النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٢١ ( باب المحبة ) وسمى القرط ((حبا))؛ إما للزومه للأذن، أو لقلقه . وكلا المعنيين صحيح فى الحب . وقيل: هو مأخوذ من ((الحب)) (جمع حبة) وحبة القلب : ما به قوامه ؛ فسمى الحب حبا باسم محله . وقيل : الحب ، والحب كالعمر والعمر . وقيل : هو مأخوذ من الحبة (بكسر الحاء) وهى بذور الصحراء : فسمى الحب حبا ، لأنه لباب الحياة ، كما أن الحب لباب النبات . وقيل : الحب : هى الخشبات الأربع التى توضع عليها الجرة ، فسميت المحبة حباً لأنه يتحمل عن محبوبه كل عز وذل . وقيل : هو من الحب (١) الذى فيه الماء ، لأنه مسك ما فيه ، فلا يسع فيه غير ما امتلأ به ، كذلك إذا امتلأ القلب بالحب فلا مسآخ فيه لغير محبوبه . وأما أقاويل الشيوخ فيه ، فقال بعضهم المحبة : الميل الدائم بالقلب الهائم . وقيل : المحبة : إيثار المحبوب على جميع المصحوب . وقيل : موافقة الحبيب فى المشهد والمغيب . وقيل : محو المحب لصفاته ، وإثبات المحبوب بذاته . وقيل : مواطأة القلب لمرادات الرب . وقيل : خوف ترك الحرمة مع إقامة الخدمة . وقال أبو يزيد البسطامى : المحبة : استقلال الكثير من نفسك ، واستكثار قليل من حبيبك . وقال سهل : الحب : معانقة الطاعة ومباينة المخالفة . وسئل الجنيد عن المحبة ، فقال : دخول صفات المحبوب على البدل من صفات المحب . أشار بهذا إلى استيلاء ذكر المحبوب ، حتى لا يكون الغالب على قلب المحب (١) أى الوعاء : ٥٢٢ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) إلا ذكر صفات المحبوب ، والتغافل بالكلية عن صفات نفسه والإحساس بها . وقال أبو على الروذبارى : المحبة : الموافقة . قال أبو عبد الله القرشى : حقيقة المحبة أن تهب كلك لمن أحببت ، فلا يبقى لك منك شيء . وقال الشبلى : سميت المحبة محبة ؛ لأنها تمحو من القلب ما سوى المحبوب . وقال ابن عطاء : المحبة : إقامة العتاب على الدوام . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه الله يقول : المحبة : لذة ، ومواضع الحقيقة دهش . وسمعته يقول : العشق : مجاوزة الحد فى المحبة ، والحق سبحانه لا يوصف بأنه يجاوز الحد ؛ فلا يوصف بالعشق ، ولوجمع محاب الخلق كلهم لشخص واحد لم يبلغ ذلك استحقاق قدر الحق سبحانه ، فلا يقال : إن عبداً جاوز الحد فى محبة الله. فلا يوصف الحق سبحانه بأنه يعشق ، ولا العبد فى صفته سبحانه بأنه يعشق ، فنفى العشق ، ولا سبيل له إلى وصف الحق ، سبحانه ، لا من الحق للعبد ، ولا من العبد للحق سبحانه . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت الشبلى يقول : المحبة أن تغار على المحبوب أن يحبه مثلك . وسمعته يقول : سمعت أبا الحسين الفارسى يقول : سمعت ابن عطاء يقول ، وقد سئل عن المحبة . فقال : أغصان تغرس فى القلب فتثمر على قدر العقول . وسمعته يقول : سمعت النصراباذى يقول : محبة توجب حقن الدماء ، ومحبة توجب ا سفك الدماء . وسمعته يقول : سمعت محمد بن على العلوى يقول : سمعت جعفر يقول : سمعت سمنوناً يقول : ذهب المحبون لله تعالى بشرف الدنيا والآخرة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((المرء مع من أحب))(١)؛ فهم مع الله تعالى: (١) حديث صحيح أخرجه الترمذى عن أنس رضى الله عنه وتمامه ( .... وله ما أكتسب). ٥٢٣ ( باب المحبة ) وقال يحيى بن معاذ: حقيقة المحبة ما لا ينقص بالجفاء ، ولا يزيد بالبر . وقال : ليس بصادق من ادعى محبته ولم يحفظ حدوده . وقال الجنيد: إذا صحت المحبة سقطت شروط الأدب ، وفى معناه أنشد الأستاذ أبو على : إذا صفت المودة بين قوم ودام ودادهم سمج الثناء وكان يقول : لا ترى أباً شفيقاً يبجل ابنه فى الخطاب والناس يتكلفون فى مخاطبته والأب يقول : يافلان . وقال الكتانى : المحبة : الإيثار للمحبوب . