النص المفهرس

صفحات 1-20

سلْسَلَة الأَجْزَاءَ وَالكُتُبْ الحَديثيّة
( ١٩ )
إِنَّالِ اتَّ سَعُونَ
الإِمَامِ الْوَاعِظِالمُحَدِّثِ
◌ِ يُحُسَيِ مُحَ مْ أَمْكَ بِسّمَا عِيَ نْ عَبْسُ لَعَدَادِّ
ولِد ◌َسَنَة ٣٠٠ هـ وتوفي سنة ٣٨٧ هـ
-حِمَهُ اللّه تَعَالَى
دِرَاسَة وَحَقِيْق
الدَّكُ عَامِر مَسْنِ صَّىّ
دَارُ الشَِّ الإسْلامِيَّة
.....

------- ----------
إِنَالِ اسْ تَمُونَ
3
سرمو

جَمِيعُ الْحُقُوقِ مَخَفُوظَةٌ
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢مـ
دَار البشائر الإسْلاميّة
للطّباعَة وَالنّشرٌّ وَالتّوزيع هَاتفُ: ٧٠٢٨٥٧ - فاكس: ٧٠٤٩٦٣/ ٠٠٩٦١١
e-mail:
bashaer@cyberia.net.lb
بيروت - لبنانُ صَب: ١٤/٥٩٥٥

.. .. .
E

من أقوال الأئمة
في أبي الحسين ابن سَمْعُون
قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحمنِ السُّلَمِيِّ:
هُو مِنْ مَشَابِخِ البغداديِّينِ، لهُ لِسَانٌ عالٍ في هذه العلوم، لا
ينتمي إلى أستاذٍ، وهو لسانُ الوَقْتِ، والمرجوُ إليه في آدابِ
المُعَاملاتِ، يَرْجِعُ إلى فُنُونٍ مِن العِلْمِ: القراءاتِ، وعلمِ الظَّاهِرِ،
يذهبُ إلى أشدِّ المَذَاهِبِ، وهو إمامُ المتكلِّمينَ على هذا اللِّسانِ في
الوقتِ، لَقِيتُهُ وشَاهَدْتُه.
قَالَ الخطیبُ البغداديُّ :
كانَ أَوْحَدَ دَهْرِهِ، وفَرْدَ عَصْرِهِ فِي الكَلاَمِ عَلَى عِلْمِ الخَوَاطِرِ،
دَوَّنَ النَّاسُ حِكَمَهُ، وجَمَعُوا كَلاَمَهُ، وكَانَ بعضُ شُيُوخِنَا إذا حَدَّثَ
عَنْهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيخُ الجَلِيلُ المُنْطَقُ بِالْحِكْمَةِ.
قَالَ الذَّهَبِيُّ:
هو الشيخُ الإِمامُ الوَاعِظُ الكَبِيرُ المُحَدِّثُ شَيْخُ زَمَانِهِ بِبَغْدَادَ.
٥
:
!..... . ...
٠٠٠
...........
.........

مُقَدّمَة
بِئْمِاللهِالرَّحْمنِ الرَّحْمِ
الحمدُ للَّهِ ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى سَيِّدِ الأَوَّلِينَ والْآخِرِينَ،
سيِّدنا مُحَمَّد عَلَيْهِ أفضل الصَّلاةِ وأَتُّ التَّسْلِيمِ، وعَلَى آلِهِ وأَصْحَابِهِ إلى يَوْم
الدِّينِ.
وبعد :
فَإِنَّ عُلَمَاءَ الحَدِيثِ تَفَتَنُوا في تَصْنِيفِ الكُتبِ التي تَجْمَعُ أَحَادِيثَ
رَسولِ اللَّهِ ◌ََّ، على مناهجَ مختلفةٍ، وطُرُقٍ متنوِّعَةٍ، واهتمُّوا بذلك اهتماماً
كبيراً، يَحقُّ لِلَّجيالِ اللَّحِقَةِ أَنْ يَفْخَرُوا بهذا الإِنجازِ الكبير، الذي لا يوجدُ لهُ
نَظِيرٌ في تاريخِ تصنيفِ العُلومِ وتدوينها .
ومن هذه المناهج الكثيرةِ: منهجٌ يُسَمَّى عندَ عُلَمَاءِ الحَدِيث بـ (الأَمالي)،
- وسوف نذكر أَهَمِّيَةَ هذا التصنيف وفائدتَه وطريقةَ التأليف فيه -. ومن كتب
الأمالي هذا الكتاب المُسَمَّى بـ (أمالي أبي الحسين ابن سَمْعُون الواعظ)، وهو
من الكتبِ المُشْتَهَرَةِ عند الأئمةِ المُحَدِّثينَ، وتَرْجِعُ أَهَمِّيتُه إلى عُلُوِّ أسانيدهِ،
وتفرُّده بأحاديثَ لا توجدُ إلَّ في بعض الكتب التي جمعتِ الأفرادَ والغرائبَ من
أمثال: معجمِ الطَّيرانيِّ الأوسطِ، وكتابِ الغَرَائِبِ والأفرادِ للدَّارقطني، وبعض
كتب العلل، وبعض كتبٍ الأمالي والفوائد، وغيرها.
مه
٧
........ ........-*..**
:
.
:
.
:
----.
٠٠.
......
:
...........

