النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٣٢
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
باب المراقبة
قال الله تعالى: ((وكان الله على كل شىء رقيبا))(١).
أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن بن محمد بن اسحق ، قال : حدثنا أبو عوانة
يعقوب بن اسحق ، قال : حدثنا بوسف بن سعيد بن مسلم ، قال : حدثنا خالد بن
بزيد قال : حدثنا إسماعيل بن أبى خالد ، عن قيس بن أبى حازم ، عن جرير بن
عبد الله البجلى، قال: ((جاء جبريل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فى صورة رجل ،
فقال : يا محمد ، ما الإيمان ؟ . قال : أن تؤمن بالله وملائكته ، وكتبه ، ورسله ،
والقدر: خيره وشره ، وحلوه ومره . قال : صدقت . قال : فتعجبنا من تصديقه النبى
صلى الله عليه وسلم وهو يسأله ويصدقه ، قال : فأخبرنى ما الإسلام ؟ قال : الإسلام
أن تقيم الصلاة ، وتؤنى الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت . قال : صدقت .
قال فأخبرنى ما الإحسان ؟ قال : الإحسان : أن تعبد الله كأنك تراه ، فان لم تكن
تراه فإنه يراك. قال: صدقت .. )) الحديث (٢).
قال الشيخ: هذا الذى قاله صلى الله عليه وسلم: ((فان لم تكن تراه فإنه يراك))
إشارة إلى حال المراقبة ؛ لأن المراقبة علم العبد باطلاع الرب سبحانه عليه ، فاستدامته
لهذا العلم مراقبة لربه ، وهذا أصل كل خير له ، ولا يكاد يصل إلى هذه المرتبة إلا
بعد فراغه من المحاسبة ، فاذا حاسب نفسه على ما سلف له ، وأصلح حاله فى الوقت،
ولازم طريق الحق ، وأحسن بينه وبين الله تعالى مراعاة القلب ، وحفظ مع الله تعالى
الأنفاس ، وراقب الله تعالى فى عموم أحواله ، فيعلم أنه سبحانه ، عليه رقيب ،
ومن قلبه قريب ، بعلم أحواله ، ويرى أفعاله ، وبسمع أقواله ، ومن تغافل عن
هذه الجملة فهو بمعزل عن بداية الوصلة ، فكيف عن حقائق القربة .
(١) آية ٥٢ من سورة الأحزاب.
(٢) رواه الشيخان وغير هما .

٣٣٣
( باب المراقبة )
سمعت الشيخ آبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا بكر
الرازى بقول : سمعت الجريرى يقول : من لم يحكم بينه وبين الله تعالى التقوى
والمراقبة لم يصل إلى الكشف والمشاهدة .
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه الله ، يقول :
كان لبعض الأمراء وزير ، وكان بين بديه يوماً ، فالتفت إلى بعض الغلمان
الذين كانوا وقوفاً ، لا لرببة ، ولكن لحركة أو صوت أحس به منهم ، فاتفق آن
ذلك الأمير نظر إلى هذا الوزير فى تلك الحالة فخاف الوزير أن يتوهم الأمير آنه
نظر إليهم ، فجعل ينظر إليه كذلك ، فبعد ذلك اليوم كان هذا الوزير يدخل على
هذا الأمير ، وهو أبدا ينظر إلى جانب ، حتى توهم الأمير أن ذلك خلقه ، وحول
فيه . فهذه مراقبة مخلوق لمخلوق ، فكيف مراقبة العبد لسيده ؟ .
سمعت بعض الفقراء يقول : كان أمير له غلام يقبل عليه أكثر من إقباله على
غيره من غلمانه ، ولم يكن أكبرهم قيمة ، ولا أحسنهم صورة ؛ فقالوا له فى ذلك ،
فأراد الأمير أن يبين لهم فضل الغلام فى الخدمة على غيره . فيوماً من الأيام كان راكباً
ومعه الحشم، وبالبعد منهم جبل عليه ثلج ، فنظر الأمير إلى ذلك الثلج وأطرق رأسه،
فركض الغلام فرسه ، ولم يعلم القوم لماذا ركض .... فلم يلبث إلا سيراً حتى جاء
ومعه شىء من الثلج . فقال له الأمير : ما أدراك أنى أردت الثلج ؟ فقال الغلام :
لأنك نظرت إليه ، ونظر السلطان إلى شىء لا يكون عن غير قصد صحيح . فقال
الأمير : إنما أخصه باكرامى وإقبالى ؛ لأن لكل أحد شغلا ، وشغله مراعاة لحظاتى ،
ومراقبة أحوالى .
وقال بعضهم : من راقب الله تعالى فى خواطره ، عصمه الله فى جوارحه .
وسئل أبو الحسين بن هند : متى يهش الراعى غنمه بعصا الرعابة عن مراتع
الهلكة ؟ فقال : إذا علم أن عليه رقيبا .
(١) ثبت .

