
بخبيثات مسيّبات بين الأنام ، وأنهارًا من خمر لذة للشاربين ، بشراب بخس
مُذهبٍ للعقل، مُفسدٍ للدنيا والدين، ولذةَ النظرِ إلى وجه العزيز الرحيم ،
بالتمتُّع برؤية الوجه القبيح الدميم ، وسماعَ الخطاب من الرحمن ، بسماع
المعازف والغناء والألحان ، والجلوسَ على منابر اللؤلؤ والياقوت والزبرجد
في يوم المزيد ، بالجلوس في الطرقات مع كل شيطان مريد .
فلو توهَّم المتخلف عن هذه الرفقة ما أعدَّ الله لهم من الإِنعام ، وادَّخر
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول
٢٩
لهم من الفضل والإِكرام ، وما أخفى لهم من قُرَّة أعين لم يقع على مثلها
بصّرٌ ، ولا سمعتْهُ أُذُنْ ، ولا خَطَر على قلب بشر - لعلم أي بضاعة
أضاع ، وأنه لا خير له في حياته ، وهو معدود من سقط المتاع .
فياعجبًا لها ، كيف نام طالبها وكيف لم يسمح بمهرها خاطبُها ،
وكيف طاب العيش في هذه الدار بعد سماع أخبارها ، وكيف قَّ للمشتاق
القرارُ دون معانقة أبكارها ، وكيف قّت دونها أعينُ المشتاقين ، وكيف
صبرت عنها أنفسُ الموقنين ، وكيف صدفت عنها قلوب أكثر العالمين ،
وبأي شيء تعوّضت عنها نفوس المعرضين؟ !! )) (١).
لقد حرّك الداعي إلى الله وإلى دار السلام: النفوسَ الأبية ، والهممَ
العاليةَ ، وأسمع منادي الإِيمان مَنْ كانت له أُذُنْ واعية ، وأسمع الله مَنْ كان
حيًّا فهزّه السماع إلى منازل الأبرار، وحدا به في طريق سيره، فما حطّت
به رحاله إلا بدار القرار.
حدا بك حادي الشوق فاطو المراحلا
إذا ما دعا لبَّيْك ألفًا كواملا
نظرتَ إلى الأطلال عُدْنَ حوائلا
ودعْهُ فإنَّ الشوقَ يكفيك حاملا
طريق الهدى والحب تصبح واصلا
ركابُك فالذكرى تُعيدك عاملا
أمامك وردُ الوصل فابغِ المناهلا
فنورُهم يهديك ليس المشاعلا(٢)
فحيَّهلا إن كنتَ ذا هِمَّة فقد
وقلْ لمنادي حبِّهم ورضاهمُ
ولا تنظرِ الأطلالَ من دونهم فإن
فلا تنتظرْ بالسير رفقةَ قاعدٍ
وخذْ منهم زادًا إليهم وسْ على
وأحي بذكراهم سراك إذا دنت
وإما تخافنَّ الكلال فقل لها
وخذْ قبسًا من نورهم ثم سر به
لا تضعْ عصا السير عن عاتقك حتى تبدوَ لك أعلامُ دارِك وخيامها ،
(١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن قيم الجوزية صـ ٦ - ٧ .
(٢) زاد المعاد لابن قيم الجوزية .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٠
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الأول
وواصلِ السيرَ ليلَ نهارَ ، فعند الصباحِ يحمدُ القومُ السرى .
كيف لا يتسارع. في يومه وغده ، سير مَنْ قطع به أمسُهُ مرحلةً نحو
غايته ، ومن أيقن أنه يتبع رسولًا من أولي العزم عَ ظله، فكيف لا يستمد
منه عزمه(١) .
النية الصالحة ، والهِمَّة العليَّة : نفسٌ تضيء، وهمّة تتوقّد .
وبَعْدُ ، ياداعية الإِسلام :
إن مَنْ جَدّ وجد ، وليس من سهر كمن رقد .
هذا دبيب الليالي يُسارق نفسك ساعاتها ، وإنَّ سِلَعَ المعالي غاليات
الثمن ، وإنما ثمنُها اتِّباع مدارس السلف ، فانظر لنفسك واغتنم وقتك ، فإن
الثواء قليل ، والرحيل قريب ، والطريق مخوف ، والاغترار غالب ، والخطر
عظيم ، والناقد بصير(٢).