******. Impm
وهذا الكتاب كان ضمن المخطوطات التي ما زالَ كثيرٌ منها ينتظرُ من يُزِيلُ
عنها الغُبارَ، فيحقّقها وينشُرُها وينفعُ بها الأُمَّةَ، ولم آلُ جَهْداً في خدمته،
وتفصيلِ فَقَراته، ومقابلةِ مَخْطُوطاتِهِ، وتخريجِ أحاديثِهِ وآثارِهِ، والكشفِ عن
نُصوصه بما یقرِّبه إلى الباحثين.
ولا يفوتني أن أُقَدِّم الشُّكرَ الجَزِيلَ للمسؤولين في جامعتي العامِرَة (جامعة
الإمارات العربية المتحدة)، لما قاموا به من دعم مادي ومعنوي في سبيل إخراج
هذا الكتاب على الوجهِ اللَّئِ الذي يَصْبُو إليه علماءُ هذا الفَنِّ، وَفَقَ اللَّهُ تعالى
القائمينَ عليها، وأسألُهُ سبحانه أن يجزيَهم عَنِّي خيرَ الجَزَاءِ، وأن يُضَاعِفَ لهمُ
الأَجرَ والمثوبةً، كما نَسْألُه أن يجعلَ هذا العمل في ميزان عملنا يوم نلقاه، إنَّه
سميعٌ مُجيبٌ، وهو تعالى مِنْ وراءِ القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيلِ .
٠٠٠
٨
........
..........
.... ...
.... ...
٠٫٠٠٠

الفصل الأول
ترجمة الإِمام أبي الحسين ابن سَمْعُون(١)
( أ) اسمه ونسبه، وولادته، ووفاته :
هو الإِمام الحافظ الواعظ أبو الحسين محمد بن أحمد بن إسماعيل بن
عنبس بن إسماعيل، المعروف بابن سَمْعُون، البغدادي الحنبلي.
وسمعون: هو لَقَبُّ جَدِّه الأعلى إسماعيلَ، والد عنبس.
وُلِدَ سنة ثلاث مئة.
وتُؤُفِّي يومَ الخميس لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ خَلَثْ مِن ذِي القَعْدَةَ، سنة سبع وثمانين
وثلاث مئة، ودُفِن يوم الجمعة، بشارع العتّابیین.
(١) تُنظر ترجمته في: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى الحنبلي ٢٧٧/٣، وسِيّر أعلام النُّبلاء
للذهبي ٥٠٥/١٦، وفي حاشية هذين المصدرين مصادر كثيرة لترجمته، ويضاف إليهما
مصادر أخرى لم تذكر فيهما، وهي: كتاب القُصَّاص والمذكِّرين لابن الجوزي
ص ٢٩١، والمقتنى في سرد الكنى للذهبي ١٨٧/١، والمغني في الضعفاء له
٥٤٩/٢، ومسالك الأبصار في ممالك الأمصار للعمري ص ١٦٦ (السفر الثامن -
طوائف الفقراء، الصوفية)، ولسان الميزان لابن حجر ٦٠/٥، ونزهة الألباب
في الألقاب ١/ ٣٧٥، وتبصير المنتبه بتحرير المشتبه ٢٥/٢، وتاج العروس
للزبيدي ٢٢٨/٢١.
٩
٠ .. . .....................................................................................................................................................
:
..----...
.....-......

٠٠٠٠٠٠٠٠٠
.........
وقد حدَّث الإِمامُ أبو الحسين قبل وفاته أنَّه سَيُّدْفَنْ ثُمَّ يُنْبَش ثُمَّ يُدْفَن،
وقد وقع ذلك كما أخبرَ، قال أبو الحسن البَرَدَانِيُّ: لمَّا حَضَرَتِ ابنَ سمعونَ
الوفاةُ قال لهم: إِنِّي أُذْفَنُ ثُمَّ أُنْبَشُ، فَلَمَّا فُرِغَ مِنْ غُسْلِهِ ظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُمْ يَحْمِلُونَه
إلى الجامعِ يُصَلُّونَ عليه، فاجتمع الخَلْقُ في الجَامِعِ، فَصَلُّوا عليه في باب
الشَّام، ودَفَنُوه، فَمَضَى الخَبَرُ إلى أهلِ الجامعِ أَنَّهُ قَدَ دُفِنَ، وكانَ مُتَقَدَّمِهِمْ:
أبو الفضل الثَّميمي، فقال: مَنْ دَفَنَهُ؟ قُوموا مَعِي، فقامَ والخَلْقُ معه حَتَّى أتى
الدَّارَ الَّتِي قَدْ دُفِنَ فِيهِ فَنَشَهُ، وحَمَلَهُ إلى الجَامعِ، فَصَلَّى عليهِ، ثُمَّ رَدَّه
ودَفَنُوه(١) .
وغَسَله مرَّة أخرى أبو نَصْرٍ، وأبو عبد اللّه بن حامد الفقيهُ الحَنْبلي(٢)،
وصَلَّى عليهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَخُوهُ الحسنُ، ثُمَّ صَلَّى عليه أبو الفَضْلِ الثَّميميّ، وقد تَبِعَ
الجَنَازَةَ خَلْقٌ عَظِيمٌ.
ثُمَّ نُقِلَ في الحادي عَشَرَ مِن رَجَبَ سنةَ ستّ وعشرين وأربعمائة، ودُفِنَ
بمقبرة الإِمام أحمد ببابٍ حَرْبٍ، وكان قَبْرُه معروفاً، فقد ذكر الذهبيُّ الإِمامَ
الزَّاهد أبا العبّاس بن الطَّلايةَ (ت ٥٤٨)، فقال: دُفِنَ إلى جَنْبٍ أبي الحسين بن
سمعون(٣) .
(ب) نشأته، وطلبهُ العلمَ، ومشايخه :
نشأ أبو الحسين ببغداد، وكان في بداية عُمُرِهِ فَقِيراً، فقد ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ في
أَوَّلِ أَمْرِهِ ينسخُ بِالْأُجْرَةِ، ويُنْفِقُ على نفسه وأُمُّهِ، وأَنَّه حَدَّثها يوماً - وكانَ بَارًّا
(١) طبقات الحنابلة ٢٨٧/٣. وأبو الفضل التميمي هو: الإمام الفقيه عبد الواحد بن عبد العزيز.
البغدادي الحنبلي، توفي سنة (٤١٠). انظر: السير ٢٧٣/١٧.
(٢) هو: أبو عبد الله الحسن بن حامد بن علي البغدادي، الإمام الفقيه، شيخ الحنابلة ومفتيهم.
تُوُنِّي سنة (٤٠٣). انظر: السِّيَر ٢٠٣/١٧.
(٣) السِّيَر ٢٦٣/٢٠ .
١٠