٣٣٤
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
وقيل : كان ابن عمر ، رضى الله عنه، فى سفر، فرأى غلاماً يرعى غنما ،
فقال له : تبيع من هذه الغنم واحدة ؟ .
فقال : إنها ليست لى . فقال : قل لصاحبها إن الذئب آخذ مها واحدة ، فقال
العبد: فان الله ... فكان ابن عمر يقول بعد ذلك إلى مدة : قال ذلك العبد : فأمن اللّه .
وقال الجنيد: من تحقق فى المراقبة خاف فوت حظه من ربه عز وجل لا غير .
وكان بعض المشايخ له تلامذة .. فكان يخص واحداً منهم باقباله عليه أكتر مما
يقبل على غيره ، فقالوا له فى ذلك ، فقال : آبين لكم ذلك .. فدفع إلى كل واحد
من تلامذته طائراً ، وقال له : إذيحه بحيث لايراه أحد ، ودفع إلى هذا أيضاً ،
فمضوا .. ورجع كل واحد منهم وقد ذبح طائره ، وجاء هذا بالطائر حياً . فقال :
هلا ذبحته ؟ فقال : آمرتنى آن آذبحه فى مكان لا يرانى فيه أحد ولم أجد مكانا
لا مرانى فيه الله فلم أذبحه لأن الله برانى فى كل مكان لهذا أخصه باقبالى عليه.
وقال ذو النون المصرى : علامة المراقبة : إيثار ما آثر الله تعالى ، وتعظيم ماعظم
الله تعالى ، وتصغير ما صغر الله تعالى .
وقال النصراباذى : الرجاء : يحركك إلى الطاعات ، والخوف : يبعدك عن
المعاصى، والمراقبة: تؤدىك إلى طرق (١) الحقائق .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا العباس البغدادى تقول : سألت
جعفر بن نصير عن المراقبة ، فقال : مراعاة السر ؛ لملاحظة نظر الحق سبحانه مع
كل خطرة .
وسمعته يقول : سمعت أبا الحسن الفارسى يقول : سمعت الجريرى بقول :
أمرنا هذا مبنى على فصلين : وهو (٢) أن تلزم نفسك المراقبة لله تعالى ، ويكون العلم
على ظاهرك قائما .
(١) دوحات .
(٢) الأولى أن يقول: ((وهما)).

٣٣٥
( باب المراقبة )
وسمعته يقول : سمعت أبا القاسم البغدادى يقول : سمعت المرتعش يقول :
المراقبة : مراعاة السر بملاحظة الغيب مع كل لحظة ولفظة .
وسئل ابن عطاء: ما أفضل الطاعات؟ فقال : مراقبة الحق على دوام الأوقات .
وقال إبراهيم الخواص : المراعاة تورث المراقبة ، والمراقبة تورث خلوص
السر والعلانية لله تعالى .
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول سمعت أبا عنمان
المغربى يقول :
أفضل ما يلزم به الإنسان نفسه فى هذه الطريقة : المحاسبة ، والمراقبة ، وسياسة
عمله بالعلم .
وسمعته يقول: سمعت عبد الله الرازى يقول سمعت أما عنمان : يقول : قال لى
أبو حفص : إذا جلست للناس فكن واعظاً لقلبك ولنفسك ، ولا يغرنك إجتماعهم
عليك ؛ فانهم يراقبون ظاهرك ، والله براقب باطنك .
وسمعته يقول : سمعت محمد بن عبد الله يقول : سمعت أبا جعفر الصيدلانى
يقول : سمعت أبا سعيد الخراز يقول : قال لى بعض مشايخى : عليك بمراعاة سرك
والمراقبة .. قال : فبينا أنا يوماً أسير فى البادية ، إذ آنا بخشخشة خلفى ، فها لنى
ذلك .. وأردت أن التفت فلم التفت .. فرأيت شيئاً واقفاً على كثفى .. فانصرف،
وأنا مراع السرى .. ثم التفت ، فإذا أنا بسبع عظيم .
وقال الواسطى : أفضل الطاعات حفظ الأوقات . وهو : أن لايطالع العبد غير
حده ، ولا يراقب غير ربه ، ولا يقارن غير وقته .

