النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٥٤ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) فالمريد عندهم هو المبتدىء ، والمراد : هو المنتهى، والمريد : الذى نصب بعين التعب وألوى فى مقاساة المشاق ، والمراد : الذى كفى بالأمر من غير مشقة ، فالمريد متعن ، والمراد : مرفوق به مرفه . وسنة الله تعالى مع القاصدين مختلفة؛ فأكثرهم يوفقون للمجاهدات، ثم يصلون، بعد مقاساة اللتيا والتى ، إلى سنى المعانى . وكثير منهم يكاشفون فى الابتداء بجليل المعانى ، ويصلون إلا ما لم يصل إليه كثيرون من أصحاب الرياضات ، إلا أن أكبرهم يردون إلى المجاهدات بعد هذه الأرقاق ؛ ليستوفى منهم ما فاتهم من أحكام أهل الرياضة . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول : المريد : متحمل ، والمراد : محمول. وسمعته يقول: كان موسى، عليه السلام، مريداً، فقال: ((رب اشرح لى صدرى))(١)، وكان نبينا، صلى الله عليه وسلم، مراداً، فقال تعالى: ((ألم نشرح لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك ، الذى أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك)). وكذلك قال موسى عليه السلام: ((رب، أرنى أنظر إليك، قال: لن ترانى)) (٢). وقال لنبينا، صلى الله عليه وسلم: ((ألم تر إلى ربك كيف مد الظل))(٣). وكان أبو على يقول: إن المقصود قوله ((ألم تر إلى ربك)) وقوله (( كيف مد الظل)): سير للقصة وتحصين للحالة . وسئل الجنيد ، رحمه الله ، عن المريد والمراد ، فقال : المريد : تتولاه سياسة العلم ، والمراد : تتولاه رعاية الحق ، سبحانه ، لأن المريد يسير ، والمراد يطير ، فمتى يلحق السائر الطائر ؟ ,٠ وقيل : أرسل ذو النون إلى أبى يزيد رجلا ، وقال له : قل له إلى مى النوم والراحة ، وقد جازت القافلة ؟ . فقال أبو يزيد : قل لأخى ذى النون : الرجل من ينام الليل كله ، ثم يصبح فى المنزل قبل القافلة . فقال ذو النون : هنيئاً له ؛ هذا كلام لاتبلغه أحوالنا . (١) آية ٢٥ من سورة طه . (٣) آبة ٤٥ من سورة الفرقان . (٢) آية ١١٣ من سورة الأعراف. الباب التاسع والعشرون الاستقامة (( .. لا يطيقها الا الأكابر .. لأنها الخروج عن المعهودات ومفارقة الرسوم والعادات ٠٠ والقيام بين يدى الله تعالى على حقيقة الصدق ٠٠) ٣٥٦ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) باب الاستقامة قال الله تعالى: ((إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا))(١) أخبرنا : الإمام أبوبكر محمد بن الحسين بن فورك ، رحمه الله ، قال : حدثنا عبد الله بن جعفر بن أحمد الأصبهانى قال : أخبرنا أبو بشر يونس بن حبيب قال حدثنا أبو داود الطيالسى قال : حدثنا شعبة ، عن الأعمش ، عن سالم بن أبى الحعد، عن ثوبان مولى النبى صلى الله عليه وسلم، عن النبى صلى الله عليه وسلم ، قال : استقيموا ولن تحصوا (٢) ، واعلموا أن خير دينكم الصلاة ، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن))(٣) . والاستقامة : درجة بها كمال الأمور وتمامها ، وبوجودها حصول الخبرات ونظامها ، ومن لم يكن مستقيماً فى حالته ضاع سعيه وخاب جهده ؛ قال الله تعالى : ((ولا تكونوا كالى نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا)) (٤) (٥). ومن لم يكن مستقيماً فى صفته لم برتق من مقامه إلى غيره ، ولم بين سلوكه على صحة ؛ فمن شرط المستأنف : الاستقامة فى احكام البداية ، كما أن من حق العارف الاستقامة فى آداب الهاية . فمن أمارات