النص المفهرس
صفحات 521-540
الباب الثالث والخمسون السماع قال سهل بن عبد الله : (« اسماع علم استأثر الله تعالى به لا يعلمه الا هو ٠٠» ٥٤٢ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) باب السماع قال الله عز وجل: ((فبشر عبادى الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه))(١). اللام(٢) فى قوله ((القول)) تقتضى التعميم والاستغراق، والدليل عليه (٣): مدحهم باتباع الأحسن . وقال تعالى: ((فهم فى روضة يحبرون))(٤)، جاء فى التفسير : أنه السماع . واعلم أن سماع الأشعار بالألحان الطيبة والنغم المستلذة إذا لم يعتقد المستمع محظوراً ، ولم يسمع على مذموم فى الشرع ، ولم يثجر فى زمام هواه ، ولم ينخرط فى سلك لهوه ، مباح فى الجملة . ولاخلاف أن الأشعار أنشدت بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه سمعها ولم ينكر عليهم فى إنشادها(٥). فإذا جاز استماعها بغير الألحان الطيبة فلا يتغير الحكم بأن يسمع بالألحان . هذا ظاهر من الأمر . ثم ما يوجب للمستمع توفر الرغبة على الطاعات ، وتذكر ما أعد الله تعالى لعباده المتقين من الدرجات ويحمله على التحرز من الزلات ، ويؤدى إلى قلبه فى الحال صفاء الواردات مستحب فى الدين ومختار فى الشرع، وقد جرى على لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ماهو قريب من الشعر، وإن لم يقصد أن يكون شعراً . أخبرنا : أبو الحسن على بن أحمد الأهوازى قال : أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار قال : حدثنا الحارث بن أبى أسامة قال : حدثنا أبو النضر قال : حدثنا شعبة عن حميد قال : سمعت أنساً يقول : كانت الأنصار يحفرون الحندق فجعلوا يقولون : نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما يقينا أبدا (١) آية ١٨ من سورة الزمر . (٢) وفى نسخة : الألف واللام . (٣) أى على التعميم والاستغراق . (٤) آية ١٥ من سورة الروم . (٥) أخرج ابن ماجه فى سننه عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: أنشدت رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة قافية من شعر أمية بن أبي الصلت يقول بين كل قافية: ( هبه: أى زدنى ) وقال كاد أن يسلم)) وعن عكرمة عن ابن عباس أن النبى صلى اللّه عليه وسلم كان يقول: ((إن من الشعر حكماً)). ٥٤٣ ( باب السماع ) فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم . ((اللهم لاعيش إلا عيش الآخرة، فأكرم الأنصار والمهاجرة))(١). وليس هذا اللفظ منه ، صلى الله عليه وسلم ، على وزن الشعر ، لكنه قريب منه. وقد سمع السلف والأكابر الأبيات بالألحان ؛ فمن قال بإباحته من السلف : مالك بن أنس: وأهل الحجاز كلهم يبيحون الغناء، وأما ((الحداء))(٢) فاجماع منهم على إجازته . وقد وردت الأخبار واستفاضت الآثار فى ذلك ، وروى عن ابن جريج أنه كان يرخص فى السماع ، فقيل له : إذا أتى بك يوم القيامة ، ويؤنى بحسناتك وسيآتك، ففى أى الحانبين سماعك؟ فقال : لا فى الحسنات ولا فى السيآت . يعنى أنه من المباحات . وأما الشافعى ، رحمه الله ، فإنه لا يحرمه ، ويجعله فى العوام مكروهاً، حتى لو احترف بالغناء أو اتصف على الدوام بسماعه على وجه التلهى ترد به الشهادة ويجعله مما يسقط المروءة ولا يلحقه بالمحرمات . وليس كلامنا فى هذا النوع من السماع ؛ فإن هذه الطائفة جلت رتبتهم عن أن يستمعوا بلهو ، أو يقعدوا للسماع بسهو ، أو يكونوا بقلوبهم مفكرين فى مضمون لغو ، أو يستمعوا على صفة غير كفء . وقدروى عن ابن عمر آثار فى إباحة السماع ، وكذلك عن عبد الله بن جعفر ابن أبى طالب ، وكذلك عن عمر رضى الله عنهم أجمعين ، فى الحداء وغيره . وأنشد بين يدى النبى صلى الله عليه وسلم الأشعار فلم ينه عنها ، وروى أنه صلى الله عليه وسلم استنشد(٣)ا لأشعار. ومن المشهور الظاهر أنه دخل بيت عائشة رضى الله عنها ، وفيه جاريتان تغنيان ، فلم ينههما . أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى قال : أخبرنا محمد بن جعفر بن محمد (١) حديث صحيح متفق عليه . (٢) الحداء : بضم الحاء وكسرها : هو الغناء للإبل حتى نسرع فى السير . (٣) استنشد : طلب أن تنشد وتقال. ٥٤٤ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) ابن مطر قال : حدثنا الحباب بن محمد التسترى قال : أخبرنا أبو الأشعث قال : حدثنا محمد بن بكر البرسانى قال : حدثنا شعبة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضى الله عنها: ((أن أبا بكر الصديق ، رضى الله عنه ، دخل عليها وعندها قينتان (١) تغنيان ما تقاذفت به الأنصاريوم ((بعاث (٢) ، فقال أبوبكر : مزمار الشيطان ( مرتين ) فقال النبى صلى الله عليه وسلم: دعهما يا أبا بكر ؛ فان لكل قوم عيداً وعيدنا هذا اليوم))(٣) . أخبرنا : على بن أحمد الأهوازى قال : أخبرنا أحمد بن عبيد ، قال : حدثنا عثمان بن عمر الضبى قال : حدثنا أبو كامل ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن الأجلح ، عن أبى الزبير ، عن جابر ، عن عائشة رضى الله عنها : ((أنها أنكحت ذات قرابتها من الأنصار. فجاء النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : أهديتم الفتاة ؟ فقالت : نعم . قال : فأرسلت من يغنى ؟ قالت : لا فقال النبى صلى الله عليه وسلم . إن الأنصار فيهم غزل ، فلو أرسلتم من يقول : أتيناكم أتيناكم فحیونا نحييكم))(٤) أخبرنا : الأستاذ الإمام أبو بكر محمد بن الحسين بن فورك ، رضى الله عنه ، قال : حدثنا أحمد بن محمود بن خرزاذ قال : حدثنا الحسين بن الحارث الأهوازى قال : حدثنا سلمة بن سعيد ، عن صدقة بنت أبى عمران ، قالت : حدثنا علقمة ابن مرثد ، عن زاذان، عن البراء بن عازب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((حسنوا القرآن بأصواتكم ؛ فان الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا)) دل هذا الخبر على فضيلة الصوت الحسن . وأخبرنا على بن أحمد بن عبدان الإهوازى قال: أخبرنا أحمد بن عبيد قال : (١) جاريتان . (٢) من أيام العرب المشهورة بين الأوس والخزرج. (٣) أخرجه البخارى فى صحيحه ((باب العيدين)) ورواه ابن ماجه فى سننه عن عائشة، ج ١ ص ٦١٢ باب الغناء والدف رقم ١٨٩٨. (٤) أخرجه ابن ماجة فى سننه جـ ١ حص ٦١٣ عن أبي الزبير عن ابن عباس وفى الزوائد: اسناده مختلف فيه من أجل الأجاح وأبى الزبير يقولون: إنه لم يسمع من ابن عباس، وأثبت أبو حاتم أنه رأى ابن عباس. انظر سنن ابن ماجه حديث رقم ١٩٠٠. ٥٤٥ ( باب السماع ) حدثنا عثمان بن عمر الضبى قال: حدثنا أبو الربيع قال : حدثنا عبد السلام بن هاشم قال : حدثنا عبد الله بن محرز ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .. (( لكل شىء حلية وحلية القرآن الصوت الحسن)) (١) أخبرنا على بن أحمد الأهوازى ، قال : أخبرنا أحمد بن عبيد قال : حدثنا محمد بن يونس الكريمى قال : حدثنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم قال : حدثنا شبيب ابن بشر بن البجلى ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( صوتان ملعونان: صوت ويل عند مصيبة، وصوت مزمار عند نعمة)) . مفهوم الخطاب يقتضى إباحة غير هذا فى غير هذه الأحوال(٢) ، وإلا بطل التخصيص . والأخبار فى هذا الباب تكثر ، والزيادة على هذا القدر من ذكر الروايات تخرجنا عن المقصود من الاختصار ، وقد روى أن رجلا أنشد بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقبلت فلاح لها عارضان كالسبج(٢) والفؤاد فى وهج أدبرت فقلت لها إن عشقت من حرج هل على ويحكما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا (٤) وإن حسن الصوت مما أنعم الله تعالى به على صاحبه من الناس : قال الله عز وجل: ((يزيد فى الخلق ما يشاء(٥))). قيل فى التفسير : من ذلك ، الصوت الحسن. وذم اللّه سبحانه الصوت الفظيع ؛ فقال تعالى : ((إن أنكر الأصوات لصوت الحمير)) (٦). (١) أخرجه عبد الرازق فى الجامع، والضياء عن أنس وقال حديث صحيح. (٢) يقصد الحالين المذكورين . . (٣) السبج : الخرز الأسود . (٤) قيل إن هذا حديث موضوع فلا يجوز الاستشهاد به . (٥) آية ١ من سورة فاطر . (٦) آية ١٩ من سورة لقمان . ٥٤٦ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) واستلذاذ القلوب واشتياقها إلى الأصوات الطيبة واسترواحها إليها مما لا يمكن جحوده ؛ فان الطفل يسكن إلى الصوت الطيب ، والجمل يقاسى تعب السير ومشقة الحمولة(١) فيهون عليه بالحداء. قال الله تعالى: ((أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت)) (٢). وحكى إسماعيل بن علية قال : كنت أمشى مع الشافعى، رحمه الله تعالى، وقت الهاجرة فجزنا بموضع يقول فيه أحد شيئاً ، فقال : مل بنا إليه ، ثم قال . أيطربك هذا ؟ فقلت : لا . فقال : مالك حس . . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أذن(٣) اللّه تعالى لشىء كأذنه (٤) لنبي يتغنى بالقرآن)). أخبرنا على بن أحمد الأهوازى قال : أخبرنا أحمد بن عبيد قال : حدثنا ابن ملحان قال : حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثنا الليث عن عقيل ، عن ابن شهاب أنه قال: أخبرنى أبو سلّمة ، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما أذن الله لشىء ما أذن لنبى حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهربه)) (٥). وقيل : إن داود عليه السلام كان يستمع لقراءته الجن والإنس والطير والوحش إذا قرأ الزبور ، وكان يحمل من مجلسه أربعمائة جنازة ممن قد مات ممن سمعوا قراءته . وقال صلى اللّه عليه وسلم لأبى (٦) موسى الأشعرى : ((لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود )) متفق عليه . (١) الحمولة : بضم الحاء أى الأحمال . (٢) آية ١٧ من سورة الغاشية . (٣) أذن : استمع . (٤) كأذنه : کاستماعه . (٥) متفق عليه وروى نحوه ما أخرجه أبو يعلى والبزار عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من لم يتغن بالقرآن فليس منا )) . (٦) أى فى شأن ذلك الصحابى الحسن الصوت، والحديث متفق عليه، وروى بنحوه عن أبى سامة عن أبى هريرة قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسحد فسمع قراءة رجل، فقال: من هذا؟ فقيل: عبد الله بن قيس فقال: ((لقد أوتى هذا من مزامير آل داود)) اهـ. وفى الزوائد قلت: أصله فى الصحيحين من حديث أبى موسى وفى مسلم من حديث بريدة، وفى النسائى من حديـ ل* عائشة وفى إسناد حديث أبى هريرة : رجاله ثقات . ٥٤٧ ( باب السماع ) وقال معاذ بن جبل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو علمت أنك تسمع (١) لخبرته لك تحبيراً)) (٢) (٣) . أخبرنا أبو حاتم السجستانى قال : أخبرنا عبد الله بن على السراج قال: حكى أبو بكر محمد بن داود الدينورى الرقى قال : كنت فى البادية ، فوافيت قبيلة من قبائل العرب ، وأضافنى رجل منهم ، فرأيت غلاماً أسود مقيداً هناك . ورأيت جمالا قد ماتت بفناء البيت ، فقال لى الغلام : أنت الليلة ضيف ، وأنت على مولاى كريم ، فتشفع لى ؛ فإنه لا يردك . فقلت لصاحب البيت : لا آكل طعامك حتى تحل هذا العبد . فقال : هذا الغلام قد أفقرنى وأتلف مالى . . فقلت : فما فعل ؟ فقال : له صوت طيب ، وكنت أعيش من ظهر هذه الجمال ، فحملها أحمالا ثقيلة ، وحدا لها حتى قطعت مسيرة ثلاثة أيام فى يوم واحد ، فلما حط عنها ماتت كلها ، ولكن قد وهبته لك وحلّ عنه القيد ، فلما أصبحنا أحببت أن أسمع صوته فسألته عن ذلك ، فأمر الغلام أن يحدو على جمل كان على بئر هناك يستقى عليه فحدا الغلام .. فهام الجمل على وجهه وقطع حباله ، ولم أظن أنى سمعت صوتاً أطيب منه ، فوقعت لوجهى .. حتى أشار إليه بالسكوت . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت محمد بن عبد الله بن عبد العزيز يقول : سمعت أبا عمرو الأنماطى يقول : سمعت الجنيد يقول ، وقد سئل : ما بال الإنسان يكون هادئاً ، فإذا سمع السماع اضطرب؟ فقال : إن الله تعالى لما خاطب الذر (٤) فى الميثاق الأول بقوله: ((ألست بربكم قالوا بلى)) (٥) استفرغت عذوبة سماع الكلام الأرواح ، فلما سمعوا السماع حركهم ذكر ذلك . (١) أى لقراءتى . (٢) التحبير : التزيين والتحسين . (٣) رررى بنحوه عن أنس أن أبا موسى كان يقرأ القرآن ليلة ونساء النبى صلى الله عليه وسلم يستمعن فقيل له، فقال: ((لو علمت لخبرته تحبيراً، ولشوقى تشويقاً)) أخرجه أحمد بن منيع وقال عنه ابن حجر حديث صحيح أنظر المطالب العالية جـ٣ ص ٢٨٧ ٠ (٤) الذر : الأرواح . (٥) أية ١٧٢ من سورة الأعراف . ٥٤٨ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى) سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول : السماع حرام على العوام ؛ لبقاء نفوسهم ، مباح للزهاد ؛ لحصول مجاهداتهم ، مستحب لأصحابنا ؛ لحياة قلوبهم . سمعت أبا اتم السجستانى يقول : سمعت أبا نصر الصوفى يقول : سمعت الوجيهى يقول : سمعت أبا على الروذبارى يقول : كان الحارث بن أسد اخاسبى يقول : ثلاث إذا وجدن متع بهن ، وقد فقدناها : حسن الوجه مع الصيانة ، وحسن الصوت مع الديانة ، وحسن الإخاء مع الوفاء . وسئل ذو النون المصرى عن الصوت الحسن ، فقال : مخاطبات وإشارات أودعها الله تعالى كل طيب وطيبة . وسئل مرة أخرى عن السماع فقال : وارد حق يزعج(١) القلوب إلى الحق ؛ فمن أصغى إليه بحق تحقق ، ومن أصغى إليه بنفس تزندق . وحكى جعفر بن نصير : عن الجنيد أنه قال : تنزل الرحمة على الفقراء فى ثلاثة مواطن : عند السماع ؛ فانهم لا يسمعون إلا عن حق ، ولا يقولون إلا عن وجد ، وعند أكل الطعام ؛ فانهم لا يأكلون إلا عن فاقة ، وعند مجاراة العلم ؛ فانهم لا يذكرون إلا صفات الأولياء . سمعت محمد بن الحسين يقول : اسمعت الحسين بن أحمد بن جعفر يقول : سمعت أبا بكر بن ممشاد يقول : سمعت الجنيد يقول : السماع فتنة لمن طلبه . ترويح(٢) لمن صادفه . وحكى عن الجنيد أنه قال : السماع يحتاج إلى ثلاثة أشياء : الزمان والمكان والإخوان . وسئل الشبلى عن السماع فقال : ظاهره فتنة ، وباطنه عبرة ؛ فمن عرف الإشارة حل له استماع العبرة ، وإلا فقد استدعى الفتنة.، وتعرض للبلية . وقيل : لا يصلح السماع إلا لمن كانت له نفس ميتة وقلب حى ؛ فنفسه ذبحت بسيوف المجاهدة ، وقلبه حى بنور الموافقة . (٢) ترويح : أى راحة . (١) أى يحرك . ٥٤٩ ( باب السماع ) وسئل أبو يعقوب الهرجورى" عن السماع فقال: "حال يبدى(١) الرجوع إلى الأسرار من حيث الاحتراق . وقيل : السماع لطف غذاء الأرواح لأهل المعرفة . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول: السماع طبع، إلا عن شرع، وخرق (٢)، إلا عن حق ، وفتنة إلا عن عبرة . ويقال : السماع على قسمين : سماع بشرط العلم والصحو (٣) ؛ فمن شرط صاحبه معرفة الأسامى والصفات ، وإلا وقع فى الكفر المحض . وسماع بشرط الحال ؛ فمن شرط صاحبه الفناء عن أحوال البشرية ، والتنفى من آثار الحظوظ بظهور أحكام الحقيقة . وحكى عن أحمد بن أبى الحوارى أنه قال : سألت أبا سليمان عن السماع فقال : من اثنين أحب إلى من الواحد . وسئل أبو الحسن النورى عن الصوفى ، فقال : من سمع السماع . وآثر الأسباب. وسئل أبو على الروذبارى عن السماع يوماً . فقال : ليتنا تخلصنا منه رأساً برأس . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت أبا عثمان المغربى يقول : من ادعى السماع ولم يسمع صوت الطيور ، وصرير الباب ، وتصفيق الرياح ، فهو فقير مدع . سمعت أبا حاتم السجستانى يقول : سمعت أبا نصر السراج الطوسى يقول : سمعت أبا الطيب أحمد بن مقاتل العكى يقول : قال جعفر : كان ابن زيرى ، من أصحاب الجنيد ، شيخاً فاضلا ، فربما كان يحضر موضع سماع ، فإِن استطابه فرش إزاره وجلس وقال : الصوفى مع قلبه ، وإن لم يستطبه قال : السماع لأرباب القلوب ، ومر ، وأخذ نعله . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله تعالى ، يقول:سمعت عبد الواحد بن بكر يقول : سمعت عبد الله بن عبد المجيد الصوفى يقول: سئل (رويم)) عن وجود (٤) الصوفية عند السماع فقال : (١) يبدى : يظهر . (٢) أى إهدار مروءه . (٣) أى على طريقهما . ٤٠) أى عما يجدونه . كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) Tw 1201 11722 *** يشهدون المعانى التى تعزب عن غيرهم فتشير إليهم: إلى١ .. إلى. فيتنعمون بذلك من الفرح ، ثم يقطع (١) الحجاب فيعود ذلك الفرح بكاء ؛ فمنهم من يخرق ثيابه ومنهم من يصيح ، ومنهم من يبكى . كل إنسان على قدره . سمعت محمد بن أحمد بن محمد التميمى يقول : سمعت عبد الله بن على يقول : سمعت الحصرى يقول فى بعض كلامه : ما أعمل بسماع ينقطع إذا انقطع من يسمع منه ؟ ينبغى أن يكون سماعك متصلا غير منقطع . قال : وقال الحصرى: ينبغى أن يكون (٢) ظمئاً دائما، فكلما ازداد شربه ازداد ظمؤه . وجاء عن مجاهد فى تفسير قوله تعالى: ((فهم فى روضة يحبرون))(٣): أنه السماع من الحور العين بأصوات شهية : ((نحن الخالدات، فلا نموت أبداً، نحن الناعمات، فلا نبؤس أبداً)) (٤). وقيل : السماع نداء ، والوجد قصد))(٥) . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا عثمان المغربى يقول : قلوب أهل الحق قلوب حاضرة ، وأسماعهم مفتوحة . وسمعته يقول : سمعت الأستاذ أبا سهل الصعلوكى يقول : المستمع بين استتار وتجل ، فالاستتار يوجب التلهيب ، والتجلى يورث الترويح ؛ والاستتار يتولد منه حركات المريدين ، وهو محل الضعف والعجز ، والتجلى يتولد منه سكون الواصلين، وهو محل الاستقامة والتمكين ، وذلك صفة الحضرة ليس فيها إلا الذبول تحت موارد الهيبة ، قال الله تعالى : ((فلما حضروه قالوا أنصتوا)) (٦). وقال أبو عثمان الخيرى : السماع على ثلاثة أوجه : (١) رفى نسخة ((يقع ٠٠.)) (٢) أى السامع . (٣) آية ١٥ من سورة الروم . (٤) أنظر تفسير ابن كتير جـ ٣ لقوله تعالى ( فهم فى روضة يحبرون). (٥) أى إجابة له . (٦) من الآية ٢٩ من سورة الأحقاف . ٥٥١ ( باب السماع ) . فوجه منها للمريدين والمبتدئين يستدعون بذلك الأحوال الشريفة ويخشى عليهم فى ذلك الفتنة والمراعاة . والثانى : للصادقين يطلبون الزيادة فى أحوالهم ويستمعون من ذلك ما يوافق أوقاتهم . والثالث : لأهل الاستقامة من العارفين ، فهؤلاء لا يختارون على الله تعالى فيما يرد على قلوبهم من الحركة والسكون . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا الفرج الشيرازى يقول : سمعت أبا على الروذبارى يقول : قال أبو سعيد الخراز : من ادعى أنه مغلوب عند الفهم يعنى فى السماع ، وأن الحركات مالكة له فعلامته (١) تحسين المجلس (٢) الذى هو فيه بوجده . قال الشيخ أبوعبد الرحمن : فذكرت هذه الحكاية لأبى عثمان المغربى فقال : هذا أدناه ، وعلامته الصحيحة : أن لا يبقى فى المجلس محق إلا أنس به ، ولا يبقى فيه مبطل إلا استوحش منه . وقال بندار بن الحسين: السماع على ثلاثة أوجه : منهم من يسمع بالطبع ، ومنهم من يسمع"بالحال، ومنهم من يسمع بالحق فالذى سمع بالطبع يشترك فيه الخاص والعام، فأن جبلة البشرية استلذاذ الصوت الطيب . والذى يسمع بالحال فهو يتأمل ما يرد عليه من ذكر عتاب أوخطاب أو وصل أو هجر أو قرب أو بعد ، أو تأسف على فائت أو تعطش إلى آت ، أو وفاء بعهد أو تصديق لعهد ، أو ذكر قلق أو اشتياق أو خوف فراق أو فرح وصال ، أوحذر انفصال أو ماجرى مجراه وأما من يسمع بحق فيسمع بالله تعالى، ولله، ولا يتصف بهذه الأحوال التى هى ممزوجة بالحظوظ البشرية فإنها مبقاة مع العلل فيسمعون من حيث صفاء التوحيد أ بحق لا بحظ . (١) أى فعلامة صدقة فى دعواه . (٢) أى تأثيره فى أهل مجلسه. ٥٥٢ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) وقيل : أهل السماع على ثلاث طبقات : أبناء الحقائق يرجعون فى سماعهم إلى مخاطبة الحق سبحانه لهم ؛ وضرب: يخاطبون الله تعالى بقلوبهم بمعانى ما يسمعون، فهم مطالبون بالصدق فيما يشيرون به إلى الله ؛ وثالث : هو فقير مجرد قطع العلاقات من الدنيا والآفات ، يسمعون بطيبة قلوبهم ، وهؤلاء أقربهم إلى السلامة . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا بكر الرازى يقول : سمعت أبا على الروذبارى وقد سئل عن السماع ، فقال : مكاشفة الأسرار إلى مشاهدة المحبوب وقال الحواص وقد سئل : ما بال الإنسان يتحرك عند سماع غير القرآن ولا يجد ذلك فى سماع القرآن ؟ فقال : لأن سماع القرآن صدمة لا يمكن لأحد أن يتحرك لشدة غلبته ، وسماع القول ترويح فيتحرك فيه . سمعت محمد بن الحسن يقول : سمعت عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الرازى يقول : سمعت الجنيد يقول : إذا رأيت المريد يحب السماع فاعلم أن فيه بقية من البطلة . وسمعته يقول : سمعت أبا عبد الله البغدادى يقول : سمعت أبا سعيد الرملى يقول: قال سهل بن عبد الله: السماع علم استأثر اللّه تعالى به لا يعلمه إلا هو. وحكى أحمد بن مقاتل العكى قال : لما دخل ذو النون المصرى بغداد اجتمع إليه الصوفية ، ومعهم قوال ، فاستأذنوه أن يقول"بين يديه شيئاً فأذن، فابتدأ يقول : فكيف به إذا احتنكا؟(١) صغير هواك عذبنى هوى قد كان مشتركا وأنت جمعت من قلبی إذا ضحك الخلى بكى أما ترثى المكثب قال : فقام ذو النون وسقط على وجهه والدم يقطر من جبينه ولا يسقط على الأرض ، ثم قام رجل من القوم يتواجد ، فقال له ذو النون : الذى يراك حين تقوم .. فجلس الرجل . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول فى هذه الحكاية : كان ذو النون صاحب إشراف على ذلك الرجل ؛ خيث نبهه أن ذلك ليس مقامه ، وكان ذلك الرجل صاحب إنصاف ؛ حيث قبل ذلك منه ، فرجع فقعد . (١) أى استولى بـ قهر . ٥٥٣ ( باب السماع ) سمعت محمد بن أحمد بن محمد التميمى يقول : سمعت عبد الله بن على الصوفى يقول : سمعت الرقى يقول : سمعت ابن الجلاء يقول : كان بالمغرب شيخان لهما أصحاب وتلامذة، يقال لأحدهما ((جبلة)) والثانى ((رزيق)) فزار رزيق يوماً جبلة فى أصحابه ، فقرأ رجل من أصحاب رزيق شيئاً ، فصاح ولد من أصحاب جبلة ومات ، فلما أصبحوا قال جبلة لرزيق: أين الذى قرأ بالأمس ؟ فليقرأ .. فقرأ آية فصاح جبلة صيحة ، فمات القارىء ، فقال جبلة : واحد بواحد والبادى أظلم . ؟ وسئل إبراهيم المارستانى عن الحركة عند السماع فقال : بلغنى أن موسى عليه السلام قص(١) فى بنى إسرائيل، فمزق واحد منهم قميصه، فأوحى الله تعالى إليه : مزق لى قلبك ولا تمزق ثيابك . وسأل أبو على المغازلى الشبلى فقال: ربما يطرق سمعى آية من كتاب الله عز وجل فتحدونى (٢) على ترك الأشياء والإعراض عن الدنيا ، ثم أرجع إلى أحوالى وإلى الناس . . فقال الشبلى : ما اجتذبك إليه فهو عطف منه عليك ، ولطف ، وما رددت إلى نفسك فهو شفقة منه عليك ، لأنه لم يصح لك التبرى من الحول والقوة فى التوجه إليه . سمعت أبا حاتم السجستانى يقول : سمعت أبا نصر السراج يقول : سمعت أحمد بن مقاتل العكى يقول : كنت مع الشبلى فى مسجد ليلة من شهر رمضان وهو يصلى خلف إمام له وأنا بجنبه، فقرأ الإمام: ((ولئن شئنا لنذهين بالذى أوحينا إليك)) (٣) . فزعق زعقة قلت : طارت روحه وهو يرتعد ويقول : يمثل هذا يخاطب الأحباب . . ويردد ذلك كثيراً . وحكى عن الجنيد أنه قال : دخلت على السرى يوماً فرأيت عنده رجلا مغشياً عليه ، فقلت : ماله ؟ فقال : سمع آية من كتاب الله تعالى . فقلت : تقرأ عليه ثانياً ، فقرىء ، فأفاق ، فقال لى : من أين علمت هذا ؟ فقلت : إن قميص يوسف ذهبت بسببه عين يعقوب عليهما السلام ثم به عاد بصره . فاستحسن منى ذلك . (١) أى ذكر لهم قصة . (٢) أى تدفعنى . (٣) الآية ٨٦ من سورة الإسراء. ٥٥٤ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى) سمعت أبا حاتم السجستانى يقول : سمعت أبا نصر السراج يقول : سمعت عبد الواحد بن علوان يقول : كان شاب يصحب الجنيد فكان إذا سمع شيئاً من الذكر يزعق ، فقال له الجنيد يوماً : إن فعلت ذلك مرة أخرى لم تصحبنى . . فكان إذا سمع شيئاً يتغير ويضبط نفسه ، حق كان يقطر كل شعرة من بدنه بقطرة (١) ، فيوماً من الأيام صاح صيحة تلفت بها نفسه . سمعت أبا حاتم السجستانى يقول : سمعت أبا نصر السراج يقول: حكى لى بعض إخوانى عن أبى الحسين الدراج قال : قصدت يوسف بن الحسين الرازى من بغداد ، فلما دخلت ((الرى)) سألت عن منزله ، فكل من أسأل عنه يقول لى : ما تفعل بذلك الزنديق ؟. فضيقوا صدرى ، حتى عزمت على الانصراف ، فبت تلك الليلة فى مسجد ، ثم قلت : جئت هذه البلدة ، فلا أقل من زيارته ؛ فلم أزل أسأل عنه حتى وقعت إلى مسجده وهو قاعد فى المحراب ، وبين يديه رجل ، وعليه مصحف يقرأ فيه ، وإذا هو شيخ بهى ، حسن الوجه واللحية ، فدنوت منه وسلمت عليه ، فرد السلام وقال : من أين ؟ فقلت : من بغداد ، قصدت زيارة الشيخ . فقال : لو أن فى بعض البلدان قال لك إنسان : أقم عندى حتى أشترى لك داراً أوجارية أكان منعك عن زيارتى ؟ فقلت يا سيدى ، ما أمتحننى الله تعالى بشىء من ذلك .. ولو كان لا أدرى كيف كنت أكون ؟ فقال : تحسن أن تقول شيئاً؟ فقلت : نعم ، وقلت : رأيتك تبنى دائباً فى قطيعتى ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبنى فأطبق المصحف ، ولم يزل يبكى حتى ابتلت لحيته وثوبه ، حتى رحمته من كثرة بكائه؛ ثم قال لى: يا بنى: لا تلم أهل ((الرى)) على قولهم ((يوسف بن الحسين زنديق)) ومن وقت الصلاة هو ذا أقرأ القرآن فلم تقطر من عينى قطرة ، وقد قامت على القيامة بهذا البيت (٢). (١) وفى نسخة قطرة أى قطرة ماء مما يقاسيه فى الكتم من الشدة . (٢) أى تغير حاله بسبب سماعه بيت الشعر. ٥٥٥ ( باب السماع ) سمعت محمد بن أحمد بن محمد الصوفى يقول : سمعت عبد الله بن على الطوسى يقول : سمعت الرقى يقول : سمعت الدراج يقول كنت أنا وابن القوطى مارين على الدجلة بين ((البصرة)) و((الأبلة))، وإذا نحن بقصر حسن ، له منظر ، وعليه رجل وبين يديه جارية تغنى وتقول : فى سبيل الله ود كان منى لك يبذل غير هذا بك أجمل .. كل يوم تتلون وإذا شاب تحت