لو قال لك البطّالون من الكسالى: ((لو تفرّغت لنا))؛ فاقرعْ أسماعهم
بصوت عمر بن عبد العزيز : وأين الفراغ ؟ ذهب الفراغ ، فلا فراغ إلّا
عند الله ، لا مُستراح للعابد إلا تحت شجرة طوبى .
كن ممن قال فيهم البنا رحمه الله :
قد سهرت عيونهم والناس نيام، وشُغلت نفوسهم والخلُّون هُجَّع(٣).
من تراب فيك أطلع شهبا
من هشيم فيك أذكِ اللهبا
مقصْد الإِسلام تركُ الآفل
من لهيب القلب عِلمُ الكامِل
فحوته كالجنان الشعل(٤)
صدَّ إبراهيم عما يأفل
(١) الرقائق صـ ٤١ .
(٢) الرقائق صـ ١٣٧ .
(٣) إلى أي شيء ندعو الناس . للبنا، المجموعة صـ ٢٩١ .
(٤) الأسرار والرموز .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣١
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
قيل لبعض العباد : ارفقٍ بنفسك . قال : الرفقَ أطلبُ ، أو : من
الرفق أتيت(١) .
لما عرف الصالحون قدْرَ الحياة؛ أماتوا فيها الهوى فعاشوا، انتهبوا بأكُفِّ
الجدِّ، ما قد نثرته أيدي البطَّالين، ثم تخايلوا القيامة، فاحتقروا الأعمال، فماتت
قلوبهم بالمخافة، فاشتاقت إليهم الجوامد، فالجذعُ يحنُّ إلى الرسول عَ لٍ، و((إن
الجنة لتشتاق إلى ثلاثة: علي وعمَّار وسلمان))(٢)، أنفوا من مزاحمة الخلق في
أسواق الهوى ، وقوي شوقهم فلم يحتملوا حصْرَ الديار ، فخرجوا إلى فضاء
العز في صحراء التقوى ، وضربوا مخيم الجدِّ في ساحة المجد .
ليكن نشيدك : لا لا يا قيود الأرض .
أأقنع بروضة على مزبلة والملك يدعوني إلى فردوسه الأعلى ؟!
أأرضى بخرابات البلى عن الفردوس الأعلى ، يالها صفقة غبن ؟!
أأقنع بخسائس الحشائش والرياض مُعشبةٌ بين يديّ ؟!
لا يحصل خطير إِلا بخطر ، فالدُّرُّ في عقر اليم .
مَنْ لم تبكِ الدنيا عليه ، لم تضحك الآخرة إليه .
ما لججّ الغائصِ فِي طِلَابِهِ
لو قُب الُّّرُّ علی جلابه
لم تكن التيجانُ في حسابهِ
ولو أقام لزما أصدافه
إلا وراءَ الهولِ من عُبَايِهِ
ما لؤلؤُ البحرِ ولا مرجانُه
ما لقي المُحبُّ من أحبابهِ(٣)
من يعشقِ العليا يلق عندها
(١) اللطف في الوعظ لابن الجوزي صـ ١٥ .
(٢) حَسَنٌ: رواه الترمذي والحاكم في المستدرك عن أنس، وحسَّنه الترمذي والألباني في
صحيح الجامع رقم (١٥٩٤)، لكنه قال في المشكاة حديث (٦٢٢٥): وإسناده
ضعيف، وإنْ حسَّنه الترمذي، فإنَّ فيه عنعنة البصري، وفيه أبو ربيعة الإيادي.
(٣) اللطف في الوعظ لابن الجوزي صـ ٥١١ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣١
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الأول
وقتُ العارفِ جَدُّ كُلُّه؛ لعلمه بشرف الزمان ، لا وجه للراحة ،
لما عاينت أبصار البصائر يوسف العواقب ؛ قطعت أيدي الهوى بسكين
الشوق ، فإذا حان حين الحين؛ فرح سائر الليل بقطع المنزل، وصاحت
ألسنة الجد بالعاذلين ﴿ فذلكن الذي لُمْتُتَّي فيه ﴾ .
