النص المفهرس
صفحات 481-500
٥٠١
( باب أحوالهم عند الخروج من الدنيا )
غير محتاج إلى السرج
كل بيت(١) أنت ساكنه
يوم يأتى الناس بالحجج
وجهك المأمول حجتنا
وحكى عن عبد الله بن منازل أنه قال : إن حمدون القصار أوصى إلى أصحابه
أن لايتركوه فى حال الموت بين النسوان .
وقيل لبشر الحافى ، وقد احتضر : كأنك يا أبا نصر تحب الحياة ؟
فقال : القدوم على الله ، عز وجل ، شديد .
وقيل : كان سفيان الثورى إذا قال له بعض أصحابه إذا سافر : أتأمر بشغل ..
يقول : إن وجدت الموت فاشتره لى .
فلما قربت وفاته كان يقول : كنا نتمناه .. فإذا هو شديد ..
وقيل : لما حضرت الحسن بن على بن أبى طالب الوفاة بكى فقيل له : ما يبكيك ؟
فقال : أقدم على سيد لم أره .
حے
ولما حضرت بلالا الوفاة قالت امرأته : وأحزناه . .
فقال : بل واطرباه .. غداً نلقى الأحبة محمداً وحزبه .
وقيل : فتح عبد الله بن المبارك عينيه عند الوفاة وضحك. وقال : لمثل هذا
فليعمل العاملون .
وقيل : كان مكحول الشامى الغالب عليه الحزن ، فدخلوا عليه فى مرض موته
وهو يضحك ، فقيل له فى ذلك ، فقال : ولم لا أضحك وقد دنا فراق ما كنت
أحذره ، وسرعة القدوم على ما (٢) كنت أرجوه وآمله .
وقال رويم : حضرت وفاة أبى سعيد الخراز ، وهو يقول فى آخر نفسه :
وتذكارهم وقت المناجاة للسر
حنين قلوب العارفين إلى الذكر
فأغفوا عن الدنيا كاغناء ذى السكر
أديرت كؤوس للمنايا عليهم
به أهل ود الله كالأنجم الزهر
همومهم جوالة بمعسكر
وأرواحهم فى الحجب نحو العلاتسرى
فأجسامهم فى الأرض قتلى بحبه
(١) يريد به قلب المؤمن .
(٢) وفى نسخة ((من)).]
٥٠٢
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى)
صري-ے
وما عرجوا عن مس بؤس ولاضر
فما عرسوا(١) إلا بقرب حبيبهم
وقيل للجنيد : إن أبا سعيد الخراز كان كثير التواجد عند الموت . فقال : لم
يكن بعجيب أن تطير روحه اشتياقاً .
وقال بعضهم وقد قربت وفاته : ياغلام اشدد كنافى وعفر خدى ، ثم قال :
دنا الرحيل ولا براءة لى من ذنب ، ولا عذر أعتذر به ، ولا قوة أنتصر بها ..
أنت لى ، أنت لى ..
ثم صاح صيحة ومات ، فسمعوا صوتاً (٢): استكان العبد لمولاه، فقبله)).
وقيل لذى النون المصرى عند موته : ما تشتهى ؟ قال أن أعرفه قبل موتى
بلحظة .
وقيل لبعضهم وهو فى النزع : قل الله، فقال : إلى متى تقولون : قل اللّه،
وأنا محترق بالله ؟ ..
وقال بعضهم : كنت عند ممشاد الدينورى ، فقدم فقير وقال السلام عليكم ،
فردوا عليه السلام ، فقال: هل هنا موضع نظيف يمكن الإنسان أن يموت فيه ؟
فأشاروا عليه بمكان ، وكان ثم عين ماء .. فجدد الفقير الوضوء وركع ماشاء الله
تعالى ، ومضى إلى المكان الذى أشاروا إليه .. ومد رجليه ، ومات .
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : كان أبو العباس الدينورى يتكلم
يوماً فى مجلسه .. فصاحت امرأة تراجداً، فقال لها: موتى ... فقامت المرأة
فلما بلغت باب الدار التفتت إليه وقالت : قدمت . ووقعت ميتة .
وقال بعضهم : كنت عند ممشاد الدينورى عند وفاته ، فقيل له : كيف تجد
العلة ؟ .
فقال سلوا العلة عنى كيف تجدنى ، فقيل له . قل لا إله إلا الله . فحول وجهه
إلى الجدار وقال: أفنيت كلى بكلك هذا جزاء من يحبك .
وقيل لأبى محمد الدبيلى ، وقد حضرته الوفاة ، قل : لا إله إلا الله.
فقال هذا شىء قد عرفناه ، وبه نفنى ، تم أنشأ يقول :
(١) أى نزلوا فى سفرهم .
(٢) لقائل يقول .
٥٠٣
( باب أحوالهم عند الخروج من الدنيا )
تسربل ثوب النية لما هويته وصد ولم يرض بأن أك عبده
وقيل للشبلى عند وفاته : قل لا إله إلا الله . فقال :
أنا لا أقبل الرشا
قال سلطان حبه
فسلوه بحقه (١)
لم بقتلى تحرشا
سمعت محمد بن أحمد الصوفى يقول : سمعت عبد الله بن على التميمى يقول :
سمعت أحمد بن عطاء يقول : سمعت بعض الفقراء يقول : لما مات (٢) يحيى
الاصطخرى جلسنا حوله ، فقال له رجل منا : قل أشهد أن لا إله إلا الله، فجلس
مستوياً .. ثم أخذ بيد واحد منا ، وقال له: قل أشهد أن لا إله إلا الله .. ثم أخذ
بيد آخر .. حتى عرض الشهادة على جميع الحاضرين ، ثم مات .