لها - فقالَ: أُحِبُّ أَنْ أَحُجّ، فقالتْ له: يا ولدي، كيفَ يُمْكِنُكَ الحَجُّ وَمَا مَعَكَ
نَفَقة، ولا لي ما أُنْفِقه، إنَّما عَيْشُنَا مِنْ أُجْرَةِ هذا النَّسْخِ؟ ... إلخ(١).
وبَدَأَ بطلبِ العِلْمِ في صِغَرِهِ، وتحمَّل مِنْ شيوخِ بَلَدِهِ، ومن الوافدين
عليها، وكانت هذه عادة طَلَبَةِ العلمِ، الاستفادةَ من حديث أهل بلدهم، ثم
الارتحالُ إلى الأمصارِ لسماع الحديث، والالتقاء بالشيوخ.
وقد ارتحل أبو الحسين إلى دمشق سنة (٣٣٢)، وروى فيها عن بعض
شيوخها مثل ابن زَبَّان الدمشقي وغيره، ولا يبعد أن يكون أبو الحسين رَحَلَ إلى
بِلاَدٍ أُخْرَى، كالكوفة والبصرة والحجاز وغيرها، ولكن لم أَجِدْ أَحَداً نصَّ على
ذلك، إلاّ أنه سيأتي قوله: لو قنعنا بالإِجازة ما سافرنا الأسفار البعيدة، وهذا
يدل على سفره، والله أعلم.
وقد حَصَرتُ شُيُوخه في الأمالي فكانَ عددهم تسعةَ عَشَرَ شَيْخاً
وسنذكرهم في الفصل القادم، وروى أبو الحسين عن شيوخ آخرين، لم ترد لهم
رواية في الأمالي، ذكر بعضهم الخطيب البغدادي في تاريخه، وقد وقفتُ على
بعضهم، وهم:
١ - أحمد بن عبد اللَّه بن سليمان بن عيسى بن الهيثم أبو الفضل
الوَرَّاقُ، المعروف بابن الفافي، قال عنه الخَطِيبُ: حدثنا عنه الحسن بن
رِزْقويه، وكان ثقة(٢).
٢ - أبو بكر الشِّبْلي، شَيْخُ الصُّوفية، تُوُقِّي ببغداد سنة (٣٣٤)، عن
نيِّ وثمانين سنة (٣).
(١) تاريخ دمشق ١٠/٥١، والسِّيَر ٥٠٦/١٦.
(٢) تاريخ بغداد ٢٣٣/٤.
(٣) سِيَر أعلام النُّبلاء ٣٦٧/١٥.
١١
:

.........
وقد روى عنه أبو الحسين ابن سمعون حكاية، ذكرها الخطيب في
تاریخه(١) .
٣ - أبو الحسن علي بن إسماعيل الأَشْعَرِي، الإِمام العَلَّمة إمام
المتكلِّمين، المتوفّى سنة (٣٢٤)(٢).
ذكر الإِمام ابن عساكر أبا الحسين بن سمعون في كتابه (تبيين كذب
المفتري)، ضمن أصحاب أبي الحسن فقال: ذِكْرُ جماعةٍ مِن أَعْيَانِ مَشَاهِير
أصحابه، ثم ذكره في الطبقة الأولى منهم(٣).
٤ - أبو القاسم عمر بن الحسين البغدادي الخِرقي الحنبلي، شيخُ
الحنابلة، صاحب المختصر المشهور في المذهب، تُؤُفِّي سنة (٣٣٤) (٤).
وقد قرأ أبو الحسين هذا المختصر على مؤلِّفه الإِمام أبي القاسم، كما
ذكر ذلك ابن أبي يعلى في طبقاته(٥). وكان بعض الحنابلة يروون كتاب
الخِرَقي من طريق أبي الحسين، فقد ذكر ابنُ مُفْلِح الحنبلي في ترجمة نصر بن
أبي السعود بن مظفر (ت ٦٤٣) أَنَّهُ سَمِعَ المختصر عن عبد الخالق بن
عبد الوهاب الصَّابوني، عن ابن كَادَش، عن أبي علي المبارك، عن ابن
سمعون(٦)، عن مؤلفه.
(١) تاريخ بغداد ٣٩٣/١٤.
(٢) انظر: السير ٨٥/١٥.
(٣) انظر: تبيين كذب المفتري فيما نُسِب إلى الإِمام أبي الحسن الأشعري ص ١٧٧
و ٢٠٠.
(٤) انظر: سِيَر أعلام النُّبلاء ٣٦٣/١٥. وهذا المختصر هو الذي شرحه الإِمام ابن قدامة
المقدسي (ت ٦٢٠) في كتابه المشهور («المغني)).
(٥) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ٢٧٨/٣.
(٦) المقصد الأرشد ٥٩/٣ - ٦٠.
١٢٠

.... ... .... ..................................-....
(ج) جوانب من أحواله :
كان أبو الحسين مثالاً للعلماء العاملين، وكان وَقُوراً ذَا هَيْبةٍ وجَلَالٍ
وخشية للَّه تعالى وتواضعٍ .
كما أَنَّه كان يلبسُ أَحْسَنَ الثََّابِ وأَجْمَلهَا، قال الإِمام المحدِّث أبو بكر
أحمد بن محمد بن غالب البَرْقَانِي (ت ٤٢٥): قلت لأبي الحسين بن سمعون:
أَيُّهَا الشَّيخُ، أنت تدعو النَّاسَ إلى الزُّهد في الدُّنيا والتَّرْك لها، وتلبسُ أحسنَ
الثياب، وتأكل أطيبَ الطَّعام، فكيف هذا؟ فقال: كُلُّ ما يُصْلِحُكَ للَّهِ فافْعَلْه،
إذا صَلُحَ حَالُكَ مَعَ اللَّهِ بلبس ليّنِ التِّيابِ، وأكلٍ طَيِّبِ الطَّعامِ، فَلاَ يَضُرّكِ(١).
وكان موصوفاً بأنه صاحب كرامات، وسنذكر بعضاً منها في الفقرة
القادمة .
وكان قوَّالاً بالحَقِّ، آمراً بالمعروفِ، نَاهِياً عن المنكرِ، لا يخاف في اللَّهِ
لومة لائم، وقد ذكر الإِمام ابن أبي يعلى في طبقاته حادِثَةً تؤكِّد هذا المعنى،
نسردها كما جاءت:
قال أبو الحسين الفَرَّاءُ(٢): وَقَرَأْتُ بِخَطُّ أَخِي أَبِي القَاسِمِ قَالَ: قَالَ شُكْرٌ
العَضُدِيُّ: لَمَّ دَخَلَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَادَ، وَقَدْ هَلَّكَ أَهَّلُهَا قَتْلاً، ونَهْباً
وحَرْقاً، وَخَوْفاً؛ لِلفِتَنِ الَّتي اثَّصَلَتْ بَيْنَ السُّنَّةِ والشِّيْعَةِ، فَقَالَ: الْآَفَةُ القُصَّاصُ،
فَتَادَىْ فِي البَلَدِ: أَنْ لاَ يَقُصَّ أَحَدٌ في جَامعٍ ولا طَرِيقٍ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ أَنَّ
أَبَّ الحُسَيْنِ بن سَمْعُون جَلَسَ عَلَى كُرْسِيُّهِ فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ بِجَامِعِ المَنْصُورِ،
وتَكَلَّمَ عَلَى النَّاسِ، فَأَمَرَبِي بِأَنْ أُنْفِذَ إِلَيْهِ مَنْ يُحَصِّلُهُ عِنْدِي فَفَعَلْتُ.
فَدَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ لَهُ هَيْبَةٌ، وَعَلَى وَجْهِهِ نُوْرٌ، فَلَمْ أَمْلِكُ أَنْ قُمْتُ إلَيْهِ،
(١) تاريخ بغداد ٢٧٥/١، وطبقات الحنابلة ٢٧٩/٣، والسِّير ٥٠٧/١٦.
(٢) طبقات الحنابلة ٢٨٣/٣ - ٢٨٤، وانظر: السِّير ٥٠٩/١٦.
١٣
:
:
:

وَأَجْلَسْتُهُ إِلَى جَانِي، فَلَمْ يُنْكِرْ ذُلِك، وجَلَسَ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ، وأَشْفَقْتُ واللَّهِ أَنْ
يَجْرِيَ عَلَيْهِ مَكْرُوهٌ عَلَى يَدَيَّ، فَقُلْتُ: أَيُّهَا الشَّيْخُ، إِنَّ هُذَا المَلِكَ جَبَّارٌ عَظِيمٌ،
وَمَا كُنْتُ أُوثر لَكَ مُخَالَفَةً أَمْرِهِ، والآنَ فَأَنَا مُؤْصِلُكَ إِلَيْهِ، وَكَمَا تَفَع عَيْنُكَ عَلَيْهِ
فَقَبِّل التُّرَابَ، وَتَلَطَّفْ فِي الجَوَابِ إِذَا سَأَلَكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّـهِ، فَعَسَاهُ أَنْ
يُخَلِّصَكَ مِنْهُ، فَقَالَ: الخَلْقُ والَمْرُ للَّهِ عَزَّ وجَلّ، فَمَضَيْتُ بِهِ إلَى حُجْرَةٍ فِي
آخرِ الدَّارِ، قَدْ جَلَسَ المَلِكُ فِيهَا مُنْفَرِداً، خِيْفَةَ أَنْ يَجْرِيَ مِنْ أَبِي الحُسَيْنِ بَادرةٌ
بِكَلَامٍ فِيهِ غِلَظٌ، فَتَسِيرَ بِهِ الرُّكْبَانُ، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْ بَابِ الحُجْرَةِ وَقفتُهُ وقُلْتُ لَهُ:
إِيَّكَ أَنْ تَبْرَحَ مِنْ مَكَانِكَ حَتَّى أَعُودَ فَأُدْخِلَكَ، وإِذَا سَلَّمْتَ فَلْيَكُنْ بُخُشُوع
وخُضُوعٍ، فَدَخَلْتُ لِأَسْتَأْذِنَ لَهُ، فَالْتَّفَتُّ فَإِذَا هُوَ وَاقِبٌ إِلَى جَانِي، قَدْ حَوَّلُ
وَجْهَهُ نَّحْوَ دَارِ بُخْتِيَارِ، وقَرَأَ: ﴿وَ كَذَلِكَ أَخْذُ رَيْكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَِّى وَهِىَ ظَلِمَةُ إِنَّ أَخْذَهُ,
أَلِرٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢].
ثُمَّ حَوَّلَ وَجْهَهُ نَحْوَ الملِكِ، وقَرَأَ: ﴿ثُمَّ جَمَلْتَكُمْ خَيْفَ فِى الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ
لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤]، وَأَخَذَ في وَعْظِهِ فَأَتَى بِالعَجَبِ، فَدَمَعَتْ
عَيْنُ المَلِكِ، وَمَا رَأَيْتُ ذُلِكَ مِنْهُ قَطُ، وتَرَكَ كُمَّهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَتَرَاجَعَ
أَبُو الحُسَيْنِ فَخَرَجَ، ومَضَى إلى حُجْرَتِي، فَقَالَ المَلِكُ: امْضٍ إلَى بَيْتِ المَالِ،
وخُذْ ثَلاثَةَ آلآفِ دِرْهَمٍ، وَإِلَى خَزَانَةِ الكِسْوَةِ وخُذْ مِنْهَا عَشْرَةَ أَثْوَابٍ، وادْفَعْ
الجَمِيعَ إِلَيْهِ، فَإِنْ امْتَنَعَ فَقُلْ: فَرَّتْهَا فِي فُقَرَاءِ أَصْحَابِكَ، فَإِنْ قَبِلَهَا فَجِئْنِي بِرَأْسِهِ،
فَاشْتَدَّ جَزَعِي، وَخَشِيتُ أَنْ يَكُونَ هَلَاكُهُ عَلَى يَدِي، فَفَعَلْتُ، وَجِثْتُهُ بِمَا أَمَرَ،
وقُلْتُ لَهُ: قَالَ لَكَ: اسْتَعِنْ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمَ فِي نَفَقَتِكَ، وَالْبَسْ هُذِهِ الشِّابَ،
فَأَبَىُ، فَقُلْتُ: فَرَّتْهَا فِي أَصْحَابِكَ، فَقَالَ: أَصْحَابُهُ إِلَى هذَا أَفْقَرُ مِنْ أَصْحَابِي،
فَعُدْتُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي سَلَّمَنَا مِنْهُ، وسَلَّمَهُ مِنَّا، أَوْ كَمَا قَالَ.
وكانَ أَبُو الحسينِ مُشَارِكاً للعُلَماءِ في أُمُورِهِم العَامَّةِ والخَاصَّةِ، فقد ذكر
١٤

