النص المفهرس

صفحات 541-560

الباب الرابع والخمسون
كرامات الأولياء
« من زهد فى الدنيا أربعين يوما صادقا
من قلبه مخلصا فى ذلك ظهرت له
الكرامات ٠٠»

٥٦٢
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
باب كرامات الأولياء
قال الأستاذ أبو القاسم : ظهور الكرامات على الأولياء جائز .
والدليل على جوازه أنه أمر موهوم حدوته فى العقل لايؤدى حصوله إلى رفع
أصل من الأصول ، فواجب وصفه ، سبحانه ، بالقدرة على إيجاده ، وإذا وجب
كونه مقدوراً لله ، سبحانه ، فلا شىء يمنع جواز حصوله .
وظهور الكرامات علامة صدق من ظهرت عليه فى أحواله ، فمن لم يكن صادقاً
فظهور مثلها عليه لا يجوز . والذى يدل عليه أن تعريف القديم سبحانه إبانا (١) ،
حتى نفرق بين من كان صادقاً فى أحواله ، وبين من هو مبطل من طريق الاستدلال
أمر موهوم ، ولا يكون ذلك إلا باختصاص الولى بما لا يوجد مع المفترى فى دعواه ،
وذلك الأمر هو الكرامة التى أشرنا إليها .
ولا بد أن تكون هذه الكرامة فعلا ناقضاً للعادة فى أيام التكليف ، ظاهراً على
موصوف بالولاية فى معنى تصديقه فى حاله .
وتكلم الناس فى الفرق بين الكرامات وبين المعجزات من أهل الحق ؛ فكان
الإمام أبو إسحاق الإسفرايينى، رحمه الله ، يقول :
المعجزات دلالات صدق الأنبياء ، ودليل النبوة لايوجد مع غير النبى ،
كما أن العقل المحكم لما كان دليلا للعالم فى كونه عالماً لم يوجد ممن لا يكون عالماً .
وكان يقول : الأولياء لهم كرامات شبه إجابة الدعاء ، فأما جنس ما هو معجزة
للأنبياء فلا .
وأما الإمام أبو بكر بن فورك ، رحمه الله ، فكان يقول : المعجزات : دلالات
الصدق (٢) ، ثم إن ادعى صاحبها النبوة فالمعجزات تدل على صدقه فى مقالته، وإن
أشار صاحبها إلى الولاية دلت المعجزة على صدقه فى حلته، فتسمى ((كرامة)) ولا
تسمى ((معجزة)) وإن كانت من جنس المعجزات للفرق.
(١) أى إعلامنا بالكرامة .
(٢) أى للأنبياء .

٥٦٣
( باب كرامات الأولياء )
وكان رحمه الله يقول : من الفرق بين المعجزات والكرامات : أن الأنبياء
عليهم السلام مأمورون باظهارها (١) والولى يجب عليه سترها وإخفاؤها (٢)، والنبي
صلى الله عليه وسلم يدعى ذلك (٣) ويقطع القول به ، والولى لا يدعيها (٤) ولا يقطع
بكرامته ، لجواز أن يكون ذلك مكراً .
وقال أوحد فنه فى وقته(٥) القاضى أبو بكر الأشعرى ، رضى الله عنه: إن
المعجزات تختص بالأنبياء ، والكرامات تكون للأولياء كما تكون للأنبياء ولا تكون
للأولياء معجزة ، لأن من شرط المعجزة اقتران دعوة النبوة بها ، والمعجزة لم تكن
معجزة لعينها ، وإنما كانت معجزة لحصولها على أوصاف كثيرة ، فمتى اختل شرط
من تلك الشرائط ، لا تكون معجزة . وأحد تلك الشرائط : دعوى النبوة، والولى
لا يدعى النبوة ، فالذى يظهر عليه لا يكون معجزة ...
وهذا هو القول الذى نعتمده ونقول به ، بل ندين به .
فشرائط المعجزات ، كلها أو أكثرها ، توجد فى الكرامة إلا هذا الشرط
الواحد . والكرامة فعل لا محالة محدث ، لأن ما كان قديماً لم يكن له اختصاص
بأحد ، وهو ناقض للعادة ، وتحصل (٦) فى زمان التكليف (٧) ، وتظهر على عبد
تخصيصاً له وتفضيلا . وقد تحصل باختياره ودعائه(٨)، وقد لا تحصل له
وقد تكون بغير اختياره فى بعض الأوقات ، ولم يؤمر الولى بدعاء الخلق إلى نفسه
ولو أظهر شيئاً من ذلك على من يكون أهلا له لجاز .
واختلف أهل الحق فى الولى : هل يجوز أن يعلم أنه ولى ؟ أم لا ؟
فكان الإمام أبو بكر بن فورك رحمه الله يقول : لا يجوز ذلك ؛ لأنه يسلبه
الحوف ويوجب له الأمن .
(١) أى إظهار المعجزات .
(٢) أى إخفاء الكرامات .
(٣) أى ما ذكر من المعجزات .
(٤) أى الكرامة .
(٥) وفى بعض النسخ ((أوحد وقته فى فنه)).
(٦) أى الكرامة .
(٧) أى فى مدة الحياة الدنيوية .
(٨) أى طلبه لها .

