النص المفهرس
صفحات 1-20
المخْتَار قَائِ النُّقُوا وَالأَشَدِ مِن الْقِسْمُ الأوّل اختيار وتعليق مُحمّد عوامة دَارُ الَِّ الإسْلاَمِيَّة المخْتَارِمِن فَرَائِ النُّقُولَوَالِخَرِ حُقُوقُ الطَّيعِ مَخَفُوظَةٌ الطّبعَةِ الثَّانِيَّة ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧م دَار البشائر الإسْلاميّة للطباعة والنشروالتوزيع بیروت -لبنان -ص.ب: ٥٩٥٥ -١٤ بسْمِ اللهِالرَّمنِالرَّمِ الحمد لله حمداً كثيراً كما يحبُّ ربُّنا ويرضى، والصلاة والسلام على سيدنا محمّد النبيِّ الأميِّ، وعلى آله وصحبه وتابعيه بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: فهذه مجموعةٌ مختارة من كتاب الله عزّ وجل بابٍ السعادة وأساسِها؛ ومن سُنّةِ النبيِّ الكريم مَّ السراجِ المنيرِ لهداية الخَلْق إلى الحق؛ ومن سيرة أصحابه البدور الصدور؛ ومن طرائف أخبار العلم والعلماء، والقُضاة النَّبَلاء، والصُّلحاء الأتقياء؛ ومن نوادر النّبَهاء الأذكياء، والأجواد الأسخياء. كتبتُها للبراعم المؤمنة، والفِتْيَةِ الناشئة، الذين توجّهوا باختيارهم إلى طلب العلم الشرعي(١) وعكَفُوا بقلوبهم على (١) وكان ذلك سنة ١٣٩٧، وجاء في ثلاثة أقسام، طبعتْ على الآلة الكاتبة . ١ دراسةِ ((قال الله، قال رسوله)) فإنه العلم الحقيقي(١). لذلك تخيَّرتُ هذه النصوص، ملائمةً لهذه الطائفة المختارة، مُوَائمةً لحالهم ومسلكهم ومَنْزِعهم، راجياً منهم الدعاء، ومن الله تعالى الإجابة . وقد نهجت فيما تخيَّرت : ١ - أن يكون جُلُّ ما أذكره متصلاً بالعلم: فضيلتِه وشرفِه، وتعلّمه ودراستِه، ونشرِهٍ وإشاعتِه، والصبرِ على شدائده ومشاقُّه، وتحبيبه إلى نفوس الناشئة وترغيبهم فيه، وعون الله تعالى لمن وقع في کرب وهو في طلبه وتحصيله، وذكرٍ تشوُّفِ كبراء الأمة وتطلُعِ نفوسهم إلى الانتساب إلى شرفه، والاَتَسام بسِمَتِه، وأن يكونوا من أهله وحَمَلَتِه ... ٢ - وجانبٌ آخرُ حَرَصت عليه، هو: ذِكْرُ أخبار الصالحين. وحكاياتِهم، وإجابةُ الله تعالى دعواتهم، وإكرامُ الله تعالى لهم ولو كان فيه تغييرُ المألوف المعتاد، ببركة إخلاصهم مع ربهم . (١) العلمُ: قال الله قال رسوله قال الصحابة، هم أولوا العرفان ٦ فإن ((حكايات الصالحين جُندُ من جنود الله)) و ((عند ذكرهم تنزلُ الرحمة)) وتزول عن القلب القسوة، وتترؤَّح الرُّوح، وتستريح النّفْس، وتَرِقِّ الأفئدة، ولا خيرَ في طالبٍ علمٍ ليس له من ذلك حظّ وافر، ليُخالِطَ حُبُّهم سُوَيداءَ قلبه، فيحشرَ معهم، فإن ((المرء مع مَنْ أحبَّ)). ٣ - والتزمتُ عَزْوَ كلِّ قول إلى قائله، فإن ((من بركة العلم أن تُضِيفَ الشيءَ إلى قائله))(١)، وحَرَصْتُ أن يكون المصدرُ موثوقاً عند أهل العلم، بثقة مصنَّفه. ٤ - ولم أتصرَّفْ في لفظ صاحبه - إلا باختصاره إن كان طويلاً - بل التزمتُ نقله بالحرف، إلّ ما تقتضيه الضرورة من كُلَيْمات يسيرة للدخول