حمزةُ السَّهْمِي في ترجمةِ الإِمام أبي بكر الإِسماعيلي، أنَّه لما كان ببغداد في
سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة وردَ كتابٌ بنعي الإِمام الإِسماعيلي، فاجتمع جميع
الفقهاء والمتفقهة في مسجد الفقيه أبي القاسم الدَّارَكي(١)، في مسجده ثلاثة
أيام، وكانَ وُجُوهُ أهلِ بغداد من الفقهاءِ والأشرافِ والتُّجَّار يحضرون ويعزُّون،
ثم قال: وكذلك جماعة من مشايخ أهل السُّنَّة على مذهب أحمد، مثل:
أبي الحسين بن سَمْعُون، ومن مشايخ المُحَدِّثين، مثل: أبي الحسن
الدَّار قطني، وأبي حفص بن شَاهِين، وأبي حفص الزَّيَّات وغيرهم(٢).
وقال الخطيب البغدادي: حدثني علي بن أبي علي المُعَذَّل، قال: قَصَدَ
أبو الحسين بن سمعون أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري(٣) ليهنّئُه بِقُدُومه من
البصرة، فجلس في الموضع الذي جَرَتْ عادةُ أبي إسحاق بالجلوس فيه لصلاة
الجمعة من جامع المدينة، ولم يكن وَافى، فَلَمَّا جاءَ والتقيا، قام إليهِ وسَلَّمَ
علیه، وقال له بعد أن جلسا:
وَالْعَيْشُ إلَّ بِكَ مَنْكُودُ
الصَّبْرُ إِلَّ عَنْكَ مَحْمُودُ
يَوْمٌ عَلى الإِخوانِ مَسْعُودُ
ويومَ تأتي سَالِماً غَائِماً
وإِنْ تَعُدْ فَالْخَيْرُ مَرْدُوهُ(٤)
مُذْ غِبْتَ غَابَ الخَيْرُ مِنْ عِنْدِنَا
(د ) كراماته :
الكرامة أمرٌ خَارِقٌ للعَادَةِ يُظْهِرهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ على أَيْدِي أَوْلِيَائِهِ، وهي
(١) هو: الإِمام عبد العزيز بن عبد الله الأصبهاني، إمام الشافعية ببغداد. تُوُفِّي سنة (٣٧٥).
انظر: السِّير ٤٠٦/١٦.
(٢) تاریخ جُرجان ص ١١١ .
:
:
:
(٣) كان من كبار العلماء في بغداد، وكان مُحَدِّثاً ثقة، وفقيهاً على مذهب الإمام مالك.
تُؤُنِّي سنة (٣٩٣). انظر: شذرات الذهب ٤/ ٤٩٧ .
(٤) تاريخ بغداد ٦/ ٢٠.
١٥
:
-------

حَقٌّ لا رَيبَ فيها، ثبتت بالكتابِ والسُّنَّةِ ويؤكّدها الواقع والحوادث التي ينقلها
الثقات (١).
وقد ظهرتْ على يَدِ أبي الحسين كراماتٌ تَنَاقلها بعضُ المؤرِّخين
الثقات، وهي تؤكِّدُ صَلاَحَهُ والتزامَهُ بالتقوى ظَاهِراً وبَاطِناً، وإليك بعض
الكرامات :
الكرامة الأولى: حكى أبو الفتح يوسف بن عمر القوَّاس(٢)، قال: لحقتني
إضافةٌ وقتاً من الزَّمان، فنظرتُ فلم أجد في البيت غير قَوْسٍ لي وخُفَّين كنتُ
ألبسهما، فأصبحتُ وعزمتُ على بيعهما، فكانَ يوم مجلس أبي الحسين بن
سَمْعُون، فقلت: أحضر المجلس ثم أنصرف فأبيعُ الخُفَّ والقَوْسَ - وقَلَّمَا
كنتُ أتخلَّفُ عن حضور مجلس ابن سمعون - فحضرت المجلس، فلمَّا أردتُ
الانصرافَ ناداني أبو الحسين: يا أبا الفتح، لا تَبِع الخُفَّين، ولا تبِعِ القَوْسَ،
فإِنَّ اللَّهَ سَيَأْتِيكَ برزقٍ مِن عنده(٣).
الكرامة الثانية: قال أبو طاهر محمد بن علي بن العَلَّف(٤): حضرت
أبا الحسين بن سمعون يوماً في مجلس الوعظ، وهو جالسٌ على كرسيّه يتكلّم،
وكان أبو الفتح القَوَّاس جَالِساً إِلى جَنْبِ الكُرْسِيِّ، فغشيه النُّعَاسُ ونَامَ، فأمسك
(١) انظر: كرامات أولياء الله عزَّ وجلّ، للإِمام أبي القاسم اللالكائي، ومقدمة المحقق
الدكتور محمد سعد حمدان .
(٢) هو: يوسف بن عمر بن مسرور البغدادي، الإِمام القدوة المحدِّث الزَّاهد، كان مجاب
الدعوة. تُوُنِّي سنة (٣٨٥). انظر: السِّير ٤٧٤/١٦.
(٣) انظر: تاريخ بغداد ٢٧٥/١، وطبقات الحنابلة ٢٨١/٣، والأنساب ٣٠٤/٣، والسِّيَر
٥٠٨/١٦.
(٤) هو: محمد بن علي بن محمد البغدادي، الإِمام العالم الواعظ. تُوُنِّي سنة (٤٤٢)، وقد
نيَّ على التسعين. انظر: السِّيَر ٦٠٨/١٧.
١٦
٠٠٠١٠٠