٥٦٤
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
وكان الأستاذ أبو على الدقاق رحمه الله يقول بجوازه .
وهو الذی نؤثره ونقول به .
وليس ذلك(١) بواجب فى جميع الأولياء حتى يكون كل ولى يعلم أنه ولى واجباً
ولكن يجوز أن يعلم بعضهم كما يجوز أن لا يعلمه بعضهم . فإذا علم بعضهم أنه
ولى كانت معرفته تلك كرامة له انفرد بها .
وليس كل كرامة لولى يجب أن تكون تلك بعينها لجميع الأولياء . بل لو لم
يكن للولى كرامة ظاهرة عليه فى الدنيا لم يقدح عدمها فى كونه ولياً . بخلاف الأنبياء
فانه يجب أن تكون لهم معجزات ؛ لأن النبي مبعوث إلى الخلق فبالناس حاجة إلى
معرفة صدقه ؛ ولا يعرف إلا بالمعجزة
وبعكس ذلك حال الولى؛ لأنه ليس بواجب على الخلق، ولاعلى الولى أيضاً
العلم بأنه ولى .
والعشرة من الصحابة صدقوا الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبرهم به أنهم من
أهل الجنة .
وقول من قال لايجوز ذلك لأنه يخرجهم من الخوف فلا بأس أن يخافوا
تغيير العاقبة ، والذى يجدونه فى قلوبهم من الهيبة والتعظيم والإجلال للحق
سبحانه ، يزيد ويربو على كثير من الخوف .
واعلم أنه ليس للولى مساكّنة(٢) إلى الكرامة التى تظهر عليه، ولا له ملاحظة .
وربما يكون لهم فى ظهور جنسها قوة يقين وزيادة بصيرة لتحققهم أن ذلك فعل
اللّه ، فيستدلون بها على صحة ما هم عليه من العقائد.
وبالجملة ، فالقول بجواز ظهورها على الأولياء واجب، وعليه جمهور أهل
المعرفة ، ولكثرة ما تواتر بأجناسها الأخبار والحكايات صار العلم بكونها وظهورها
على الأولياء فى الحملة علماً قوياً انتفى عنه الشكوك ومن توسط هذه الطائفة وتواتر
عليه حكاياتهم وأخبارهم لم تبق له شبهة فى ذلك على الجملة . ومن دلائل هذه الحملة :
نص القرآن فى قصة صاحب سليمان عليه السلام ، حيث قال: ((أنا آتيك به قبل أن
يرتد إليك طرفك)»(٣) ولم يكن نبياً .
(١) أى علم الولى بأنه ولى .
(٢) سكون .
(٣) آية ٤٠ من سورة النمل .

٥٦٥
( باب كرامات الأولياء )
والأثر : عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، رضى الله عنه. صحيح أنه قال :
(( ياسارية الجبل)) (١) فى حال خطبته يوم الجمعة ، وتبليغ صوت عمر إلى سارية فى
ذلك الوقت حتى تحرز من مكامن العدو من الجبل فى تلك الساعة .
فان قيل : كيف يجوز إظهار هذه الكرامات الزائدة فى المعانى على معجزات
الرسل ؟ وهل يجوز تفضيل الأولياء على الأنبياء عليهم السلام ؟
قيل : هذه الكرامات لاحقة بمعجزات نبينا صلى الله عليه وسلم ؛ لأن كل من
ليس بصادق فى الإسلام لا تظهر عليه الكرامة . وكل نبى ظهرت كرامته على واحد
من أمته فهى معدودة من جملة معجزاته ؛ إذ لو لم يكن ذلك الرسول صادقاً لم تظهر
على يد من تابعه الكرامة ، فأما رتبة الأولياء فلا تبلغ رتبة الأنبياء عليهم السلام
للإجماع المنعقد على ذلك .
وهذا أبو يزيد البسطامى سئل عن هذه المسألة فقال :
مثل ما حصل للأنبياء عليهم السلام كمثل زق فيه عسل ترشح منه قطرة
فتلك القطرة مثل ما لجميع الأولياء ، وما فى الظرف مثل لنبينا صلى الله عليه وسلم .
( فصل )
ثم هذه الكرامات قد تكون إجابة دعوة ، وقد تكون إظهار طعام فى أوان
فاقة من غير سبب ظاهر ، أو حصول ماء فى زمان عطش ، أو تسهيل قطع مسافة
فى مدة قريبة ، أو تخليصاً من عدو ، أو سماع خطاب من هاتف ، أوغير ذلك
من فنون الأفعال الناقضة للعادة .
واعلم أن كثيراً من المقدورات يعلم اليوم قطعاً أنه لايجوز أن يظهر كرامة
للأولياء ، وبضرورة أو شبه ضرورة يعلم ذلك ، فمنها (٢) حصول إنسان لامن أبوين،
وقلب جماد بهيمة أو حيواناً ، وأمثال هذا كثير .
( فصل )
فان قيل : فما معنى الولى ؟
قيل : يحتمل أمرين : أحدهما أن يكون فعيلا مبالغة من الفاعل ؛ كالعليم ،
والقدير وغيره ، فيكون معناه : من توالت طاعاته من غير تخلل معصية .
(١) أنطر السيرة السوية لابن هشام ، وابن كتير .
(٢) أى من تلك المقدورات .

٥٦٦
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
ويجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول ، كقتيل بمعنى مقتول ، وجريح بمعنى
مجروح ، وهو الذى يتولى الحق ، سبحانه ، حفظه وحراسته على الإدامة والتوالى،
فلا يخلق له الخذلان الذى هو قدرة العصيان ، وإنما يديم توفيقه الذى هو قدرة الطاعة،
قال الله تعالى: ((وهو يتولى الصالحين))(١).
فصل
فان قيل : فهل يكون الولى معصوماً ؟
قيل : أما وجوباً ، كما يقال فى الأنبياء فلا ، وأما أن يكون محفوظاً حتى
لا يصر على الذنوب إن حصلت هنات أو آفات أو زلات ، فلا يمتنع ذلك فى
وصفهم .
ولقد قيل الجنيد : العارف يزنى يا أبا القاسم ؟
فأطرق ملياً (٢)، ثم رفع رأسه وقال: ((وكان أمر الله قدراً مقدوراً))(٢).
فصل
فان قيل : فهل يسقط الخوف عن الأولياء ؟
قيل : أما الغالب على الأكابر فكان الخوف ، وذلك الذى قلنا فيما تقدم على
جهة الندرة غير ممتنع ، وهذا السرى السقطى يقول :
لو أن واحداً دخل بستاناً فيه أشجار كثيرة وعلى كل شجرة طير يقول له
بلسان فصيح : السلام عليك ياولى الله ، فلو لم يخف أنه مكر لكان ممكّوراً وأمثال
هذا من حكاياتهم كثيرة .
فصل
فان قيل : فهل تجوز رؤية الله سبحانه ، بالأبصار اليوم فى الدنيا على جهة
الكرامة ؟
(١) من آية ١٦٩ من سورة الأعراف.
(٢) أى طويلا
(٣) من آية ٣٨ من سورة الأحزاب .