استقامة أهل البداية : ان لا تشوب معاملاتهم فيرة (٦). ومن امارات استقامة اهل الوسائط : ان لايصحب منازلهم وقفة (٧) . ومن أمارات استقامة اهل النهاية : ان لا تتداخل مواصلهم حجة(٨). سمعت : الأستاذ آبا على الدقاق ، رحمه الله ، تقول : الاستقامة لها ثلاثة مدارج: أولها : التقويم ، ثم الإقامة ، ثم الاستقامة ؛ فالتقويم ، من حيث تأديب النفوس . والإقامة : من حيث هذبب القلوب ، والاستقامة : من حيث تقريب الأسرار . (١) آية ٣٠ من سورة فصلت. (٢) لن تحصوا : إى لن تستطيعوا القيام بها كاملة فاستقيموا على طاقتكم واستطاعتكم: (٣) أخرجه أحمد فى مسنده وابن ماجه، والحاكم فى المستدرك والبيهقى فى السنن . (٥) آية ٩٢ من سورة النحل . ( ٤) أنكاثا . طاقات . (٦) فترة أى : فتور . (١) وقفة : استحسان . (٢) حجبة : حجاب. ٣٥٧ ( باب الاستقامة ) وقال أبو بكر، رضى الله عنه، فى معنى قوله: ((ثم استقاموا)): لم يشركوا . وقال عمر ، رضى الله عنه ، لم بزوغوا زوغان الثعالب. فقول الصديق ، رضى الله عنه، محمول على مراعاة الأصول فى التوحيد . وقول عمر ، رضى الله عنه ، محمول على طلب التأويل والقيام شرط العهود وقال ابن عطاء : استقاموا على انفراد القلب بالله تعالى . وقال أبوعلى الحوزجانى : كن صاحب الاستقامة ، لاطالب الكرامة ؛ فان نفسك متحركة فى طلب الكرامة ، وربك عز وجل ، يطالبك بالاستقامة . سمعت : الشيخ أنا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت أبا على الشبور يقول : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فى المنام، فقلت له : روى عنك يارسول الله أنك قلت: ((شيبتني هود))(١) فما الذى شيبك منها : قصص الأنبياء وهلاك الأمم ؟ فقال : لا ، ولكن قوله تعالى: ((فاستقم كما أمرت)). وقيل : إن الاستقامة لايطيقها إلا الأكابر ؛ لأنها الخروج عن المعهودات ، ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بين بدى الله تعالى على حقيقة الصدق ؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: ((استقيموا ولن تحصوا)). وقال الواسطى : ((الخصلة التى بها كملت المحاسن ، وبفقدها قبحت المحاسن: الاستقامة . وحكى عن الشبلى ، رحمه الله، أنه قال: الاستقامة : أن تشهد الوقت قيامة . ١٤ ويقال : الاستقامة فى الأقوال : بترك الغيبة، وفى الأفعال : نهى البدعة ، وفى الأعمال بنفى الفترة(٢) ، وفى الأحوال بنفى الحجة. سمعت : الأستاذ الإمام انا بكر محمد بن الحسين بن فورك يقول : السين فى الاستقامة : سين الطلب ، أى : طلبوا من الحق ، تعالى ، أن يقيمهم ٠٢٢ على توحيدهم ، ثم على استدامة عهودهم ، وحفظ حدودهم . (١) أخرجه الطبر انى فى المعجم الكبير عن عقبة بن عامر وعن أبى حصفه وقال حديث صحيح. واه روايات عدة انظر (٣) أى الفتور . الفيض القدير شرح الجامع الصغير . ٥٠ ٣٥٨ كتاب الشعب ( الرسالة التشيرية للامام القشيرى ) قال الأستاذ : واعلم ان الاستقامة : توجب دوام الكرامات، قال الله تعالى : ((وأن لو استقاموا على الطريقة الأسقيناهم ماء غدقا)) (١) ولم يقل: سقيناهم، بل قال: ((أسقيناهم ،قال: اسقيته إذا جعلت له سقيا، فهو يشير إلى الدوام. سمعت : محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول : سمعت الحسين بن احمد حقول : سمعت أبا العباس الفرغانى يقول : قال الجنيد : لقيت شارا من المريدين فى البادية تحت شجرة من شجر ((آم غيلان)) فقلت: ما أجلسك هاهنا؟ فقال . مال افتقدته ، فمضيت وتركته . فلما انصرفت من الحج إذا انا بالشاب قد انتقل إلى موضع قريب من الشجرة ، فقلت : ماجلوسك هنا ؟ فقال : وجدت ماكنت أطلبه فى هذا الموضع فلزمته . قال : الحنيد : فلا أدرى أيهما كان أشرف : لزومه لافتقاد حاله ، او لزومه للموضع الذى نال فيه مراده . (١) أية ١٦ من سورة الحن. الباب الثلاثون الإخلاص (( ٠٠ ترك العمل من أجل الناس رياء .. والعمل من أجل الناس شرك . والاخلاص : ان يعافيك الله منهما ٠٠)). سط ٣٩٠ كتشسـ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) باب الاخلاص قال الله تعالى: ((ألا لله الدين الخالص))(١) أخبرنا : على بن أحمد الأهوازى قال : أخبرنا أحمد بن عبيد البصرى ، قال : حدثنا جعفر بن محمد الغربانى قال : حدثنا أبوطالوت قال : حدثنى هانىء بن عبد الرحمن بن أبى عقبة ، عن إبراهيم بن أبى عبلة العقيلى قال : حدثنى عطية ابن وشاح ، عن أنس بن مالك رضى الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ثلاث لايغل (٢) عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله ؛ ومناصحة ولاة الأمور ، ولزوم جماعة المسلمين )) . وقال الأستاذ : الإخلاص ، إفراد الحق سبحانه فى الطاعة بالقصد ، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله سبحانه دون أى شىء آخر ؛ من تصنع لمخلوق أو اكتساب محمدة عند الناس ، أو محبة مدح من الخلق ، أو معنى من المعانى سوى التقرب به إلى اللّه تعالى . ويصح أن الإخلاص : تصفية الفعل من ملاحظة المخلوقين . ويصح أن يقال الإخلاص : التوقى عن ملاحظة الأشخاص . وقد ورد خبر مسند: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن جبريل ، عليه السلام ، عن الله سبحانه وتعالى ، أنه قال : الإخلاص سر من سرى ، استودعته قلب من أحببته من عبادى )) . سمعت : الشيخ آبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : وقد سألته عن الإخلاص : ماهو ؟ فقال : ٦ سمعت : على بن سعيد، وأحمد بن محمد بن زكريا ، وقد سألهما عن الإخلاص ، فقالا : سمعنا على إبراهيم الشقيفى ، وقد سألناه عن الإخلاص ، فقال : سمعت : محمد بن جعفر الخصاف ، وقد سألته عن الإخلاص ، فقال : سألت أحمد بن بشار عن الإخلاص : ماهو ؟ قال : سألت أما يعقوب الشريطى عن الإخلاص : ما هو ؟ قال : (١) آيه ٣ من سورة الزمر. (٢) يغل: بضم الوسط: خون، وبالكسر يحقد. ٣٦١ ( باب الاخلاص ) سألت أحمد بن غسان عن الإخلاص : ماهو ؟ قال : سألت عبد الواحد بن زيد عن الإخلاص : ماهو ؟ قال : سألت الحسن عن الإخلاص : ماهو قال : سألت حذيفة عن الإخلاص : ماهو ؟ قال : ٠ سألت النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الإخلاص : ماهو ؟ قال : سألت جبريل عليه السلام عن الإخلاص : ماهو ؟ قال : ـب سألت رب العزة عن الإخلاص : ماهو ؟ قال : ھے (( سر من سرى استودعته قلب من أحببته من عبادى)). سمعت : الأستاذ آبا على الدقاق يقول : الإخلاص : التوفى عن ملاحظة الخلق ، والصدق: التنوى من مطالعة النفس فالمخلص لارياء له ، والصادق : لا إعجاب له . وقال ذو النون المصرى : الإخلاص : لا يتم إلا بالصدق فيه ، والصبر عليه ، والصدق لاتم إلا بالإخلاص فيه والمداومة عليه . وقال أبو يعقوب السوسى : متى شهدوا فى إخلاصهم الخلاص إحتاج إخلاصهم إلى إخلاص . وقال ذو النون : ثلاث من علامات الإخلاص : استواء المدح والذم من العامة ، ونسيان رؤية الأعمال فى الأعمال ، ونسيان اقتضاء ثواب العمل فى الآخرة . سمعت : الشيخ أباعبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت آباعمان المغربى يقول : الإخلاص : ما يكون للنفس فيه حظ بحال ، وهذا إخلاص للعوام . وآما إخلاص الخواص : فهو ما يجرى عليهم ، لا بهم ، فتبدو منهم الطاعات ، وهم عنها بمعزل، ولا يقع لهم عليها رؤية ، ولا بها اعتداد ، فذلك : إخلاص الخواص . وقال أبوبكر الدقاق : نقصان كل مخلص فى إخلاصه : رؤبة إخلاصه ؛ فإذا أراد الله تعالى أن يخلص إخلاصه أسقط عن إخلاصه رؤيته الإخلاء. ، فكون مخلصاً(١) لا مخلصا (٢). وقال سهل: لا يعرف الرياء(٣) إلا مخلص . (١) وهو من حلصه الله من كل شائية. (٣) أى فيتجنبه بعد معرفته (٢) من أخلص فى عمله . ١٦٢ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) سمعت اناحاتم السجستانى يقول : سمعت عبد الله بن على يقول: سمعت الوجهى يقول : سمعت أناهلى للروذيارى يقول : قال لى رويم : قال أبو سعيد الخراز : رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين . وقال ذو النون : الإخلاص : ماحفظ من العدو أن يفسده . وقال أبوعتمان : الإخلاص : نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى فضل الخالق . وقال حذيفة المرعشى : الإخلاص : أن تستوى أفعال العبد فى الظاهر والباطن . وقيل : الإخلاص : ما أريد به الحق سبحانه ، وقصد به الصدق . وقيل : الإغماض عن رؤية الأعمال . سمعت : محمد بن الحسين ، رحمه الله، يقول : سمعت أبا الحسين الفارسى يقول : سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت على بن عبدالحميد يقول : سمعت السرى يقول : من تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين الله تعالى. وسمعته يقول : سمعت على بن بندار الصوفى (١) يقول: سمعت عبد الله بن محمود يقول : سمعت محمد بن عبد ربه يقول : سمعت الفضيل يقول ترك العمل من أجل الناس رياء ، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص : أن يعافيك اللّه منهما . وقال الجنيد : الإخلاص سر بين اللّه تعالى وبين العبد ، لا يعلمه ملك فيكتبه ، ولا شيطان فيفسده ، ولاهوى فيميله . وقال رويم : الإخلاص من العمل (٢) هو: الذى لايريد صاحبه عليه عوضاً من الدارين ، ولا حظأ من الملكين . وقيل لسهل بن عبد الله: أى شىء أشد على النفس ؟ فقال : الإخلاص ؛ لأنه ليس لها فيها نصيب. قد أ وسئل بعضهم عن الإخلاص : فقال : أن لاتشهد على عملك غير الله عز وجل وقال بعضهم : دخلت على سهل بن عبد الله يوم جمعة قبل الصلاة بيتا .. فرات فى الببت حية . فجعلت أقدم رجلا وأؤخر اخرى ، فقال : ادخل لاسلغ أحد حقيقة الإيمان وعلى وجه الأرض شىء خافه . ثم قال : هل لك فى صلاة الجمعة ؟ فقلت : (١) وفى نسخة ((العمرفى)). (٢) أى : فيه . ٣٦٣ ( باب الاخلاص ) بيننا وبين المسجد مسيرة يوم وليلة . فاخد بيدى، مما كاد إلا قليل حتى رات المسجد ، فدخلناه ؛ وصلينا الجمعة . ثم خرجنا ، فوقف نظر إلى الناس وهم يخرجون ، فقال : أهل لا إله إلا الله كتير ، والمخلصون منهم قليل. أخبرنا : حمزة بن يوسف الجرجانى قال : حدثنا محمد بن محمد بن عبد الرحيم قال : حدثنا أبو طالب محمد بن زكريا المقدسى قال : حدثنا أبو قر صافة محمد بن عبد الوهاب العسقلانى قال : حدثنا زكريا بن نافع قال : حدثنا محمد بن تزيد القراطيسى ، عن إسماعيل بن ابى خالد ، عن مكحول قال : ما أخلص عبد قط أربعين يوماً ، إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول : سمعت عبد الرازق يقول : سمعت يوسف بن الحسين تقول : أعز شىء فى