قلوب أبتْ أن تعرف الصبر عنه (( ما بأحشائهم عشقت فأسلو أثمان
المعالي غالية ، فكيف يستامها مفلس ؟ )).
وكيف يُنال المجدُ والجسمُ وادعٌ وكيف يُحازُ الحمدُ والوفُرُ وافُرُ
كلما تعاظمت الهِمَمُ ، تصاغرت الجُثَثُ .
ولستَ ترى الأجسامَ وهي ضئيلةٌ نواحَلَ إلا والنفوسُ كبارُ(١)
العوامُ يحملون المشاقَّ بنفوسهم وجسومهم، والخواصُّ بقلوبهم وهمومهم،
وقالوا: ((والقلب يحمل ما لا يحملُ البدن))، وقالوا :
وإنْ تروني أعادیها فلا عجبٌ
على النفوس جنايات من الهممِ
عن زرّ بن حبيش عن ابن مسعود، أنه كان رقيق الساقين ، فجعلت الريح
تُلقيه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله عَ له: ((مِمَّ تضحكون؟)).
قالوا : يانبي الله، مِن رِقّة ساقّيْه. قال: ((والذي نفسي بيده، لهُما أثقلُ في
الميزان من أحدٍ)). قال ابن كثير: تفرَّد به أحمد، وإسناده جيّد قوي(٢).
مفاوز الدنيا تُقطعُ بالأجسام ، ومفاوز الآخرة تُقطع بالِهِمَم والقلوب ،
والتذلّل لعلام الغيوب ، وأبواب الملوك لا تقرع بالأظافير ، بل بوجيب القلوب .
عالي الهمة لسان حاله :
إذا اشتغل اللاهون عنك بشغلهم
جعلت اشتغالي فیك یا منتهى شغلي
لسان حاله يقول :
اللطف في الوعظ صـ ٦٦ ، ٦٧ .
(١)
(٢) البداية والنهاية لابن كثير ٢٩/٢ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الأول
٣٣
هو فوق الزهرِ ما إنْ يستقرّ
قلبُهُ تحت سماءٍ لا يقرّْ
طائرًا فيما وراء الفلك(١)
طائر ينقُ نجمَ الحُبُكْ
((الكيِّسُ يقطعُ من المسافة بصحة العزيمة، وعُلُوِّ الهمة، وتجريد القصد،
وصحة النية مع العمل القليل ؛ أضعاف أضعافَ ما يقطعه الفارغ من ذلك ،
مع التعب الكثير والسفر الشاقّ ، فإن العزيمة والمحبة تُذهِبُ المشقةَ، وتُطيِّب
السيرَ ، والتقدم والسبق إلى الله، إنما هو بالهِمَمِ وصِدْقِ الرغبة والعزيمة ،
فيتقدم صاحب الهمة - مع سكونه - صاحب العمل الكثير بمراحل(٢).
مَنْ لي بمثل سيرك المُدلِّل تمشي رويدًا وتجي في الأوّل
أخي ، استجلب نور القلب بدوام الجد ، إنه استعلاء ، ثمنُهُ التعبُ ،
ليكن شعارك الصبر ، وراحتك التعب .
إن الداعية المسلم لايملك نفسه حتى يسوغ له أن يمنح نفسه إجازة ،
وإنما هو ((وقفٌ لله تعالى)).
اعلم يا أخي (( أن الراحة للرجال غفلة )) كما يقول الفاروق رضي الله
عنه ، وأتعبُ الناسِ من جلَّت مطالبه .
قال شعبة : لا تقعدوا فراغًا ، فإن الموت يطلبكم .
سأل سائل ابن الجوزي : أيجوز أن أفسح لنفسي في مباح الملاهي ؟
فقال له : عند نفسك من الغفلة ما يكفيها .
يقول ابن القيم: لابد من سِنَةِ الغفلة ورقاد الغفلة، ولكن كن خفيف النوم.
سلة فالعمر قليل
وانتبه من رقدة الغف
فهما داء دخيلْ
واطّرح سوف وحتی
(١) الأسرار والرموز لإِقبال .
(٢) الفوائد صـ ١٤٠.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٤
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
فاخلع الراحة ياأخي ، وليكن شعارك قولَ مُعلِّمِ الخير أحمد بن
حنبل لابنه : يا بُنَّي ، لقد أعطيتُ المجهود من نفسي .