أبو الحسين عن الكلام سَاعَةُ حتَّى استيقظ أبو الفتح ورفع رأسه، فقال له
أبو الحسين: رأيتَ رسولَ اللَّهِ وَله في نَوْمِك؟ قال: نعم، فقال أبو الحسين:
لذلك أمسكتُ عَنِ الكَلَامِ خَوْفاً أن تنزعِجَ وتنقطِعَ عَمَّ كنتَ فيه(١).
الكرامة الثالثة: كان لرجل ابنةٌ مَرِيضةٌ أشرفتْ على الموت، فرأى أبوها
رسول اللَّهِ وَل﴿ في المنام وهو يقول له: اذهب إلى ابن سمعون ليأتي منزلك،
فيدعو لابنتك، وهي تبرأ بإذن الله تعالى، فلمَّا أصبح ذهب إلى ابن سمعون
ليأتي، فلمَّا رآه نهضَ ولَبِس ثيابه وخرج معه، فظنَّ الرجل أنَّه يذهب إلى مجلس
وعظه، فقال: أقول له في أثناء الطريق، فلمَّا مَرَّ بدارِ الرجل دخل إليها الشيخ،
فأحضر إليه ابنته، فدعا لها وانصرف، فَبَرِأَت مِن ساعتها(٢).
(هـ) وعظه، ونماذج من أقواله في الوعظ :
وكان لأبي الحسين مجالسُ للوعظ في أيام الأسبوع، فكان له مجلسٌ
يوم الجمعة في جامع المنصور في بغداد، وكان له أيضاً مسجدٌ معروفٌ به يَعِظُ
فيه، أَّمَّ فيه بعض العلماء، منهم المبارك بن أبي الزهر (المتوفّى سنة ٦٠١)،
قَالَ الذهبي في ترجمته: إمام مسجد ابن سمعون مُدَّةٍ (٣).
وكان يُعْلِي كُلَّ يوم ثلاثاء، وقد أملى فيه هذه الأمالي في عشرين مجلساً،
فإذا فرغ من الإِملاء صَعِد الكرسي وتكلّم.
وكانت له شهرة في الوعظ، حتى إنه كان يُضرب به المثل في ذلك، قَالَ الصفدي
في ترجمة الإِمام محمد بن أحمد بن عبد المؤمن ابن اللبَّان الدمشقي (المتوفى سنة
٦٨٥): عقد مجالس الوعظ ... وطارت سمعته كأنه ابن سمعون الأستاذ(٤).
(١) انظر المصادر السابقة.
(٢) البداية والنهاية ٤٧٦/١٥ .
(٣) تاريخ الإِسلام، وفيات سنة (٦٠١ - ٦١٠) ص ٧٥.
(٤) أعيان العصر للصفدي ٢٩٩/٤ - ٣٠٠.
١٧
٠٠٩٠ ....
....................
........ .
...................
٠.٠٠٠٠٠٠٠

وكان يحضر مجلسه كبار العلماء، منهم أبو حامد الإِسفراييني(١)،
وأبو إسحاق بن شَاقَلًا(٢)، وأبو حفص البَرْمكي(٣).
وكان القاضي أبو بكر الباقلاني وأبو حامد يقبّلان يد ابن سمعون
إذا جاءاه، وكان القاضي يقول: ربما خفي علي من كلامه بعض الشيء
لدقَّته(٤).
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كان الشيخ أبو حامد إمام الشَّافعيِّن يجيء إلى مجلس
أبي الحسين بن سمعون، وكان ابن سمعون يزور أبا حامد يوم الثلاثاء، فزاره
يوماً وهو في الدَّرس، فلمَّا فَرَغَ مِنَ الدَّرْسِ، قَالَ: يا أبا الحسين، قد فرغنا مِن
دَرْسنا فهاتٍ ما عندكَ، فقَالَ أبو الحسين :
(الغفلة عن نَوَاهي اللَّه نِعْمة، والغَفْلَةُ عن أوامر اللَّه نقمة)، فبكى
أبو حامد، فقَالَ أبو الحسين:
(مَن بكى تَوَجُّعاً دَاوَيناه، ومَن بَكَى تَفَزُّعاً آويناه، ومن بكى عُذْراً قَبِلِناه،
ومن بكى خوفاً أمَّنَّاه)(٥).
(١) هو: أبو حامد أحمد بن أبي طاهر الإِسفراييني البغدادي، الإِمام العلامة شيخ الإِسلام،
وكان شيخ الشافعية ببغداد، وقد عدَّه بعض العلماء أحد المجددين للقرن الرابع. تُوُنِّي
سنة (٤٠٦). انظر: السِّيَر ١٧/ ١٩٣ .
(٢) هو: أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد البغدادي، شيخ الحنابلة. تُؤُنِّي سنة (٣٦٩). انظر:
السِّيَر ١٦/ ٢٩٢.
(٣) هو: عمر بن أحمد بن إبراهيم البغدادي، الإِمام الحافظ الزاهد، كان من كبار الحنابلة.
تُؤُنِّي سنة (٣٨٧). انظر: طبقات الحنابلة ٢٧٣/٣ .
(٤) تاريخ دمشق ١٢/١٥. والباقلاني هو: الإِمام العلاّمة أبو بكر محمد بن الطيب البغدادي
القاضي، إمام المتكلِّمين وصاحب المصنَّات الشهيرة. انظر: السِّير ١٩٠/١٧.
(٥) التدوين في أخبار قزوين ١/ ٤٦٢ - ٤٦٣.
١٨
١٠٠ ....

