النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٤٠
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
وقال الخراز : إذا أراد الله تعالى أن يوالى عبداً من عبيده فتح عليه باب ذكره ،
فاذا استلذ الذكر فتح عليه باب القرب ، ثم رفعه إلى مجالس الأنس به ، ثم
أجلسه على كرسى التوحيد ، ثم رفع عنه الحجب وأدخله دار الفردانية . وكشف
له عن الجلال والعظمة ، فإذا وقع بصره على الجلال والعظمة بقى بلاهو
فحينئذ صار العبد زمناً فانياً ، فوقع فى حفظه سبحانه ، وبرىء من دعاوى نفسه ..
سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول :
٦ سمعت أبا على الروزبارى يقول : قال أبو تراب النخشبى : إذا ألف القلب الإعراض
عن الله صحبته الوقيعة فى أولياء الله تعالى.
وقالوا : من صفة الولى أن لا يكون له خوف ؛ لأن الخوف ترقب مكروه
يحل فى المستقبل ، أو انتطار محبوب يفوت فى المستأنف (١)، والولى ابن وقته ،
ليس له مستقبل فيخاف شيئاً .
وكما لاخوف له لا رجاء له ؛ لأن الرجاء انتظار محبوب يحصل أو مكروه
يكشف ، وذلك فى الثانى من الوقت (٢) .
وكذلك لاحزن له ؛ لأن الحزن من حزوته (٣) القلب ، ومن كان فى ضياء الرضا
{ وبرد الموافقة فأنى يكون له حزن؟. قال الله تعالى: ((ألا إن أولياء الله لاخوف
عليهم ولاهم يحزنون)).
(١) أى المستقبل .
(٢) أى المستقبل .
(٣) صعوبة .
الباب الحادى والأربعون
الدعاء
الدعاء : مفتاح الحاجة ..
وأسنانها : لقم الحلال
٢٤٤٢
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى)
باب الدعاء
قال الله تعالى: ((ادعوا ربكم تضرعاً وخفية))(١).
وقال عز وجل: ((وقال ربكم ادعونى أستجب لكم)) (٢).
وأخبرنا على بن أحمد بن عبدان قال : أخبرنا أبو الحسين الصغار البصرى
قال : حدثنا محمد بن أحمد العودى قال: حدثنا كامل ، قال : حدثنا بن لهيمة قال
حدثنا خالد بن يزيد ، عن سعيد بن أبى هلال، عن أنس بن مالك رضى الله عنه ،
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الدعاء مخ العبادة))(٣).
والدعاء : مفتاح الحاجة ، وهو مستروح أصحاب الفاقات، وملجأ المضطرين ،
ومتنفس ذوى المآرب ، وقد ذم الله سبحانه وتعالى: قوماً تركوا الدعاء فقال :
((ويقبضون أيديهم))(٤) قيل: لايمدونها إلينا فى السؤال .
وقال سهل بن عبد الله: خلق الله تعالى الخلق وقال ناجونى، فان لم تفعلوا
فانظروا إلى ، فان لم تفعلوا فاسمعوا منى ، فان لم تفعلوا فكونوا ببابى ، فان لم
تفعلوا فأنزلوا حاجاتكم بى)).
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه الله ، يقول : قال سهل بن عبد الله :
أقرب الدعاء إلى الإجابة دعاء الحال .
ودعاء الحال : أن يكون صاحبه مضطراً لابد له مما يدعو لأجله .
أخبرنا حمزة بن يوسف السهمى ، رحمه الله، قال سمعت أبا عبد الله المكانسى
يقول : كنت عند الجنيد؛ فأتت امرأة إليه ، وقالت : ادع الله أن يرد على ابنى ،
فان ابناً لى ضاع فقال لها : اذهبى واصبرى ، فمضت ، ثم عادت فقالت له مثل
ذلك ، فقال لها الجنيد : اذهبى واصبرى ، فمضت ثم عادت ، ففعلت مثل ذلك
مرات والجنيد يقول لها : اصبرى ، فقالت له : عيل صبرى ، ولم يبق لى طاقة
: عليه ، فادع لى ، فقال لها الجنيد: إن كان الأمر كما قلت فاذهبى ، فقد رجع ابنك ،
(١) آية ٥٥ من سورة الأعراف.
(٢) آية ٦٠ من سورة غافر .
(٣) أخرجه الترمذي وقال : حديث غريب ,
(٤) من آية ٦٧ من سورة التوبة .
٤٤٣
( باب الدعاء )
فمضت ، فوجدته ، ثم عادت تشكر له فقيل للجنيد: بم عرفت ذلك ؟ فقال : قال
الله تعالى: ((أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء))(١).
وقد اختلف الناس فى أن : الأفضل الدعاء ، أم السكوت والرضا؟ فمنهم من
قال: الدعاء فى نفسه عبادة، قال صلى الله عليه وسلم ((الدعاء مخ العبادة)) والإتيان
ما هو عبادة أولى من تركه(٢) ، تم هو حق الله تعالى فإن لم يستجب للعبد ، ولم
يصل (٣) إلى حظ نفسه فلقد قام بحق ربه ؛ لأن الدعاء إظهار فاقة العبودية ، وقد
قال أبو حازم الأعرج : لئن أحرم الدعاة أشد على من أن أحرم الإجابة . وطائفة
قالوا : السكوت والخمول تحت جريان الحكم أتم ، والرضا بما سبق من اختيار الحق
أولى ، ولهذا قال الواسطى : اختيار ما جرى لك فى الأزل خير لك من معارضة
الوقت ، وقد قال صلى الله عليه وسلم خبراً عن الله تعالى:
(( من شغله ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين))(٤) وقال قوم :
يجب أن يكون العبد صاحب دعاء بلسانه وصاحب رضا بقلبه : ليأتى بالأمرين
جميعاً .