ويحكى عن فاطمة أخت أبى على الروذبارى ، أنها قالت : لما قرب أجل أخى
أبى على الروذبارى ، وكان رأسه فى حجرى ، فتح عينيه ، وقال : هذه أبواب
السماء قد فتحت .. وهذه الجنان قد زينت ، وهذا قائل يقول لى : يا أبا على قد
بلغناك الرتبة القصوى وإن لم تردها .. ثم أنشأ يقول :
بعين مودة حتى أراكا
وحقك لانظرت إلى سواكا
وبالحد المورد من جناكا
أراك معذبى بفتور لحظ
ثم قال : يافاطمة ، الأول (٣) ظاهر، والثانى فيه إشكال (٤).
سمعت بعض الفقراء يقول : لما قربت وفاة أحمد بن نصر ، رحمه الله تعالى ،
فال له واحد : قل أشهد أن لا إله إلا الله فنظر إليه وقال له : لاتترك الحرمة (٥)
(بالفارسية ((بى حرمتى مكن))) .
وقال بعضهم : رأيت فقيراً يجود بنفسه غريباً .. والذباب على وجهه ، فيجلست
أذب الذباب عن وجهه .. ففتح عينيه ، وقال : من هذا ؟ أنا منذ كذا سنة فى طلب
وقت يصفو لى فلم يتفق إلا الآن .. جئت أنت توقع نفسك فيه ، مر ، عافاك الله.
(١) وفى نسخة ((فديته)).
(٢) أى أشرف على الموت .
(٣) من البيتين .
(٤) أى على من لم يعرف المراد به ويتوهم أنه راحع إلى ربه .
(٥) أى الاحترام .
٥٠٤
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
وقال : أبو عمران الأصطخرى : رأيت أبا تراب فى البادية قائماً ميتاً لا تمسكه
شىء .
سمعت أبا حاتم السجستانى يقول : سمعت أبا نصر السراج يقول كان سبب
وفاة أبى الحسين النورى أنه سمع هذا البيت .
لازلت أنزل فى ودادك منزلا تتحير الألباب عند نزوله
فتواجد النودى وهام فى الصحراء فوقع فى أجمه قصب قد قطعت وبقى
أصولها مثل السيوف ، فكان يمشى عليها ويعيد هذا البيت إلى الغداة والدم يسيل
من رجليه .. ثم وقع مثل السكران ، فتورمت قدماه . ومات .
وحكى أنه قيل له عند النزع : قل لا إله إلا الله، فقال أليس إليه أعود.
وقيل: مرض إبراهيم الخواص فى المسجد الجامع: ((بالرى)) وكانت به علة
الإسهال ، فكان إذا قام مجلساً يدخل الماء .. ويتوضأ . فدخل الماء مرة فخرجت
روحه .
سمعت منصوراً المغربى يقول : دخل عليه(١) يوسف بن الحسين عائداً له
بعد ما أتى عليه أيام لم يعده ، ولم يتعهده ، فلما رآه ، قال للخواص : أتشتهى
" شيئاً ؟
قال : نعم . قطعة كبد مشوى .
قال الأستاذ أبو القاسم: لعل الإشارة فيه أنه أراد: أشتهى قلباً يرقى لفقير ،
وكبدا تشتوى وتحترق لغريب ؛ لأنه كالمستجفى ليوسف بن الحسين ؛ حيث لم
يتعهده .
وقيل : كان سبب موت بن عطاء أنه أدخل مرة على الوزير ، فكلمه الوزير
بكلام غليظ .
فقال له ابن عطاء : اهدأ يا رجل . . فأمر . فضرب بخفه على رأسه فمات
منه (٢).
سمعت محمد بن أحمد بن محمد الصوفى يقول : سمعت عبد الله بن على التميمى
يقول : سمعت أبا بكر الدقى يقول : كنا عند أبى بكر الزقاق بالغداة ، فقال :
(١) أى على الخواص فى مرسه .
(٢) وفى نسخه ((حتى مات)).
٥٠٥
( باب أحوالهم عند الخروج من الدنيا )
إلهى، كم تبقينى هاهنا ؟! فما بلغ الغداة الأولى حتى مات
وحكى عن أبى على الروذبارى أنه قال : رأيت فى البادية حدثاً، فلما رآنى
قال : أما يكفيه أن شغفنى /بحبه حتى على ، ثم رأيته يجود بروحه ، فقلت له :
قل لا إله إلا اللّه ، فأنشأ يقول :
وإن عذبني بد
أيا من ليس لى عنه
منالا ما له حد
ويا من نال من قلبي
وقيل للجنيد : قل لا إله إلا اللّه، فقال: ما نسيته فأذكره .. وقال:
لست أنساه فأذكره
حاضر فى القلب يعمره
ونضيبى منه أوفره
فهو مولاى ومعتمدى
سمعت محمد بن أحمد بن محمد الصوفى يقول : سمعت عبد الله بن على التميمى
يقول : سألت جعفر بن نصير بكران الدينورى ، وكان يخدم الشبلى ، ما الذى
رأيت منه ؟ فقال : قال لى على درهم مظلمة ، وقد تصدقت عن صاحبه بألوف ،
فما على قلبى شغل أعظم منه ، ثم قال : وضئنى للصلاة ، ففعلت ، فنسيت تخليل
ليته ، وقد أمسك على لسانه ، فقبض على يدى وأدخلها فى لحيته ، ثم مات ،
فبكى جعفر وقال : ما تقولون فى رجل لم يفته حتى فى آخر عمره أدب من آداب
الشريعة .