المنظرة بيده ((ركوة)) ، وعليه مرقعة يسمع . فقال: ياجارية ، بحياة مولاك أعيدى : كل يوم تتلون غير هذا بك أجمل فأعادته . فقال الشاب : قولى . فأعادت : فقال الفقير: هذا والله تلونى مع الحق ، وشهق شهقة خرجت معها روحه. فقال صاحب القصر للجارية : أنت حرة لوجه الله تعالى وخرج أهل البصرة ، وفرغوا من دفنه والصلاة عليه ، فقام صاحب القصر ، وقال أليس تعرفونى .. أشهدكم أن كل شىء لى فى سبيل الله، وكل مماليكى أحرار ثم اتزر بإِزار ، وارتدى برداء ، وتصدق بالقصر ، ومر ، فلم ير له بعد ذلك وجه ولا سمع له أثر(١) . سمعت محمد بن أحمد بن محمد الصوفى يقول سمعت عبد الله بن على الطوسى يقول: سمعت يحيى بن الرضا العلوى قال: سمع أبو سلمان الدمشتى ((طوافاً)) ينادى(٢) : ياسعتر برى فسقط مغشياً عليه ، فلما أفاق ، سئل ، فقال : حسبته يقول : اسع تر برى . وسمع عتبة الغلام رجلا يقول : سبحان رب السماء ؛ إن المحب لفى عناء فقال عتبة : صدقت ؛ وسمع رجل آخر ذلك القول ، فقال : كذبت . . فكل واحد سمع من حيث هو . (١) أى خبر . (٢) ينادى على نبات السعتر الذى يؤتى به من البرارى. ٥٥٦ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى) سمعت أبا حاتم السجستانى يقول : سمعت أبا نصر السراج يقول : سمعت أبا الحسن على بن محمد للصوفى يقول : سمعت رويما وقد سئل عن المشايخ الذين لقيهم فى السماع ، فقال : كالقطيع إذا وقع فيه الذئب . وحكى عن أبى سعيد الخراز قال : رأيت على بن الموفق فى السماع يقول : أقيمونى، فأقاموه، فقام، وتواجد، ثم قال: أنا الشيخ ((الزفان)). وقيل : قام الرقى ليلة إلى الصباح ، يقوم .. ويسقط على هذا البيت (١) ، والناس قيام يبكون ، والبيت : بالله فاردد فؤاد مكتئب ليس له من حبيبه خلف سمعت محمد بن أحمد التميمى يقول : سمعت عبد الله بن على الصوفى يقول : سمعت على بن الحسين بن محمد بن أحمد بالبصرة يقول : سمعت أبى يقول : خدمت سهل بن عبد الله سنين كثيرة ، فما رأيته تغير عند سماع شيء كان يسمعه من الذكر والقرآن وغيره ، فلما كان فى آخر عمره قرىء بين يديه (( فاليوم لا يؤخذ منكم فدية))(٢) رأيته تغير ، وارتعد، وكاد يسقط، فلما رجع إلى حال صحوه سألته عن ذلك ، فقال ياحبيبى ضعفنا (٣). وحكى ابن سالم قال: رأيته مرة أخرى قرىء بين يديه ((الملك يومئذ الحق للرحمن(٤) فتغير وكاد يسقط ، فقلت له فى ذلك ، فقال : ضعفت وهذه صفة الأكابر لا يرد عليه وارد وإن كان قوياً إلا وهو أقوى منه . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : دخلت على أبى عثمان المغربى وواحد يستقى الماء من البئر على بكرة فقال : يا أبا عبد الرحمن ، أتدرى ما تقول البكرة ؟ فقلت : لا ، فقال : تقول الله . الله. (١) أى على سماعه . (٢) من الآية ١٥ من سورة الحديد . (٣) ضعف عن كتم حاله . (٤) من الآية ٢٦ من سورة الفرقان. ٥٥٧ ( باب السماع ) سمعت محمد بن عبد الله الصوفى يقول : سمعت على بن طاهر يقول : سمعت عبد الله بن سهل يقول : سمعت روماً يقول : روى عن على بن أبى طالب ، رضى الله عنه، أنه سمع صوت ناقوس فقال لأصحابه : أتدرون ما يقول هذا ؟ قالوا : لا ، قال: إنه يقول : سبحان الله، حقاً، إن المولى صمد يبقى . سمعت محمد بن أحمد التميمى يقول : سمعت عبد اللّه بن على يقول : سمعت أحمد بن على الكرخى الوجيهى يقول : كان جماعة من الصوفية متجمعين فى بيت الحسن القزاز ، ومعهم قوالون يقولون ويتواجدون، فأشرف عليهم ممشاد الدينورى ؛ فسكتوا ، فقال : ارجعوا إلى ما كنتم فيه ، فلو جمع ملاهى الدنيا فى أذنى ما شغل همى ولا شفى بعض ما بى . وبهذا الإسناد عن الوجيهى قال : سمعت أبا على الروذبارى يقول : بلغنا فى هذا الأمر(١) إلى مكان مثل حد السيف إن ملنا كذا ففى النار . وقال خير النساج : قص موسى بن عمران ، صلوات الله عليه ، على قوم قصة ، فزعق واحد منهم ، فانتهره موسى ، فأوحى الله تعالى إليه : يا موسى ، بطيبي فاحوا (٢)، وبحبي باحوا ، وبوجدى صاحوا ، فلم تنكر على عبادى ؟ . وقيل : سمع الشبلى قائلا يقول : الخيار عشرة بدانق فصاح وقال : إذا كان الخيار عشرة بدانق فكيف الشرار ؟ . وقيل : إذا تغنت الحور العين فى الجنة توردت الأشجار . وقيل : كان عون بن عبد الله يأمر جارية له حسنة الصوت فتغنى بصوت حزين حتى تبكى القوم . وسئل أبو سليمان الداراني عن السماع ، فقال : كل قلب يريد الصوت أحسن فهو ضعيف يداوى كما يداوى الصبى إذا أريد أن ينام ، ثم قال أبو سليمان إن الصوت الحسن لا يدخل فى القلب شيئاً ، وإنما يحرك من القلب ما فيه قال ابن أبى الحوارى : صدق والله أبو سليمان . (١) أى التصوف . (٢) وفى لسيفة ((ناجوا)). 4 ٥٥٨ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القتسيرى ) وقال الحريرى: كونوا ربانيين ، أى سماعين من اللّه ، قائلين باللّه. وسئل بعضهم عن السماع فقال: بروق تلمع ثم تخمد ، وأنوار تبدو ثم تخفى ، ما أحلاها لو بقيت مع صاحبها طرفة عين ، ثم أنشأ يقول : خطرة البرق ابتدى ثم اضمحل خطرة فى السر منه خطرت ومسلم بك لو حقاً فعل أی زور(١) لك لو قصداً سرى وقيل : السماع فيه نصيب لكل عضو ؛ فما يقع إلى العين تبكى ، وما يقع إلى اللسان يصيح ، وما يقع على اليد تمزق الثياب وتلطم، وما يقع إلى الرجل ترقص . وقيل : مات بعض ملوك العجم ، وخلف ابناً صغيراً ، فأرادوا أن يبايعوه فقالوا : كيف نصل إلى معرفة عقله وذكائه؟ . . ثم توافقوا على أن يأتوا بقوال يقول شيئاً ؛ فإِن أحسن الإصغاء علموا كياسته . فأتوا بقوال ، فلما قال القوال شيئاً ضحك الرضيع ، فقبلوا الأرض بين يديه وبايعوه . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول : اجتمع أبو عمرو بن نجيد ، والنصراباذى، والطبقة فى موضع ؛ فقال النصراباذى : أنا أقول إذا اجتمع القوم فواحد يقول شيئاً ويسكت الباقون خير من أن يغتابوا أحداً . فقال أبو عمرو : لأن تغتاب أنت ثلاثين سنة أنجى لك من أن تظهر فى السماع ما لست به . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه الله ، يقول : الناس فى السماع ثلاثة : متسمع ؛ ومستمع ؛ وسامع ؛ فالمتسمع يسمع بوقت ؛ والمستمع يسمع بحال ؛ والسامع يسمع بحق . وسألت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه الله تعالى ، غير مرة ، شبه طلب رخصة فى السماع ، فكان يحيلنى على ما يوجب الإمساك عنه ، ثم بعد طول المعاودة قال : إن المشايخ قالوا: (( ما جمع قلبك إلى الله سبحانه وتعالى فلا بأس به)) . (١) زود أي زائر . ٥٥٩ (باب السماع ) أخبرنا أبو الحسن على بن أحمد الأهوازى قال : أخبرنا أحمد بن عبيد البصرى قال : حدثنا إسماعيل بن الفضل قال : حدثنا يحيى بن يعلى الرازى قال : حدثنا حفص بن عمر العمرى قال : حدثنا أبو عمر وعثمان بن بدر قال : حدثنا هارون ابن حمزة عن الغدافرى ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، رضى الله عنهما ، قال : أوحى الله سبحانه إلى موسى عليه السلام: إنى جعلت فيك عشرة آلاف سمع حتى سمعت كلامى ، وعشرة آلاف لسان حتى أجبتنى ، وأحب ما تكون إلى وأقربه إذا أكثرت الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : رأى بعضهم النبى صلى الله عليه وسلم فى المنام فقال: الغلط فى هذا أكثر ؛ يعنى به : السماع . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول : سمعت أبا بكر النهاوندى يقول: سمعت علياً السائح يقول: سمعت أباالحارث الأولاسى يقول: رأيت أبليس، لعنه الله، فى المنام على بعض سطوح ((أولاس)) وأنا على سطح ، وعلى يمينه جماعة ، وعلى يساره جماعة وعليهم ثياب نظاف ، فقال لطائفة منهم: قولوا .. فقالوا ، وغنوا، فاستفزعنى طيبه(١)، حتى هممت أن أطرح نفسى من السطح . ثم قال : ارقصوا ، فرقصوا أطيب ما يكون .. ثم قال لى : يا أبا الحارث ، وما أصبت شيئاً أدخل به عليكم إلا هذا . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت عبد الله بن على يقول : اجتمعت ليلة مع الشبلى ، رحمه الله ، فقال القوال شيئاً ، فصاح الشبلى ، وتواجد قاعداً ، فقيل له : يا أبا بكر ، مالك من بين الجماعة قاعداً ؟ . فقام وتواجد ، وقال : لى سكرتان ، وللندمان واحدة شیء خصصت به من بیہم وحدی (١) أى طيب قوله . ٥٦٠ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) وسمعته يقول : سمعت منصور بن عبد اللّه الأصبهانى يقول : سمعت أبا على الروذبارى يقول : جزت بقصر ، فرأيت شاباً حسن الوجه مطروحاً ، وحوله ناس ، فسألت عنه ، فقالوا : إنه جاز بهذا القصر وفيه جارية تغنى : طمعت فى أن تراكا كبرت همة عبد أن ترى من قد رآكا أو ما حسب لعين فشهق شهقة ومات .