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا سعيد الأرجانى يقول : سمعت بندار بن الحسين يقول : رؤى مجنون بنى عامر فى المنام ، فقيل له : ما فعل الله بك ؟ فقال : غفر لى ، وجعلنى حجة على المحبين . وقال أبو يعقوب السوسى : حقيقة المحبة : أن ينسى العبد حظه من اللّه وينسى حوائجه إليه . وقال الحسين بن منصور : حقيقة المحبة : قيامك مع محبوبك بخلع أو صافك . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : قيل للنصر اباذى : ليس لك من المحبة شىء ؟ فقال : صدقوا ، ولكن لى حسراتهم ، فهو ذا أحترق فيه . وسمعته يقول : قال النصراباذى : المحبة : مجانبة السلو على كل حال . ثم أنشد : فإِنى من ليلى لها (١) غير ذائق ومن كان فى طول الهوى ذاق سلوة أمانى لم تصدق كلمحة بارق وأكثر شىء نلته من وصالها وقال محمد بن الفضل : المحبة : سقوط كل محبة من القلب إلا محبة الحبيب وقال الجنيد : المحبة : إفراط الميل بلا نيل . ويقال : المحبة : تشويش فى القلوب يقع من المحبوب . ويقال : المحبة : فتنة تقع فى الفؤاد من المراد . وأنشد ابن عطاء : (١) أى السلوة . ٥٢٤ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) ولم يك يدرى ما الهوى أحد قبلى غرست لأهل الحب غصناً من الهوى وأعقب لى مراً من الثمر المحلى(١) فأورق أغصاناً ، وأينع صبوة إذا نسبوه كان من ذلك الأصلى وكل جميع العاشقين هواهم وقيل : الحب أوله ختل (٢) وآخره قتل (٣). سمعت الأستاذ أبا على ، رحمه الله ، يقول فى معنى قوله صلى الله عليه وسلم : (( حبك للشىء يعمى ويصم (٤) . فقال يعمى عن الغير غيرة وعن المحبوب هيبة ، ثم أنشد : إذا ما بدا لى تعاظمته فأصدر(٥) فى حال من لم يرد سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت أحمد بن على يقول : سمعت إبراهيم بن فاتك يقول : سمعت الجنيد يقول : سمعت الحارس المحاسبى يقول : المحبة ميلك إلى الشىء بكليتك ، ثم إيثارك له على نفسك وروحك ومالك ، ثم موافقتك له سراً وجهراً ، ثم علمك بتقصيرك فى حبه . وسمعته يقول : سمعت أحمد بن على يقول : سمعت عباس بن عصام يقول : سمعت الجنيد يقول : سمعت السرى يقول : لاتصلح (٦) المحبة بين اثنين حتى يقول الواحد للآخر : يا أنا . وقال الشبلى : المحب إذا سكت هلك ، والعارف إن لم يسكت هلك . وقيل : المحبة : نار فى القلب تحرق ما سوى مراد المحبوب . وقيل : المحبة : بذل المجهود والحبيب يفعل ما يشاء . وقال النورى : المحبة : هتك الأستار وكشف الأسرار . (١) اليابس . (٢) ختل. محادعة. والمقصود أن يعامل اللّه عبده بالرفق. (٣) أى فناء عن النفس وأهوائها . (٤) أخرجه أحمد فى مسنده والحارى فى التاريخ وأبو داود فى السنن عن أبى الدرداء الخرائطى فى اعتلال القاوب عن أبى برزه من عد كر عن عبد الله بن أنيس وقال السيوطى حديث حسن . (٥) أصدر أرجع . (٦) وفى نسخه ((أتصح)). ٥٢٥ ( باب المحبة ) وقال أبو يعقوب السوسى : لا تصح المحبة إلا بالخروج عن رؤية المحبة إلى رؤية المحبوب بفناء علم المحبة . وقال جعفر : قال الجنيد : دفع السرى إلى رقعة ، وقال : هذه لك خير من سبعمائة قصة أو حديث يعلو(١) ، فإِذا فيها : فالى أرى الأعضاء منك كواسيا (٢) ولما ادعيت الحب قالت : كذبتی وتذبل حتى لا تجيب المناديا هما الحب حتى يلصق القلب بالخشا سوى مقلة تبكى بها ونتاجيا وتنحل(٣) حتى لا يبقى لك الهوى وقال ابن مسروق: رأيت سمنونا يتكلم فى المحبة فتكسرت قناديل المسجد كلها . سمعت محمد بن الحسن يقول : سمعت أحمد بن على يقول : سمعت إبراهيم ابن فانك يقول : سمعت سمنونا ، وهو جالس فى المسجد يتكلم فى المحبة إذ جاء طير صغير فقرب منه ، ثم قرب .. فلم يزل يدنو حتى جلس على يده .. ثم ضرب بمنقاره الأرض حتى سال منه الدم ، ثم مات . وقال الجنيد : كل محبة كانت لغرض إذا زال الغرض زالت تلك المحبة . وقيل: حبس الشبلى فى ((المارستان))، فدخل عليه جماعة ، فقال : من أنتم ؟ قالوا : إنا محبوك يا أبا بكر ، فأقبل يرميهم بالحجارة ، ففروا ، فقال : إن ادعيم محبّى فاصبروا على بلائى . وأنشد الشبلى : أيها السيد الكريم حبك بين الحشا مقيم أنت بما مر بى عليم يارافع النوم عن جفونى سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت النهرجورى يقول: سمعت على بن عبيد يقول: كتب يحيى بن معاذ إلى أبى يزيد : سكرت من كثرة ماشربت من كأس محبته . فكتب إليه أبو يزيد : غيرك شرب بحور السموات والأرض وماروى بعد ، ولسانه خارج ويقول : هل من مزيد . (١) أى حديث من أحاديث الصالحين العالية الرفيعة . (٢) كواسيا : أى مكسوات باللحم . (٣) تهزل وتضمحل . كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) ٥٢٦ وأنشدوا : وهل أنسى فأذكر ما نسيت ؟ عجبت لمن يقول ذكرت إلفى ولولا حسن ظنى ما حييت أموت إذا ذكرتك ثم أحيا فكم أحيا عليك ! وكم أموت ! فأحيا بالمنى وأموت شوقاً فما نفد الشراب وما رويت شربت الحب كأساً بعد كأس وقيل : أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام: إنى إذا اطلعت على قلب عبد فلم أجد فيه حب الدنيا والآخرة ملأته من حبى . ورأيت بخط الأستاذ أبى على الدقاق ، رحمه الله : فى بعض الكتب المنزلة ((عبدى، أنا وحقك لك محب، فبحقى كن لى محباً)). وقال عبد الله بن المبارك : من أعطى شيئاً من المحبة ولم يعط مثله من الحشية فهو مخدوع . وقيل : المحبة : ما يمحو أثرك . وقيل : المحبة : سكر لا يصحو صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه . ثم السكر الذى يحصل عند الشهود لا يوصف ، وأنشدوا : فأسكر القوم دور كأس وكان سكرى من المدير وكان الأستاذ أبو على الدقاق ينشد كثيراً : لى سكرتان ، وللندمان واحدة شىء خصصت به من بينهم وحدى . وقال ابن عطاء : المحبة : إقامة العتاب على الدوام . وكان للأستاذ أبى على جارية تسمى ((فيروز)) وكان يحبها ؛ إذ كانت قد خدمته كثيراً ، فسمعته يقول : كانت فيروز تؤذينى يوماً وتستطيل على بلسانها ، فقال لها أبو الحسن القارىء لم تؤذين هذا الشيخ ؟ فقالت : لأنى أحبه . ٥٢٧ ( باب المحبة ) وقال يحيى بن معاذ : مثقال خردلة من الحب أحب إلى من عبادة سبعين سنة بلا حب . وقيل : إن شاباً أشرف على الناس فى يوم عيد وقال : لاخر فى عشق بلا موت من مات عشقاً فليمت هكذا وألقى نفسه من سطح عال فوقع ميتاً . وحكى أن بعض أهل الهند عشق جارية ، فرحلت الجارية ، فخرج الرجل فى وداعها ، فدمعت إحدى عينيه دون الأخرى ، فغمض التى لم تدمع أربعاً وثمانين سنة . ولم يفتحها ، عقوبة لها ؛ لأنها لم تبك على فراق حبيبته ، وفى معناه أنشدوا : بكت عينى غداة البين دمعا وأخرى بالبكا" بخلت علينا فعاقبت التى بخلت بدمع بأن غمضتها يوم التقينا وقال بعضهم : كنا عند ذى النون المصرى ، فتذاكرنا المحبة ، فقال ذو النون : كفوا عن هذه المسألة ، لا تسمعها النفوس فتدعيها ، ثم أنشأ يقول: ء إذا تأله والحزن الخوف أولى بالمسى وبالنقى من الدرن (١) والحب يجمل بالتقى وقال يحيى بن معاذ : من نشر المحبة عند غير أهلها فهو فى دعواه دعى . وقيل : ادعى رجل الاستهلاك فى محبة شخص . فقال له الشاب : كيف هذا ، وأخى أحسن منى وجهاً وأتم جمالا؟ فرفع الرجل رأسه يلتفت ، وكانا على سطح فألقاه من السطح وقال : هذا أجر من يدعى هوانا وينظر إلى سوانا . وكان سمنون يقدم المحبة على المعرفة ، والأكثرون يقدمون المعرفة على المحبة . وعند المحققين : المحبة : استهلاك فى لذة، والمعرفة : شهود فى حيرة ، وفناء فى هيبة . (١) الدرن : الوسخ . ٥٢٨ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) وقال أبو بكر الكتانى : جرت مسألة فى المحبة بمكة أيام الموسم ، فتكلم الشيوخ فيها ، وكان الجنيد أصغرهم سنا ، فقالوا له : هات ما عندك ياعراقى ، فأطرق رأسه ، ودمعت عيناه ، ثم قال : عبد ذاهب عن نفسه ، متصل بذكر ربه ، قائم بأداء حقوقه ، ناظر إليه بقلبه ، أحرق قلبه أنوار هويته ، وصفاً شربه من كأس وده ، وانكشف له الجبار من أستار غيبه ؛ فإِن تكلم فبالله ، وإن نطق فعن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فمع الله، فهو بالله ولله ومع اللّه فبكى الشيوخ وقالوا : ما على هذا مزيد ، جبرك( اللّه ياتاج العارفين. وقيل : أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: ياداود ، إنى حرمت على القلوب أن يدخلها حبي وحب غيرى فيها . أخبرنا حمزة بن يوسف السهمى قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن القاسم قال : حدثنا هميم بن همام قال : أخبرنا إبراهيم بن الحارث قال : حدثنى عبد الرحمن ابن عفان قال : حدثنى محمد بن أيوب قال : حدثنى أبو العباس خادم الفضيل ابن عياض قال : احتبس بول الفضيل ، فرفع يديه وقال : اللهم بحبى لك إلا أطلقته عنى ، فما برحنا حتى شفى . وقيل المحبة : الإيثار كامرأة العزيز لما تناهت فى أمرها قالت : ((أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين))(١). وفى الابتداء قالت : (( ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن أو عذاب أليم)) (٢) فوركت(٣) الذنب فى الابتداء عليه ، وفى الانتهاء نادت على نفسها بالخيانة . سمعت الأستاذ أبا على يقول ذلك . وحكى عن أبى سعيد الخراز أنه قال : رأيت النبى صلى الله عليه وسلم فى المنام ، (١) آية ٥١ من سورة يوسف. (٢) آية ٢٥ من سورة يوسف . (٣) أى نسبت . ٥٢٩ ( باب المحبة ) فقلت : يارسول اللّه اعذرنى ، فإِن محبة الله شغلتنى عن محبتك .. فقال: يا مبارك، من أحب الله تعالى فقد أحبى(١) . وقيل : قالت رابعة فى مناجاتها : إلهى ، أتحرق بالنار قلباً يحبك ؟ فهتف بها هاتف : ماكنا نفعل هكذا ، فلا تظنى بنا ظن السوء . . وقيل : الحب : حرفان : حاء وباء ، والإشارة فيه : أن من أحب فليخرج عن روحه وبدنه (٢) . وكالإجماع من إطلاقات القوم : أن المحبة : هى الموافقة ، وأشد الموافقات : الموافقة بالقلب ، والمحبة توجب انتفاء المباينة ؛ فإِن المحب أبداً مع محبوبه ، وبذلك ورد الخبر : ((حدثنا الإمام أبوبكر بن فورك ، رحمه الله تعالى . قال : أخبرنا القاضى أحمد بن محمود بن حرزاذ قال : حدثنا الحسين بن حماد بن فضالة قال : حدثنا يحيى بن حبيب قال : حدثنا مرحوم بن عبد العزيز ، عن سفيان الثورى ، عن الأعمش ، عن أبى وائل ، عن أبى موسى الأشعرى : أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له : إن الرجل ليحب القوم ولما يلحق بهم؟ فقال: المرء مع من أحب)) (٢). سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت عبد الله الرازى يقول : سمعت أبا عثمان الخبرى يقول ، سمعت أبا حفص يقول : أكثر فساد الأحوال من ثلاثة فسق العارفين ، وخيانة المحبين ، وكذب المريدين . قال أبو عثمان: فسق العارفين : إطلاق الطرف واللسان والسمع إلى أسباب الدنيا ومنافعها . (١) ويؤبده قوله تعالى: ((قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله. (الآية). (٢) فالحاء من الروح ، والباء من البدن. (٣) سبق تخريجه فى هذا الباب فانظره. ٥٣٠ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) وخيانة المحبين : اختيار هواهم على رضا الله عز وجل فيما يستقبلهم . وكذب المريدين : أن يكون ذكر الخلق ورؤيتهم تغلب عليهم على ذكر الله عز وجل . وسمعته يقول : سمعت أبا بكر الرازى يقول : سمعت أبا القاسم الجوهرى يقول : سمعت أبا على ممشاد بن سعيد العكبرى يقول : راود خطاف (١) خطافة فى قبة سليمان عليه السلام ، فامتنعت عليه ، فقال لها : لم تمتنعين على وإن شئت قلبت القبة على سليمان .. فدعاه سليمان عليه السلام وقال له ما حملك على ما قلت ؟ فقال : يا نبي الله ، إن العشاق لا يؤاخذون بأقوالهم. فقال : صدقت . الباب الحادى والخمسون الشوق سئل ابن عطاء الله عن الشوق فقال : ((احتراق الأحشاء .. وتلهب القلوب .. وتقطع الأكباد ٠٠» ٥٣٢ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) باب الشوق قال الله عز وجل: ((من كان يرجو لقاء الله فان أجل الله لآت))(١). أخبرنا على بن أحمد بن عبدان الأهوازى ، قال : أخبرنا أحمد بن عبيد البصرى قال : أخبرنا ابن أبى قماش قال : أخبرنا إسماعيل بن زرارة ، عن حماد ابن يزيد ، قال : أخبرنا عطاء بن السائب ، عن أبيه ، قال : صلى بنا عمار بن ياسر صلاة فأوجز (٢) فيها ، فقلت : خففت أبا اليقظان .. فقال : وما على من ذلك ، ولقد دعوت الله بدعوات سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قام تبعه رجل من القوم فسأله عن الدعوات ، فقال : اللهم بعلمك الغيب ، وقدرتك على الخلق أحينى ما علمت الحياة خيراً !، ، وتوفى ما علمت الوفاة خيراً لى . اللهم إنى أسألك خشيتك فى الغيب والشهادة (٣)، وأسألك كلمة الحق فى الرضا والغضب ، وأسألك القصد (٤) فى الغنى والفقر ، وأسألك نعيماً لاينفد ، وقرة عين (٥) لاتنقطع ، وأسألك الرضا بعد القضاء ، وبرد العيش بعد الموت ، وأسألك النظر إلى وجهك الكريم ، وشوقاً إلى لقائك فى غير ضراء مضرة ولافتنة مضلة . اللهم زينا بزينة الإيمان .. اللهم اجعلنا هداة مهتدين)) (٦). قال الأستاذ : الشوق اهتياج (٧) القلوب إلى لقاء المحبوب ، وعلى قدر المحبة يكون الشوق . (١) آبة ٥ من سورة العمكبوت. (٢) أى : خفه . (٣) أى الحضور . (٤) أي التوسط . (٥) أى سروراً . (٦) حديث صحيح أخرجه النسائي فى سننه و الحاكم عن ابن عمرى انظر فيض القدير. (٧) وفى نسخة (ارتياح». 1 ٥٣٣ ( باب الشوق ) سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يفرق بين الشوق والاشتياق ، ويقول : الشوق يسكن باللقاء والرؤية ، والاشتياق لا يزول باللقاء . وفى معناه أنشدوا : حتى يعود إليه الطرف مشتاقا ما يرجع الطرف عنه عند رؤيته سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت النصراباذى يقول : للخلق كلهم مقام الشوق ، وليس لهم مقام الاشتياق . ومن دخل فى حال الاشتياق هام فيه حتى لايرى له أثر ولا قرار . وقيل : جاء أحمد بن حامد الأسود إلى عبد الله بن منازل فقال : رأيت فى المنام أنك تموت إلى سنة ، فهل استعددت للخروج ؟ فقال له عبد اللّه بن منازل : لقد أجلتنا إلى أمد بعيد أأعيش أنا إلى سنة .. لقد كان لى أنس بهذا البيت الذى سمعته من هذا الثقفى (( يعنى أبا على)): اصبر لعلك تلقى من تحب عدا يا من شكا شوقه من طول فرقته وقال أبوعثمان : علامة الشوق : حب الموت مع الراحة . وقال يحيى بن معاذ : علامة الشوق : فطام الجوارح عن الشهوات . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول : خرج داود عليه السلام يوماً إلى بعض الصحارى منفرداً ، فأوحى الله تعالى إليه: مالى أراك يا داود وحدانياً ؟ فقال يا إلهى ، استأثر الشوق إلى لقائك على قلبى فحال بينى وبين صحبة الخلق فأوحى الله تعالى إليه : إرجع إليهم ، فإنك إن أتيتنى بعبد آبق أثبتك فى اللوح المحفوظ جهبذاً (١). وقيل : كانت عجوز قدم بعض أقاربها من السفر فأظهر قومها السرور ، والعجوز تبكى ، فقيل لها : ما يبكيك ؟ فقالت : ذكرنى قدوم هذا الفتى يوم القدوم على الله تعالى . وسئل ابن عطاء عن الشوق فقال : احتراق الأحشاء وتلهب القلوب وتقطع الأكباد . وسئل أيضاً عن الشوق ، فقيل له : الشوق أعلى أم المحبة ؟ فقال : المحبة ؛ لأن الشوق منها يتولد . (١) أى نقاداً عالماً . ٥٣٤ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) وقال بعضهم : الشوق لهيب ينشأ بين أثناء الحشى يسنح (١) عن الفرقة ، فإِذا وقع اللقاء طفى ء، وإذا كان الغالب على الأسرار مشاهدة المحبوب لم يطرقها الشوق. وقيل لبعضهم : هل تشتاق؟