٥٦٧
( باب كرامات الأولياء )
فالجواب عنه : أن الأقوى فيه أنه لا يجوز ؛ لحصول الإجماع عليه ، ولقد
سمعت الإمام أبا بكر بن فورك ، رضى الله عنه ، يحكى عن أبى الحسن الأشعرى
أنه قال فى ذلك قولين فى كتاب ((الرؤية الكبير)).
فصل
فإن قيل : فهل يجوز أن يكون ولياً فى الحال ثم تتغير عاقبته ؟
قيل : من جعل من شرط الولاية حسن الموافاة لا يجوز ذلك .
ومن قال : إنه فى الحال مؤمن على الحقيقة وإن جاز أن يتغير حاله بعد لا يبعد
أن يكون ولياً فى الحال صديقاً ، ثم يتغير ، وهو الذى نختاره .
ويجوز أن يكون من جملة كرامات الولى أن يعلم أنه مأمون العاقبة ، وأنه
لا تتغير عاقبته ، فتلتحق هذه المسألة بما ذكرنا أن الولى يجوز أن يعلم أنه ولى .
فصل
فان قيل : فهل يزايل الولى خوف المكر ؟
قيل : إن كان مصطلماً (١) عن شاهده ، مختطفاً عن إحساسه بحاله فهو مستهلك
عنه فيما استولى عليه ، والخوف من صفات الحاضرين بهم(٢).
فصل
فان قيل : فما الغالب على الولى فى حال صحوه ؟
قيل : صدقه فى أداء حقوقه سبحانه ، ثم رفقه وشفقته على الخلق فى جميع
أحواله . ثم انبساط رحمته لكافة الخلق . ثم دوام تحمله عنهم بجميل الحلق وابتدائه
لطلب الإحسان من الله عز وجل إليهم من غير التماس منهم . وتعليق الهمة بنجاة
الخلق ، وترك الانتقام منهم ، والتوقى عن استشعار حقد عليهم مع قصر اليد عن
أموالهم ، وترك الطمع بكل وجه فيهم ، وقبض اللسان عن بسطه بالسوء فيهم ،
والتصاون عن شهود مساوئهم ، ولا يكون خصماً لأحد فى الدنيا ولا فى الآخرة .
(١) أى مستغرقاً .
(٢) أى منهم .

٥٦٨
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
واعلم أن من أجل الكرامات التى تكون للأولياء : دوام التوفيق للطاعات ،
والعصمة عن المعاصى والمخالفات ، ومما يشهد من القرآن على إظهار الكرامات على
الأولياء قوله ، سبحانه ، فى صفة مريم عليها السلام ولم تكن نبياً ولا رسولا :
((كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا)) (١). وكان يقول :
((أنى لك هذا؟)) فتقول مريم: ((هو من عند الله)) (١). وقوله سبحانه:
((وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنيا)) (٢) وكان فى غير أوان
الرطب ، وكذلك قصة أصحاب الكهف والأعاجيب التى ظهرت عليهم من كلام
الكلب معهم وغير ذلك، ومن ذلك قصة ((ذى القرنين)) وتمكينه سبحانه له مالم
يمكن لغيره ، ومن ذلك ما أظهر على يدى الخضر عليه السلام من إقامة
الحدار وغيره من الأعاجيب ، وما كان يعرفه مما خفى على موسى عليه السلام .
كل ذلك أمور ناقضة للعادة اختص الخضر عليه السلام بها ، ولم يكن نبياً ، وإنما
كان ولياً .
ومما روى من الأخبار فى هذا الباب حديث ((جريج الراهب)) ؛ أخبرنا أبو نعيم
عبد الملك بن الحسن الإسفراينى قال : أخبرنا أبو عوانة يعقوب بن إبراهيم بن
إسحاق قال : حدثنا عمار بن رجاء قال : حدثنا وهب بن جرير قال : حدثنا أبى قال :
سمعت محمد بن سيرين ، عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(( لم يتكلم فى المهد إلا ثلاثة : عيسى بن مريم ، وصبى فى زمن جريج ، وصبى
آخر ؛ فأما عيسى فقد عرفتموه . وأما جريج فكان رجلا عابداً فى بنى إسرائيل .
وكانت له أم . فكان يوماً يصلى إذ اشتاقت إليه أمه . فقالت : ياجريج . فقال:
يارب ، الصلاة خير أم آتها ؟(٣) ثم صلى (٤) . فدعته ، فقال مثل ذلك . ثم صلى .
فاشتد على أمه . فقالت : اللهم لاتمته حتى تريه وجوه المومسات . وكانت زانية فى
(١) آية ٣٧ من سورة آل عمران .
(٢) آية ٢٥ من سورة مريم.
(٣) فى نسخة ((أم إجابتها)).
(٤) أى استمر فى صلاته .

٥٦٩
( باب كرامات الأولياء )
بنى إسرائيل ، فقالت لهم : أنا أفتن جريجاً حتى يزنى ؛ فأتته ، فلم تقدر على شىء .
وكان راع يأوى بالليل إلى أصل صومعته(١) ، فلما أعياها راودت الراعى على
نفسها ؛ فأناها ، فولدت ، ثم قالت : ولدى هذا من جريج .
فأتاه بنو إسرائيل ، وكسروا صومعته، وشتموه ، ثم صلى ودعا ، ثم نخس(٢)
الغلام ..
قال محمد (١) قال أبوهريرة : كأنى أنظر إلى النبى صلى الله عليه وسلم حين قال
بيده : يا غلام من أبوك ؟
فقال الراعى ، فندموا على ما كان منهم ، واعتذروا إليه ؛ وقالوا نبنى
صومعتك من ذهب - أو قال : من فضة - فأبى عليهم وبناها كما كانت .
وأما الصبى الآخر فإن امرأة كان معها صبى لها ترضعه ، إذ مر بها شاب
جميل الوجه ، ذو شارة (٤) ، فقالت : اللهم اجعل ابنى مثل هذا ، فقال الصبى :
اللهم لاتجعلنى مثله ..
قال محمد : قال أبو هريرة : كأنى أنظر إلى النبى صلى الله عليه وسلم حين كان
يحكى الغلام وهو يرضع ثم مرت بها أيضاً امرأة ذكروا أنها سرقت ، وزنت ،
وعوقبت ، فقالت : اللهم لا تجعل أبنى مثل هذا . .
فقال : اللهم اجعلنى مثلها ...
فقالت له أمه فى ذلك، فقال: إن الشاب جبار من الجبابرة ، وإن هذه ( المرأة)
قيل : إنها زنت ولم تزن ، وقيل : سرقت ولم تسرق ، وهى تقول: حسبى اللّه (٥) .
وهذا الخبرروى فى الصحيح ، ومن ذلك حديث الغار ، وهو مشهور مذ کور
فى الصحاح .
(١) أى صومعة جريج .
(٢) طعنه بيده .
(٣) ابن سيرين .
(٤) أى هيئة حسنة .
(٥) وحديث: لم يتكلم فى المهد إلا ثلاثة .. أخرجه الحاكم فى المستدرك عن أبى هريرة رضى الله عنه وقال صحيح.
وقد ذكره النووى فى الرياض أيضاً .