على الخبر، وقد أزيدُ أثناءَ النصِّ التصريحَ باسم المخاطِب والمخاطَب - مثلاً - لتيسير فهمِ القصةِ على القارىء لها لأول مرة، وأضعُه حينئذ بين معترضتين - -. ٥ - ويرى القارىءُ كثرةَ في الضبط، وتفسيراً لبعض (١) ((جامع بيان العلم)) لابن عبدالبر ٢: ٨٩، وانظر ((بستان العارفين)) للإمام النووي ص ٢٨ . ٧ الواضحات، وعذري في ذلك مراعاتي لحال من كتبت من أجلهم هذه المختارات . وإني لأرجو من وراء قراءة هذه (الطاقة)(١) وتكرارها، تحقيق أمرين اثنين : أولهما: غَرْسُ معاني هذه النصوص في نفوسِ القراء عامةً، والناشئةِ منهم خاصةً، فإن قلب الطفل ((جوهرة نفيسة ساذَجة)) كما قال الإمام الغزالي رحمه الله، أي: إنها تقبلُ كلَّ تأثير ومؤثّر، فما تزرعُه فيها اليوم تَحصُده منها غداً. ثانيهما: تقويمُ لسانِ القارىء وقَلَمِه، فإنا قد فَقَدنا اليوم من أقلام كتّابنا الأساليب القويمةَ القوية، وطَغَى عليها أسلوبُ الصِّحافة والإذاعة، ولغةُ أحاديث السَّمَر، والكتابةُ القَصصية المنهارة ... حتى إنك لتقرأ لذوي ألقاب علمية عالية، فلا ترى على كتاباتِهِم مَسْحةَ الأسلوب العلمي، ولا رَوْنقَ البيانِ العربي، فَتَخَالُ نفسك تقرأ في جريدة أو مَجَلَّة ! . فإذا أَلِفَ الناشىءُ قراءةً نصوصٍ منها ما هو في ذِرْوة (١) الطاقة: مجموعة من الرياحين والورود، أما الباقة: فمجموعة البقول من المقدونس والنعناع ونحوهما. ٨ البلاغة وجوامع الكلم، ومنها ما هو بأسلوب علمائنا الغابرين: فيه الجزالةُ والوضوحُ، والرَّصانة والإشراق ... أقول: إذا أُلِفَ الناشىءُ هذا الأسلوبَ، وكرَّره، وأبداه وأعاده، فإن ذلك يساعد على الخلاص مما نشكوه. والله سبحانه وتعالى وليُّ التوفيق، ومانحُ العطيّات، ومُجزِل الهِبَات. اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا ولأهلينا وذرياتنا إلى يوم الدين، إنك سميع الدعاء، وصلَّى الله وسلَّمَ على الحبيب الشفيع، والحمد لله رب العالمين. المدينة المنورة ٥ / ٤ / ١٤٠٦ وكتبه محمّد عوَّامَة ٩ بِسْمِاللهِالرَّمِ الرَِّ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، وعلى إخوانه النبيين والمرسلين، وآلهم وأصحابهم، وتابعيهم إلی یوم الدین. أما بعد: فهذا هو القسم الأول من كتاب ((من فرائد النَّقُول والأخبار)) أسأل الله تعالى أن يتفضَّل بإثابةِ جامعه، ونَفْعِ قارئه. إنه سميع مجيب . محمّد عوَّامَِة ١١ من هَدْي القرآن الكريم ١ أُولو الألباب حالهم، دعاؤهم، جزاؤهم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِن في خَلْقِ السَّمَواتِ والأرضِ ، واخْتِلافٍ الليلِ والنهارِ: لآياتٍ لأولي الألباب(١). الذين يَذْكُرون الله قِياماً وقُعوداً وعلى جُنُوبِهِم، ويتفكّرون في خَلْقِ السمواتِ والأرض. ربَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطلاً، سُبحانَك، فَقِنَا عذابَ النار. ربَّنا إنكَ مَن تُدخِلِ النارَ فقدْ (١) أي: لَعلاماتٍ لأولي العقول السليمة تدلُّهم على الله عزّ وجل. واللُّبُّ: هو العقل الخالص من أيِّ هَوَىَّ أو ميلٍ وانحراف عن مقتضى العقل السليم. ١٣ أَخْزِيتَه، وما للظالمين من أنصار. ربَّنا إننا سَمِعنا مُنادياً يُنادي للإيمان: أنْ آمنوا بربَّكُم، فَآمَنًا، ربَّنا فاغْفِرْ لنا ذُنُوبَنا وكَفّر عنّا سيئاتِنا، وتَوَقَّنا مع الأبرار. ربَّنا وآَتِنا ما وَعَدْتَنا على رُسُلِك، ولا تُخْزِنا يومَ القيامة، إنك لا تُخْلِفُ الميعاد . فاسْتَجابَ لهم ربُّهم أَنيٍ لا أُضِيعُ عَمَلَ عاملٍ منكم: من ذَكَرٍ أو أَنْثى، بعضُكم من بعضٍ ، فالذين هاجروا وأُخْرِجوا مِن دِيارهم وأوذوا في سبيلي، وقاتلوا وقُتِلوا: لَّاكَفِّرَنَّ عنهم سيئاتِهم، ولُادْخِلَنَّهمْ جناتٍ تجري من تحتها الأنهارُ، ثَواباً من عند الله. والله عنده حسنُ الثواب﴾(١). (١) الآيات من سورة آل عمران: الآية ١٨٩ - ١٩٥. ١٤ من هَذْي القرآن الكريم ٢ عباد الرحمن أوصافهم، جزاؤهم ﴿وعبادُ الرحمنِ: الذين يَمْشُون على الأرضِ هَوْناً، وإذا خاطَبَهم الجاهلون قالوا سلاماً(١). والذين يَبِيتونَ لربِّهم سُجَّداً وقياماً (٢). والذين يقولون: ربّنا اصرِفْ عنّا عذابَ جهنم، (١) هوناً: متواضعين. والجاهلون: المراد هنا الجهل الأخلاقي، لا الجهل الذي هو ضِدُّ العلم، والجهل الأخلاقي هو السَّفَه. فالجاهلون: هم السفهاء. وسلاماً: أي: قالوا للسفهاء قولاً لطيفاً ليسلموا من سَفَههم وأذاهم. وليس المراد منه السلام المعروف، بمعنى التحية. (٢) أي: والذين يُمْضُون ليلَهم بالقيام والسجود لله رب العالمين . ١٥ إن عذابَها كان غَراماً(١). إنها ساءتْ مُسْتَقَّاً ومُقاماً. والذين إذا أنفقوا لم يُسْرِفوا ولم يَقْتُروا، وكان بين ذلك قَوَاماً(٢). والذين لا يَدْعُون مع الله إِلَهاً آخَرَ، ولا يَقْتُلون النفسَ التي حرَّم الله إلّ بالحقِّ، ولا يَزْنون، ومَنْ يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَاماً (٣). يُضاعَفْ له العذابُ يومَ القيامةِ ويَخْلُدْ فيهِ مُهاناً. إلّا مَنْ تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عملاً صالحاً فأولئك يُبَدِّلُ الله سيئاتِهِم حَسَناتٍ، وكان الله غفوراً رحيماً. ومَنْ تَابَ وعَمِلَ صالحاً فإنه يتوبُ إلى الله مَتَاباً. والذين لا يَشْهِدونَ الزُّورَ، وإذا مُّرُ وا بِاللَّغْوِمَرُوا كِراماً(٤). والذين إذا ذُكّروا بآياتِ ربِّهم لم يَخِرُوا (١) دائماً لازماً. (٢) وَسَطاً بين الإسراف والتقتير. (٣) عقوبة، وهي المذكورة بقوله: يضاعف له العذاب ... ، وسبب المضاعفة: كفرهم بالله ومعاصيهم. (٤) يشهدون: يحضرون. والزور: الكذب. أي: لا يحضرون مجالس الكذب. بل: إنهم إذا مروا بالكلام الساقط اللغو الذي حقُّه أن يلغى ويترك: مروا به وبأهله كراماً، أي : = ١٦ عليها صُمّاً وعُمْياناً(١). والذين يقولون: ربنا هَبْ لنا