الباب السادس والعشرون
الرضـ
((٠٠ الرضا : اخراج الكراهية
من القلب .. حتى لا يكون فيه
الا فرح وسرور ٠٠)

٣٣٨
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى)
راب الرضا
قال الله عز وجل: ((رضى الله عنهم ورضوا عنه)) ... الآية (١).
أخبرنا على بن أحمد الأهوازى ، رحمه الله ، قال : حدثنا أحمد بن عبيد
البصرى ، قال : حدثنا الكريمى ، قال : حدثنا يعقوب بن إسماعيل السلال، قال:
حدثنا أبوعاصم العبادانى ، عن الفضل بن عيسى الرقاشى ، عن محمد بن المنكدر،
عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. (( بينا أهل الجنة فى مجلس
لهم ، إذ سطح لهم نور على باب الجنة ، فرفعوا رءوسهم ، فاذا الرب تعالى قد شرف
عليهم ، فقال : يا أهل الجنة ، سلونى . فقالوا : نسألك الرضا عنا ، قال تعالى :
نسألك الزيادة . قال : فيؤتون بنجائب من ياقوت أحمر .. أزمتها زمرد أخضر ،
وياقوت أحمر ، فجاءوا عليها ، تضع حوافرها عند منتهى طرفها (٢) ، فيأمر الله،
سبحانه ، بأشجار عليها الثمار وتجىء جوار من الحور العين ، وهن بقلن : نحن
الناعمات فلا نبؤس ، ونحن الخالدات فلانموت، أزواج قوم مؤمنين كرام ، ويأمر
الله، سبحانه، بكثبان (٢) من مسك أبيض أذفر، فتثير عليهم ريحاً بقال لها (المثيرة))
حتى تنتهى بهم إلى جنة عدن، وهى ((قصبة)) (٤) الحنة ، فتقول الملائكة : يا ربنا ،
قد جاء القوم . فيقول الله : مرحباً بالصادقين .. مرحباً بالطائعين .
قال: فيكشف لهم الحجاب .. فينظرون إلى الله، عز وجل .. فيتمتعون بنور
الرحمن ، حتى لا يبصر بعضهم بعضاً ، ثم يقول : أرجعوهم إلى القصور بالتحف .
قال: فيرجعون، وقد أبصر بعضهم بعضاً . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
فذلك قوله تعالى: ((نزلا من غفور رحيم)).
وقد اختلف العراقيون والخراسانيون فى الرضا : هل هو من الأحوال ، أو من
المقامات ؟
فأهل خراسان قالوا : الرضا : من جملة المقامات ، وهو نهاية التوكل ، ومعناه :
أنه يؤول إلى أنه مما ىتوصل إليه العبد باكتسابه .
وأما العراقيون ؛ فانهم قالوا : الرضا : من جملة الأحوال ، وليس ذلك كسباً
، للعبد ، بل هو نازلة تحل بالقلب كسائر الأحوال.
(١) آية ٨ من سورة البية.
(٢) أى بصرها
(٤) أى وسطها والمراد أحمنها .
(٣) أى تلال .