٥٧٠
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفراينى قال : حدثنا أبو عوانة يعقوب
ابن إبراهيم بن إسحاق قال : حدثنا محمد بن عون ، وزيد بن عبد الصمد الدمشقى
وعبد الكريم بن الهيثم الديرعاقولى ، وأبو الخصيب بن المستنير المصيصى قالوا :
حدثنا أبو اليمان قال : حدثنا شعيب عن الزهرى ، عن سالم ، عن أبيه، قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((انطلق ثلاثة رهط من كان قبلكم ، فآواهم
المبيت إلى غار فدخلوه ، فانحدرت صخرة من الحبل ، فسدت عليهم الغار . فقالوا :
إنه والله لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم
فقال رجل منهم : إنه كان لى أبوان شيخان كبيران ، وكنت لا أغبق (١) قبلهما أهلاً
ولا مالا ، فعاقتى طلب الشجر يوماً ، فلم أرح (٢) عليهما حتى ناما، فحلبت لهما
غبوقهما (٣)، فجثّهما به .. فوجد تهما نائمين .. فتحرجت أن أوقظهما، وكرهت
أن أغبق (٤) قبلهما أهلا ولا مالا(٥)، فقمت والقدح على يدى أنتظر استيقاظهما
حتى برق الفجر ، فاستيقظا ، فشربا غبوقهما ، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء
وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت انفراجاً لا يستطيعون الخروج منه ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: وقال الآخر: اللهم إنه كانت لى بنت عم، وكانت
أحب الناس إلى ، فراودتها عن نفسها ، فامتنعت ، حتى ألمت بها سنة من السنين (٦)
فجاءتنى فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلى بينى وبين نفسها ، ففعلت ..
حتى إذا قدرت عليها ، قالت : لا يحل لك أن تفض الخاتم إلاّ بحقه .. فتحرجت من
الوقوع عليها .. فانصرفت عنها وهى أحب الناس إلى .. وتركت الذهب الذى
أعطيتها : اللهم ، إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه ، فانفرجت
الصخرة ، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها ، قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : ثم قال الثالث : اللهم إنى استأجرت أجراء فأعطيتهم أجورهم ، غير رجل
واحد منهم ترك الذى له وذهب ، فثمرت أجره ، فجاءنى بعد حين فقال: يا عبد الله،
أد إلى أجرتى ، فقلت له . كل ما ترى من أجرتك من الإبل والغنم والبقر والرقيق
(١) أغبق ( بضم الياء ( أى أسقى .
(٢) أصل إليهما .
(٣) مشروبهما .
(٤) الغبوق : الشرب آخر النهار والصبوح الشرب أو له .
(٥) أى حيواناً .
(٦) أى سنة مجدية .

٥٧١
( باب كرامات الأولياء )
فقال : يا عبد اللّه لا تستهزىء بى .. فقلت: إنى لا أستهزىء بك، فأخذه كله
فاستاقه(١)، ولم يترك منه شيئاً. اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج
عنا ما نحن فيه .. فانفرجت الصخرة، فخرجوا من الغار يمشون))(٢).
ومن ذلك الحديث الذى قال صلى الله عليه وسلم فيه إن البقرة كلمتهم : أخبرنا
أبو نعيم الإسفراينى قال : أخبرنا أبو عوانة قال : حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال :
أخبرنا ابن وهب قال : أخبرنى يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب قال : حدثنى سعيد
ابن المسيب ، عن أبى هريرة ، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
بينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها .. التفتت البقرة وقالت : إنى لم أخلق لهذا ؛
إنما خلقت للحرث .. فقال الناس : سبحان الله .. فقال النبى صلى الله عليه وسلم:
آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر )).
ومن ذلك حديث أويس القرنى ، وما شهد به عمر بن الخطاب رضى الله عنه
من حاله وقصته ، ثم التقاؤه(٢) مع هرم بن حيان ، وتسليم أحدهما على صاحبه
من غير معرفة تقدمت بينهما ، وكل ذلك أحوال ناقضة للعادة". وتركنا شرح حديث
أويس لشهرته .
ولقد ظهر على السلف من الصحابة والتابعين ، ثم على من بعدهم من الكرامات
ما بلغ حد الاستفاضة .
وقد صنف فى ذلك كتب كثيرة وسنشير إلى طرف منها على وجه الإيجاز
إن شاء الله عز وجل ، فمن ذلك : أن ابن عمر كان فى بعض الأسفار فلقى جماعة
وقفوا على الطريق من خوف السبع ، فطرد السبع من طريقهم ، ثم قال : إنما يسلط
على ابن آدم ما يخافه ، ولو أنه لم يخف غير الله لما سلط عليه شيء . وهذا خبر
معروف .
وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث العلاء الحضرمى فى غزاة ،
فحال بينهم وبين الموضع قطعة من البحر ، فدعا الله باسمه الأعظم ومشوا على الماء .
(١) ساقه .
(٢) حديث صحيح متفق عليه .
(٣) أى أويس .