والأولى أن يقال : إن الأوقات مختلفة ، ففى بعض الأحوال الدعاء أفضل من
السكوت ، وهو الأدب ، وفى بعض الأحوال السكوت أفضل من الدعاء ، وهو
الأدب ، وإنما يعرف ذلك فى الوقت ، لأن علم الوقت إنما يحصل فى الوقت فاذا
وجد بقلبه إشارة إلى الدعاء فالدعاء له أولى، وإذا وجد إشارة إلى السكوت
فالسكوت له أولى .
ويصح أن يقال : ينبغى للعبد أن لا يكون ساهياً عن شهود ربه تعالى فى حال
دعائه ، ثم يجب عليه أن يراعى حاله ، فان وجد من الدعاء زيادة بسط (٥) فى وقته
فالدعاء له أولى ... وإن عاد إلى قلبه فى وقت الدعاء شبه زجر ومثل قبض ،
(١) آية ٦٣ من سورة النمل.
(٢) وفى نسخة تركها .
(٣) أى العبد .
(٤) أخرجه الدار مى فى فضائل القرآن. وأخرجه الترمذى فى أبواب فضائل القرآن ولفظه: عن أبى سعيد قال : قال رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم: يقول الرب تبارك وتعالى من شغله القرآن عن ذكرى، ومسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين،
وفضل كلام اللّه على سائر الكلام كفضل الله على خلقه)) وقال الترمذي حديث حسن غريب.
(٥) وفى نسخة ((بسيطة))
٤٤٤
كتاب الشعب ( الرسالة الفشيرية للأمام القشيرى )
فالأولى له ترك الدعاء فى هذا الوقت ، وإن لم يجد فى قلبه زيادة بسط ولاحصول
زجر فالدعاء وتركه ها هنا سيان ، فان كان الغالب عليه فى هذا الوقت العلم ، فالدعاء
أولى ؛ لكونه عباده ، وإن كان الغالب عليه فى هذا الوقت المعرفة والحال والسكوت،
فالسكوت أولى ، ويصح أن يقال : ما كان للمسلمين فيه نصيب ، أو للحق سبحانه
فيه حق ، فالدعاء أولى وما كان لنفسك فيه حظ فالسكوت أتم . وفى الخبر المروى
((أن العبد يدعو الله سبحانه وهو يحبه ، فيقول: باجبريل أخر حاجة عبدى ، فانى
أحب أن أسمع صوته ، وإن العبد ليدعو الله وهو يبغضه فيقول : يا جبريل ،
إقض لعبدى حاجته ، فانى أكره أن أسمع صوته))(١) .
ويحكى عن يحيى بن سعيد القطان ، رحمه الله تعالى ، أنه رأى الحق ،
سبحانه فى المنام ، فقال : إلهى ، كم أدعوك فلا تجيبى ..
فقال يا يحيى ؛ لأنى أحب أن أسمع صوتك .
وقال صلى الله عليه وسلم: (( والذى نفسى بيده ، إن العبد ليدعو الله تعالى وهو
عليه غضبان ، فيعرض عنه ، ثم يدعوه ، فيعرض عنه ، ثم يدعوه ، فيعرض عنه ،
ثم يدعوه ، فيقول الله تعالى لملائكته: أبى عبدى أن يدعو غيرى فقد استجبت له)) (٢).
أخبرنا أبو الحسين على بن محمد بن عبد الله بن بشران ببغداد قال : حدثنا
أبو عمرو عثمان بن أحمد المعروف بابن السماك قال : أخبرنا محمد بن عبد ربه الخضرمى
قال : أخبرنا بشر بن عبد الملك قال : حدثنا موسى بن الحجاج قال : قال مالك بن
دينار: حدثنا الحسن عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: ((كان رجل على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجر من بلاد الشام إلى المدينة، ومن المدينة إلى بلاد
الشام ، ولا يصحب القوافل توكلا منه على الله، عز وجل ، قال :
بينما هو جاء من الشام يريد المدينة إذ عرض له لص على فرس .. فصاح
بالتاجر : قف . قف .. فوقف له التاجر ، وقال له : شأنك مالى وخل سبيلى.
فقال له اللص : المال مالى، وإنما أريد نفسك . فقال له التاجر : ما تريد بنفسى ؟.
شأنك والمال وخل سبيلى . قال : فرد عليه اللص مثل المقالة الأولى ، قال له التاجر :
أنظرنى حتى أتوضأ وأصلى وأدعو ربى عز وجل .
(١) أخرجه ابن ماجة فى السنن، والبيهقى فى الدلائل.
(٢) أخرجه ابن ماجه .