سمعت عبد الله بن يوسف الأصبهانى يقول: سمعت أبا الحسن بن عبد الله
الطرسوسي يقول : سمعت علوشاً الدينورى يقول : سمعت المزين الكبير يقول :
كنت بمكة ـ حرسها الله تعالى - فوقع ابى انزعاج . فخرجت أريد المدينة . فلما
وصلت إلى بئر ميمونة إذا أنا بشاب مطروح ؛ فعدلت إليه وهو ينزع ؛ فقلت له :
قل لا إله إلا الله .. ففتح عينيه ؛ وأنشأ يقول:
وبداء الهوى تموت الكرام
أنا إن مت فالهوى حشو قلبى
فشهق شهقة ، ثم مات ، فغسلته ، وكفنته ، وصليت عليه ، فلما فرغت من
دفنه سكن ما كان بى من لإرادة السفر ، فرجعت إلى مكة .
وقيل لبعضهم : أتحب الموت ؟ فقال : القدوم على من يرجى خيره خير من
البقاء مع من لايؤمن شره .
٥٠٦
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
وحكى عن الجنيد أنه قال : كنت عند أستاذى ابن الكرنى ، وهو يجود
بنفسه، فنظرت إلى السماء (١) فقال:"بعد، ثم نظرت إلى الأرض فقال: بعد ،
يعنى : أنه أقرب إليك من أن تنظر إلى السماء أو إلى الأرض، بل هو وراء المكان (٢).
سمعت أبا حاتم السجستانى يقول : سمعت أبا نصر الطوسى يقول : سمعت
بعض أصحابنا يقول : قال أبو يزيد عند موته: ما ذكرتك إلا عن غفلة ، ولا قبضتنى
إلا على فيرة .
سمعت أبا حاتم السجستانى يقول : سمعت أبا نصر السراج يقول : سمعت
الوجيهى يقول : سمعت أبا على الروذبارى يقول : دخلت مصر فرأيت الناس
مجتمعين ، فقالوا : كنا فى جنازة فتى سمع قائلا يقول :
.· كبرت همة عبد. طمعت فى أن تراكا
فشهق شهقة ومات .
وقيل : دخل جماعة على ((ممشاد الدينورى)) فى مرض موته ، فقالوا: ما فعل
اللّه بك وما صنع ؟ فقال : منذ ثلاثين سنة تعرض على الجنة بما فيها فما أعرتها
طرفى ، وقالوا له عند النزع : كيف تجد قلبك ؟ فقال : منذ ثلاثين سنة فقدت
قلبى .
، سمعت محمد بن أحمد بن محمد الصوفى يقول: سمعت عبد الله بن على التميمى
يقول : قال الوجيهى : كان سبب موت ابن بنان أنه ورد على قلبه شىء ، فهام على
وجهه ، فلحقوه فى وسط متاهة بنى إسرائيل فى الرمل ، ففتح عينيه وقال : ارتع (٢) ،
فهذا مرتع الأحباب . وخرجت روحه .
وقال أبو يعقوب النهرجورى : كنت مكة ، فجاءنى فقير معه دينار ، فقال :
إذا كان غداً فأنا أموت ، فأصلح لى بنصف هذا قبراً ، والنصف الثانى لجهازى .
فقلت فى نفسى : دوخل الشاب (٤) ؛ فانه قد أصابته فاقة الحجاز ، فلما كان الغد
جاء ؛ ودخل الطواف ، ثم مضى وامتد على الأرض ، فقلت : هو ذا يتماوت ،
فذهبت إليه ، فحركته فاذا هو ميت . فدفنته كما أمر . .
" (١) أى داعياً له .
(٢) أى تنعم وتلدة .
(٢) أى قبل المكان .
(٤) أي حولط في عقله.
٥٠٧
( باب أحوالهم عند الخروج من الدنيا )
٤ . وقيل : لما تغيرت الحال على أبى عثمان الحبرى مزق ابنه أبوبكر قميصاً ففتح
أبو عثمان عينيه وقال: يا بنى. إن خلاف السنة فى الظاهر من رياء فى الباطن.
وقيل : دخل ابن عطاء على الجنيد . وهو يجود بنفسه ؛ فسلم . فأبطأ فى
الجواب ، ثم رد ، وقال : اعذرنى ، فلقد كنت فى وردى ، ثم مات .
وحكى أبو على الروذبارى قال: قدم علينا فقير ، فمات ، فدفنته وكشفت(١)
عن وجهه لأضعه فى التراب ليرجم الله عز وجل غربته . ففتح عينيه وقال : يا أبا
على ، أتدلى (٢) بين يدى من دللى ؟ . فقلت : يا سيدى أحياة بعد موت؟ فقال لى :
بلى أنا حى ، وكل محب لله ، عز وجل ، حتى لأنصرنك غداً بجاهی يا روذبارى .
ويحكى عن ابن سهل الأصفهانى أنه قال : أترون أنى أموت كما يموت الناس ،
مرض وعيادة ، وإنما أدعى ، فيقال : يا على ، فأجيب .
فكان يمشى يوماً، فقال: ((لبيك)). ومات .
سمعت محمد بن عبد الله الصوفى يقول : سمعت أبا عبد الله بن خفيف يقول
سمعت أبا الحسن المزين قال : لما مرض أبو يعقوب النهرجورى مرض وفاته ،
قلت له ، وهو فى النزع: قل لا إله إلا الله، فتبسم إلى وقال : إياى تعنى ؟ وعزة
من لايذوق الموت ما بينى وبينه إلا حجاب العزة . وانطفأ من ساعته ، فكان المزين
يأخذ بلحيته(٣) ويقول : حجام مثلى يلقن أولياء الله الشهادة ، واخجلتاه منه ..
