النص المفهرس
صفحات 581-600
٦٠١ ( باب كرامات الأولياء ) حدثنا أبو الحسن محمد بن الحسين القطان ببغداد قال : حدثنا أبو على إسماعيل ابن محمد بن إسماعيل الصفار قال : حدثنا الحسين بن عرفة بن يزيد قال : حدثنا عبد الله بن إدريس الأودى ، عن إسماعيل بن أبى خالد ، عن أبى سيرة النخعى قال : أقبل رجل من اليمن .. فلما كان فى بعض الطريق نفق حماره ، فقام وتوضأ ، ثم صلى ركعتين ، ثم قال : اللهم إنى جئت مجاهداً فى سبيل ابتغاء مرضاتك ، وأنا أشهد أنك تحيي الموتى وتبعث من فى القبور لاتجعل لأحد على منة ، اليوم أطلب منك أن تبعث حمارى . فقام الحمار ينفض أذنيه . سمعت حمزة بن يوسف يقول : سمعت أبا بكر النابلسى يقول : سمعت أبا بكر الهمدانى يقول : بقيت فى برية الحجاز أياماً لم آكل شيئاً ، فاشتهيت ياقلا حاراً وخبزاً من ((باب الطاق)) (١)؛ فقلت: أنا فى البرية وبينى وبين العراق مسافة بعيدة ، فلم أتم خاطرى إلا وأعرابى من بعيد ينادى: باقل حار وخبز. فتقدمت إليه فقلت عندك بأقل حار وخبز؟ فقال : نعم . وبسطمزراً كان عليه ، وأخرج خبزاً وباقلا ، وقال لى: كل. فأكلت ، ثم قال: كل فأكلت ، ثم قال لى : كلّ . فأكلتَ . فلما قال لى فى الرابعة ، قلت : بحق الذى بعثك إلى إلاّ ما قلت لى من أنت ؟ فقال : أنا الخضر. وغاب عنى فلم أره . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت أبا العباس بن الخشاب البغدادى يقول : سمعت محمد بن عبد الله الفرغانى يقول : سمعت أبا جعفر الحداد يقول جئت ((الثعلبية)) وهى خراب ، ولى سبعة أيام لم آكل كل شيئاً ، فدخلت القبة ، وجاء قوم خراسانيون أصابهم جهد فطرحوا أنفسهم على باب القبة . فجاء أعرابى على راحلة وصب تمراً بين أيديهم فاشتغلوا بالأكل ولم يقولوا لى شيئاً ، ولم يرنى الأعرابى ، فلما كان بعد ساعة فاذا بالأعرابى جاء وقال لهم : معكم غيركم ؟ فقالوا : نعم ، هذا الرجل داخل القبة . قال : فدخل الأعرابى ؛ وقال لى . من أنت ؟ لم لم تتكلم؟. أمضيت، فعارضنى إنسان فقال لى. قد خلفت إنساناً لم تطعمه ، ولم يمكنى أن أمضى ، فتطولت على الطريق . (٢) لأنى رجعت عن أميال . . وصب بين يدى التمر الكثير ، ومضى ، فدعوتهم ، فأكلوا وأكلت . (١) اسم مكان بالعراق . (٢) أى أتعبتنى . ٦٠٢ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) سمعت حمزة بن يوسف يقول : سمعت أبا طاهر الرقى يقول : سمعت أحمد ابن عطاء يقول: كلمنى جمل ؛ فى طريق مكة رأيت جمالا والمحامل عليها ، وقد مدت أعناقها فى الليل ، فقلت : سبحان من يحمل عنها ما هى فيه ، فالتفت إلى جمل وقال لى : قل جل الله فقلت : جل الله . سمعت محمد بن عبد الله الصوفى يقول : سمعت الحسن بن أحمد الفارسى يقول : سمعت الرقى يقول : سمعت أبا بكر بن معمر يقول : سمعت أبا ذرعة الحنى يقول : مكرت بى امرأة فقالت : ألا تدخل الدار فتعود مريضاً ؛ فدخلت فأغلقت الباب .. ولم أر أحداً ؛ فعلمت ما فعلت ، فقلت : اللهم سودها . فاسودت : فتحيرت . وفتحت الباب ؛ فخرجت ، فقلت : اللهم ردها إلى حالها فردها إلى ماكانت عليه . سمعت حمزة بن يوسف يقول : سمعت أبا محمد الغطريفى يقول : سمعت السراج يقول : سمعت أبا سليمان الرومى يقول سمعت : خليلا الصياد يقول : غاب ابنى محمد فوجدنا عليه وجداً شديداً؛ فأتيت معروفاً الكرخى فقلت : يا أبا محفوظ ، غاب ابنى وأمه واجدة عليه . . فقال : ما تشاء ؟ فقلت : ادع الله أن يرده . فقال: اللهم السماء سماؤك، والأرض أرضك .. وما بينهما لك .. انت محمد . . قال خليل : فأتيت باب الشام فاذا هو واقف ، فقلت : أين كنت يا محمد ؟ فقال : يا أبت كنت الساعة بالأنبار . قال الأستاذ أبو القاسم : واعلم أن الحكايات فى هذا الباب تربوعلى الحصر . والزيادة على ماذكرناه تخرجنا عن المقصود من الإيجاز : وفيما ذكرناه مقنع (١) فى هذا الباب . (١) أى رضا يقتنع به . الباب الخامس والخمسون رؤيَا القوم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من رآنى فى المنام فقد رآنى .. فان الشيطان لا يتمثل في صورتي » ٦٠٤ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى) باب رؤيا القوم قال الله تعالى: ((لهم البشرى فى الحيةالدنيا، وفى الآخرة)) (١). قيل : هى الرؤيا الحسنة يراها المرء ، أو ترى له . أخبرنا