٤٤٥
( باب الدعاء )
قال افعل ما بدالك . قال فقام التاجر ، وتوضأ ، وصلى أربع ركعات ، ثم
رفع يديه إلى السماء ، فكان من دعائه أن قال : ياودود .. ياودود .. يا ذا العرش
المجيد ، يامبدىء يامعيد ، يافعال لما يريد أسألك بنور وجهك الذى ملأ أركان
عرشك ، وأسألك بقدرتك التى قدرت بها على خلقك ، وبرحمتك التى وسعت
كل شىء ، لا إله إلا أنت، يا مغيث أغثنى (ثلاث مرات). فلما فرغ من دعائه
إذا بفارس على فرس أشهب .. عليه ثياب خضر ، بيده حربة من نور ، فلما نظر
اللص إلى الفارس ترك التاجر ومر نحو الفارس ، فلما دنا منه شد الفارس على
اللص ، فطعنه طعنة أذراه (١) عن فرسه .. ثم جاء إلى التاجر فقال له : قم فاقتله ،
فقال له التاجر : من أنت ؟ فما قتلت أحداً قط ولا تطيب نفسى بقتله .. قال ،
فرجع الفارس إلى اللص وقتله ، ثم جاء إلى التاجر ، وقال : اعلم أنى ملك من السماء
الثالثة ، حين دعوت الأولى سمعنا لأبواب السماء قعقعة ، فقلنا أمر حدث .. ثم
دعوت الثانية ففتحت أبواب السماء ولها شرر كشرر النار ، ثم دعوت الثالثة فهبط
جبريل عليه السلام علينا من قبل السماء وهو ينادي : من لهذا المكروب؟ فدعوت ربى
أن يولينى قتله ، واعلم - ياعبد الله - أنه من دعا بدعائك هذا فى كل كربة ،
وكل شدة ، وكل نازلة فرج الله تعالى عنه ، وأعانه . قال وجاء التاجر سالماً غائماً
حتى دخل المدينة وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بالقصة وأخبره بالدعاء
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((لقد لقنك الله عز وجل، أسماءه الحسنى التى
إذا دعى بها أجاب ، وإذا سئل بها أعطى)).
ومن آداب الدعاء : حضور القلب ، وأن لايكون ساهياً ؛ فقد روى عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ((إن الله تعالى، لا يستجيب دعاء عبد من قلب
لاه)) (٢) .
ومن شرائطه : أن يكون مطعمه حلالا ؛ فلقد قال صلى الله عليه وسلم لسعد :
((أطب كسبك تستجب دعوتك)) (٣).
وقد قيل : الدعاء : مفتاح الحاجة ، وأسنانها (٤): لقم الحلال .
(١) ألقاه .
(٢) البخارى ومسلم .
(٣) البخارى وأحمد فى مسنده .
(٤) الأولى أن يقال (( وأسنانه)) أى أسنان المفتاح.
٤٤٦
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
وكان يحيى بن معاذ يقول : إلهى ، كيف أدعوك وأنا عاص؟ وكيف لاأدعوك
أ وأنت كريم ؟ .
وقيل : مر موسى ، عليه السلام ، برجل يدعو ويتضرع ، فقال موسى عليه
السلام: إلهى ، لو كانت حاجته بيدى قضيتها ؛ فأوحى الله ، تعالى إليه : أنا أرحم
به منك ، ولكنه يدعونى ، وله غنم وقلبه عند غنمه ، وإنى لاأستجيب لعبد يدعونى
وقلبه عند غيرى. فذكر موسى عليه السلام للرجل ذلك ، فانقطع إلى الله تعالى بقلبه
فقضيت حاجته .
ا وقيل لجعفر الصادق : ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا ؟
فقال : لأنكم تدعون من لا تعرفونه .
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول : ظهر بيعقوب بن الليث علة أعيت
الأطباء، فقالوا له: فى ولايتك رجل صالح يسمى ((سهل بن عبد اللّه)) لودعا لك
لعل الله سبحانه بستجيب له؛ فاستحضر سهلا وقال: ادع الله عز وجل لى . فقال
سهل : كيف يستجاب دعائى فيك ، وفى محبسك(١) مظلومون؟ . فأطلق كل
من كان فى حبسه ، فقال سهل : اللهم كما أريته ذل المعصية(٢) فأره عز الطاعة
وفرج عنه . فعوفى ، فعرض مالا على سهل فأبى أن يقبله ، فقيل له : لو قبلته
ودفعته إلى الفقراء .
فنظر إلى الحصباء فى الصحراء فاذا هى جواهر ، فقال لأصحابه : من يعطى أ
مثل هذا يحتاج إلى مال يعقوب بن الليث ؟ .
وقيل : كان صالح المرى يقول كثيراً: من أدمن قرع باب يوشك أن يفتح له ! !
فقالت له رابعة : إلى متى تقول هذا؟ متى أغلق هذا الباب حتى يستفتح ؟ فقال
صالح : شيخ جهل وامرأة علمت .
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا بكر
الرازى يقول : سمعت أبا بكر الحربى يقول : سمعت السرى يقول : حضرت
مجلس معروف الكرخى . فقام إليه رجل فقال : يا أبا محفوظ ، ادع الله تعالى
(١) وفى نسخة ((حبسك)).
(٢) وفى نسخة ((المصيبة)).