من أزواجِنا وذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أعيُنٍ(٢)، واجْعَلْنا للمتقين إماماً. أولئك يُجْزَونَ الغُرْفَةَ(٣) بما صبروا، ويُلَقَّوْنَ فيها تَحيةً وسَلاماً. خالدين فيها، حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً ومُقَاماً. قل: ما يَعْبأُ بكم ربي لولا دعاؤكم(٤)، فقد كذَّبْتم فسوف يكون لِزاماً﴾(٥). مُگرِّمین أنفسهم عن حضوره وسماعه. = (١) لم يخروا: لم يسقطوا، أي: لم يسقطوا عند سماعهم كلام الله تعالى على وجوههم شأنهم شأن الكافرين: في آذانهم صمم، وفي أعينهم عمى، لا، بل يفتحون أعينهم، ويُصْغون بآذانهم إلى كلام الله، شأنهم شأن أولي الألباب: الذین يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسَنه. (٢) أي: أبراراً أتقياء صالحين تُسَرُّ العينُ برؤيتهم. (٣) الدرجة العالية الرفيعة. (٤) المعنى: لماذا يعذبكم الله لولا أنكم دعوتم معه آلهة غيره. (٥) ملازماً لكم. والآيات من سورة الفرقان: ٦٣ - ٧٧ . ١٧ كيل الله من هدي النبي وسلم ١ فضل من عَلِمَ وعَلَّم عن أبي موسى الأَشْعريِّ رضي الله عنه، عن النبيّ وَلَه قال: ((مَثَلُ(١) ما بَعَثني الله به من الهُدَى والعِلمِ كَمَثَلِ الغَيثِ الكثير أصاب أرضاً، فكان منها نَقِيَّةٌ(٢) قَبِلَتِ الماءَ فَأَنْبَتَتِ الكَلَأَّ والعُشْبَ(٣) الكثير، وكانتْ منها أجادِبُ(٤) أمسكتِ الماءَ فنفع الله (١) أي: صفةُ، وليس المراد به القولَ السائرَ في الناس. (٢) أي: أرض طيبة . (٣) الكلأ: النّبْت الرَّطْب واليابس، والعشب: النبت الرطب فقط . (٤) أجادب: جمع جَدَب ـ بفتح الدال ـ وهي الأرض الصُّلْبة. ١٨ بها الناسَ، فشَرِبوا وسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصابَ منها طائفةً أخرى، إنما هي قِيعانٌ(١) لا تُمسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلاً . فذلك مَثَلُ من فَقُه في دينِ الله ونفعَه ما بعثني الله به فعَلِم وعَلَّم، ومَثَلُ من لم يرفعْ بذلك رأساً(٢)، ولم يَقْبِلْ هُدَى الله الذي أُرْسِلتُ به))(٣). (١) جمع قاع، وهي الأرض المستوية الملساء التي لا تنبت. (٢) أي: أعرض عنه فلم ينتفع به ولا نفع غيره. (٣) رواه البخاري في ((صحيحه)) كتاب العلم، باب فضل من عَلِم وعلّم ١: ١٨٥ - ١٨٦ من ((فتح الباري)). ١٩ صَيَذَ الله عليه وسلم من هدي النبي ٢ أَثْرُ الجلیسِ ءَ- مُ عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبيّ وَّه قال: ((مَثَل الجليسِ الصالحِ والسَّوْءِ: كحامل المسئِ ونافخ الكِيْرِ. فحاملُ المسكِ: إما أنْ يُحْذِيَك(١)، وإما أن تَبْتَاعَ منه، وإما أن تَجِدَ منه رِيحاً طَيِّية . ونافخُ الكِيرِ: إما أن يُحْرِق ثيابَك، وإما أن تجدَ رِيحاً خبيثة))(٢). (١) أي: يُعطيَك. (٢) رواه البخاري في موضعين من ((صحيحه)) في كتاب البيوع باب في العطار وبيع المسك ٥: ٢٢٧، وفي كتاب الذبائح = ٢٠