رحمك الله يا إمام ... نفسٌ لهوها التعب .
استمع إليه حين يُسأل : متى يجد العبد طعم الراحة ؟ فيقول : عند
أول قدم تضعها في الجنة .
الطالب الصادق كلما ناله همٍّ أو حزن جعله في أفراح الآخرة و ((من
لمح فجر الأجر هان عليه ظلام التكليف )) ، كما يقول ابن الجوزي ، ولعمر
الله ما هو بظلام ، ولكنها لغة اضطر إليها ؛ ليعقل مرادَهُ الراقدون(١).
سأل رجل بلالًا مولى أبي بكر رضي الله عنه ، فقال له : مَنْ سَبَقَ ؟
قال : سبق المقرَّبون ، قال : إنما أسألك عن الخيل ؟ قال : وأنا أجيبك عن
الخير (٢) .
أخي ، هل أنت عالي الهمة .. أم تشتاق أن تكون من عُلاة الهمة ..
إذن فتعالَ ، واعرفْ صفة قلوبهم ، وحاكِهم .
فقلبُ عالي الهمة : قلبٌ لا يعرف القيود والقضبان .. لا تأسره
الأرض كلها وما عليها .
وقلبُ عالي الهمة : لا يُصاد بالطُّعم، فهو مُتطلِّعْ يَقِظُ ، لا يعرف
الغفلة ، ولا يحتال عليه كاذبٌ ، ولا يصيده شيطانٌ .
وقلبُ عالي الهمة : دائمُ الثأر من الشيطان .
يقول ابن القيم :
فإن كان قلبُه من قلوب الرجال المتسابقين في حلبة الجدِّ ؛ جدَّ في
أخذ الثأر وغاظ عدُوَّه كلَّ الغيظ وأضناه ، كما جاء عن بعض السلف : إن
(١) الرقائق ٤٩ - ٦٢ .
(٢) البيان والتبيين جـ٢ / ٢٨٢ للجاحظ - دار الفكر .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
٣٥
المؤمن لينفي شيطانه كما ينفي أحدكم بعيره في سفره(١).
وقلبُ عالي الهمة : لا يعرف التثاؤب ، ولا الراحة ، ولا السكونَ ،
ولا الترف، ((إن عبادَ الله ليسوا بالمُنْعَّمين)).
وكذا كان قلب الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ،
فقد كان يصوم حتى يعود كالخلال(٢)، فقيل له: لو أجممت(٣) نفسك؟
فقال : هيهات ، إنما يسبق من الخيل المضمرة(٤) .
عزمُ الرجال إذا ما استيقظت فيهِ
لا ينهض القلبُ إلا حين يدفعه
إلى السماء إذا هَّت تُناديهِ
أما الحياة فيبليها وتبليهِ
والحَبُّ يخترقُ الغبراءَ مُندفعًا
والقيدُ يألفه الأمواتُ ما لبثوا
نعم ، أبا القاسم الشابي :
إذا ما طمحت إلى غاية
ولم أتجنَّبْ وعورَ الشِّعاب
ومن لا يُحبُّ صعودَ الجبالِ
وقالت لي الأرضُ لما سأَلتُ
أباركُ في الناس أهلَ الطموح
وألعنُ من لا يُماشي الزمانَ
هو الكونُ حِّ، يُحبُّ الحياةَ
فلا الأفقُ يحضنُ مَيْتَ الطيورِ
ركبتُ المنى ونسيتُ الحذرْ
ولا كُبَّةَ اللهب المستعرْ
يعشْ أبدَ الدهرِ بين الحُفّرْ
يا أم هل تكرهين البشر ؟
ومَنْ يستلذُّ ركوبَ الخطر
ويقنعُ بالعيشِ عيش الحجْ
ويحتقرُ الميْتَ مهما كبُرْ
ولا النحلُ يلثمُ مَيْتَ الزهرْ
(١) ((نفا بعيره هزله، ونفا ثوبه خلعه، ونفا سيفه سلَّه)) مختار الصحاح ٦٦٥.
(٢) العود الذي يُخلِّل به الأسنان .