٤٤٧
( باب الدعاء )
أن يرد على كيسى ؛ فانه سرق وفيه ألف دينار . فسكت ، فأعاد ، ثم سكت فأعاد ،
فقال معروف : ماذا أقول ؟ أقول ما زويته (١) عن أنبيائك وأصفيائك . فرده
" عليه . فقال الرجل : فادع الله تعالى لى. فقال: اللهم خر له(٢) .
وحكى عن الليث أنه قال : رأيت عقبة بن نافع ضريراً ، ثم رأيته بصيراً ،
فقلت له ، بم رد عليك بصرك ؟
فقال: أتيت (٣) فى منامى ، فقيل قل: يا قريب ، يا مجيب ، ياسميع الدعاء،
با لطيفاً لما يشاء، رد على بصرى . فقلها ، فرد الله عز وجل على بصرى.
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول : كان بى وجع العين ابتداء ما رجعت إلى
((نيسابور)) من ((مرو))، وكنت مدة أيام لم أجد النوم ، فتناعست صباحاً ، فسمعت
قائلا يقول لى : أليس الله بكاف عبده(٤)؟ فانتهت ، وقد فارقنى الرمد ، وزال
فى الوقت الوجع ، ولم يصبنى بعد ذلك وجع العين.
وحكى عن محمد بن خزيمة ، أنه قال : لما مات أحمد بن حنبل كنت فى
الإسكندرية ، فاغتممت .. فرأيت فى المنام أحمد بن حنبل وهو يتبختر ، فقلت :
يا أبا عبد الله، أى مشية هذه ؟ فقال: مشية الخدام فى دار السلام فقلت : ما فعل الله
عز وجل بك ؟ فقال : غفر لى ، وتوجنى ، وألبسنى نعلين من ذهب ، وقال :
يا أحمد هذا بقولك القرآن كلامى ، ثم قال : يا أحمد ادعنى بتلك الدعوات التى
بلغتك عن سفيان الثورى وكنت تدعو بها فى دار الدنيا . فقلت : يارب كل شىء
بقدرتك على كل شىء ، اغفر لى كل شىء ، ولا تسألى عن شىء. فقال : يا أحمد
هذه الجنة فادخلها ، فدخلها .
وقيل : تعلق شاب بأستار الكعبة ، وقال : إلهى ، لا شريك لك فيؤتى ، ولا
وزير لك فيرشى ، إن أطعتك فبفضلك ولك الحمد ، وإن عصيتك فبجهلى ولك
الحجة على ، فباثبات حجتك على وانقطاع حجتى لديك إلا غفرت لى . فسمع
هاتفاً يقول : الفتى عتيق من النار .
(١) أى قبضته .
(٢) أى أفعل له خير الأمرين عندك .
(٣) أى أتانى آت فى منامى ..
(٤) آية ٣٦ من سورة الزمر .
٤٤٨
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى)
anur
وقيل : فائدة الدعاء : إظهار الفاقة بين يديه تعالى ، وإلا فالرب يفعل ما يشاء .
وقيل : دعاء العامة بالأقوال ، ودعاء الزهاد بالأفعال ، ودعاء العارفين
بالأحوال .
وقيل : خير الدعاء : ماهيجته الأحزان .
وقال بعضهم : إذا سألت الله تعالى حاجة فتسهلت ، فاسأل الله عقب ذلك
الجنة ؛ فلعل ذلك يوم إجابتك .
وقيل: ألسنة المبتدئين منطلقة بالدعاء ، وألسنة المتحققين (١) خرست عن ذلك .
وسئل الواسطى أن يدعو ، فقال: أخشى أنى إن دعوت أن بقال لى : إن سألتنا
ما لك عندنا فقد اتهمتنا (٢) ، وإن سألتنا ما ليس لك عندنا فقد أسأت الثناء علينا ،
وإن رضيت أجرينا لك من الأمور ما قضينا لك به فى الدهور .
وروى عن عبد الله بن منازل انه قال : ما دعوت منذ خمسين سنة ، ولا أريد
أن يدعو لى أحد.
وقيل : الدعاء سلم (٣) المذنبين.
وقيل : الدعاء المراسلة ، وما دامت المراسلة باقية فالأمر جميل بعد .
وقيل : لسان المذنبين دعاؤهم (٤).
وسمعت الأستاذ أبا على الدقاق، رحمه الله ، يقول : إذا بكى المذنب فقد
راسل الله عز وجل .
وفى معناه أنشدوا :
دموع الفتى عما يجن تترجم
وأنفاسه يبدين ما القلب يكتم
وقال بعضهم : الدعاء ترك الذنوب .
وقيل : الدعاء لسان الاشتياق إلى الحبيب .
وقيل : الإذن فى الدعاء خبر للعبد من العطاء .
وقال الكتانى لم يفتح الله تعالى لسان المؤمن بالمعذرة إلا لفتح باب المغفرة .
وقيل : الدعاء يوجب الحضور ، والعطاء يوجب الصرف(٥) ، والمقام على
الباب أتم من الانصراف بالمثاب .
(١) أى العار فين بالله.
(٣) أى وسيلتهم .
(٥) وفى نسخة : الانصراف
(٢) أى بسبب تأخيره .
(٤) وفى نسخهم دموعهم وهى الأنسب .
٤،٤٠٩
(باب الدغساء ).