وكان يبكى إذا ذكر هذه الحكاية .
وقال أبوحسين المالكى : كنت أصحب خيراً النساج سنين كثيرة ، فقال لى
قبل موته بثمانية أيام : أنا أموت يوم الخميس وقت المغرب، وأدفن يوم الجمعة قبل
الصلاة ، وستنسى هذا ، فلا تنس .
قال أبو الحسين : فأنسيته إلى يوم الجمعة فلقينى من أخبرنى بموته ، فخرجت
لأحضر جنازته ، فوجدت الناس راجعين يقولون : يدفن بعد الصلاة .
فلم أنصرف ، وحضرت ، فوجدت الجنازة قد أخرجت قبل الصلاة كما قال ،
فسألت من حضر وفاته ، فقال : إنه غشى عليه ، ثم أفاق ، ثم التفت إلى ناحية
البيت وقال :
(١) فى القبر .
(٣) بلحبة نفسه
(٢) أتكرنى .
٥٠٨
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى)
قف عافاك الله ، فانما أنت عبد مأمور وأنا عبد مأمور ، الذى أمرت به
لايفوتك ، والذى أمرت به يفوتنى ؛ فدعا بماء فجدد وضوءه وصلى ، ثم تمدد ،
وغمض عينيه ، فرؤى فى المنام بعد موته ، فقيل له : كيف حالك ؟ فقال : لا تسل ،
ولكنى تخلصت من دنياكم الوضرة .
وذكر أبو الحسن الحمصى (١) ((مصنف كتاب بهجة الأسرار)) أنه لما مات
سهل بن عبد الله انكب الناس على جنازته ، وكان فى البلد يهودى نيف على السبعين،
فسمع الضجة ، فخرج لينظر ما كان ، فلما نظر إلى الجنازة صاح وقال : أترون
ما أرى؟ فقالوا : لا ، ماذا ترى؟ فقال أرى أقواماً ينزلون من السماء يتمسحون
بالجنازة ، ثم إنه تشهد ، وأسلم ، وحسن إسلامه .
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول: سمعت منصور بن عبد الله .
يقول : سمعت أبا جعفر بن قيس - بمصر - يقول : سمعت أبا سعيد الخراز يقول :
كنت بمكة فجزت يوماً بباب ((بنى شيبة )) فرأيت شاباً حسن الوجه ميتاً ، فنظرت
فى وجهه فتبسم فى وجهى وقال إلى : يا أبا سعيد ، أماعلمت أن الأحباء أحياء وإن ؟
ماتوا ، وإنما ينقلون من دار إلى دار .
وسمعته يقول : سمعت أبا بكر الرازى يقول : سمعت الجريرى يقول : بلغنى
أنه قيل لذى النون المصرى عند النزع : أوصنا . فقال : لا تشغلونى فانى متعجب
من محاسن لطفه .
وسمعته يقول : سمعت عبد الله بن محمد الرازى يقول : سمعت أبا عثمان
الخيرى يقول : سئل أبو حفص فى حال وفاته : ما الذى تعظنا به ؟ فقال : لست أقوى
علىّ القول ، ثم رأى من نفسه قوة ، فقلت له : قل حتى أحكى عنك .
فقال : موعظّى : الانكسار بكل القلب على التقصير .
(١) ابن جهم .
الباب التاسع والأربعون
المعرفة بايته
« ان دعامة البيت أساسه ٠٠ ودعاء4
الدين المعرفة بالله تعالى ٠٠))
٥١٠
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
باب المعرفة بالله
قال الله تعالى: ((وما قدروا الله حق قدره)) (١) . جاء فى التفسير: وما عرفوا
الله حق معرفته .
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللّه العدل ، قال : حدثنا محمد بن القاسم
العتكى ، قال : حدثنى محمد بن أشرس ، قال : حدثنا سليمان بن عيسى الشجرى
عن عباد بن كثير ، عن حنظلة بن أبى سفيان ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة
رضى الله عنها ، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
((إن دعامة البيت أساسه، ودعامة الدين المعرفة بالله تعالى، واليقين والعقل ؟
القامع فقلت: بأبى أنت وأمى ما العقل القامع ؟ قال الكف عن معاصى الله، والحرص*
على طاعة الله)).
قال الأستاذ : المعرفة على لسان العلماء هو : العلم ؛ فكل علم معرفة ؛ وكل
معرفة علم ؛ وكل عالم باللّه عارف ؛ وكل عارف عالم ، وعند هؤلاء القوم المعرفة :
صفة من عرف الحق سبحانه بأسمائه وصفاته ؛ ثم صدق الله تعالى فى معاملاته ؛
ثم تنقى عن أخلاقه الرديئة وآفاته ؛ ثم طال بالباب وقوفه ودام بالقلب اعتكافه
فحظى من الله تعالى بجميل إقباله وصدق الله فى جميع أحواله ؛ وانقطع عنه هواجس
نفسه ؛ ولم يصغ بقلبه إلى خاطر يدعوه إلى غيره ؛ فاذا صار من الخلق أجنبياً
ومن آفات نفسه برياً؛ ومن المساكنات والملاحظات نقياً ؛ ودام فى السر مع الله
تعالى مناجاته، وحق فى كل لحظة إليه رجوعه وصار محدثاً (٢) من قبل الحق سبحانه
بتعريف أسراره فيما يجريه من تصاريف أقداره يسمى عند ذلك ((عارفاً)) وتسمى
حالته ((معرفة)) .