٣٣٩
( باب الرضا)
ويمكن الجمع بين اللسانين (١) ؛ فيقال : بداية الرضا مكتسبة للعبد، وهى من
المقامات ، ونهابته من جملة الأحوال ، وليست مكنسة .
وتكلم الناس فى الرضا ؛ فكل عبر عن حاله وشربه (٢) ، فهم فى العمارة عنه
مختلفون ، كما أنهم فى الشرب والنصيب من ذلك متفاوتون .
فأما شرط العلم ، والذى هو لابد منه: فالراضى بالله تعالى ، هو : الذى لا بعترض
على تقديره . .
سمعت الأستاذ أنا على الدقاق يقول : ليس الرضا أن لاتحس بالملاء ، إنما
الرضا : أن لاتعترض على الحكم والقضاء .
واعلم أن الواجب على للعبد : أن يرضى بالقضاء الذى أمر بالرضا به ؛ إذ ليس
كل ما هو بقضائه يجوز للعبد أويجب عليه الرضا به ؛ كالمعاصى ، وفنون محن
المسلمين .
وقال المشايخ : الرضا باب اللّه الأعظم . يعنون: أن من أكرم بالرضا فقد
لقى بالترحيب الأوفى ، وأكرم بالتقربب الأعلى .
سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : أخبرنا أبوجعفر الرازى قال : حدثنا
العباس بن حمزة قال : حدثنا ابن أبى الحوارى قال : قال عبد الواحد بن زيد :
الرضا باب الله الأعظم ، وجنة الدنيا .
واعلم : أن العبد لابكاد برضى عن الحق ، سبحانه ، إلا بعد أن يرضى عنه
الحق سبحانه؛ لأن الله عز وجل قال: ((رضى الله عنهم ورضوا عنه)) (٣).
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول : قال تلميذ لأستاذه : هل بعرف العبد
أن الله تعالى راض عنه؟ فقال : لا ، كيف يعلم ذلك . ورضاه غيب؟ فقال
التلميذ : بل يعلم ذلك ، فقال : كيف ؟. فقال : ذا وجدت قلبى راضياً عن الله
تعالى ، علمت أنه راض عنى فقال الأستاذ : أحسنت ياغلام .
وقيل : قال موسى عليه السلام : إلهى ، دلنى على عمل إذا عملته رضت به
عبي . فقال : إنك لا تطيق ذلك . فخر موسى عليه السلام ساجداً له ، متضرعاً ، .
فأوحى الله تعالى إليه : با ابن عمران، إن رضاى فى رضاك بقضائى .
(١) أى القولين .
(٣) آية ٨ من سورة البينة .
(٢) أى نصبيه .
٠٠

٣٤٠
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
. أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله: قال : أخبرنا أبو جعفر
الرازى ، قال : حدثنا العباس بن حمزة قال : حدثنا ابن أبى الحوارى قال : سمعت
انا سليمان الدارانى يقول : إذ سلا العبد عن الشهوات فهو راض .
وسمعته يقول : سمعت النصراباذى يقول : من اراد أن يبلغ محل الرضا فليلزم
ماجعل الله رضاه فيه .
وقال محمد بن خفيف : الرضا على قسمين : رضا به ، ورضا عنه ؛ فالرضا به
آن برضاه مدبراً ، والرضا عنه فيما تقضى .
سمعت الأستاذ أما على الدقاق بقول : طريق السالكين أطول ، وهو طريق
الرياضة ، وطريق الخواص أقرب ، لكنه أشق ، وهو أن يكون عملك بالرضا ،
ورضاك بالقضاء .
وقال روم: الرضا : أن لوجعل الله جهنم على يمينه ما سأل ان بحولها إلى بساره .
وقال أبو بكر بن طاهر : الرضا: إخراج الكراهية من القلب ، حتى لا يكون
فیه إلا فرح وسرور .
وقال الواسطى : استعمل الرضا جهدك ، ولاتدع الرضا يستعملك ؛ فتكون
محجوباً للذته ورؤبته عن حقيقة ما تطالع .
واعلم أن هذا الكلام الذى قاله الواسطى شىء عظيم ، وفيه تنبيه على مقطعة
للقوم خفية ، فان السكون عندهم إلى الأحوال : حجاب عن محول الأحوال فاذا
استلذ رضاه ووجد بقلبه راحة الرضا حجب بحاله عن شهود حقه .
ولقد قال الواسطى أيضاً: إياكم واستحلاء الطاعات، فانها (١) سموم قاتلة .
وقال ابن خفيف : الرضا : سكون القلب إلى أحكامه ، وموافقة القلب بما رضى
الله له واختاره له .
وسئلت رابعة العدوبة : منى يكون العبدراضياً ؟ فقالت : إذا سرته المصيبة كما
سرته النعمة .
وقيل . قال الشلى بين يدى الجنيد: لاحول ولاقوة إلا بالله، فقال له الحنيد.
قولك ذا ضيق صدر ، وضيق الصدر لترك الرضا بالقضاء ، فسكت للشبلى :
(١) الأولى أن يقال. فائه، أى استجلا، الطاعات. اى التلذذ بنوعٍ منها.
٢