أبو الحسن الأهوازى قال: أخبرنا أحمد بن عبيد البصرى ، قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم المنقرى قال : حدثنا منصور بن أبى مزاحم قال : حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن عاصم، عن أبى صالح ، عن أبى الدرداء قال: ((سألت النبى صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: (لهم البشرى فى الحياة الدنيا وفي الآخرة) قال صلى الله عليه وسلم: ((ما سألنى عنها أحد قبلك . هى الرؤيا الحسنة يرأها المرء، أو ترى له)). أخبرنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين العلوى قال : أخبرنا أبو على الحسن ابن محمد زيد قال : حدثنا على بن الحسين قال : حدثنا عبد الله بن الوليد ، عن سفيان ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبى سلّمة ، عن أبى قتادة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الرؤيا من اللّه، والحلم من الشيطان: فإذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها فليتفل عن يساره ، وليتعوذ: فانها لن تضره)). : أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد عبدوس المزكى قال : حدثنا أبو أحمد حمزة ابن العباس البزار قال : حدثناعياش بن محمد بن حاتم قال : حدثنا عبد الله بن موسى قال : حدثنا إسرائيل ، عن أبى إسحق ، عن أبى الأخوص وأبى عبيدة ، عن عبد الله ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ((من رآنى فى المنام فقد رآنى ؛ فإن الشيطان لايتمثل فى صورتى)). ومعنى الخبر : أن تلك الرؤيا رؤيا صدق ، وتأويلها حق ، وأن الرؤيا نوع من أنواع الكرامات ، وتحقيق الرؤيا خواطر ترد على القلب:، وأحوال تتصور فى الوهم إذا لم يستغرق النوم جميع الاستشعار ، فيتوهم الإنسان عند اليقظة أنه كان رؤية فى الحقيقة ، وإنما كان ذلك تصوراً وأوهاماً للخلق تقررت فى قلوبهم ، وحين زال عنهم الإحساس الظاهر تجردت تلك الأوهام عن المعلومات بالحس والضرورة فقويت تلك الحالة عند صاحبها ، فإذا استيقظ ضعفت تلك الأحوال . (١) آية ٦٤ من سورة يونس . ٦٠٥ ( باب رؤيا القوم ) التى تصورها بالإضافة إلى حال إحساسه بالمشاهدات وحصول العلوم الضرورية ، ومثاله (١): كالذى يكون فى ضوء السراج عند اشتداد الظلمة . فإذا طلعت الشمس عليه غلبت ضوء السراج . فيتقاصر نور (٢) السراج بالإضافة إلى ضياء الشمس. فمثال حال النوم كمن هو فى ضوء السراج ، ومثال المستيقظ كمن تعالى عليه النهار ؛ فإن المستيقظ يتذكر ما كان متصوراً له فى حال نومه . ثم إن تلك الأحاديث والخواطر التى كانت ترد على قلبه فى حال نومه مرة تكون من قبل الشيطان (٢)، ومرة من هواجس النفس (٤) . ومرة بخواطر الملك (٥)، ومرة تكون تعريفاً من الله عز وجل بخلق تلك الأحوال فى قلبه ابتداءاً ، وفى الخبر: ((أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً)). واعلم أن النوم على أقسام : نوم غفلة . ونوم عادة ؛ وذلك (٦ )غير محمود . بل هو معلول (٧)؛ لأنه أخو الموت، وفى بعض الأخبار المروية: ((النوم أخو الموت )) . وقال الله عز وجل: ((وهو الذى يتوفاكم بالليل، ويعلم ما جرحتم (٨) بالنهار)) (٩) وقال تعالى: ((الله يتوفى الأنفس حين موتها، والتى لم تمت فى منامها)) (١٠). وقيل : لو كان فى النوم خير لكان فى الجنة نوم . وقيل : لما ألقى الله على آدم النوم فى الجنة أخرج منه حواء . وكل بلاء به إنما حصل حصلت حواء . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول : لما قال إبراهيم لإسماعيل ، عليهما السلام: يا بنى إنى أرى فى المنام أنى أذبحك قال إسماعيل: يا أبت ، هذا جزاء من نام عن حبيبه ، لو لم تنم لما أمرت بذبح الولد . (١) أى النائم الرائى. (٣) فتسمى أحلاماً. (٦) أى وكل منهما . (٧) مذموم . (٩) آية ٦٠ من سورة الأنعام . (٢) وفى نسخة ضوء . (٤) فنسمى هاجساً . (٥) فنسمى رؤيا . (٨) كسبتم . (١٠) آية ٤٢ من سورة الزمر . ٦٠٦ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) وقيل : أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: كذب من ادعى محبتى ، فاذا جنه الليل نام عنى . . والنوم ضد العلم ؛ ولهذا قال الشبلى : نعسة فى ألف سنة فضيحة . وقال الشبلى : اطلع الحق على الخلق فقال : من نام غفل ، ومن غفل حجب فكان الشبلى يكتحل بالملح بعده حتى كان لا يأخذه النوم ، وفى معناه أنشدوا : عجباً للمحب كيف ينام كل نوم على المحب حرام وقيل : المريد : أكله فاقة ، ونومه غلبة ، وكلامه ضرورة . وقيل : لما نام آدم عليه السلام بالحضرة قيل له : هذه حواء لتسكن إليها ، هذا جزاء من نام بالحضرة . وقيل : إن كنت حاضراً فلا تنم ؛ فان النوم فى الحضرة سوء أدب ، وإن كنت غائباً فأنت من أهل الحسرة والمصيبة ، والمصاب لا يأخذه نوم . وأما أهل المجاهدات فنومهم صدقة من اللّه عليهم، وإن الله عز وجل يباهى بالعبد إذا نام فى سجوده، يقول : انظروا إلى عبدی نام وروحه عندى ، وجسده بين يدى . وقال الأستاذ : أى روحه فى محل النجوى ، وبدنه على بساط العبادة . وقيل : كل من نام على الطهارة يؤذن لروحه أن تطوف بالعرش وتسجد لله عز وجل قال تعالى: ((وجعلنا نومكم سباتاً)) (١))). سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول : شكا رجل إلى بعض المشايخ من كثرة النوم ، فقال : اذهب فاشكر الله تعالى على العافية ، فكم من مريض فى شهوة غمضة من النوم الذى تشكو منه . وقيل : لاشىء أشد على إبليس من نوم العاصى ؛ يقول : متى ينتبه ويقوم حتى يعصى الله .. وقيل : أحسن أحوال العاصى أن ينام : إن لم يكن الوقت له لم يكن عليه . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول : تعود شاه الكرمانى السهر ، فغلبه النوم مرة ، فرأى الحق سبحانه فى النوم ، فكان يتكلف النوم بعد ذلك ، فقيل له فى ذلك ؛ (١) آية ٩ من سورة النبأً . ٦٠٧ ( باب رؤيا القوم ) فقال : رأيت سرور قلبى فى منامى فأحببت التنعس والمناما وقيل : كان رجل له تلميذان ، فاختلفا فما بينهما ، فقال أحدهما : النوم خير . لأن الإنسان لا يعصى الله فى تلك الحالة . وقال الآخر : اليقظة خير ، لأنه يعرف اللّه تعالى فى تلك الحالة . فتحاكما إلى ذلك الشيخ فقال : أما أنت الذى قلت بتفضيل النوم فالموت خبر لك من الحياة ، وأما أنت الذى قلت بتفضيل اليقظة ، فالحياة خير لك من الموت . وقيل : اشترى رجل مملوكة ، فلما دخل الليل قال : افرشى الفراش . فقالت المملوكة : يا مولاى ، ألك مولى ؟ قال : نعم ، فقالت : ينام مولاك؟ فقال : لا . قالت : ألا تستحى أن تنام ومولاك لاينام !! وقيل : قالت بنية لسعيد بن جبير : لم لاتنام؟ فقال : إن جهنم لا تدعنى أن أنام . وقيل : قالت بنت لمالك بن دينار : لم لاتنام ؟ فقال : إن أباك يخاف البيات . وقيل: لما مات الربيع بن خيثم قالت بنية لأبيها : الأسطوانة(١) التى كانت فى دار جارنا أين ذهبت؟ فقال : إنه كان جارنا الصالح يقوم من أول الليل إلى آخره ؛ فتوهمت البنية أنه كان سارية ؛ لأنها كانت لاتصعد السطح إلا بالليل فتجده قائماً (٢). وقال بعضهم: فى النوم معان ليست فى اليقظة ؛ منها أنه يرى المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ، والصحابة ، والسلف الماضيين فى النوم ، ولا يراهم فى اليقظة وكذلك يرى الحق فى النوم ، وهذه مزية عظيمة . وقيل : رأى أبو بكر الآجرى الحق سبحانه فى النوم ، فقال له : سل حاجتك ، فقال اللهم اغفر لجميع عصاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال : أنا أولى بهذا منك ، سل حاجتك . وقال الكتانى : رأيت النبى صلى الله عليه وسلم فى المنام ، فقال لى : من تزين للناس بشىء يعلم الله منه خلافه شانه الله . (١) أى السارية ( العمود) . (٢) وقد سقطت هذه الجملة فى بعض النسخ. ٦٠٨ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) وقال الكتانى أيضاً : رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم فى المنام ، فقلت : ادع الله أن لايميت قلبى، فقال؛ قل كل يوم أربعين مرة ((ياحى، ياقيوم، لا إله إلا أنت)) فان الله يحي قلبك . ورأى الحسن بن على رضى الله عنهما عيسى بن مريم فى المنام ، فقال : إنى أريد أن اتخذ خاتماً ، فما الذى أكتب عليه ؟ فقال: اكتب عليه: لا إله إلا الله، الملك الحق المبين)) فانه فى آخر الإنجيل(١). وروى عن أبى يزيد(٢) أنه قال : رأيت ربى عز وجل فى المنام ، فقلت كيف الطريق إليك ؟ فقال : أترك نفسك وتعال . وقيل : رأى أحمد بن خضرويه ربه فى المنام ، فقال : يا أحمد ، كل الناس يطلبون منى إلا أبا يزيد فانه يطلبنى . وقال يحيى بن سعيد القطان : رأيت ربى فى المنام فقلت : يارب ، كم أدعوك فلا تستجيب لى .. فقال تعالى : يا يحيى إنى أحب أن أسمع صوتك. وقال بشر بن الحارث : رأيت أمير المؤمنين على بن أبى طالب ، رضى الله عنه فى المنام ، فقلت : يا أمير المؤمنين عظنى، فقال : ما أحسن عطف الأغنياء على الفقراء طلباً لثواب الله تعالى ، وأحسن من ذلك تيه الفقراء على الأغنياء ثقة بالله تعالى ، فقلت له : يا أمير المؤمنين : زدنى ، فقال : قد كنت ميتاً فصرت حياً وعن قريب تصير ميتاً عز (٣) بدار الفناء بيت فابن بدار البقاء بيتاً وقيل : رؤى سفيان الثورى فى المنام ، فقيل له : ما فعل الله تعالى بك ؟ فقال : رحمنى ، فقيل له : ماحال عبد الله بن المبارك ؟ فقال : هو ممن يلج على ربه كل يوم مرتين . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول : رأى الأستاذ أبو سهل الصعلوكى أبا سهل الزجاجى فى المنام ، وكان الزجاجى يقول بوعيد الأبد (٤)، فقال له: ما فعل الله بك ؟ فقال الزجاجى : الأمر هاهنا أسهل مما كنا نظنه .. (١) أى فى خانمنه . (٣) أى تعزز . (٢) البسطامى. (٤) أي أن الكبائر لا يغفرها الله . ٦٠٩ ( باب رؤبا القوم ) ورؤى الحسن بن عاصم الشيبانى فى المنام ، فقيل له : ما فعل الله بك ؟ فقال : ما يكون من الكريم إلا الكرم . ورؤى بعضهم فى المنام فسئل عن حاله ، فقال : حاسبونا فدققوا ثم منوا فأعتقوا ورؤى حبيب العجمى فى المنام ، فقيل له : مت ياحبيب العجمى؟ . فقال: هيهات .. ذهبت العجمة وبقيت فى النعمة . وقيل : دخل الحسن البصرى مسجداً ليصلى فيه المغرب ، فوجد إمامهم حبيباً العجمى ، فلم يصل خلفه . لأنه خاف أن يلحن لعجمة فى لسانه ، فرأى فى المنام تلك الليلة قائلا يقول له : لم لم تصل خلفه ؟ لو صليت خلفه لغفر لك ما تقدم من ذنبك . ورؤى مالك بن أنس فى المنام . فقيل له : ما فعل اللّه بك؟ فقال : غفر لى بكلمة كان يقولها عثمان بن عفان رضى الله عنه عند رؤية الجنازة: ((سبحان الحى الذى لايموت )) . ورؤى فى الليلة التى مات فيها الحسن البصرى كأن أبواب السماء مفتحة .. وكأن منادياً ينادى : ألا إن الحسن البصرى قدم على الله تعالى وهو عنه راض . سمعت أبا بكر بن أشكيب يقول : رأيت الأستاذ أبا سهل الصعلوكى فى المنام على حالة حسنة فقلت : يا أستاذ ، بم وجدت هذا ؟ فقال : بحسن ظنى بربى . وقيل : رؤى الحاحظ فى المنام ، فقيل له : ما فعل اللّه بك ؟ فقال : يسرك فى القيامة أن تراه فلا تكتب بخطك غير شىء وقيل : رأى الجنيد إبليس فى منامه عرياناً ، فقال له : ألا تستحى من الناس ؟ فقال : هؤلاء لاناس، إنما الناس أقوام فى مسجد ((الشونزية)) أضنوا جسدى وأحرقوا كبدى ، قال الجنيد : فلما انتهت غدوت إلى المسجد فرأيت جماعة وضعوا رءوسهم على ركبهم متفكرين ، فلما رأونى قالوا : لا يغرنك حديث الخبيث . ورؤى النصراباذى مكة بعد وفاته فى النوم ، فقيل له : ما فعل اللّه تعالى بك ؟ فقال : عوتبت عتاب الأشراف ، ثم نوديت : يا أبا القاسم ، أبعد الاتصال انفصال ؟ فقلت : لا ياذا الحلال ، فما وضعت فى اللحد حتى لحقت بالأحد . ٦١٠ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) ورؤى ذو النون المصرى فى المنام ، فقيل له : ما فعل الله بك ؟ فقال: كنت أسأله ثلاث حوائج فى الدنيا ، فأعطانى البعض ، وأرجو أن يعطينى الباقى ؛ كنت أسأله أن يعطينى من العشرة (١) التى على يد رضوان واحدة ، ويعطينى بنفسه، " وأن يعذبنى عن الواحدة التى بيد مالك بعشرة ويتولى هو (٢) ، وأن يرزقنى أن أذكر بلسان الأبدية (٣). وقيل : رؤى الشبلى فى المنام بعد موته ، فقيل له : ما فعل الله تعالى بك ؟ فقال: لم يطالبنى بالبراهين على الدعاوى إلا على شىء واحد ، قلت يوماً : لاخسارة أعظم من خسران الحنة ، ودخول النار ، فقال لى : وأى خسارة أعظم من خسران لقائى .. سمعت الأستاذ أبا على يقول : رأى الحريرى الجنيد فى المنام فقال : كيف حالك يا أبا القاسم ؟ فقال : طاحت تلك الإشارات ، وبادت تلك العبارات ، وما نفعنا إلا تسبيحات كنا نقولها بالغدوات . وقال الباجى : تشهيت يوماً شيئاً ، . فرأيت فى المنام كأن قائلا يقول : أيجمل بالحر المريد أن يتذلل للعبيد ، وهو يجد من مولاه ما يريد؟ . ١، وقال ابن الحلاء: "دخلت المدينة(٤) وبى فاقة، فتقدمت إلى القبر ، وقلت أنا ضيفك يا نبى الله .. فغفوت غفوة ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم فى نومى وقد أعطانى رغيفاً فأكلت نصفه وانتبهت وبيدى النصف (الآخر ). وقال بعضهم: رأيت النبى صلى الله عليه وسلم فى المنام يقول: زوروا ابن عون ؛ فإنه يحب الله ورسوله . وقيل : رأى عتبة الغلام حوراء فى المنام على صورة حسنة ، فقالت له : يا عتبة ، أنا لك عاشقة ، فانظر أن لاتعمل من الأعمال شيئاً يحال به بينى وبينك ، فقال لها عتبة : طلقت الدنيا ثلاثاً لا رجعة لى عليها . حتى ألقاك . (١) أى الكرامات . (٢) أى يتولى اللّه تعذبيه، كما تولى نعيمه، قال الإمام العروسى: إن غرضه أن الحق سبحانه يتولى كلا من نعيمه وعذابه، وذلك لمعطم الأول ويسهل الثانى . (٣) وهذه هى الطلبة الدنبوية التى تحققت له. (٤) المنورة . ٦١١ ( باب رؤيا القوم ) سمعت منصورا المغربى يقول : رأيت شيخاً فى بلاد الشام كبير الشأن وكان الغالب عليه الانقباض ، فقيل لى: إن أردت أن ينبسط هذا الشيخ معك فسلم عليه وقل له : رزقك الله الحور العين ؛ فانه يرضى منك بهذا الدعاء . فسألت عن سببه ، فقيل : إنه رأى شيئاً من الحور فى منامه . فبقى فى قلبه شىء من ذلك ، فمضيت وسلمت عليه ، وقلت : رزقك الله الحور العين ، فانبسط الشيخ معى . وقيل : رأى أيوب السختيانى جنازة عاص ، فدخل دهليزً ؛ لئلا يحتاج إلى الصلاة عليها فرأى بعضهم الميت فى المنام فقال له : ما فعل الله بك ؟ فقال : غفرلى. وقال لى قل لأيوب السختيانى (( قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربى إذاً لأمسكتم خشية الإنفاق))(١) . وقيل : رؤى الليلة التى مات فيها مالك بن دينار كأن أبواب السماء قد فتحت ، وقائلا يقول : ألا إن مالك بن دينار أصبح من سكان الحنة . وقال بعضهم : رأيت الليلة التى مات فيها داود الطائى نوراً ، وملائكة صعوداً وملائكة نزولا ، فقلت : أى ليلة هذه ؟ فقالوا : ليلة مات فيها داود الطائى وقد زخرفت الحنة لقدوم روحه على أهلها . قال الأستاذ الإمام أبو القاسم القشيرى : رأيت الأستاذ أبا على الدقاق فى المنام ، فقلت له : ما فعل الله بك ؛ فقال: ليس للمغفرة هاهنا كبير خطر (٢) ، أقل من حضرها هنا خطراً ((فلان)) أعطى كذا وكذا .. ووقع لى فى المنام أن ذلك الإنسان الذى عناه قتل نفساً بغير حق . وقيل : لما مات كرز بن وبرة رؤى فى المنام كأن أهل القبور خرجوا من قبورهم وعليهم ثياب جدد بيض فقيل : ما هذا ؟ قيل : إن أهل القبور كسوا ثياباً جدداً(٣) لقدوم كرز بن وبرة عليهم. ورؤى يوسف بن الحسين فى المنام ، فقيل له : ما فعل الله بك ؟ فقال : غفرلى ، فقيل له : ماذا ؟ فقال : لأنى ماخلطت جداً بهزل قط . (١) آية ١٠٠ من سورة الإسراء. (١) أى قدر . (٢) وفى نسخة ((لبوا لباساً جديداً)). ٦١٢ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام الفنسيرى ) ورؤى أبوعبيد اللّه الزراد فى المنام ، فقيل له : ما فعل اللّه تعالى بك ؟ فقال : أوقفنى ، وغفر لى كل ذنب أقررت به فى الدنيا ، إلا واحداً استحييت أن أقر به ، فوقفنى فى العرق ، حتى سقط لحم وجهى . . فقيل له : وما ذاك ؟ فقال : نظرت يوماً إلى شخص جميل ؛ فاستحييت أن أذكره . سمعت أبا سعيد الشحام يقول : رأيت الشيخ الإمام أبا الطيب سهلا الصعلوكى فى المنام ، فقلت له : أيها الشيخ، فقال: دع الشيخ .. فقلت: وتلك الأحوال التى شاهدتها ؟ . فقال : لم تغن عنا شيئاً ، فقلت : ما فعل الله تعالى بك؟ فقال غفرلى بمسائل كانت تسأل عنها العجز (١) فأجبتهم عنها . سمعت أبا بكر الرشيدى الفقيه يقول : رأيت محمداً الطوسى المعلم فى المنام ، فقال لى : قل لأبى سعيد الصفار المؤدب : فقد ، وحياة الحب حلتم ، وما حلنا وكنا على أن لانحول عن الهوى وأظهرتم الهجران ، ماهكذا كنا تشاغلتم عنا بصحبة غيرنا سيجمعنا بعد الممات كما كنا لعل الذى يقضى الأمور بعلمه قال : فانتهت ، وقلت ذلك لأبى سعيد الصفار ، فقال : كنت أزور قبره كل يوم جمعة ، فلم أزره هذه الجمعة . وحكى عن بعضهم أنه قال : رأيت فى المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم وحوله جماعة من الفقراء ، فبينما هو كذلك إذ نزل من السماء ملكان ، وبيد أحدهما طست ، وبيد الآخر إبريق : فوضع الطست بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فغسل يده ، ثم أمر الملكين حتى غسلوا أيديهم ، ثم وضع الطست بين يدى، فقال أحدهما للآخر : لاتصب على يده ؛ فانه ليس منهم ، فقلت يارسول الله ، أليس قد روى عنك قلت ((المرء مع من أحب))؟ فقال : بلى ، فقلت وأنا أحبك ، وأحب هؤلاء الفقراء ، فقال صلى الله عليه وسلم: صب على يده، فإنه منهم)). وحكى عن بعضهم أنه كان يقول ، أبداً (٢): العافية ... العافية، فقيل له : ما معنى هذا الدعاء؟ فقال : كنت حمالا فى ابتداء أمرى ، وكنت حملت يوماً (١) العوام . (٢) أى دائماً . ٦١٣ ( باب رؤبا القوم ) صدراً(١) من الدقيق، فوضعته لأستريح، فكنت أقول: يارب . لو أعطيتنى كل يوم رغيفين من غير تعب لكنت أكتفى بهما ، فإذا رجلان يختصمان .. فتقدمت أصلح بينهما .. فضرب أحدهما رأسى بشىء أراد أن يضرب به خصمه ، فدمى وجهى .. فجاء صاحب ((الربع)) فأخذهما ، فلما رآنى ملوثاً بالدم أخذنى وظن أننى ممن تشاجر . فأدخلفى السجن ، وبقيت فى السجن مدة أوتى كل يوم برغيفين . فرأيت ليلة فى المنام قائلا يقول لى : إنك سألت الرغيفين كل يوم من غير نصب ، ولم تسأل العافية .. فأعطاك ما سألت . فانتهت ، وقّلت العافية . العافية ، فرأيت باب السجن يقرع ، وقيل : أين عمر الحمال ؟ فأطلقونى وخلوا سبيلى . وحكى عن الكتانى أنه قال : كان عندنا رجل من أصحابنا هاجت عينه ، فقيل له : ألا تعالجها ؟ فقال : غُزمت على أن لا أعالجها حتى تبرأ ، قال : فرأيت فى المنام كأن قائلا يقول : لو كان هذا العزم على أهل النار كلهم ، لأخرجناهم من النار . وحكى عن الجنيد أنه قال : رأيت فى المنام كأنى أتكلم على الناس (٢) .. فوقف على ملك . فقال : أقرب ما تقرب به المنقربون إلى اللّه ماذا ؟ فقلت : عمل خفى بميزان وفى . قال : فولى الملك عنى، وهو يقول : كلام موفق والله. . وقال رجل للعلاء بن زياد : رأيت فى النوم كأنك من أهل الجنة . فقال : لعل الشيطان أراد أمراً فعصمت منه ، فأشخص(٢) إلى رجلا يعينه على مقصوده من إضلال . وقيل رؤى عطاء السلمى فى النوم ، فقيل له : لقد كنت طويل الحزن ، فما فعل اللّه تعالى بك؟ فقال: أما والله لقد أعقبنى ذلك راحة طويلة وفرحاً دائماً، فقيل له : ففى أى الدرجات أنت ؟ فقال: ((مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين .. )) الآية (٤). وقيل : رؤى الأوزاعى فى المنام ، فقال : ما رأيت هاهنا درجة أرفع من درجة العلماء ، ثم الحزوثين : (١) أى حملا ثقيلاً. (٣) أى : أرسل . (٢) أى : أعلهم . (٤) آية ٦٩ من سورة النساء . ٦١٤ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) وقال النباجى: قيل لى فى المنام : من وثق بالله فى رزقه زيدفى حسن خلقه ، وسمحت نفسه فى نفقته ، وقلت وساوسه فى صلاته . وقال : رؤيت زبيدة(١) فى المنام، فقيل لها : ما فعل اللّه تعالى بك ؟ فقالت: غفر لى ، فقيل : بكثرة نفقتك فى طريق مكة ؟ فقالت : لا ، أما إن أجرها عاد إلى أربابها ، ولكن غفرلى بنيتى . ورؤى سفيان الثورى فى المنام ، فقيل له : ما فعل الله بك ؟ قال وضعت أول قدمى على الصراط ، والثانى فى الجنة . وقال أحمد بن أبى الحوارى : رأيت فى النوم جارية ما رأيت أحسن منها ، يتلألأ وجهها نوراً ، فقلت : ما أنور وجهك ، فقالت : تذكر الليلة التى بكيت فيها؟ فقلت: نعم ، فقالت : حملت إلى دمعتك فمسحت بها وجهى ، فصار وجهى * هكذا . وقيل : رأى يزيد القرشى النبى صلى الله عليه وسلم فى المنام ، فقرأ عليه، فقال له : هذه القراءة فأين البكاء ؟. وقال الجنيد : رأيت فى المنام كأن ملكين نزلا من السماء ، فقال أحدهما لى : ما الصدق ؟ فقلت : الوفاء بالعهد ، فقال الآخر : صدق ، ثم صعدا . ورؤى بشر الحافى فى المنام ، فقيل له : ما فعل اللّه تعالى بك ؟ فقال: غفر لى، وقال : أما استحييت يا بشر منى ، كنت تخافنى كل ذلك الخوف ؟ ! وقيل : رؤى أبو سليمان الدارانى فى المنام ، فقيل له ما فعل اللّه بك ؟ فقال : غفر لى ، وما كان شىء أضر على من إشارات القوم .. وقال على بن الموفق : كنت أفكر يوماً فى سبب عيالى والفقر الذى بهم ، فرأيت فى المنام رقعة فيها مكتوب (( بسم الله الرحمن الرحيم : يا ابن الموفق ، أتخشى الفقر وأنا ربك .. )). فلما كان وقت الغلس أتانى رجل بكيس فيه خمسة آلاف دينار ، وقال : خذها إليك يا ضعيف اليقين . (١) زوجة هارون الرشيد . ٦١٥ ( باب رؤبا القوم ) وقال الجنيد: رأيت فى المنام كأنى واقف بين يدى اللّه تعالى فقال لى : ، يا أبا القاسم : من أين لك هذا الكلام الذى تقول؟ فقلت : لا أقول إلا حقاً . فقال : صدقت . وقال أبو بكر الكتانى : رأيت فى المنام شاباً لم أر أحسن منه ، فقلت : من أنت ؟ فقال : التقوى ، قلت : فأين تسكن ؟ قال : فى قلب كل حزين ، ثم التفت فإذا امرأة سوداء كأوحش ما يكون ، فقلت : من أنت ؟ فقالت : الضحك ، فقلت : وأين تسكنين؟ فقالت فى كل قلب فرح. مرح. قال: فانتبهت، واعتقدت (١) أن لا أضحك إلا غلبة . وحكى عن أبى عبد الله بن خفيف أنه قال : رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فى المنام كأنه قال لى : من عرف طريقاً إلى الله تعالى فسلكه ، ثم رجع عنه عذبه اللّه عذاباً لم يعذبه أحداً من العالمين . ورؤى الشبلى فى المنام ، فقيل له : ما فعل الله تعالى بك ؟ فقال : ناقشنى حتى أيست ، فلما رأى يأسى تغمدنى برحمته . وقال أبو عثمان المغربى: رأيت فى النوم كأن قائلا يقول لى: يا أبا عثمان، اتق الله فى الفقر ، ولو بقدر سمسمة . وقيل : كان لأبى سعيد الخراز ابن مات قبله ، فرآه فى المنام ، فقال له : يا بنى، أوصنى . فقال : يا أبت ، لا تعامل اللّه على الحين ، فقال : يا بنى ، زدنى . فقال : لا تخالف الله تعالى فيما يطالبك به . فقال : زدنى . فقال : لا تجعل بينك وبين اللّه قميصاً (٢) قال : فما لبس القميص ثلاثين سنة . وقيل : كان بعضهم يقول فى دعائه : اللهم الشىء الذى لا يضرك وينفعناً لا تمنعه عنا ، فرأى فى المنام كأنه قيل له : وأنت . فالشىء الذى يضرك ولا ينفعك فدعه . وحكى عن أبى الفضل الأصبهانى أنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المنام، فقلت: يا رسول الله سل الله أن لا يسلبنى الإيمان، فقال صلى اللّه عليه وسلم : ذاك شيء قد فرغ الله تعالى منه . (٢) أى : حائلا يحجمك عن طاعة الله. (١) عزمت . ٦١٦ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للأمام القشيرى ) وحكى عن أبى سعيد الخراز قال : رأيت إبليس فى المنام ، فأخذت عصاى لأضربه ، فقيل لى : إنه لا يفزع من هذا ، إنما يفزع من نور يكون فى القلب . وقال بعضهم : كنت أدعو لرابعة العدوية ، فرأيتها فى النوم تقول : هداياك تأتينا على أطباق من نور ، مخمرة(١) بمناديل من نور . ويروى عن سماك بن حرب أنه قال : كف بصرى ، فرأيت فى المنام كأن قائلا يقول لى : إنت الفرات ، فانغمس(٢) فيه ، وافتح عينيك، قال: ففعلت ، فأبصرت . وقيل : رؤى بشر الحافى فى المنام ، فقيل له : ما فعل الله بك ؟ فقال : لما رأيت ربى عز وجل قال لى: مرحباً يا بشر، لقد توفيتك يوم توفيتك ، وما على الأرض أحب إلى منك . (١) أى مغطاة. (٢) وفى نسحة ((فاعدسل)). الباب السادس والخمسون الوصية للمريدين قال الله تعالى : (( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا)) صدق الله العظيم ٦١٨ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى) باب الوصية للمريدين قال الأستاذ الإمام : لما أثبتنا طرفاً من سير القوم ، وضممنا إلى ذلك أبواباً من المقامات ، أردنا أن نختم هذه الرسالة بوصية للمريدين ، نرجو من الله تعالى حسن توفيقهم لاستعمالها ، وأن لايحرمنا القيام بها ، وأن لايجعلها - سبحانه - حجة علينا . فأول قدم للمريد فى هذه الطريقة ينبغى أن يكون على الصدق ، ليصح له البناء على أصل صحيح ؛ فإن الشيوخ قالوا : إنما حرموا الوصول لتضييعهم الأصول . كذلك سمعت الأستاذ أبا على يقول ؛ فتجب البداية بتصحيح اعتقاد بينه وبين الله تعالى، صاف عن الظنون والشبه ، خال من الضلالة والبدع ، صادر عن البراهين والحجج . ويقبح بالمريد أن ينتسب إلى مذهب من مذاهب من ليس من هذه الطريقة . وليس انتساب الصوفى إلى مذهب من مذاهب المختلفين ، سوى طريقة الصوفية ، إلا نتيجة جهلهم (١) مذاهب أهل هذه الطريقة ؛ فان هؤلاء حججهم فى مسائلهم أظهر من حجج كل أحد ، وقواعد مذاهبهم أقوى من قواعد كل مذهب . والناس : إما أصحاب النقل والأثر ، وإما أرباب العقل والفكر . وشيوخ هذه الطائفة ارتقوا عن هذه الحملة ؛ فالذى للناس غيب ، فهو لهم ظهور(٢)، والذى للخلق من المعارف مقصود (٣) فلهم (٤) من الحق ، سبحانه، موجود ، فهم أهل الوصال ، والناس أهل الاستدلال . وهم كما قال القائل : ليلى بوجهك مشرق وظلامه فى الناس سارى ونحن فى ضوء الهار فالناس فى سدف (٥) الظلام ولم يكن عصر من الأعصار فى مدة الإسلام إلا وفيه شيخ من شيوخ هذه الطائفة ، ممن له علوم التوحيد ، وإمامة القوم إلا وأئمة ذلك الوقت من العلماء استسلموا لذلك الشيخ ، وتواضعوا له وتبركوا به .. (١) والأولى أن يقول ((جهله)). (٢) أى ظاهر . (٣) أى مقصد تحصيله . (٤) أى فهو لهم . (٥) جمع سدفة (بفتح السين وإسكان الدال ) وهى الظلمة. ٦١٩ ( باب الوصية للمريدين ) ولولا مزية ، وخصوصية لهم ، وإلا كان الأمر بالعكس .. هذا أحمد بن حنبل كان عند الشافعى ، رضى الله عنهما ، فجاء شيبان الراعى فقال أحمد : أريد يا أبا عبد الله أن أنبه هذا على نقصان علمه ، ليشتغل بتحصيل بعض العلوم. فقال الشافعى : لا تفعل .. فلم يقنع ؛ فقال لشيبان : ما تقول فيمن نسى صلاة من خمس صلوات فى اليوم والليلة ، ولا يدرى أى صلاة نسبها ، ما الواجب عليه : يا شيبان ؟ . فقال شيبان : يا أحمد ، هذا قلب غفل عن الله تعالى ، فالواجب أن يؤدب حتى لا يغفل عن مولاه بعد .. فغشى على أحمد .. فلما أفاق ، قال له الإمام الشافعى ، رحمه الله : ألم أقل لك لاتحرك هذا .. وشيبان الراعى كان أمياً منهم ، فإذا كان حال الأمى منهم هكذا ، فما الظن بأئمتهم ؟ ؟ وقد حكى أن فقيهاً من أكابر الفقهاء كانت حلقته بجنب حلقة الشبلى فى جامع ((المنصور))، وكان يقال لذلك الفقيه ((أبو عمران)) وكان تتعطل عليهم حلقتهم لكلام الشبلى . . . فسأل أصحاب أبى عمران يوماً عن مسألة فى الحيض ، وقصدوا إخجاله .. فذكر مقالات الناس فى تلك المسألة ، والخلاف فيها .. فقام أبو عمران وقبل رأس الشبلى ، وقال : يا أبا بكر ، استفدت فى هذه المسألة عشر مقالات لم أسمعها ، وكان عندى من جملة ما قلت ثلاثة أقاويل .. د وقيل : اجتاز أبو العباس بن سريج الفقيه بمجلس الجنيد ، رحمهما الله، فسمع كلامه ، فقيل له : ما تقول فى هذا الكلام ؟ فقال : لا أدرى ما يقول ... ولكنى أرى لهذا الكلام صولة ليست بصولة مبطل . وقيل لعبد الله بن سعيد بن كلاب : أنت تتكلم على كلام كل أحد ، وهاهنا رجل يقال له الجنيد ، فانظر هل تعترض عليه أم لا؟ فحضر حلقته .. ٦٢٠ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى) فسأل الحنيد عن التوحيد فأجابه ، فتحير عبد الله وقال : أعد على ما قلت ؟ .. فأعاده ولكن لا بتلك العبارة . فقال له عبد الله: هذا شىء آخر لم أحفظه ، تعيده على مرة أخرى . فأعاد بعبارة أخرى ، فقال عبد الله: ليس يمكننى حفظ ما تقول .. أمله علينا ، فقال : إن كنت أجزته(١) فأنا أمليه ، فقام عبد اللّه، وقال بفضله ، واعترف يعلو شأنه . فاذا كان أصول هذه الطائفة أصح الأصول ، ومشايخهم أكبر الناس ، وعلماؤهم أعلم الناس ، فالمريد الذى له إيمان بهم : إن كان من أهل السلوك والتدرج إلى مقاصدهم فهو يساهمهم فيما خصوا به من مكاشفات الغيب ، فلا يحتاج إلى التطفل على من هو خارج عن هذه الطائفة ، وإن كان مريداً طريقة الاتباع وليس بمستقل بحاله ، ويريد أن يعرج فى أوطان التقليد إلى أن يصل إلى التحقيق فليقلد سلفه ، وليجر على طريقة هذه الطبقة (٢)؛ فانهم أولى به من غيرهم. ولقد سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت أبا بكر الرازى يقول سمعت الشبلى يقول : ما ظنك بعلم علم العلماء فيه تهمة ؟ !.. وسمعته يقول : سمعت محمد بن على بن محمد المخرمى يقول : سمعت محمد ابن عبد الله الفرغانى يقول: سمعت الحنيد يقول: لو علمت أن الله علماً تحت أديم (٣) السماء أشرف من هذا العلم الذى نتكلم فيه مع أصحابنا وإخواننا لسعيت إليه ، ولقصدته . وإذا أحكم المريد بينه وبين الله عقده ، يجب أن يحصل من علم الشريعة ، إما بالتحقيق ، وإما بالسؤال عن (٤) الأئمة ما يؤدى به فرضه، وإن اختلف عليه فتاوى الفقهاء يأخذ بالأحوط ، ويقصد(٥) الخروج من الخلاف ، فان الرخص فى الشريعة للمستضعفين وأصحاب الحوائج والأشغال . وهؤلاء الطائفة ليس لهم شغل سوى القيام بحقه سبحانه ، ولهذا قيل : إذا انحط (١) أى سلكته . (٢) وفى نسخة: ((الطائفة)). (٣) أديم : وجه . (٤) عن بمعنى من . (٥) أى بالأخذ بالأحوط . ٠ ٢ 1