وبالجملة فبمقدار أجنبيته عن نفسه تحصل معرفته بربه .
وقد تكلم المشايخ فى المعرفة ، فكل نطق بما وقع له ؛ وأشار إلى ما وجده
فى وقته .
١
(١) آية ٩١ من سورة الأنعام.
(٢) أى ملهماً .
٥١١
( باب المعرفة بالله )
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه الله يقول : من أمارات المعرفة بالله
حصول الهيبة من الله ، فمن ازدادت معرفته ازدادت هيبته .
وسمعته يقول : المعرفة توجب السكينة فى القلب كما أن العلم يوجب السكون
فمن ازدادت معرفته ازدادت سكينته .
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت أحمد بن محمد بن زيد
يقول : سمعت الشبلى يقول : ليس لعارف علاقة(١)، ولا لمحب شكوى ، ولا لعبد
دعوى ، ولا لخائف قرار ، ولا لأحد من اللّه فرار .
وسمعته يقول : سمعت محمد بن محمد بن عبد الوهاب يقول : سمعت الشبلى
يقول ، وقد سئل عن المعرفة ، فقال : أولها اللّه تعالى، وآخرها مالا نهاية له .
وسمعته يقول : سمعت أبى يقول : سمعت أبا العباس الدينورى يقول : قال
أبو حفص :
مذ عرفت الله تعالى مادخل قلبى حق ولا باطل .
قال الأستاذ أبو القاسم : وهذا الذى أطلقه أبو حفص فيه طرف من الإشكال،
وأجل ما يحتمله : أن عند القوم المعرفة توجب غيبة العبد عن نفسه ، الإستيلاء
ذكر الحق ؛ سبحانه ، عليه ، فلا يشهد غير الله ، عز وجل ، ولا يرجع إلى
غيره إلى غيره ، فكما أن العقل يرجع إلى قلبه وتفكره وتذكره فيما يسنح له من
أمّر ، أو يستقبله من حال ؛ فالعارف رجوعه إلى ربه . فاذا لم يكن مشتغلا إلا بربه
لم يكن راجعاً إلى قلبه . وكيف يدخل المعنى قلب من لاقلب له . وفرق بين من
عاش بقلبه وبين من عاش بربه عز وجل .
وسئل أبو يزيد عن المعرفة ، فقال :
((إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة))(٢).
قال الأستاذ : هذا معنى ما أشار إليه أبوحفص .
وقال أبو يزيد : للخلق أحوال ، ولاحال للعارف ؛ لأنه محيت رسومه (٣)
وفنيت هويته بهوية غيره(٤) . وغيبت آثاره بآثار غيره .
(١) أى. حظ .
(٢) آثاره .
(٣) آية ٣٤ من سورة النمل .
(٤) أى وجوده فى وجود الله .
٥١٢
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للأمام القشيرى )
3- عدم وقال الواسطى : لاتصح المعرفة وفى العبد استغناء باللّه وافتقار إليه .
قال الأستاذ : أراد الواسطى بهذا : أن الافتقار والاستغناء من أمارات صحو
العبد وبقاء رسومه ؛ لأنهما من صفاته ، والعارف محو فى معروفه (١)؛ فكيف
بصيح له ذلك ، وهو لاستهلاكه فى وجوده ، أولاستغراقه فى شهوده إن لم يبلغ
الوجود مختطف (٢) عن إحساسه بكل وصف هو له .
ولهذا قال الواسطى أيضاً : من عرف الله تعالى انقطع ، بل خرس وانقمع .
قال صلى الله عليه وسلم :
(( لا أحصى ثناءاً عليك)).
هذه صفات الذين بعدمرماهم ، فأما من نزلوا عن هذا الحد فقد تكلموا فى
المعرفة وأكثروا .
٠
أخبرنا محمد بن الحسين قال حدثنا أبو جعفر محمد بن احمد بن سعيد الرازى
قال : حدثنا عياش بن حمزة قال : سمعت أحمد بن أبى الحوارى قال : سمعت
أحمد بن عاصم الأنطاكى يقول :"من كان باللّه أعرف كان له أخوف.
وقال بعضهم : من عرف الله تعالى تبرم بالبقاء ، وضاقت عليه الدنيا بسعتها .
وقيل : من عرف اللّه صفا له العيش ، وطابت له الحياة ، وهابه كل شىء ،
وذهب عنه خوف المخلوقين، وأنس بالله تعالى .
وقيل : من عرف اللّه ذهب عنه رغبة الأشياء ، وكان بلا فصل ولا وصل .
وقيل : المعرفة توجب الحياء والتعظيم ، كما أن التوحيد يوجب الرضا
والتسليم .
وقال رويم : المعرفة للعارف مرآة إذا نظر فيها تجلى له مولاه .
وقال ذو النون المصرى : ركضت أرواح الأنبياء فى ميدان المعرفة فسبقت
روح نبينا ، صلى الله عليه وسلم، أرواح الأنبياء عليهم السلام إلى روضة الوصال .
وقال ذو النون المصرى : معاشرة للعارف كمعاشرة الله تعالى يحتملك ويحلم
عنك ، تخلقاً بأخلاق اللّه .
(١) وهو الله.
(٢) مغيب .
٥١٣
( باب المعرفة بالله )
وسئل بن يزدانيار : متى يشهد العارف الحق سبحانه ؟ فقال : إذا بدا الشاهد
وفى الشواهد(١) وذهب الحواس واضمحل الإخلاص .