(٣) أي تركتها تستريح . من كتاب صفة الصفوة لابن الجوزي ٥٦٠/١ .
(٤) من كتاب الوقت عمار أو دمار لجاسم محمد بدر المطوع- بتصرف جـ ٢٦/٢-
٣١.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٦
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الأول
هذا هو الشعر ، وإلا فلا .
تصغي الوسوسة القمرْ
كن كالصقور على الدُّرا
جيفَ الحقيرة في الحُفر
لا كالغراب يُطارد الـ
نعم .
إذا أنتَ غَمَّت عليك السماءُ وضَلَّتْ حواسُّك عن صُبْحها
تغوصُ وتسبحُ في قيحها
فعشْ دودةً في ظلام القبور .
يا مُختَّثَ العزم ، أقلُّ ما في الرقعة البيذق، فلما نهض تفرزنَ(١).
أخي ، إنما تفاوتَ القومُ بالِهِمَم لا بالصُّوَر .
أخي ، الدنيا مضمار سباق ، وقد انعقد الغبار ، وخفي السابق ،
والناس في المضمار بين فارس وراجل ، وأصحاب حُمُرٍ معقرة .
سوف ترى إذا انجلى الغبارُ أتحتك فرسٌ أم حمارُ(٢)
رأى بعض الحكماء برذونًا(٣) يُسقى عليه، فقال: لو هملج (٤) هذا
لُرُكب.
طِرْ بجناح الجدِّ مِنْ وكْر الكسل ، تابعًا آثارَ الأحباب تصل .
جنابٌ ولا من نارهنَّ وقودُ
تَلَفَتُّ حتی لم یینْ من ديارهم
طوالَ الليالي نحوهم لَيَزِيدُ
وإنّ التفاتَ القلبِ من بعد طرْفِهِ
غداة جزعنا الرمل قلتُ أعودُ
ولو قال لي الغادون ما أنت مُشْتَهٍ
(١) الفوائد لابن القيم ص ٦٠. البيدق أو البيذق ((فارسي مُعرَّب)) من العساكر:
تفرزن البيدق ، صار فرزانًا من الفرزان ، وهو الملك في لعبة الشطرنج ، والمعنى
أن الإِنسان إذا جدًّ واجتهد ؛ فاز وساد .
(٢) الفوائد صـ ٦٦ .
(٣) البرذون: دابة دون الخيل وأقدر من الحمير ((البغل)).
(٤) هملج : مشى مشية سهلة في سرعة .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٧
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الأول
أأصبر والوعساء بيني وبينهم وأعلام خبتْ إنني لجليدُ
يا هذا .. الجد جناح النجاة ، والكسل كمزن ، مَنْ كَّ كدَّ العبيد؛
تنعَّم تنعُّم الأحرار ، ومَنِ امتطى راحلة الشوق ، لم يشْقَّ عليه بُعْدُ السفر .
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدرِ الكرام المكارمُ
يا هذا .. ركائب الرحيل قد أنيخت بالجناب ولم تتحرّج ، وناقد
البايع قائم على الباب ، ونقدك بهرج ، كيف يلحق السابقين كسلانُ
أعرجُ !! استوطأت مهاد الكسل ، وإبر النحل دون العسل .
إخواني ، إلى متى سُكر عن المقصود ؟ ألا صَحْوُ ساعة !
إِنْ دنت هِمَّتُك فخفْ من عقوبته ، وإنْ عَلَتْ قليلًا فأرغب في
معاملته ، وإن تناهتْ فتعلَّقْ بمحبته .
إن قصُرت هِمَّتُك فآثرتْ قطْعَ الشوك صحبك حمارٌ ، وإنْ رضيت
سياسة الدواب رافقك بغل ، وإن سددت بعض الثغور أُعطيتَ فرسًا ، فإن
كنتَ تُحسن السباق ؛ كان عربيًّا ، فإنْ عزمتَ على الحج ركبتَ جملًا،
وإن شمخت هِمَّتُك إلى المَلِك ، فالفيل مركب الملوك .
رأيتُ عليَّات الأمور منوطة بمستودعات في بطون الأساودٍ
ليس كل الخيل للسباق ، ولا كل الطيور تحمل الكتب .