وقيل : الدعاء مواجهة الحق ، تعالى ، بلسان الحياء :
وقيل : شرط الدعاء الوقوف مع القضا بوصف الرضا .
وقيل : كيف تنتظر إجابة الدعوة وقد سددت طريقها بالهفوة ؟
وقيل لبعضهم: ادع لى . فقال: كَفاك من الأجنبية (١) أن تجعل بينك
وبينه واسطة .
سمعت حمزة بن يوسف السهمى يقول : سمعت أبا الفتح نصر بن أحمد بن
عبد الملك يقول : سمعت عبد الرحمن بن أحمد يقول : سمعت أبى يقول : جاءت
امرأة إلى تقى بن مخلد ، فقالت : إن ابنى قد أسره الروم ، ولا أقدر على مال
أكثر من ((دوبرة)) ولا أقدر على بيعها ، فلو أشرت إلى من يفديه بشىء فانه ليس
لى ليل ولا نهار ، ولا نوم ولا قرار . .
فقال لها : نعم ، انصر فى حتى أنظر فى أمره إن شاء الله تعالى.
قال : فأطرق الشيخ وحرك شفتيه ، قال: فلبثنا مدة ، فجاءت المرأة ومعها ابنها،
وأخذت تدعو له وتقول: قدرجع سالماً ، وله حديث يحدثك به . فقال الشاب :
كنت فى (٢) يدى بعض ملوك الروم مع جماعة من الأسارى، وكان له إنسان
يستخدمنا كل يوم ، فكان يخرجنا إلى الصحراء للخدمة ، ثم يردنا وعلينا قيودنا ،
فبينا نحن نجىء من العمل بعد المغرب مع صاحبه الذى كان يحفظنا انفتح القيد
من رجلى ووقع على الأرض ووصف اليوم والساعة فوافق الوقت الذى جاءت
فيه المرأة ، ودعا الشيخ ، قال : فنهض إلى الذى كان يحفظنى وصاح على وقال لى :
كسرت القيد .. قلت: لا، إنه سقط من رجلى قال: فتحير .. وأحضر أصحابه،
(١) أى البما عن الله تعالى .
(٢) وفى نسخه: بين يدى .
٤٥٠
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
وأحضروا الحداد ، وقيدونى .. فلما مشيت خطوات سقط القيد من رجلى ، فتحيروا
فى أمرى .. فدعوا رهبانهم ، فقالوا لى: ألك والدة ؟ قلت : نعم فقالوا : وافق
دعؤها الإجابة . وقد أطلقت اللّه عز وجل ، فلا يمكننا تقييدك .
فرودونى ، وأصحبونى بمن أوصلى إلى ناحية المسلمين .
الباب الثانى والأربعون
الفقر
قيل ليحيى بن معاذ :
•٠
ما الفقر .؟
قال : خوف الفقر ..
قيل : فما الغنى .. ؟
قال : الأمن بالله تعالى
٤٥٢
٠
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
قال الله تعالى :
(( للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله، لا يستطيعون ضرباً فى الأرض يحسبهم
الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً وما تنفقوا من
خبر فإن الله به عليم)) (١) .
أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن شجاع بن الحسين بن موسى البزاز ببغداد قال:
أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر بن محمد بن الهيثم الأنبارى قال : حدثنا جعفر بن
محمد الصائغ قال : حدثنا قبيصة قال : حدثنا سفيان ؛ عن محمد بن عمرو بن
علقمة ، عن أبى سلمة ؛ عن أبى هريرة ؛ عن النبى، صلى الله عليه وسلم ، قال :
(( يدخل الفقراء (٢) الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام: نصف يوم))(٣).
وأخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدوس الجبرى ببغداد ، قال : حدثنا
أبو أحمد حمزة بن العباس البزاز بغداد ، قال: حدثنا محمد بن غالب بن حرب
قال : حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: حدثنا محمد بن أبى المرات. عن إبراهيم
الهجرى ، عن أبى الأحوص ، عن عبد اللّه؛ , قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم :
((إن المسكين ليس بالطواف الذى ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان،
قال : فقيل : من المسكين يارسول الله؟
قال: ((الذى لايجد ما يغنيه ويستحى أن يسأل الناس ولا يفطن له فيتصدق
عليه ))(٤) .
قال الأستاذ : معنى قوله: يستجى أن يسأل الناس: أى يستحى من الله ، تعالى،
أن يسأل الناس ، لا أنه يستحى من الناس .
والفقر شعار الأولياء ، وحلية الأصفياء؛ واختيار الحق ، سبحانه ، لحواصه
:
من الأتقياء والأنبياء ..
:
. (١) آية ٢٧٣ من سورة البقرة:
(٢) يقول الإمام العروسى: لعل المراد بالفقراء فى الحديث الشريف المتجردون عن الدنيا رغبة فيما عند ربهم، لا مطلق
الخلى عن المال والكسب .
(٣) وتلك الأعوام بمثابة نصف يوم من أيام الآخرة .
(٤) انظر رياض الصالحين النووي .
٤٥٣
( باب الفقر )
والفقراء : صفوة الله عز وجل من عباده ، ومواضع أسراره بين خلقه ، بهم
يصون الحق الخلق ، وبركاتهم يبسط عليهم الرزق.