وقال الحسين بن منصور : إذا بلغ العبد إلى مقام المعرفة أوحى(٢) اللّه إليه
بخواطره ، وحرس سره أن يسنح فيه غير خاطر الحق .
وقال : علامة العارف أن يكون فارغاً من الدنيا والآخرة .
وقال سهل بن عبد الله : المعرفة غايتها شيئان الدهش ، والحيرة .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمد بن أحمد بن سعيد يقول : سمعت
محمد بن أحمد بن سهل يقوّل: سمعت سعيد بن عثمان يقول : سمعت ذا النون المصرى
يقول : أعرف الناس بالله تعالى أشدهم تحيراً فيه .
وسمعته يقول : سمعت أبا بكر الرازى يقول : سمعت أبا عمر الأنطاكى
يقول : قال رجل للجنيد : من أهل المعرفة أقوام يقولون إن ترك الحركات(٣) من
باب البر والتقوى .
فقال الجنيد : إن هذا قول قوم تكلموا باسقاط الأعمال ، وهو عندى عظيم ،
والذى يسرق ويزنى أحس حالا من الذى يقول هذا ؛ فان العارفين باللّه أخذوا
الأعمال عن الله تعالى، وإلى الله رجعوا فيها ، ولو بقت ألف عام لم أنقص من
أعمال البر ذرة .
وقيل لأبى يزيد : بماذا وجدت (٤) هذه المعرفة ؟
فقال : ببطن جائع وبدن عار .
وقال أبو يعقوب النهرجورى : قلت لأبى يعقوب السوسى هل يتأسف العارف
على شىء غير اللّه عز وجل ؟ فقال : وهل يرى غيره فيتأسف عليه ؟ .
قلت : فبأى عين ينظر إلى الأشياء ؟ فقال : بعين الفناء والزوال .
وقال أبو يزيد : العارف طيار (٥) ، والزاهد سيار.
(١) الإدراكات .
(٢) الهم .
(٣) أى الأعمال ، كالصلاة والصوم .
(٤) فلت .
(٥) سريع الرجوع إلى الله .
٥١٤
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
وقيل : العارف تبكى عينه ويضحك قلبه .
وقال الجنيد : لا يكون العارف عارفاً حتى يكون كالأرض يطؤه(١) البر
والفاجر ، وكالسحاب يظل كل شىء ، وكالمطر ، يسقى ما يحب ، ومالا يحب .
وقال يحيى بن معاذ : يخرج العارف من الدنيا ولا يقضى وطره من شيئين
بكاؤه على نفسه ، وثناؤه على ربه ، عز وجل .
وقال أبو يزيد : إنما نالوا المعرفة بتضييع مالهم والوقوف مع ماله .
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت أبا الحسين الفارسى
يقول : سمعت يوسف بن على يقول : لا يكون العارف عارفاً حقاً حتى لو أعطى
مثل ملك سليمان عليه السلام لم يشغله عن اللّه طرفة عين .
وسمعته يقول : سمعت أبا الحسين الفارسى يقول : سمعت ابن عطاء يقول :
المعرفة على ثلاثة أركان : الهيبة ، والحياء ، والأنس .
وسمعته يقول : سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول : سمعت يوسف
ابن الحسين يقول : قيل لذى النون المصرى : بم عرفت ربك ؟ قال : عرفت ربى
ولولا ربى لماعرفت ربى .
وقيل : العالم يقتدى به ، والعارف يهتدى به .
وقال الشبلى : العارف لا يكون لغيره لاحظاً ، ولا بكلام غيره لافظاً ، ولا
يرى لنفسه غير الله تعالى حافظاً .
وقيل : العارف أنس بذكر اللّه فأوحشه من خلقه، وافتقر إلى اللّه فأغناه عن
خلقه ، وذل الله تعالى فأعزه فى خلقه .
وقال أبو الطيب السامرى : المعرفة طلوع الحق على الأسرار بمواصلة الأنوار .
وقيل : العارف فوق ما يقول ، والعالم دون ما يقول .
وقال أبو سليمان الدارانى: إن الله تعالى يفتح للعارف وهو على فراشه مالا يفتح
لغيره وهو قائم يصلى .
وقال الجنيد : العارف من نطق الحق عن سره وهو ساكت .
(١) وفى نسخة يطوُّها.
٥١٥
( بنى المعرفة بالله )
وقال ذو النون : لكل شىء عقوبة ، وعقوبة العارف{ انقطاعه عن ذكر الله
تعالى .
سمعت أبا حاتم السجستانى يقول : سمعت أبا نصر السراج يقول : سمعت
الوجيهى يقول : سمعت أبا على الروذبارى يقول : سمعت رويماً يقول: رياء العارفين
أفضل من إخلاص المريدين .
وقال أبو بكر الوراق : سكوت العارف أنفع ، وكلامه أشهى وأطيب .
وقال ذو النون : الزهاد ملوك الآخرة وهم فقراء العارفين .
وسئل الجنيد عن العارف ، فقال : لون الماء لون إنائه ( يعنى أنه بحكم وقته).
وسئل أبو يزيد عن العارف ، فقال : لا يرى فى نومه غير الله ، ولا فى يقظته
غير اللّه، ولا يوافق غير الله، ولا يطالع غير الله تعالى.