أخي ، من طلب الأنْفَسَ هجر الألدَّ، مَن اهتمَّ بالجوهر نسي
العرض .
في حُبُكم يهون ما قد ألقى ما يحصل بالنعيم من لا يشقى
ما وصل القوم إلى المنزل إلا بعد طول السرى ، ما نالوا حلاوة الراحة
إلا بعد مرارة التعب ، فأين أنت من هذا ؟!
يا من إذا أصبح طلب المعاش بالشهوات ، وإذا أمسى انقلب إلى فراش
الغفلات ، أين أنت من أقوام نصبوا الآخرة نُصْبَ أعينهم فنصبوا ، فوفر
النصب نصيبهم ﴿ إنا أخلصناهم بخالصةٍ ذكرى الدار ﴾ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٨
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
قال بعض السلف : لقيت رجلًا في برية ، فقلت : من أين ؟ فقال :
من عند قوم ﴿ لا تُلهِهِم تجارةٌ ولا بيْعٌ عن ذكر الله ﴾، فقلت: وإلى
أين ؟ فقال : إلى قوم ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع ﴾ .
بنفسي من غداة نأيتُ عنهم تركتُ القلب عندهمُ رهينا
أمالَكَ أيها القلبُ اعتبارٌ بما فعل الهوى بالعاشقينا
ملئوا مراكب القلوب متاعًا لا ينفق إلا على الملك ، فلما هَبَّت رياح
الدُّجى دفعت المراكب .
على العقيق وقّت في رِبی إضَمِ
إذا الصَّبا سحبت أذيالها سَحَرًا
وشيحةً وجرت في الضالِّ والسَّلم
وحرَّشت بين بانِ الجزعِ ظالمةً
ش بالروح بعد الأخذِ بالكظم
تنفّس الوجدُ وارتاح المشوقُ وعا
ياسوق الأكل ، أين أرباب الصيام ؟! يا فُرُشَ النوم ، أين حُرَّاسُ
الظلام ؟! درست والله المعالم ، ووقعت الخيام ، قفْ بنا على الأطلال نخصُّها
بالسلام .
أين سكانُك لا أين هم أحجازًا سلكوها أم شآَمَا
فنهبناه استلامًا والتزامًا
قد وقفنا بعدهم في ربعھم
أترى أي طريق سلكوا ؟ أترى أي شِعبٍ أخذوا ؟
حمامة الواديين ما الخبرُ ؟ أعرّسوا بالفرات أم عبروا
إخوتاه .. انتبهوا من رقدات الأغمار ، وانتهبوا لحظات الأعمار ،
وقاطعوا الكسل فقد قطع الأعذار ، واسمعوا زواجر الزمن ، فما داجي
الدجى وقد بهر النهار ، وخذوا بالحزم فقد شفى تلف من رضي بشفا جُرُفٍ
هار .
الله دَرُّ العارفين بزمانهم، إذْ باعوا ما شانهم بإصلاح شأنهم، ما أقلّ
ما تعبوا ، وما أيسر ما نصبوا ، وما زالوا حتى نالوا ما طلبوا ، شمَّروا عن
سوق الجدّ في سوق العزائم ، ورأوا مطلوبهم دون غيره ضربة لازم ، وجادوا
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٩
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
مُخلصين فربحوا إذا خسر حاتم ، وأصبحوا في منزل النجاة وأنت نايم ،
متى تسلك طريقهم يا ذا المآثم ؟!متى تندب الذنوب نذْب المآتم ؟!
يا رجالًا ما بانت رجوليتهم إلا بالعمائم، يا إخوان الأمل ، قد بقي القليل ،
وتفنى المواسم ، أين أنت من القوم ؟! ما قاعد كقائم .
طريقًا من المخافة وعرا
صحب الله راكبين إلى العز
خوفَ أن يشربوا من الضيم مّا
شربوا الموتَ في الكريهة حُلْوا
شَمَّر المتقون عن سوق الجد في سوق المعاملة ، كلما رأوا مراكب
الحياة تخطف في بحر العمر ؛ شغلهم هولُ ما هم فيه عن التنُّه في عجائب
البحر ، فما كان إلا قليل حتى قدموا من السفر ، فاعتنقتهم الراحة في طريق
التلقِّي ، فدخلوا بلد الوصل ، وقد حازوا ربح الدهر .