والفقراء الصبر (١) جلساء اللّه تعالى، يوم القيامة ؛ بذلك ورد الخبر عن النبى،
صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى ، قال : حدثنا إبراهيم بن أحمد بن محمد
ابن رجاء الفزارى ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن أحمد بن خشيش
البغدادى قال : حدثنا عثمان بن معبد قال : حدثنا عمر بن راشد ، عن مالك ، عن
نافع، عن ابن عمر ، عن عمر بن الخطاب ، رضى الله عنه ، قال : قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم:
((لكل شىء مفتاح ومفتاح الجنة : حب المساكين، والفقراء الصبر: هم
جلساء اللّه تعالى يوم القيامة)).
وقيل : إن رجلا أتى إبراهيم بن أدهم بعشرة آلاف درهم فأبى أن يقبلها منه .
وقال له : تريد أن تمحواسمى من ديوان الفقراء بعشرة آلاف درهم : لا أفعل ..
وقال مع ذ النسفى : ما أهلك الله ، تعالى ، فوماً وإن عملوا ماعملوا حتى أهانوا
الفقراء وأذلوهم .
وقيل : أو لم يكن للفقراء إلى الله فضيلة غير إرادته وتمنيه سعة أرزاق المسلمين
٦ ورخص أسعارهم لكفاه ذلك؛ لأنه يحتاج إلى شرائها والغنى يحتاج إلى بيعها.
هذا أعوام الفقراء (٢) ، فكيف حال خواصهم ؟
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، يقول : سمعت عبد الواحد بن بكر
يقول : سمعت أبا بكر بن سمعان يقول : سمعت أبا بكر بن مسعود يقول : سئل
يحيى بن معاذ عن الفقر ، فقال :
حقيقته : أن لا يستغنى العبد إلا بالله، ورسمه (٢) عدم الأسباب كلها.
وسمعته يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت إبراهيم القصار يقول:
الفقر إلباس يورث الرضا إذا تحقق (٤) العد فيه.
(١) الكثير والصبر.
(٣) أى تعريف الفقر بجهة أخرى من جهات التعريف وهى : الرسم .
(٤) أى تمكن .
(٢) وفى نسخة هذا ((حال العوام من الفقراء)).
٤٥٤
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
وقدم على الأستاذ أنى على الدقاق فقير فى سنة : خمس ، أو أربع وتسعين
وثلاثمائة من ((زوزن)) وعليه ((مسح))(١) وقلنسوة مسح، فقال له بعض أصحابه:
بكم اشتريت هذا المسح ؟ (على وجه المطايبة)(٢).
فقال : اشتريته بالدنيا وطاب منى بالآخرة فلم أبعه بها . .
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول : قام فقر فى مجلس يطلب شيئاً ، فقال:
إنى جائع منذ ثلاث . وكان هناك بعض المشايخ فصاح عليه وقال : كذبت ..
إن الفقر سر اللّه وهو لا يضع سره عند من يحمله إلى من يريد .
1
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمد بن افراء يقول سمعت زكريا
النخشبى يقول : سمعت حمدون الفصار يقول : إذا اجتمع إبليس وجنوده لم
يفرحوا بشىء كفرحهم بثلاثة أشياء :
رجل مؤمن قتل مؤمنا ؛ ورجل بموت على الكفر ، وقلب فيه خوف الفقر .
وسمعته يقول : سمعت عبد الله بن عطا. يقول : سمعت أبا جعفر الفرغانى
يقول : سمعت الجنيد يقول :
( يامعشر الفقراء : إنكم تعرفون بالله، وتكرمون اللّه، فانظروا كيف تكونون
مع الله إذا خاوتم به ؟ ) .
سمعت الشيخ ابا عبد الرحمن السلمى ، يقول : سمعت محمد بن الحسن البغدادي
يقول : سمعت محمد بن عبد اللّه الفرغانى بقول : سمعت الجنيد ، وقد سئل عن
الافتقار إلى الله سبحانه وتعالى: أهو أتم أم الاستغناء بالله تعالى ؟ فقال :
إذا صح الافتقار إلى الله عز وجل فقد صح الاستغناء باللّه تعالى، وإذا
صة الاستغناء بالله تعالى كمل الغنى به، فلا يقال: أيهما أتم الافتقار أم الغنى ..
لأنهما حالتان لا تم إحداهما إلا بالأخرى.
وسمعته يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت جعفراً يقول :
سمعت روبما يقول وقد سئل عن نعت الفقير ، فقال :
(( إرسال النفس فى أحكام الله تعالى )).
(١) ثوب .
(٢) أى المداعبة .
٤٥٥
( باب الفقر )
وقيل : نعت الفقير ثلاثة أشياء : حفظ سره ، وأداء فرضه . وصيانة فقره .
وقيل لأبى سعيد الخزاز : لم تأخر عن الفقراء رفن الأغنياء ؟
فقال لثلاث خصال :
لأن ما فى أيديهم غير طيب ، ولأنهم (١) غير موفقين ، ولأن الفقراء مرادون
بالبلاء.
وقيل : أوحى الله عز وجل إلى موسى ، عليه السلام:
إذا رأيت الفقراء فسائلهم (٢)، كما تسائل الأغنياء ، فان لم تفعل فاجعل كل
شىء علمتك تحت التراب .