وكان أبو الحسين يَخْتِمُ وَعْظَهُ بدعاءٍ، فقد سَمِعَ أبو حَيَّانِ التَّوْحِيدي ابن
سمعون يدعو في الجامع في آخر مجلسه، ويقول: اللَّهُمَّ اجعل قولنا مَوْصُولاً
بالعمل، وعَمَلنا مُحَقِّقاً للأمل، ولا تُضايقنا فيما نَتَحَوَّل به، وننتقل لك فيه،
وكنّف علينا بسِتْرك، وسَوِّغنا بِرَّكَ، وألهمنا شُكرك، وخفّف على أفواهنا ذِكْرَك،
واخْصُصْنا بعد ذلك بما هو أليق بذلك، اللَّهُمَّ اسمع واستجب وقَرِّب. ثم
انصرف(١) .
وبقي أبو الحسين يَعِظُ الناسَ إلى آخر حياته، وممَّا يدلّ على ذلك أنَّ
الأمالي العشرين التي حقَّقناها إنَّما أملاها في رجب من السنة التي توفِّي فيها،
وقد قَالَ تلميذه أحمد بن محمد ابن حُمَّدُوهُ المُقرِىء: حدثنا أبو الحسين بن
سمعون إملاء يوم الثلاثاء لخمسٍ خَلَون من رجب سنة سبع وثمانين
وثلثمائة ... إلخ (٢).
نماذج من أقواله في الوعظ :
كان أبو الحسين صاحب مواعظَ بليغةٍ كما ذكرنا، وقد وصفه الخطيب
بقوله: كان أَوْحَدَ دَهْرِهِ وفريدَ عَصْرِهِ في الكَلامِ على عِلْمِ الخَوَاطِرِ والإِشارات
ولسانِ الوَعْظ، دَوَّن الناس حِكَمَه وجَمَعُوا كلامه ... وكان بعض شيوخنا إذا
حَدَّث عنه قَالَ: حَدَّثنا الشيخُ الجليلُ المُنْطَقُ بالحِكْمَةِ أبو الحسين بن
سمعون(٣).
وفيما يلي نذكر بعض حِكَمِه وأقواله في الوَعْظ (٤):
(١) الإِمتاع والمؤانسة، لأبي حيان التوحيدي ٣/ ١٤٧.
(٢) طبقات الحنابلة ٢٧٨/٣.
(٣) تاريخ بغداد ٢٧٤/١.
(٤) ذكر ابن أبي يعلى الحنبلي في طبقاته ٢٨٥/٣، وابن عساكر في تاريخه ١٢/٥١،
والذهبي في السِّيَر ٥٠٧/١٦ شذرات من أقواله، فراجعها إن شئت.
١٩
:
:
:

- قَالَ: كل مَن لم ينظر بالعلم فيما للَّه عليه، فالعِلْم حُجَّةٌ عليه
ووبالٌ(١)
ــ وقَالَ: رأيتُ المَعَاصِيَ نَذَالةً، فَتَرَكْتُها مُرُوءةً، فاسْتَحَالَتْ دِيَانَةٌ(٢).
- وسُئِلَ ابنُ سمعون عَنِ الرِّضا، فقَالَ: الرِّضا بالحَقِّ، والرِّضا عنه،
والرِّضا له، فقَالَ: الرِّضا به مُدبِّراً ومُخْتَاراً، والرِّضا عنه قاسِماً ومُعْطِياً، والرِّضا
له إلهاً ورَبًّا (٣).
وقال أبو زكريا ابن أبي إسحاق: حضرتُ مجلس أبي الحسين بن
سمعون، فسأله رجل عن التصوف ما هو؟ قال: إنَّ له اسماً وحقيقة، فعن أيُّهما
تسأل؟ فقال: عنهما جميعاً، فقال: أمّا اسمه فنسيان الدُّنيا، ونسيان أهلها، وأما
حقيقته فالمداراة مع الخلق، واحتمال الأذى منهم من جهة الحقّ (٤).
- وقَالَ أبو علي الغَضَائِري: سُئِل أبو الحسين عن قولِهِ تعالى: ﴿وَالَّيْتُونَ
وَالرُّقَانَ مُشْتِهًا وَغَيْرَ مُتَشَيِّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٩]، فقَالَ: مختلف المَذَاقِ، هذا جَلاءٌ
للظَّلامِ، وهذا شِفَاءٌ للسِّقام(٥).
- وقَالَ: ما يقفُ البشر على بعد غَوْر قَوْلِ اللَّه تعالى لكليمه:
﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى وَلِنُصْنَعَ عَلَى عَيْنِ﴾ [طه: ٣٩]، فإنَّ في هاتين الكلمتين
ما لا يبلغ كُنهه، ولا ينالُ آخره، ولو أنَّ أَرَقَّ النَّاس لِساناً، وألطفهم بياناً أراد
أن يتوسّط حقيقة هذا القول لم يستطع وعادَ حَسِيراً، ونكصَ بَهِيراً،
ويَقِي عَاجِزاً. ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَبِّب بعضنا إلى بعض، واجمع شملنا
(١) اقتضاء العلم العمل للخطيب البغدادي ص ١٨٥ .
(٢) ذكره ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة ٣/ ٢٨٠، والسمعاني في الأنساب ٣٠٤/٣.
(٣) شعب الإيمان للبيهقي ٥٤٣/١.
(٤) شعب الإِيمان ١٤/ ٥٣٦.
(٥) طبقات الحنابلة ٢٨٨/٣.
٢٠