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت عبد الله بن محمد الدمشقى يقول :
سئل بعض المشايخ : بم عرفت الله تعالى ؟
فقال : بلمعة لمعت بلسان مأخوذ عن التمييز المعهود ، ولفظة جرت على لسان
مفقود ، يشير (١) إلى وجد ظاهر ويخبر عن سر ساتر هو هو بما أظهره ، وغيره
ما أشكله (٢) ثم أنشد:
لك النطق لفظاً أو يبين (٣) عن النطق
نطقت بلا نطق هو النطق إنه
وألمعت (٦) لى برقاً فأنطفت بالبرق
تراءيت کی أخفى (٤)وقد كنت خافياً(٥)
وسمعته يقول : سمعت على بن بندار الصير فى يقول : سمعت الجريرى يقول:
سئل أبو تراب عن صفة العارف ، فقال : الذى لا يكدره شىء ، ويصفو به كل
شىء .
وسمعته يقول : سمعت أبا عثمان المغربى يقول : العارف تضىء له أنوار العلم
فيبصر به عجائب الغيب .
(١) أى هذا القائل
(٢) أشكل أى ستره .
(٣) يظهر .
(٤) عن غيرك .
(٥) غنى .
(٦) أظهرت .
٠٥١٦
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول : العارف مستهلك (١) فى بحار التحقيق
كما قال قائلهم : المعرفة أمواج تغط . ترفع وتحط .
وسئل يحيى بن معاذ عن العارف ، فقال : رجل كائن بائن (٢) ، ومرة قال :
كان فبان(٣).
وقال ذو النون : علامة العارف ثلاثة : لا يطفى ء نور معرفته نور ورعه ،
ولا يعتقد باطنا من العلم ينقض عليه ظاهراً من الحكم ، ولا تحمله كثرة نعم الله
عز وجل ، عليه على هتك أستار محارم الله .
وقيل : ليس بعارف من وصف المعرفة عند أبناء الآخرة ، فكيف عند أبناء
الدنيا ؟ .
وقال أبو سعيد الحراز : المعرفة تأتى من عين الجود وبذل المجهود .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمد بن عبد الله يقول : سمعت جعفرا
يقول : سئل الجنيد عن قول ذى النون المصرى فى صفة العارف .
((كان هاهنا فذهب)) فقال الجنيد : العارف : لا يحصره حال عن حال (٤)،
ولا يحجبه منزل عن التنقل فى المنازل ، فهو مع أهل كل مكان يمثل الذى هو فيه
يجد مثل الذى يجدون ، وينطق فيها بمعالمها (٥) لينتفعوا بها .
وسمعته يقول : سمعت عبد اللّه الرازى يقول : سمعت محمد بن الفضل يقول:
المعرفة حياة القلب مع اللّه تعالى .
وسمعته يقول : سمعت أحمد بن على بن جعفر يقول : سمعت الكتانى يقول :
سئل أبو سعيد الخراز : هل يصير العارف إلى حل يجفو (٦) عليه البكاء ؟
فقال: نعم ، إنما البكاء فى أوقات سيرهم إلى الله تعالى ، فاذا نزلوا إلى حقائق
القرب وذاقوا طعم الوصول من بره زال عنهم ذلك .
(١) غارق.
(٢) أى كائن مع الخلق بمدنه بعيد ظعنهم بقلبه .
(٣) أى وعبر مرة أحرى عن العارف بقوله : كان أى مع الحلق فباى أى ممارقهم .
(٤) أى لا يعبد بحال معين .
(٥) بأمارانها .
(٦) يحفو أى ببعد .
الباب الخمسون
المحبة
قيل: ((أوحى الله الى عيسى عليهالسلام
انى اذا اطلعت على قلب عبد فلم أجد
فيه حب الدنيا والآخرة ملأته من حبى .))
٥١٨
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
باب المحبة
قال الله عز وجل: ((يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله
بقوم یحبهم ويحبونه))(١) .
أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسين قال : حدثنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق
قال : حدثنا السلمى قال : حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام بن منبه ، عن
أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن لم يحب لقاء الله لم يحب (٢) اللّه لقاءه))
أخبرنا أبو الحسن على بن أحمد بن عبدان قال : حدثنا أحمد بن عبيد الصفار
البصرى قال : حدثنا عبد الله بن أيوب قا: حدثنا الحسن بن موسى قال : حدثنا الهيثم
ابن خارجة قال : حدثنا أحسن بن يحيى عن صدقة الدمشقى ، عن هشام الكتانى ،
عن أنس بن مالك ، عن النبى صلى الله عليه وسلم ، عن جبريل عليه السلام ، عن
ربه سبحانه وتعالى قال :
((من أهان ولياً فقد بارزنى بالمحاربة ، وما ترددت فى شىء كترددى فى قبض
نفس عبدى المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ، ولا بد له منه ، وما تقرب إلى
عبدى بشىء أحب إلى من أداء ما افترضت عليه ، ولا يزال عبدى يتقرب إلى
بالنوافل حتى أحبه ، ومن أحببته كنت له سمعاً وبصراً ويداً ومؤيداً))(٣).
أخبرنا على بن أحمد بن عبدان قال : أخبر نا أحمد بن عبيد قال : حدثنا عبيد
ابن شريك قال : أخبرنا يحيى ، قال : حدثنا مالك ، عن سهيل بن أبى صالح ، عن
أبيه ، عن أبى هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال :
(١) آية ٥٤ من سورة المائدة .
(٢) وفى رواية ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه والحديث أخرجه أحمد فى مسنده والبخارى ومسلم فى صحيحيهما والترمذى
والنسائى عن عائشة وعن عبادة وقال الترمذى حديث صحيح .
(٣) وقد روى الحديث برواية أخرى فى صحيح البخارى ( باب التواضع) ((ومن عادى لى ولياً فقد أذنته بالحرب ولا
يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى
يمشى بها ولئن استنصرنى لأنصر فه ولئن سألنى لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه . وما ترددت فى شىء أنا فاعله ترددى فى قبض روح
عبدى المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ولابد له منه)) .