وروى عن أبى الدرداء ، أنه قال :
لأن أفع من فوق قصر فأتحطم أحب إلى من مجالسة الغنى : لأنى سمعت
رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول :
((إياكم ومجالسة الموتى .. قيل: يارسول الله، ومن الموتى؟ قال: الأغنياء)).
وقيل للربيع بن خيثم : قد غلا السعر . .
فقال : نحن أهون على اللّه من أن يجيعنا ، إنما يجيع أولياءه .
وقال إبراهيم بن أدهم : طلبنا الفقر فاستقبلنا الغنى ، وطلب الناس الغنى
فاستقبلهم الفقر .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أحمد بن على يقول : سمعت الحسن
ابن علويه يقول : قيل ليحيى بن معاذ: ما الفقر ؟ قال : خوف الفقر .
قيل : فما الغنى ؟ قال : الأمن بالله تعالى.
وسمعته يقول : سمعت أبا بكر الرازى يقول : سمعت الجريرى يقول : سمعت
ابن الكرينى يقول :
إن الفقير الصادق ، ليحترز من الغنى حذراً أن يدخله الغنى فيفد عليه فقره .
كما أن الغنى يحترز من الفقر حذراً أن يدخل عليه فيفسد عليه غناه .
وسئل أبو حفص : بماذا يقدم الفقير على ربه عز وجل ؟
(١) أى الأغنياء .
(٢) أي سجد تهم .
٤٥٦
كتاب الشعب ( الرسالة الفشيرية للامام القشيرى )
فقال : وما للفقير أن يقدم به على ربه تعالى سوى فقره .
وقيل : أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام :
أتريد أن يكون لك يوم القيامة مثل حسنات الناس أجمع ؟ .
قال : نعم .
قال : عد المريض ، وكن لثياب الفقراء فالياً ، فجعل موسى ، عليه السلام ،
على نفسه فى كل شهر سبعة أيام يطوف على الفقراء يفلى ثيابهم ويعود المرضى .
وقال سهل بن عبد الله : خمسة أشياء من جوهر النفس :
فقير يظهر الغنى ، وجائع يظهر الشبع ، ومحزون يظهر الفرح ؛ ورجل بينه
وبين رجل عداوة يظهر المحبة ، ورجل يصوم النهار ويقوم الليل ولا يظهر ضعفاً .
وقال بشر بن الحارث : أفضل المقامات :
اعتقاد الصبر على الفقر إلى القبر .
وقال ذو النون : علامة سخط الله على العبد : خوفه من الفقر .
وقال الشبلى: أدنى علامات الفقر (١) : أن لو كانت الدنيا بأسرها لأحد فأنفقها
فى يوم تم خطر بباله أن لو أمسك منها قوت يوم ما صدق فى فقره .
٠
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول : تكلم الناس فى الفقر والغنى أيهما أفضل ؟
وعندى : أن الأفضل : أن يعطى الرجل كفايته ثم يصان فيه .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا عبد الله الرازى يقول : سمعت أبا
محمد بن ياسين يقول : سمعت ابن الجلاء يقول :{ وقد سألته عن الفقر ، فسكت ،
حتى خلا، ثم ذهب ورجع عن قريب ، ثم قال :
كان عندى أربعة دوانيق (٢) فاستحييت من الله عز وجل ، أن أتكلم فى الفقر
فذهبت وأخرجتها ثم قعد وتكلم فى الفقر .
وسمعته يقول : سمعت عبد الله بن محمد الدمشقى، يقول: سمعت إبراهيم
ابن المولد يقول : سألت ابن الجلاء :
متي يستحق الفقير اسم الفقر ؟
(١) إِى الافتقار إلى الله،
(٢) جمع دائق : وهو سدس الدرم .
٤٥٧
( باب الفقر )
فقال : إذا لم يبق عليه بقية منه .
فقلت : كيف ذلك ؟
فقال : إذا کان(١) له فليس له ، وإذا لم یکن له فهو له .
وقيل : صحة الفقر : أن لا يستغنى الفقير فى فقره بشىء إلا بمن إليه فقره .
وقال عبد الله بن المبارك: إظهار الغنى فى الفقر أحسن من الفقر.
سمعت محمد بن عبد الله الصوفى، يقول : سمعت هلال بن محمد يقول :
سمعت النقاش يقول : سمعت بنانا المصرى يقول : كنت مكة قاعداً وشاب بين
يدى، فجاءه إنسان وحمل إليه كيساً فيه دراهم ووضعه بين يديه ، فقال : لاحاجة
لى فيه ، فقال : فرقه على المساكين ، فلما كان العشاء رأيته فى الوادى يطلب شيئاً
لنفسه .
فقلت : لو تركت لنفسك مما كان معك شيئاً ؟ .
قال : لم أعلم أنى أعيش إلى هذا الوقت ..
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت على بن بندار الصرفى ،
يقول : سمعت محفوظا يقول: سمعت أبا حفص بقول: أحسن ما يتوسلّ(١) به
العبد إلى مولاه دوام الفقر إليه على جميع الأحوال ، وملازمة السنة فى جميع
الأفعال ، وطلب الفوت من وجه حلال .
وسمعته يقول : سمعت الحسين بن أحمد يقول : سمعت المرنعش يقول :
ينبغى للفقير أن لا تسبق همته خطوته .