والقلبُ عاٍ وراء الخوف مأسورُ
زمُّوا المطايا فدمعُ العين منطلقٌ
وحطّهم لظلال البانِ تهجيرُ
فغلَّسوا من زرود وجه یومهمُ
غنَّتْ على فنقِ سلعِ العصافير
وضمَّنوا الليلَ سلعا إذ رأوه وقد
أملُهم أقصرُ من فتر ، منازلهم أقفُ من قبر ، نومُهم أعُّ من الوفاء ،
السهر عندهم أحلى من رقدة الفجر ، أخبارهم أرقُّ من نسيم السَّحَر ، آماقهم
بالدموع دامية ، والهموم على الجوانح جوانح ، لأنفسهم أنفاسٌ من مثلها
يهيج البهيجُ ، روض رياضتهم مطلول الخمايل ، يُحَدِّث ريًّا ريِّه عنهم ،
فالرايحة رائجة بالخير ، خذْ حديث القوم جملة واقنع بالعنوان ؛ كواكبُ هِمَمِھم
في بروج عزائمهم سيَّارة، ليس فيها زُحَل . ناموا في الدجى على مهاد القلق ،
فلمّا جنَّ الليل جنَّ الحذر ، فاستيقظت عينٌ ما تهنَّت بطعم الرقاد .
كفى سائقًا بالشوق بين الأضالعْ لهيبُ اشتياقٍ ثم فيضُ مدامعْ
كلهم قد بات بليل النابغة ؛ التائب يقول : أنا المُقُرُّ على نفسي
بالخيانة ! أنا الشاهد عليها بالجناية !
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٠
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الأول
يا عتادي لمُلمَّاتِ الزمنْ
اعفُ عني وأقْني عثرتي
٥
ندمٌ أقلق روحي في البدن
لا تُعاقبني فقد عاقبني
والمتعبِّدُ يبكي على الفتور بكاء الثكلى بين القبور ، ويندب زمان
الوصال ، ويتأسَّف على تغير الحال .
قد كان لي مشربٌ يصفو برؤيتكم فكدَّرته يدُ الأيام حين صفا
والخائف ينادي : ليت شعري ، ما الذي أسقطني من عينك ، أقلتَ :
هذا فراقُ بيني وبينك ؟!
آهٍ لأمراض نفوسٍ قد يئس طبيبُها، ولأصوات مواعظَ قد أخرس مُجِيبُها.
الحزمُ مطيّة النُّجْحِ ، والطمعُ مركبُ التلف ، والتواني أبو الفقر ،
والبطالةُ أُمُّ الخسران ، والتفريطُ أخو الندم ، والكسلُ ابنُ عمِّ الحسرة .
أخي ، ما يحصل بردُ العيش إلا بحرِّ التعب، ما العزّ إلا تحت ثوب الكدِّ ،
على قدر الاجتهاد تعلو الرُّتب.
هذا جمعٌ جمعتُه لكل مسلم ؛ صادقِ الإِيمان ، نقِّ العقيدة ، ذي همَّة ،
ينظر إلى واقع الأمة وسقوطها في المستنقع الآسن .
وأمُرُك مُمتثل في الأممْ
وقائلة لِمَ غيّتك الهمومُ
فإن الهمومَ بقدر الهمَمْ
فقلتُ ذريني عَلَى غَصَّتي
هذا الوحل ... وهذا الواقع المرير الذي يُبكي قلوب الرجال ، وآهٍ من
بكاء الرجال ... فما ظنُّك ببكاء النساء ... وبكاء المقدسات .
ومن يُعيدُ لك البيتَ الذي خربا
أيا فلسطين .. من يُهديك أفئدةً
عن الحنان ولكن ما وجدتِ أبا
شِرِّدتِ فوق رصيفِ الدمع باحثةً
من يعبدُ الجنسَ أو من يعبدُ الذهبا
تلفّتي تجدينا في مباذلنا
فمسِّحي عن جبيني الحزنَ والتَّعبا
يا شامُ إن جراحي لا ضفافَ لها
أَقْبُلُ الأرضَ والأمجادَ والشُّهُبَا
أتيتُ من رحم الأحزانِ يا وطني
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com