٥١٩
( باب المحبة )
إذا أحب الله ، عزوجل ، العبد قال لجبريل: يا جبريل، إنى أحب فلانا
فأحبه ؛ فيحبه جبريل ، ثم ينادى جبريل فى أهل السماء إن الله تعالى قد أحب فلانا
فأحبوه ، فيحبه أهل السماء، ثم يضع له القبول فى الأرض (١)، وإذا أبغض اللّه
العبد قال مالك لا أحسبه إلا قال فى البغض مثل ذلك)).
والمحبة : حالة شريفة . شهد الحق ، سبحانه ، بها للعبد، وأخبر عن محبته للعبد ،
فالحق : سبحانه ، يوصف بأنه يحب العبد ، والعبد يوصف بأنه يحب الحق سبحانه .
والمحبة : على لسان العلماء: هى الإرادة ، وليس مراد القوم بالمحبة الإرادة ؛
فان الإرادة لاتتعلق بالقديم ، اللهم إلا أن تحمل على إرادة التقرب إليه والتعظيم له .
ونحن نذكر من تحقيق هذه المسألة طرفاً إن شاء الله تعالى؛ فمحبة الحق سبحانه ،
للعبد إرادته لإنعام مخصوص عليه ، كما أن رحمته له إرادة الإنعام ، فالرحمة
أخص من الإرادة ، والمحبة أخص من الرحمة ، فارادة الله تعالى لأن يوصل إلى
العبد الثواب والإنعام تسمى ((رحمة)) وإرادته لأن يخصه بالقربة والأحوال العلية
تسمى ((خبة)).
فاذا تعلقت بالعقوبة تسمى ((غضبا))، وإذا تعلقت بعموم النعم تسمى ((رحمة))
وإذا تعلقت بخصوصها تسمى ((محبة)).
وقوم قالوا : محبة الله سبحانه للعبد ، مدحه له ، وثناؤه عليه بالجميل ،
فيعود معنى محبته له ، على هذا القول ، إلى كلامه ، وكلامه قديم .
وقال قوم : محبته للعبد : من صفات فعله ، فهو إحسان مخصوص يلقى الله
العبد به ، وحالة مخصوصة برقيه إليها ، كما قال بعضهم : إن رحمته بالعبد نعمة
معه ، وقوم من السلف قالوا : محبته من الصفات الخبرية ، فأطلقوا اللفظ وتوقفوا
عن التفسير .
فأما ما عدا هذه الجملة مما هو المعقول من صفات محبة الخلق ؛ كالميل إلى
الشىء، والاستئناس بالشىء ، وكحالة يجدها المحب مع محبوبه من المخلوقين ،
فالقديم ، سبحانه . يتعالى عن ذلك .
(١) أخرجه الإمام البخارى فى صحيحه، والإمام مسلم فى صحيحه أيضاً عن أبى هريرة رضى الله عنه.
٥٢٠
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
وأما حبة العبد الله: فحالة يجدها من قلبه . تلطف عن العبارة (١).
وقد تحمله تلك الحالة على التعظيم له ، وإيثار رضاه ، وقلة الصبر عنه .
والاهتياج إليه ، وعدم القرار من دونه ، ووجود الاستئناس بدوام ذكره له
بقلبه . وليست محبة العبد له . سبحانه . متضمنة ميلا ، ولا اختطاطاً . كيف .
وحقيقة الصمدية مقدسة عن اللحوق والدرك (٢) والإحاطة . والمحب ، بوصف
الاستهلاك (٣) فى المحبوب، أولى منه بأن يوصف بالاختطاط (٤). ولا توصف المحبة
بوصف ولا تحد بحد أوضح ولأقرب إلى الفهم من المحبة والاستقصاء(٥) فى المقال
عند حصول الإشكال(٦) ؛ فإذا زاد الاستعجام والاستهام سقطت الحاجة إلى
الاستغراق فى شرح الكلام .
وعبارات الناس عن المحبة كثيرة . وتكلموا فى أصلها فى اللغة ؛ فبعضهم قال :
الحب اسم لصفاء المودة ؛ لأن العرب تقول لصفاء بياض الأسنان ونضارتها :
((حبب الأسنان)).
وقيل: الحباب: ما يعلو الماء عند المطر الشديد؛ فعلى هذا ((المحبة)): غليان القلب
وثوراته عند العطش والاهتياج إلى لقاء المحبوب .
وقيل : إنه مشتق من حباب الماء ( بفتح الحاء) وهو : معظمه . فسمى بذلك ؛
لأن المحبة غاية معظم ما فى القلب من المهمات .
وقيل : اشتقاقه من اللزوم والثبات ، يقال : أحب البعير . وهو : أن يبرك فلا
يقوم ، فكأن المحب لا يبرح بقلبه عن ذكر محبوبه .
وقيل: الحب مأخوذ من الحب. وهو (( القرط)) قال الشاعر:
مكان الحب(٨) تستمع السرارا(٩)
تبينت الحية النضناض (٧) منه
(١) أى يدق التعبير عنها .
(٢) أى الإدراك .
(٣) أى الاستغراق .
(٤) أى فى خطة تحيط به وبمحبته .
(٥) أى الأستغراق .
(٦) أى الاستعجام والاستبهام .
(٧) النضنضة : تحريك الحية لسانها .
(٨) القرط .
(٩) أى تسمع ما يسره ذلك الشخص من العدر بها .