٥٧٢
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
وروى أن عتاب بن بشير ، وأسيد بن خضير خرجا(١) من عند رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فأضاء لهما رأس عصا أحدهما كالسراج (٢) .
وروى أنه كان بين يدى سلمان وأبى الذرداء قصعة .. فسبحت حتى سمعا
التسبيح .
وروى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((كم من أشعث أغبر ذى طمرين (٢)
لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره)) (٤).
ولم يفرق بين شىء وشىء فيما يقسم به على الله سبحانه .
وهذه الأخبار لشهرتها أضربنا عن ذكر أسانيدها .
وحكى عن سهل بن عبد الله أنه قال: ((من زهد فى الدنيا أربعين يوماً صادقاً
من قلبه مخلصاً فى ذلك ظهرت له الكرامات ، ومن لم تظهر له ، فلعدم الصدق
فى زهده)). فقيل لسهل : كيف تظهر له الكرامة ؟ فقال : يأخذ ما يشاء كما يشاء
من حيث يشاء .
أخبرنا على بن أحمد بن عبدان قال : حدثنا أحمد بن عبيد الصفار قال : حدثنا
حدثنا عمرو بن مرزوق قال : حدثنا عبد العزيز بن أبى سلمة الماجشون قال : حدثنا
وهب بن كيسان ، عن ابن عمر ، عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
((بينا رجل ذكر كلمة إذ سمع رعداً فى السحاب . فسمع صوتاً فى السحاب : أن
اسق حديقة فلان، فجاء ذلك السحاب إلى ((سرحة))(٥) فأفرع ماءه فيها، فأتبع(٦)
السحاب . فإذا رجل قائم يصلى فى حديقة . فقال : ما اسمك ؟ فقال فلان بن فلان
باسمه . قال: فما تصنع بحديقتك هذه إذ صرمتها (٧)؟ قال : ولم تسأل عن ذلك ؟ قال :
إنى سمعت صوتاً فى السحاب أن اسق حديقة فلان. قال: أما إذا قلت(٨) فانى أجعلها
(١) فى ليلة مظلمة .
(٢) وروى: يظهر عند طرف سوط أحدهما كالقنديل من النور يستضيئان به فقال صاحبه ؛ لو حدثنا الناس بهذ الكذبونا.
(٣) ثوبين قديمين .
(٤) الحديث رواه البراء بن مالك وأخرجه الترمذى والضياء عن أنس ورمز له السيوطى بالضعف وقال المناوى فى الغيض:
(الحديث رواه أبو نعيم وغيره عن أنس، والتر مذى فى المختاره عن أنس ، ورواه عنه أيضاً الحاكم وصححه أبو نعيم .
وفى رواية أخرى فيما أخرجه ابن عساكر عن عائشة: ((كم من ذى طمرين لا بؤبه له لو أقسم على الله لأبره)) ورمز السيوطى
لهذه الرواية بالضعف ، ورواه الطبر انى فى الأوسط وقال الهيشمى : سنده ضعيف لكنه يحبر بتعدده فقد رواه الرافعى فى أماليه أيضاً .
(٥) أى حديقة .
(٦) أى السامع .
(٧) أى قطعت شجر ها
(٨) أى سألت .

٥٧٣
( باب كرامات الأولياء )
أثلاثاً . فأجعل لنفسى ولأهلى ثلثاً وأرد عليها (١) ثلثاً . واجعل للمساكين وابن
السبيل ثلثا)) .
سمعت أبا حاتم السجستانى يقول : سمعت أبا نصر السراج يقول : دخلنا
(تستر)) فرأينا فى قصر سهل بن عبد اللّه بيتاً كان الناس يسمونه (( بيت السباع))
فسألنا الناس عن ذلك . فقالوا : كان السباع تجىء إلى سهل ، فكان يدخلهم هذا
هذا البيت ، ويضيفهم ، ويطعمهم اللحم ، ثم يخليهم .
قال أبو نصر: ورأيت أهل ((تستر)) كلهم متفقين على هذا لا ينكرونه وهم
الجمع الكثير .
سمعت محمد بن أحمد بن محمد التميمى يقول : سمعت عبد الله بن على الصوفى
يقول : سمعت حمزة بن عبد اللّه العلوى يقول : دخلت على أبى الخبر التينائى ،
وكنت أعتقدت فى نفسى أن أسلم عليه وأخرج ولا آكل عنده طعاماً ، فلما
خرجت من عنده ومشيت قدراً فاذا به خلفى ، وقد حمل طبقاً عليه طعام ،
فقال : يا فتى وكل هذا ؛ فقد خرجت الساعة من اعتقادك .
وأبو الخير التينانى مشهور بالكرامات .
وحكى عن إبراهيم الرقى أنه قال : قصدته مسلماً عليه ، فصلى صلاة المغرب
فلم يقرأ الفاتحة مستوياً (٢). فقلت فى نفسى : ضاعت سفرتى ، فلما سلمت خرجت
خرجت للطهارة فقصدنى السبع ، فعدت إليه وقلت : إن الأسد قصدنى . . فخرج
وصاح على الأسد وقال : ألم أقل لك لاتتعرض لضيفانى؟؟ وتنحى .. وتطهرت.
فلما رجعت قال : اشتغلتم بتقويم الظواهر فخفتم الأسد ، واشتغلنا بتقويم القلب
فخافنا الأسد .
وقيل: كان لجعفر الخلدى ((نص)) فوقع يوماً فى ((دجلة)) وكان عنده دعاء
مجرب للضالة ترد فدعا به ؛ فوجد الفص فى وسط أوراق كان يتصفحها .
سمعت أبا حاتم السجستانى يقول : سمعت أبا نصر السراج يقول .
إن ذلك الدعاء : ((ياجامع الناس ليوم لاريب فيه اجمع على ضالتى)).
(١) أى أخصصه لأحلها .
(٢) أى لم يحسن قراءتها .