(٢) فقال: لا ، إنما الشوق إلى غائب، وهو حاضر .. سمعت الأستاذ أبى على الدقاق يقول فى قوله عز وجل: ((وعجلت إليك رب لترضى))(٣) قال: معناه: شوقاً إليك، فستره (٤) بلفظ ((الرضا)). وسمعته رحمه الله تعالى يقول : من علامات الشوق : تمنى الموت على بساط العوافى (٥)، كيوسف عليه السلام لما ألقى فى الجب لم يقل ((توفى)): ولما أدخل السجن لم يقل ((توفنى))؛ ولما دخل عليه أبواه وخر له الإخوة سجداً وتم له الملك والنعم قال: توفنى مسلماً))(٦) . وفى معناه أنشدوا: ليس إلا بكم يتم السرور نحن فى أكمل السرور ولكن أنكم غيب ، ونحن حضور عيب ما نحن فيه يا أهل ودى وفى معناه أنشدوا : فقد عدمت به (٧) السرورا من سره العيد الجديد كان السرور يتم لى لو كان أحبابى حضورا وقال ابن خفيف : الشوق : ارتياح القلوب بالوجد ، ومحبة اللقاء بالقرب . وقال أبو يزيد(٨): إن لله عباداً لو حجبهم فى الجنة عن رؤيته لاستغاثوا من الجنة كما يستغبث أهل النار من النار . أخبرنا محمد بن عبد الله الصوفى قال: أخبرنا أبو العباس الهاشمى؛ ((البيضاء)) قال : حدثنا محمدبن عبد الله الخزاعى قال: حدثنا عبد الله الأنصارى قال : سمعت (١) أى يظهر . (٢) أى إلى الله. (٣) آية ٨٤ من سورة طه . (٤) أى إلى الشوق . (٥) العوافى: جمع عافية . (٦) من أية ١٠١ سورة يوسف . (٧) أى فيه . (٨) البسطامى . ٥٣٥ ( باب الشوق ) الحسين الأنصارى يقول : رأيت فى النوم كأن القيامة قدقامت وشخص قائم تحت العرش فيقول الحق سبحانه: يا ملائكى ، من هذا؟ فقالوا : الله أعلم . فقال . هذا معروف الكرخى سكر من حبى فلا يفيق إلا بلقائى . وفى بعض الحكايات فى مثل هذا المنام أنه قيل : هذا معروف الكرخى خرج من الدنيا مشتاقاً إلى الله، فأباح الله عز وجل له النظر إليه . وقال فارس : قلوب المشتاقين منورة بنور الله تعالى ، فإِذا "تحرك اشتياقهم أضاء النور ما بين السماء والأرض، فيعرضهم الله على الملائكة فيقول: هؤلاء المشتاقون إلى ... أشهدكم أنى إليهم أشوق .. سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول فى قوله صلى الله عليه وسلم: ((أسألك الشوق إلى لقائك )) قال : كان الشوق مائة جزء ، تسعة وتسعون له ، وجزء متفرق فى الناس ، فأراد أن يكون ذلك الجزء له أيضاً ، فغار أن يكون شظية (١) من الشوق لغيره . وقيل : شوق أهل القرب أتم من شوق المحجوبين ؛ ولهذا قيل : وأبرح ما يكون الشوق يوماً إذا دنت الخيام من الخيام وقيل : إن المشتاقين يتحسون (٢) حلاوة الموت عند وروده ؛ لما قد كشف لهم من روح (٣) أوصول أحلى من الشهد . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت عبد الله بن على يقول : سمعت جعفر يقول : سمعت الجنيد يقول : سمعت السرى يقول : الشوق أجل مقام للعارف إذا تحقق (٤) فيه ، وإذا تحقق فى الشوق لها عن كل شىء يشغله عمن يشتاق إليه . وقال أبو عثمان الحبرى فى قوله تعالى: ((فان أجل اللّه لآت)) (٥) : هذا تعزية للمشتاقين (٦) ، معناه: أنى أعلم أن اشتياقكم إلى غالب، وأنا أجلت للقائكم أجلا ، وعن قريب يكون وصولكم إلى من تشتاقون إليه . (١) الشظية : القطعة والفلقة. (٢) التحسى : الشرب . (٣) أى راحة . (٤) أى تمكن . (٥) من آية ٥ سورة العنكبوت . (٦) وفى نسخة ((تعريض)): أى قصد به تعليلهم وراحتهم. ٥٣٦ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) وقيل : أوحى الله تعالى لداود عليه السلام: قل لشبان بنى إسرائيل لم تشغلون أنفسكم بغيرى وأنا مشتاق إليكم ؟ ماهذا الجفاء ! وقيل : أوحى الله عز وجل إلى داود عليه السلام: لو يعلم المدبرون عنى كيف انتظارى لهم ورفقى بهم وشوقى إلى ترك معاصيهم لماتوا شوقاً إلى ، وانقطعت أوصالهم من محبّى ، يا داود هذه إرادتى للمدبرين عنى ، فكيف إرادتى للمقبلين إلى ؟ . وقيل : مكتوب فى التوراة : شوقناكم فلم تشتاقوا ، وخوفناكم فلم تخافوا ، ونحنا لكم فلم تنوحوا . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول : بكى شعيب حتى عمى ، فرد الله عز وجل بصره عليه ، ثم بكى حتى عمى ، فرد الله عز وجل بصره عليه ، ثم بكى حتى عمى ، فأوحى الله تعالى إليه : إن كان هذا البكاء لأجل الجنة فقد أبحتها لك ، وإن كان لأجل النار فقد أجرتك منها ، فقال: لا ، بل شوقاً إليك فأوحى الله إليه : لأجل ذلك أخدمتك نبي وكليمى(١) عشر سنين . وقيل : من اشتاق إلى الله اشتاق إليه كل شىء (٢) . وفى الخبر: ((اشتاقت الجنة إلى ثلاثة: على، وعمار، وسلمان)). سمعت الأستاذ أبا على يقول : قال بعض المشايخ : أنا أدخل السوق والأشياء تشتاق إلى ، وأنا عن جميعها حر . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت عبد الله بن جعفر يقول : سمعت محمد بن عمر الرملى يقول : حدثنا محمد بن جعفر الإمام قال : حدثنا إسحاق ابن إبراهيم قال : حدثنا مرحوم قال : سمعت مالك بن دينار يقول : قرأت فى التوراة : شوقناكم فلم تشتاقوا ، وزمرنا لكم فلم ترقصوا . سمعت محمد بن عبد الله الصوفى يقول : سمعت محمد بن فرحان يقول : سمعت الجنيد ، وقد سئل من أى شىء يكون بكاء المحب إذا لقى المحبوب ؟ فقال : إنما يكون ذلك سروراً به ، ووجداً من شدة الشوق إليه ، ولقد بلغنى أن أخوين تعانقا ، فقال أحدهما: واشوقاه، وقال الآخر : واوجده ... (١) أى موسى عليه السلام. (٢) يؤيده الحديث السابق الذى أخرجه أحمد والبخارى ومسلم الترمذى والنسائى عن عائشة: ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ٠ ٠٠ ٢ . الباب الثانى والخمسون حفظ قلوب لمشايخ وترك الخلاف عليهم عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما أكرم شاب شيخا لسنه الا قيض الله تعالى له من يكرمه عند سنه ٠٠» ٥٣٨ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) باب حفظ قلوب المشايخ وترك الخلاف عليهم قال الله تعالى فى قصة موسى مع الخضر، عليهما السلام: (( هل أتبعك على أن تعلمنى مما علمت رشداً))(١). ! قال الإمام: لما أراد صحبة الخضر، حفظ شرط الأدب ؛ فاستأذن أولا فى ٤ الصحبة ، ثم شرط عليه الخضر أن لايعارضه فى شىء ولا يعترض عليه فى حكم ، ثم لما خالفه موسى عليه السلام تجاوز عنه المرة الأولى والثانية ، فلما صار إلى الثالثة، والثلاث آخر حد القلة وأول حد الكثرة، سامه الفرقة(٢)؛ فقال: ((هذا فراق بينى وبينك)) (٣) . أخبرنا أبو الحسين الإهوازى قال : حدثنا أحمد بن عبيد البصرى قال : حدثنا أبو سالم القزاز قال : حدثنا يزيد بن بيان قال : حدثنا أبو الرجال ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ما أكرم شاب شيخاً لسنه إلا قيض الله تعالى له من يكرمه عند سنه)) (٤). ٠ سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه الله يقول : بدء كل فرقة المخالفة . يعنى به : أن من خالف شيخه لم يبق على طريقته ، وانقطعت العلقه بينهما وإن جمعتهما البقعة ؛ فمن صحب شيخاً من الشيوخ ثم اعترض عليه بقلبه فقد نقض عهد الصحبة ، ووجبت عليه التوبة ، على أن الشيوخ قالوا : عقوق الأستاذين لا توبة عنها (٥). سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول: خرجت إلى ((مرو)) فى حياة شيخى الأستاذ أبى سهل الصعلوكى ، وكان له قبل خروجى أيام الجمعة بالغدوات مجلس دور (٦) القرآن والختم ، فوجدته عند رجوعى قد رفع ذلك المسجد، وعقد (١) آية ٦٦ من سورة الكهف . (٢) أى إراد الفرقة منه . (٣) من آية ٧٨ سورة الكهف . (٤) حديث صحيح أخرجه التر مذى عن أنس وقال حديث صحيح . (٥) الأولى أن يقول: ((عنه)). (٦) وفى نسخة (( درس)) . ٥٣٩ ( باب حفظ قلوب المشايخ وترك الخلاف عليها ) لأنى الغفانى فى ذلك الوقت مجلس القول ، فداخلنى من ذلك شيء ؛ فكنت أقول فى نفسى : قد استبدل مجلس الحتم بمجلس القول ، فقال لى يوماً يا أبا عبد الرحمن ، ما يقول الناس فى ؟ فقلت : يقولون رفع مجلس القرآن ووضع مجلس القول . . فقال : من قال لأستاذه لم؟ لايفلح أبداً، ومن المعروف أن الجنيد قال : دخلت على السرى يوماً فأمرنى شيئاً (١) ، فقضيت حاجته سريعاً ، فلما رجعت ناولنى رقعة وقال : هذا لمكان قضائك لحاجتى سريعاً ، فقرأت الرقعة ، فإذا فيها مكتوب « سمعت حادياً يحدو فى البادية : أبكى ، وهل يدريك ما يبكينى أبكى حذاراً أن تفارقينى وتقطعى حبلى وتهجرينى (٢) ويحكى عن أبى الحسن الهمدانى العلوى قال : كنت ليلة عند جعفر الخلدى ، وكنت أمرت فى بيتى أن يعلق (٣) طير فى التنور، وكان قلبى معه ، فقال لى جعفر: أقم عندنا الليلة ، فتعللت بشىء ، ورجعت إلى منزلى ، فأخرج الطير من التنور ، ووضع بين يدى ، فدخل كلب من الباب ، وحمل الطبر عند تغافل الحاضرين ، فأتى بـ ((الجواذب)) (٤) الذى تحته ، فتعلق به ذيل الخادمة ، فانصب .. فلما أصبحت دخلت على جعفر ، فحين وقع بصره على قال : من لم يحفظ قلوب المشايخ سلط عليه كلب يؤذيه . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت عبد الله بن على الطوسى يقول : سمعت أبا عبد الله الدينورى يقول : سمعت الحسن الدامغانى يقول : سمعت عمى البسطامى يحكى عن أبيه : أن شقيقاً البلخى ، وأبا تراب النخشبى ، قدما على أبى يزيد ، فقدمت السفرة ، وشاب يخدم أبا يزيد ، فقالا له : كل معنا يا فتى . فقال : أنا صائم . فقال أبو تراب : كل ولك أجر صوم شهر . فأبى . فقال شقيق : كل ولك أجر صوم سنة . فأبى . فقال أبو يزيد: تدعوا من سقط من عين الله تعالى .. فأخذ الشاب فى السرقة بعد سنة ، فقطعت يده . . (١) وفى نسخة ((بشى ء)) أى بقضاء حاجة له. (٢) قال الإمام الأنصارى : فالسرى علم من حال الجنيد أنه نال من معرفة الله ومحبته حالا رفيعة فدله على سبب حفظ الرقعة وأنه يبكى خوفاً من أن يبعده الله عنه . (٣) يطهى . (٤) قال الإمام العروسي : الجواذب: لعلها أشياء توضع فى أناء الطبخ تجذب ما فى اللحم من الدسم ونوكل مع الطعام بعد نضچه . ٥٤٠ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) سمعت الأستاذ أبا على يقول : وصف سهل بن عبد الله رجلا بالولاية (خبازاً بالبصرة) .. فسمع رجل من أصحاب سهل بن عبد اللّه ذلك ، فاشتاق إليه ؛ فخرج إلى البصرة، فأنّى حانوت الخباز .. فرآه يخبز وقد تنقب لمحاسنه (١) على عادة الخبازين ، فقال فى نفسه : لو كان هذا ولياً لم يحترق شعره بغير نقاب . ثم إنه سلم عليه وسأله شيئاً ، فقال الرجل : إنك استصغرتنى ، فلا تنتفع بكلامى ، وأبى أن يكلمه . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمع عبد الرحمن الرازى أبا عثمان الحبرى يصف محمد بن الفضل البلخى ومدحه ، فاشتاق إليه ، فخرج إلى زيارته ، فلم يقع بقلبه من محمد بن الفضل ما اعتقد، فرجع إلى أبى عثمان وسأله فقال : كيف وجدته ؟ فقال: لم أجده كما ظننت .. فقال: لأنك استصغرته . وما استصغر أحد أحداً إلا حرم فائدته ، ارجع إليه بالحرمة (٢) . فرجع إليه عبد الله فانتفع بزيارته . ومن المشهور أن عمر بن عثمان المكى رأى الحسين بن منصور يكتب شيئاً ، فقال : ماهذا ؟ فقال : هو ذا أعارض القرآن ، فدعا عليه وهجره ؛ قال الشيوخ : ان ما حل به بعد طول المدة كان لدعاء ذلك الشيخ عليه . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه الله تعالى ، يقول : لما نفى أهل بلخ محمد بن الفضل من البلد ؛ دعا عليهم وقال : اللهم امنعهم الصدق . فلم يخرج من بلخ بعده صديق . سمعت أحمد بن يحيى الأبيوردى يقول : من رضى عنه شيخه لا يكافأ فى حال حياته : لئلا يزول عن قلبه تعظيم ذلك الشيخ ، فاذا مات الشيخ أظهر الله عز وجل عليه ماهو جزاء رضاه ومن تغير عليه قلب شيخه لا يكافأ فى حل حياة ذلك الشيخ ، لئلا يرق له ، فانهم مجبولون على الكرم ، فاذا مات ذلك الشيخ . .، فحينئذ يجد المكافأة بعده . (١) أى وضع على وجهه وشعره نقاياً لحمايته من حرارة النار . (٢) أى الاحترام .