الدنيا الإخلاص ، وكم اجتهد فى إسقاط الرياء عن قلبه ، فكأنه بنبت فيه على لون آخر . وسمعته يقول : سمعت النصراباذى يقول : سمعت أما الجهم يقول : سمعت ابن ابى الحوارى يقول : سمعت أبا سليمان يقول : إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء . A الباب الحادى والثلاثون الصدق (٠٠ قال ذو النون المصرى : ٠٠ الصدق سيف الله .. ما وضع على شىء الا قطعه ٠٠ !! )) ٣٦٦ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) باب الصدق قال الله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)) (١). أخبرنا : الامام أبوبكر محمد بن فورك ، رحمه الله ، قال : أخبرنا عبد الله ابن جعفر بن أحمد الأصبهانى قال : حدثنا أبو شر يونس بن حبيب قال : حدثنا أبو داود الطيالسى قال : حدثنا شعبة ، عن منصور ، عن أبى وائل ، عن عبد الله ابن مسعود ، عن النبى صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (( لا يزال العبد يصدق وبتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً ، ولا يزال بكذب وبتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً))(٢). قال الأستاذ : والصدق: عماد الأمر ، وبه تمامه ، وفيه نظامه ، وهو تالى درجة النبوة، قال الله تعالى: ((فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ... )) الآية (٣). والصادق(٤) الاسم اللازم(٥) من الصدق ، والصديق المبالغة منه: وهو الكثير الصدق ، الذى الصدق غالبه ، كالسكير والخمير .. وبابه . واقل الصدق : استواء السر والعلانية . والصادق : من صدق فى أقواله . والصديق : من صدق فى جميع أقواله ، وأفعاله وأحواله . وقال احمد بن خضروية ؛ من أراد أن يكون الله تعالى معه فليلزم الصدق ؛ فان الله تعالى قال: ((إن اللّه مع الصادقين(٦). سمعت الشيخ أباعبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت منصور ابن عبد الله يقول: سمعت الفرغانى يقول : سمعت الجنيد يقول : الصادق : يتقلب فى اليوم أربعين مرة ، والمرائى ثبت على حالة واحدة أربعين سنة . وقال ابو سليمان الدارانى : لو أراد الصادق آن يصف ما فى قلبه ما نطق به لسانه . وخيل الصدق : القول بالحق فى مواطن الهلكة . وقيل الصدق : موافقة السر النطق . (١) آية ١١٩ من سورة الوبه . (٣) أية ٦٩ من سورة النساء. (٥) أي : المنتق. (٢) رواه البخارى ومسلم بنحوه . (٤) أى : لفظه. (٦) آية ١٥٣ من سورة البقرة. ٣٦٧ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) وقال الفناد : الصدق : منع الحرام من الشدق . وقال عبد الواحد بن زيد : الصدق: الوفاء للّه سبحانه بالعمل. سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا العباس البغدادى يقول : سمعت جعفر بن نصير يقول : سمعت الجريرى يقول : سمعت سهل بن عبد الله يقول : لاشم رائحة الصدق عند داهن نفسه أو غيره . وقال أبو سعيد القرشى : الصادق : الذى يتهيأ له أن يموت ولا يستحى من سره لو كشف، قال الله تعالى: ((فتمنوا الموت إن كنتم صادقين)(١). سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه الله ، يقول : كان أبو على الثقفى يتكلم بوماً ، فقال له عبد الله بن منازل : با أبا على، استعد للموت فلا بدمنه . فقال أبو على : وأنت ياعبد الله ، استعد للموت فلا بد منه . فتوسد عبد الله ذراعه ، ووضع رأسه ، وقال : قد مت . فانقطع أبو على؛ لأنه لم يمكنه أن بقابله بما فعل ، لأنه كان لأبى على علاقات (٢) وكان عبد الله مجرداً لا شغل له . ... سمعت الشيخ أباعبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : كان أبو العباس الدينورى يتكلم .. فصاحت عجوز فى المجلس صيحة ، فقال لها أبو العباس الدينورى: موتى .. فقامت وخطت خطوات .. ثم التفتت إليه ، وقالت : قد مت . ووقعت ميتة . وقال الواسطى : الصدق : صحة التوحيد مع القصد . وقيل : نظر عبد الواحد بن زيد إلى غلام من أصحابه قد نحل بدنه ، فقال : باغلام ، أقديم الصوم ؟ فقال : ولا أديم الإفطار . فقال : أتديم القيام بالليل ؟ فقال : ولا أديم النوم .٦ فقال : فما الذى أنحلك ؟ فقال: هوى دائم .. وكتمان دائم عليه . فقال عبد (١) آية ٩٤ من سورة البقرة. (٢) أسباب وأمور دنيوية. ٣٦٨ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) الواحد : اسكت ؟ فما أجرآك .. فقام الغلام ، وخطا خطوتين ، وقال : إلهى ، إن كنت صادقاً فخذنى ، فخر ميتاً . ٠ وحكى عن أبى عمرو الزجاجى أنه قال : ماتت أمى .. فورثت منها دارا، فبعها بخمسين ديناراً .. وخرجت إلى الحج، فلما بلغت ((بابل)) استقبلنى واحد من ((القناقته)) (١) وقال: ما معك؟ فقلت فى نفسى: الصدق خبر .. ثم قلت : خمسون ديناراً . فقال : ناولنها . فناولته الصرة .. فعدها ؛ فاذا هى خمسون دينارا . فقال : خذها ؛ فلقد أخذنى صدقك . ثم نزل عن الدابة ، وقال : اركبها . فقلت : لا أريد .. فقال : لابد . وألح على . فركبتها . فقال : وأنا على اترك . فلما كان العام المستقبل لحق بى ، ولازمنى حتى مات . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت جعفر الخواص يقول : ٠٠ سمعت إبراهيم الخواص تقول : الصادق. لانراه إلا فى فرض يؤدبه ، او فضل يعمل فيه . وسمعته يقول : سمعت أبا الحسين بن مقسم يقول : سمعت جعفر الخواص يقول : سمعت الجنيد يقول : حقيقة الصدق : أن تصدق فى موطن لاننجيك منه إلا الكذب . وقيل : ثلاثة لاتخطىء الصادق : الحلاوة ، والهيبة ، والملاحة . وقيل : اوحى الله سبحانه، إلى داود عليه السلام، باداود من صدقنى فى سريرته صدقته عند المخلوقين فى علانيته . وقيل: دخل ((إبراهيم بن دوحة)) مع ((إبراهيم بن ستنة)) المادية، فقال إبراهيم بن ستنة : اطرح مامعك من العلائق . قال : فطرحت كل شىء إلا ديناراً فقال : يا إبراهيم ، لا تشغل سرى ، اطرح مامعك من العلائق .. قال : فطرحت الدينار ، ثم ال : (١) القناقنه. وجمع قنقن. وهو الدليل الهادى والبصر بالماء فى حمر القى. ٣٦٩ ( باب الصدق ) ما إبراهيم ، اطرح مامعك من العلائق .. فتذكرت أن معى شوعا (١) للنعل، فطرحها ، فما احتجت فى الطريق إلى شع إلا وجدته بين يدى . فقال إبراهيم بن ستنبة : هكذا من عامل اللّه تعالى بالصدق . وقال ذو النون المصرى ، رحمه الله: الصدق سيف الله ، ما وضع على شىء إلا قطعه . وقال سهل بن عبد الله : أول خيانة الصديقين حديهم مع أنفسهم . وسئل فتح الموصلى عن الصدق ، فأدخل يده فى كبر الحداد .. وأخرج الحديدة المحماة .. ووضعها على كفه ، وقال : هذا هو الصدقّ. وقال يوسف بن أسباط : لأن آبيت ليلة أعامل اللّه تعالى بالصدق أحب إلى من ان أضرب بسيفى فى سبيل الله تعالى . سمعت الأستاذ أما على الدقاق ، يقول : الصدق أن تكون مع الناس كما ترى من نفسك ، أو أن ترى من نفسك كما تكون (٢). وسئل الحارث المحاسبي عن علامة الصدق ، فقال : الصادق: هو الذى لايبالى لوخرج كل قدر له فى قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه ، ولا يحب إطلاع الناس على مثاقيل الدر من حسن عمله ، ولا يكره أن يطلع الناس على السىء من عمله ؛ فان كراهته لذلك دليل على أنه يحب للزيادة عندهم وليس هذا من أخلاق الصديقين . وقال بعضهم : من لم يؤد الفرض الدائم لا يقبل منه الفرض المؤقت (٣). قيل له : ما الفرض الدائم ؟ قال : الصدق . وقيل : إذا طلبت اللّه بالصدق أعطاك مرآة تبصر فيها كل شىء من عجائب الدنيا والآخرة . (١) أربطة . (٢) أى كما تكون منهم، بأن يستوى عندك السر والعلانية. (٣) أي المؤقت بوقت ؟ كالصلوات الخمس. ٣٧ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) وقيل : عليك بالصدق حيث تخاف أنه يضرك فانه ينفعك ، ودع الكذب حيث ترى أنه ينفعك ؛ فانه يضرك . وقيل : كل شىء شىء ، ومصادقة الكذاب لاشىء . وقيل : علامة الكذاب جوده بالمين(١) بغير مستحلف . وقال ابن سيرين : الكلام أوسع من أن يكذب ظريف . وقيل : ما أملق (٢) تاجر صدوق . (١ ) القسم . (٢) ما انتقر . الباب الثاني والثلاثون الحيا ((٠٠ من أستحيا من الله مطيعا .. استحيا الله تالى منه وهو مذنب.)) 1 ٣٧٢ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) باب الحياء قال الله تعالى: ((ألم يعلم بان الله برى)) (١). وأخبرنا أبوبكر محمد بن عبدوس الحبرى المزكى قال : أخبرنا أبو سهل أحمد ابن محمد بن زياد النحوى ببغداد قال : حدثنا إبراهيم بن محمد من الهيم قال : حدثنا موسى بن حيان قال : حدثنا المقدمى ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، رضى الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحياء من الإيمان)). وأخبرنا أبو سعيد محمد بن إبراهيم الإسماعيلى قال : حدثنا أبوعمان عمروبن عبد الله البصرى قال : حدثنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب قال . حدثنا بعلى بن عبيد قال : حدثنا أبان بن إسحق ، عن الصباح بن محمد ، عن مرة الهمذانى ، ابن مسعود ، رضى الله عنه، أن نبى الله صلى الله عليه وسلم، قال ذات يوم لأصحابه: ((استحيوامن اللّه حق الحياء قالوا: إنا نستحى با نبى الله، والحمد لله. قال : ليس ذلك ، ولكن من استحيا من اللّه حق الحياء ، فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى ، وليذكر الموت والبلى ، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا ، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء)) (٢). سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : أخبرنا أبو نصر الوزيرى قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن محمد قال : حدثنا الغلابى قال : حدثنا محمد بن مخلد ، عن أبيه قال : قال بعض الحكماء : أحيوا الحياء بمجالسة من يستحى منه . وسمعته يقول سمعت أبا بكر الرازى يقول سمعت ابن عطاء تقول : العلم الأكبر : الهيبة والحياء ؛ فإذا ذهبت الهيبة والحياء لم ببق فيه خير (٣) . وسمعته يقول : سمعت أبا الفرج الورثانى يقول : سمعت محمد بن أحمد بن يعقوب يقول : حدثنى محمد بن عبد الملك قال : سمعت ذا النون المصرى يقول : الحياء وجود فى القلب ، مع وحشة ما سبق منك إلى ربك تعالى . وقال ذو النون المصرى : الحب ينطق ، والحياء يسكب ، والخوف يقلق . (١) آية ١٤ من سورة العلق . (٢) حديث صحيح أخرجه أحمد فى مسنده والترمذى فى سننه والحاكم فى المستدرك والبيهقى فى الشعب. (٣) أى فى القلب. ٣٧٣ ( باب الحياء ) وقال أبو عمان : من تكلم فى الحياء ولا يستحى من اللّه عز وجل فيما يتكلم به ، فهو مستدرج . سمعت أبا بكر بن أشكيب ، يقول: دخل الحسن بن الحداد على عبد الله ابن منازل ، فقال : من أين تجىء ؟ فقال : من مجلس أبى القاسم المذكر . قال : فيما ذا كان يتكلم؟ فقال: فى الحياء. فقال عبد الله: واعجباه .. من لم يستح من الله تعالى كيف تتكلم فى الحياء ؟ . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا العباس البغدادى يقول : سمعت أحمد بن صالح يقول : سمعت محمد بن عبدون يقول : سمعت أبا العباس المؤدب يقول : قال السرى : إن الحياء والأنس يطرقان القلب ؛ فان وجدافيه الزهد والورع حطا ، وإلا رحلا . وسمعته يقول : سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول : سمعت الجريرى يقول : تعامل القرن الأول من الناس فيما بينهم بالدين ، حتى رق الدين .... ثم تعامل القرن الثانى بالوفاء حتى ذهب الوفاء ، ثم تعامل القرن الثالث بالمروءة حتى ذهبت المروءة ، ثم تعامل القرن الرابع بالحياء حتى ذهب الحياء ، بم صار الناس يتعاملون بالرغبة والرهبة . وقبل فى قوله تعالى: ((ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه))(١): البرهان : أنها ألقت ثوباً على وجه صنم فى زاوية البيت ، فقال يوسف عليه السلام: ماذا تفعلين ؟ فقالت : أستحى منه ، قال يوسف عليه السلام : أنا أولى منك أن أستحى من الله تعالى . وقيل فى قوله تعالى: ((فجاءته إحداهما تمشى على استحياء))(٢) قيل: إنما استحيت منه ؛ لأنها كانت تدعوه إلى الضيافة ، فاستحيت ان لا يجيب موسى عليه السلام ، فصفة المضيف الاستحياء ، وذلك استحياء الكرم . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله . بقول : سمعت عبد الله بن الحين يقول : سمعت أبا محمد البلاذرى يقول: سمعت أبا عبد الله العمرى يقول: سمعت أحمد بن أبى الحوارى يقول : سمعت أبا سليمان الداراني يقول : قال الله تعالى: (١) آية ٢٤ من سورة يوسف . (٢) آية ٢٥ من سورة القصص. ٣٧٤ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) (( يا عبدى إنك ما استحبيت مى؛ آنسيت الناس عيوبك، وانسيت تقاع الأرض ذنوبك ، ومحوت من أم الكتاب زلاتك ، ولا أناقشك فى الحساب يوم القيامة)) . وقيل : رؤى رجل يصلى خارج المسجد ، فقيل له : لم لاتدخل المسجد فتصلى فيه ؟ فقال : أستحى منه تعالى أن أدخل بيته ، وقد عصيته .. وقيل : من علامات المستحى : أن لا يرى بموضع ستحيا منه . وقال بعضهم : خرجنا ليلة فمررنا بأجمة (١) ، فاذا رجل نائم ، وفرس عندراسه ترعى ، فحركناه ، وقلنا له : ألاتخاف أن تنام فى مثل هذا الموضع المحوف وهو مسبع؟ (٢) . فرفع رأسه ، وقال : أنا أستحى منه تعالى ، أن أخاف غيره ، ووضع رأسه ونام . وأوحى الله سبحانه إلى عيسى عليه السلام : عظ نفسك ؛ فان اتعظت فعظ الناس ، وإلا فاستح منى أن تعظ الناس . وقيل : الحياء على وجوه : حياء الجنابة ؛ كآدم ، عليه السلام ، لما قيل له : آفراراً منا .. فقال : لا ، بل حياء منك . وحياء التقصير ؛ كالملائكة يقولون : سبحانك ، ما عدناك حق عبادتك . وحياء الإجلال ؛ كاسرافيل ، عليه السلام ، تسرىل بجناحه حياء من الله عز وجل . وحياء الكرم ؛ كالنبى صلى الله عليه وسلم ، كان يستحى من امته، أن تقول لهم: اخرجوا، فقال الله عز وجل: ((ولا مستأنسين لحديث))(٣). وحياء حشمة ؛ كعلى ، رضى الله عنه ، حين سأل المقداد بن الأسود حتى سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن ((حكم خروج المذى))، لمكان فاطمة رضى الله عنها . (١) الأجمة : الشجر الملتف . (٢) كثير السباع . (٣) آية ٥٣ من سورة الأحزاب.