٥٧٤
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
قال أبو نصر السراج: أرانى أبو الطيب العكى جزءاً ذر فيه من ذكر هذا الدعاء
على ضالة وجدها ، وكان الجزء أوراقاً كثيرة .
سألت أحمد الطابرانى السرخسى ، رحمه الله ، فقلت له :
هل ظهر لك شىء من الكرامات ؟ فقال : فى وقت إرادتى وابتداء أمرى
ربما كنت أطلب حجراً أستنجى به فلم أجد ، فتناولت شيئاً من الهواء فكان جوهراً
فاستنجيت { به وطرحته .
ثم قال : وأى خطر للكرامات ؟ . إنما المقصود منه: زيادة اليقين فى التوحيد
فمن لا يشهد غيره (١) موجداً (٢) فى الكون فسواء أبصر فعلا معتاداً ، أو ناقضاً
للعادة .
سمعت محمد بن أحمد الصوفى يقول : سمعت عبد الله بن على يقول : سمعت
أبا الحسن البصرى يقول :
كان بـ ((عبادان)) رجل أسود فقير يأوى إلى الخرابات ، فحملت معى شيئاً
وطلبته ، فلما وقعت عينه على تبسم ، وأشار بيده إلى الأرض ، فرأيت الأرض
كلها ذهباً يلمع ، ثم قال : هات مامعك ، فناولته ، وهالتى أمره ، وهربت .
سمعت منصور المغربى يقول : سمعت أحمد بن عطاء الروذبارى يقول :
كان لى استقصاء(٣) فى أمر الطهارة ، فضاق صدرى ليلة ، لكثرة ما صببت من
الماء ، ولم يسكن قلبى ، فقلت : يارب عفوك ، فسمعت هاتفاً يقول : العفو فى
العلم ، فزال عنى ذلك .
سمعت منصوراً المغربى يقول: فرأيته(٤) يوماً قعد على الأرض فى الصحراء
وكان عليها آثار الغنم بلا سجادة ، فقلت : أيها الشيخ هذه آثار الغنم . . فقال :
اختلف الفقهاء فيه .
سمعت أبا حاتم السجستانى يقول : سمعت أبا نصر السراج يقول : سمعت
الحسين بن أحمد الرازى يقول : سمعت أبا سليمان الخراص يقول : كنت راكباً
(١) أى غير الله الواحد.
(٢) وفى نسخة. ((موجوداً)).
(٣) أى مبالغة .
(٤) أى الروذبارى .

٥٧٥
( باب كرامات الأولياء )
حماراً يوماً ، وكان الذباب يؤذيه ، فيطأطىء رأسه ، فكنت أضرب رأسه بخشبة
فى يدى ، فرفع الحمار رأسه وقال : اضرب ، فأنك على رأسك هو ذا تضرب .
قال الحسين : فقلت لأبى سليمان : لك وقع هذا ؟ فقال : نعم . كما تسمعنى .
وذكر عن ابن عطاء أنه قال: سمعت أبا الحسين النورى يقول :
كان فى نفسى شىء من هذه الكرامات ، فأخذت قصبة من الصبيان وقمت
بين زورقين ، ثم قلت : وعزتك إن لم تخرج لى سمكة فيها ثلاثة أرطال لأغرقن
نفسى قال : فخرج لى سمكة فيها ثلاثة أرطال .
فبلغ ذلك الجنيد فقال : كان حكمه(١) أن تخرج له أفعى تلدغه .
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت أبا الفتح يوسف بن عمر
الزاهد القواس ببغداد يقول : حدثنا محمد بن عطية قال : حدثنا عبد الكبير بن أحمد
قال : سمعت أبا بكر الصائغ قال : سمعت أبا جعفر الحداد أستاذ الجنيد قال :
كنت بمكة ، فطال شعرى ولم يكن معى قطعة من حديد آخذ بها شعرى ، فتقدمت
إلى مزين توسمت فيه الخبر ، فقلت : تأخذ شعرى اللّه تعالى ؟ فقال : نعم وكرامة ،
وكان بين يديه رجل من أبناء الدنيا فصرفه وأجلسنى ، وحلق شعرى ، ثم دفع
إلى قرطاساً فيه دراهم وقال لى : استعن بها على بعض حوائجك، فأخذتها وأعتقد(٢)
أن أدفع إليه أول شىء يفتح على به .
قال : فدخلت المسجد ، فاستقبلنى بعض أصحابى وقال لى : جاء بعض إخوانك
بصرة من البصرة من بعض إخوانك . فيها ثلاثمائة دينار .
قال : فأخذت الصرة وحملتها إلى المزين وقلت : هذه ثلاثمائة دينار تصرفها
فى بعض أمورك . فقال لى: ألا تستحى يا شيخ .. تقول لى احلق شعرى لله ،
ثم آخذ عليه شيئاً . . انصرف عافاك الله .
سمعت أبا حاتم السجستانى يقول : سمعت أبا نصر السراج يقول : سمعت بن
سالم يقول : لما مات إسحاق بن أحمد دخل عليه سهل بن عبد الله صومعته فوجد
فيها ((سفطاً) (٢) فيه قارورتان فى واحدة منهما شىء أحمر ، وفى الأخرى شىء
أبيض ، ووجد ((شوشقة)) (٤) ذهب ، وشوشقة فضة، قال: فرمى بالشوشقين فى
(١) أى جزاء النورى .
(٢) أى عرمت .
(٣) السفط ((بفتح الفاء)) القفة .
(٤) يعنى : قطعة.

٥٧٦
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
الدجلة ؛ وخلط ما فى القارورتين بالتراب ، وكان على اسحاق دين قال ابن سالم :
قلت لسهل : ما كان فى القارورتين ؟ قال : إحداهما لوطرح منها وزن درهم على
مثاقيل من النحاس صار ذهباً ، والأخرى لوطرح منها مثقال على مثاقيل من
الرصاص صار فضة ، فقلت : وماذا عليه لو قضى منه دينه ؟
فقال: أى ((دوست))(١) خاف على إيمانه .
وحكى عن النورى أنه خرج ليلة إلى شط ((دجلة)) فوجدها وقد التزق الشطان ،
فانصرف وقال : وعزتك لا أجوزها إلا فى زروق (٢).
سمعت أبا حاتم السجستانى يقول : سمعت أبا نصر السراج يقول : أملى علينا
الوجيهى حكاية عن محمد بن يوسف البناء قال : كان أبو تراب النخشي صاحب
كرامات ، فسافرت معه سنة ، وكان معه أربعون"نفساً: ثم أصابتنا مرة فاقة ، فعدل
أبو تراب عن الطريق، وجاء (( بعذو)) موز فتناولنا ، وفينا شاب فلم يأكل ..
فقال له أبو تراب : كل ..
فقال : الحال الذى اعتقدته ترك المعلومات وصرت أنت معلومى
فلا أصحبك بعد هذا ..
فقال له أبو تراب : كن مع ما وقع لك .
وحكى أبو نصر السراج عن أبى يزيد(٣) قال: دخل على أبو على السندى وكان
أستاذه وبيده جراب ، فصبها فاذا هى جواهر ، فقلت : من أين لك هذا ؟ فقال :
· وافيت واديا هاهنا ، فاذا هو يضىء كالسراج ، فحملت هذا .
فقلت : فكيف كان وقتك الذى وردت فيه الوادى ؟
فقال : وقت فترة عن الحال التى كنت فيها .
وقيل لأبى يزيد : فلان بمشى فى ليلة إلى مكة .
فقال : الشيطان بمشى فى ساعة من المشرق إلى المغرب فى لعنة الله.
وقيل له فلان يمشى على الماء ، ويطير فى الهواء .
(١) لفظ مارسة معناها : ياصاحبى.
(٢) قالٍّ الإمام العرسى. أى التقبا له الشطان بحيث لو مد رجله كان على الشط الآخر فانصرف، وقال تأدباً واعترافاً
بتوالى نعم الله عليه فى كل خارق: ((وعزتك لا أجوزها إلا فى زورق)) كسائر الناس.
(٣) البسطامى .