وسمعته يقول : سمعت أبا الفرج الورثانى يقول : سمعت فاطمة أخت أبى على
الروذبارى تقول : سمعت أبا على الروذبارى يقول : كان أربعة فى زمانهم :
واحد : كان لا يقبل من الإخوان ولا من السلطان شيئاً ، وهو : يوسف بن
أسباط ، ورث من أبيه سبعين ألف درهم ولم يأخذ منها شيئاً وكان يعمل الخوص
بيده .
(١) أى النصر .
(٢) وفى نسحد أخرى ((أحسن ما يتوصل)).
٤٥٨
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
وآخر : كان يقبل من الإخوان والسلطان جميعاً ، وهو : أبو إسحاق الفزارى
فكان ما يأخذه من الإخوان ينفقد فى المستوربن الذى لابتحركون ، والذى يأخذه
من السلطان كان يخرجته إلى مستحقيه من أهل ((طرسوس)).
والثالث : كان يأخذ من الإخوان ولا يأخذ من السلطان وهو: عبد الله بن
المبارك ، وكان يأخذ من الإخوان ويكافىء عليه .
والرابع : كان يأخذ من السلطان ولا يأخذ من الإخوان وهو : مخلد بن الحسين
كان يقول : السلطان لا يمن والإخوان يمنون .
سمعت الأستاذ أبا على الدقاف يقول: جاء فى الخبر: ((من تواضع لغنى لأجل
غناه ذهب ثلثا دينه )).
إنما كان ذلك ؛ لأن المرء بقلبه ولسانه ونفسه ؛ فاذا تواضع لغنى بنفسه ولسانه
ذهب ثلنا دينه ، فلو اعتقد فضله (١) بقلبه كما تواضع له بلسانه ونفسه ذهب دينه
كله .
وقيل : أفل ما يلزم الفقير فى فقره أربعة أشياء :
علم يسوسه ؛ وورع يحجزه ، ويقين يحمله ؛ وذكر يؤنسه .
وقيل : من أراد الفقر لشرف مات فقيراً ؛ ومن أراد الفقر لئلا يشتغل عن
1
اللّه تعالى مات غنياً .
وقال المزين : كانت الطرق الموصلة إلى اللّه أكثر من نجوم السماء ، فما بقى
منها طريق إلا طريق الفقر وهو أصح الطرق .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت الحسين بن يوسف القزوينى يقول :
سمعت إبراهيم بن المولد يقول : سمعت الحسن بن على يقول : سمعت النورى
يقول :
نعت الفقير : السكون عند العدم ، والإيثار عند الوجود .
سئل الشبلى عن حقيقة الفقر فقال : ألا يستغنى العبد بشىء دون الله عز وجل .
وسمعته يقول : سمعت منصور بن خلف المغربى يقول : قال لى أبو سهل
الخشاب الكبير: الفقر: فقر وذل (٢)، فقلت: لا بل فقر وعز (٣)، فقال: فقر
(١) أى تواصح له
(٣) أى بالله . .
(٢) أى للّه .
٤٥٩
( باب الفقر )
وثرى(١)، فقلت: لا ، بل فقر وعرش (٢).
سمعت الأستاذ أبا على الدقاف يقول : سئلت عن معنى قوله صلى الله عليه وسلم :
((كاد الفقر أن يكون كفراً))(٣).
قال : فقلت . آفة الشىء وضده على حسب فضيلته وقدره : فكلما كان فى
نفسه أفضل فضده وآفته أنقص : كالإيمان ، لما كان أشرف الخصال كان ضده
الكفر ، فلما كان الخطر على الفقر الكفر بالله دل على أنه ٤) أشرف الأوصاف.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت أبا نصر الهروى يقول .
سمعت المرتعش يقول : سمعت الجنيد يقول :
إذا لقيت الفقير فالقه بالرفق ، ولا تلقه بالعلم : فان الرفق بؤنسه ، والعلم
يوحشه ، فقلت له : يا أبا القاسم وهل يكون فقير يوحشه العالم ؟
فقال : نعم ، الفقير إذا كان صادقاً فى فقره فطرحت عليه عاملك ذاب كما
يذوب الرصاص على النار .
وسمعته يقول : سمعت أبا عبد الله الرازى. يقول: سمعت مفر الة مسينى
يقول :
الفقير : هو الذى لا يكون له إلى اللّه حاجة .
قال الأستاذ أبو القاسم :
وهذا اللفظ فيه أدنى غموض لمن سمعه على وجه الغفلة عن مرمى النوم ، وإنما
أشار قائله إلى سقوط المطالبات وانتفاء الإختيار ، والرضا بما يجريه الحق سبحانه .
وقال ابن خفيف :
الفقر : عدم الإملاك والخروج من أحكام الصفات .
وقال أبو حفص :
لا يصح لأحد الفقر حتى يكون العطاء أحب إليه من الأخذ ، وليس السخاء
أن يعطى الواجد المعدم : إنما السخاء أن يعطى المعدم الواجد .
(١) أى تواضع ونرول إلى الأرض .
(٢) أى أرتفاع .
(٣) أخرجه أبو نعيم فى الحيلة عن أنس وتمامه ( .. وكاد الحسد أن يكون سبق القدر).
(٤) أى الفقر إلى الله .