٥٧٧
( باب كرامات الأولياء )
فقال : الطير يطير فى الهواء ، والسمك يمر على وجه الماء .
وقال سهل بن عبد الله : أكبر الكرامات أن تبدل خلقاً مذموماً من أخلاقك ..
سمعت محمد بن أحمد بن محمد التميمى يقول: سمعت عبد الله بن على الصوفى
يقول : سمعت ابن سالم يقول : سمعت أبى يقول : كان رجل يقال له ((عبدالرحمن
ابن أحمد)) يصحب سهل بن عبد الله، فقال له يوماً: ربما أتوضأ للصلاة فيسيل الماء
بين يدى قضبان ذهب وفضة .
فقال سهل: أما علمت أن الصبيان إذا بكوا يعطون ((خشخاشة))(١) ليشتغلوا
بها ؟ .
سمعت أبا حاتم السجستانى يقول : سمعت أبا نصر السراج يقول أخبرنى
جعفر بن محمد قال : حدثنى الجنيد قال:
دخلت على السرى يوماً فقال لى : عصفور كان يجىء فى كل يوم فأفت له
الخبز ، فيأكل من يدى ، فنزل وقتاً من الأوقات فلم يسقط على يدى ، فتذكرت
فى نفسى : ماذا يكون السبب ؟ فذكرت أنى أكلت ملحاً بأبزار (٢)، فقلت فى
نفسى : لا آكل بعدها ، وأنا تائب منه ، فسقط على يدى وأكل .
. وحكى أبو عمرو الأنماطى قال : كنت مع أستاذى فى البادية ، فأخذنا المطر ،
فدخلنا مسجداً نستكن فيه ، وكان السقف يكف (٣) ، فصعدنا السطح ، ومعنا
خشبة نريد إصلاح السقف ، فقصر الخشب عن الحدار، فقال لى أستاذى : مدها ،
فمددتها .. فركبت الحائط من هناهنا ومن هاهنا .
سمعت محمد بن عبد الله الصوفى يقول: سمعت محمد بن أحمد النجار يقول :
سمعت الرقى يقول : سمعت أبا بكر الدقاق يقول :
كنت ماراً فى تيه بنى إسرائيل فخطر ببالى أن علم الحقيقة مباين للشريعة ، فهتف
بى هاتف من تحت شجرة : كل حقيقة لا تتبعها الشريعة فهى كفر .
وقال بعضهم : كنت عند خبر النساج ، فجاءه رجل وقال : أيها الشيخ رأيتك
أمس وقد بعت الغزل بدرهمين (٤)، فجئت خلفك ، فحللتهما من طرف إزارك ،
(١) الخشخاش - بفتح الأول - نبات. واحدته خشخاشة. خشخاشة وهو نبت ثمرته حمراء ...
(٢) الأبزار : التوابل .
(٣) أى يقطر ويسيل .
(٤) وصررت الدرهمين فى طرف إزارك .

٥٧٨
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
وقد صارت يدى منقبضة على الدرهمين فى كفى ، قال : فضحك خير وأومأ بيده
إلى يدى ففتحها ، ثم قال : امض واشتّر بهما لعيالك شيئاً ، ولا تعدلمثله ..
وحكى عن أحمد بن محمد السلمى قال : دخلت على ذى النون المصرى يوماً ،
فرأيت بين يديه طشتاً من ذهب وحوله الند، (١) و ((العنبر)) يسجر (٢) ، فقال لى :
أنت ممن يدخل على الملوك فى حال بسطهم ؟ ثم أعطانى درهماً ، فأنفقت منه إلى
بلخ .
وحكى عن أبى سعيد الخراز قال : كنت فى بعض أسفارى ، وكان يظهر لى
كل ثلاثة أيام شىء ، فكنت آكله وأستقل به(٣) ، فمضى على ثلاثة أيام وقتاً من
الأوقات ولم يظهر شىء فضعفت . . وجلست ، فهتف بى هاتف . أيما أحب إليك :
سبب ، أو قوة ؟
فقلت : القوة . فقمت من وقتى ، ومشيت اثنى عشر يوماً لم أذق فيها شيئاً ،
ولم أضعف .
وعن المرتعش قال : سمعت الخواص يقول : تهت فى البادية أياماً ، فجاءنى
شخص وسلم على، وقال لى: تهت .. فقلت له: نعم، فقال: ألا أدلك على
الطريق ؟
ومشى بين يدى خطوات ، ثم غاب عن عينى ، وإذا أنا على الجادة ، فبعد
ذلك ما تهت ولا أصابنى فى سفر جوع ولاعطش.
سمعت محمد بن عبد الله الصوفى ، يقول : سمعت عمر بن يحيى الأردبيلي
يقول : سمعت الرقى يقول : سمعت ابن الحلاء يقول لى :
لما مات أبى ضحك على المغتسل ؛ فلم يجسر أحد يغسله ، وقالوا : إنه حى ،
حى جاء واحد من أقرانه وغسله .
سمعت محمد بن أحمد التميمى يقول : سمعت عبد الله بن على يقول: سمعت
طلحة القصائرى يقول : سمعت المنيحى صاحب سهل بن عبد الله يقول : كان سهل
يصبر عن الطعام سبعين يوماً ، وكان إذا أكل ضعف ، وإذا جاع قوى .
وكان أبو عبيد البسرى إذا كان أول شهر رمضان يدخل بيتاً ، ويقول لامرأته :
(١) الند - بفتح النون - خليط من مسك وكافور .
(٢) أى يوقد فى النار .
(٣) أى اكتفى .

٥٧٩
( باب كرامات الأولياء )
طينى على الباب ، وألقى إلى كل ليلة من الكوة(١) رغيفاً ، وإذا كان يوم العيد
فتح الباب ودخلت امرأته البيت فاذا بثلاثين رغيفاً فى زاوية البيت ، فلا أكل
ولا شرب ، ولا نام، ولا فاتته ركعة من الصلاة .
وقال أبو الحارث الأولاشى: مكنت ثلاثين سنة ما يسمع (٢) لسانى إلا من
سرى ، ثم تغيرت الحال ؛ فمكثت ثلاثین سنة لا يسمع سری إلا من ربى .
حدثنا محمد بن عبد الله الصوفى قال : حدثنا أبو الحسن غلام شعوانة قال :
سمعت على بن سالم يقول : كان سهل بن عبد الله أصابته زمانة فى آخر عمره
فكان إذا حضر وقت الصلاة انتشرت يداه ورجلاه ، فإذا فرغ من الفرض عاد
إلى حال الزمانة .
وحكى على أبى عمران الواسطى قال : انكسرت السفينة وبقيت أنا وامرأتى
على لوح ، وقد ولدت فى تلك الحالة صبية ، فصاحت بى وقالت لى : يقتلنى
العطش .. فقلت : هو ذا يرى حالنا ؛ فرفعت رأسى ، فاذا رجل فى الهواء
وفى يده سلسلة من ذهب وفيها كوز من ياقوت أحمر ، وقال : هاك اشربا . قال :
فأخذت الكوز وشربنا منه فاذا هو أطيب من المسك وأبرد من الثلج ، وأحلى من
العسل . فقلت : من أنت رحمك الله ؟
فقال : عبد لمو لاك . فقلت : بم وصلت إلى هذا ؟
فقال : تركت هواى لمرضاته فأجلسنى فى الهواء . ثم غاب عنى ولم أره .
أخبرنا محمد بن عبد الله الصوفى قال : حدثنا بكران بن أحمد الحيلى قال :
سمعت يوسف بن الحسين يقول : سمعت ذا النون المصرى يقول :
رأيت شاباً عند الكعبة يكثر الركوع والسجود فدنوت منه ، وقلت : إنك
تكثر الصلاة .. فقال : أنتظر الإذن من أبى فى الانصراف .
قال: فرأيت رقعة سقطت عليه، مكتوب فيها: ((من العزيز الغفور إلى عبدى
الصادق : انصرف مغفوراً لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر )) .
وقال بعضهم :
كنت مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم فى مسجده مع جماعة نتجارى(٣)
(١) بفتح الكاف وضمها الطاقة .
(٢) أى لا ينطق .
(٣) أى نقص وتحكى كرامات الأولياء .

٥٨٠
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
الآيات ، ورجل ضرير بالقرب منا يسمع ، فتقدم إلينا ، وقال : أنست بكلامكم ؛
اعلموا أنه كان لى صبية وعيال ، وكنت أخرج إلى البقيع أحتطب . فخرجت
يوماً . . فرأيت شاباً عليه قميص كتان ونعله فى إصبعة ، فتوهمت أنه تائه فقصدته
أسلب ثوبه : فقلت له : إنزع ما عليك . فقال : سر فى حفظ الله . فقلت الثانية
والثالثة . فقلت : لابد؟ فقلت: لا بد .. فأشار من بعيد بأصبعة إلى عينى فسقطنا .
فقلت : بالله عليك . من أنت؟ فقال: إبراهيم الخواص .
وقال ذو النون المصرى :
كنت وقتاً فى السفينة فسرقت قطيفة(١). فاتهموا بها رجلا . فقلت : دعوه
حتى أرفق به . وإذا الشاب نائم فى عباءة . فأخرج رأسه من العباءة . فقال له
ذو النون فى ذلك المعنى (٢) . فقال: إلى تقول ذلك؟ , أقسمت عليك يارب أن
لا تدع واحداً من الحيتان إلا جاء بجوهرة. قال: فرأيناوجه الماء حيتاناً فى أفواههم (٣)
الجواهر ، ثم ألقى الفتى نفسه فى البحر ومر إلى الساحل .
وحكى عن إبراهيم الخواص قال :
دخلت البادية مرة فرأيت نصرانياً على وسطه ((زنار)) فسألنى الصحبة فمشينا
سبعة أيام . فقال لى : يا راهب الحنيفية (٤) هات ماعندك من الانبساط فقد جعنا
فقلت إلهى لاتفضحنى مع هذا الكافر . فرأيت طبقاً عليه خبز وشواء ورطب
وكوز ماء . فأكلنا وشربنا ومشينا سبعة أيام ثم بادرت وقلت : يا راهب النصارى .
هات ما عندك . فقد انتهت النوبة إليك . فاتكأ على عصاه . ودعا . فاذا بطبقين
عليهما أضعاف ما كان على طبقى. قال : فتحيرت وتغيرت . وأبيت أن آكل . فألّح
على فلم أجبه . فقال : كل ؛ فانى أبشرك ببشارتين . إحداهما: أنى أشهد أن لا إله
إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول اللّه. وحل الزنار. والأخرى: أنى قلت اللهم إن
كان لهذا العبد خطر عندك فافتح على بهذا ؛ ففتح. فأكلنا ومشينا وحج (٥). وأقمنا
بمكة سنة ثم إنه مات ودفن بالبطحاء .
وقال محمد بن المبارك الصورى :
(١) وفى نسخة ((جوهرة)).
(٢) أى إتهامهم له .
(٣) الأولى : فى أفواهها كما فى بعض النسخ .
(٤) أى المسلمين .
(٥) وفى نسخة وحجبنا .