٣٤١
( باب الرضا)
وقال أبو سليمان الداراني : أرضا أن لا يسال الله تعالى الحنة ، ولا تستعيذ له
من النار.
سمعت محمد بن الحسين بقول : سمعت أبا العباس الغدادى يقول : سمعت محمد
ابن أحمد بن سهل يقول : سمعت سعيد بن عمان يقول : سمعت ذا النون المصرى،
رحمه الله ، تقول : ثلاثة من أعلام الرضا :
ترك الاختيار قبل القضاء ، وفقدان المرارة بعد القضاء ، وهيجان الحب فى
حشو البلاء .
وسمعته يقول : سمعت محمد بن جعفر البغدادى يقول : سمعت إسماعيل
ابن محمد الصفار يقول : سمعت محمد بن يزيد المبرد يقول : قيل للحسين بن على
ابن أبى طالب ، رضى الله عنهما: إن أبا ذر يقول: الفقر أحب إلى من الغبى ، والسقم
أحب إلى من الصحة ، فقال : رحم الله أبا ذر ، أما أنا فأقول : من اتكل على حسن
اختيار الله تعالى له لم يتمن غير ما اختاره الله عز وجل له .
وقال الفضيل بن عياض لشر الحافى : الرضا أفضل من الزهد فى الدنيا ؛ لأن
للراضى لايتمنى فوق منزلته .
وسئل أبوعتمان عن قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((أسألك الرضا بعد القضاء))
لأن الرضا قبل القضاء عزم على الرضا ، والرضا بعد القضاء هو الرضا .
سمعت الشيخ أنا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله يقول : سمعت عبد الله
الرازى يقول : سمعت ابن أبى حسان الأنماطى يقول : سمعت أحمد بن أبى الحوارى
تقول : سمعت أبا سليمان تقول : أرجو أن أكون عرفت طرفا من الرضا: لو أنه أدخلى
النار لكنت بذلك راضياً .
وقال أبو عمر الدمشفى : الرضا: ارتفاع الجزع فى أى حكم كان ، وقال الحنيد :
الرضا: رفع الاختيار ، وقال ابن عطاء: الرضا : نظر القلب الى قديم اختيار الله تعالى
للعبد ، وهو ترك التسخط ، وقال رويم. الرضا: استقال الأحكام(١) بالفرح ، وقال
المحاسبي : الرضا : سكون القلب تحت مجارى الأحكام ، وقال النورى (٢): الرضا:
سرور القلب بمر القضاء .
(١) ى البلا يا .
(٢) وفى نسخة (ذو النون)).

٣٤٣
سـ
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا الحسن الفارسى يقول: سمعت
الحريرى يقول : من رضى بدون قدره رفعه الله تعالى فوق غايته .
وسمعته يقول : سمعت أحمد بن على يقول : سمعت الحسن بن علوية يقول :
قال أبو تراب النخشبى : ليس ينال الرضا من للدنيا فى قلبه مقدار.
أخبرنا الشيخ ابوعبد الرحمن السلمى ، قال : أخبرنا أبو عمرو بن حمدان قال :
حدثنا عبد الله بن شتروبه قال : حدثنا شر بن الحكم قال : حدثنا عبد العزيز بن
محمد ، عن يزيد بن الهادى ، عن محمد بن إبراهيم ، عن عامر بن سعد ، عن العباس
ابن عبد المطلب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((ذاق طعم الإيمان من رضى بالله ربا)).
وقيل : كتب عمر بن الخطاب إلى أبى موسى الأشعرى ، رضى الله عنهما ، :
(( أما بعد ، فان الخير كله فى الرضا، فإن استطعت أن ترضى ، وإلا ،
٠
فاصبر )) .
وقيل: إن عتة الغلام بات ليلة تقول إلى الصباح: ((إن تعذنى فأنا لك محب ،
وإن ترحمى فأنا لك محب)) .
سمعت الأستاذ أما على الدقاق ، تقول : الإنسان خزف ، وليس للخزف من
F
الخطر ما يعارض فيه حكم الحق تعالى .
وقال انوعمان الحريرى : منذ أربعين سنة ما آقامى اللّه ، عز وجل ، فى حال
فكرهته ، وما نقلى إلى غيره فسخطته .
سمعت الأستاذ آبا على الدقاق يقول : غضب رجل على عبد له ، فاستشفع للعبد
إلى سيده إنسانا ، فعفا عنه ، فأخذ العبد ببكى ، فقال له الشفيع : لم تبكى وقد عفا
عنك سيدك ؟
فقال له السيد: إنما بطلب للرضا منى ولا سبيل له إليه، فانما يبكى لأجله(١).
(١) فان العفو غير الرضا .
۔

الباب السابع والعشرون
العبودية
(( ٠٠ العبودية: ٠٠ زينة للعبد
٠٠ فمن تركها تعطل من الزينة . ))
٠

٣٤٤
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
باب العبودية
قال الله عز وجل: ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (١).
وأخبرنا أبو الحسن الإهوازى ، رحمه الله ، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار
قال حدثنا عبيد بن شريك قال : حدثنا يحيى قال : حدثنا مالك عن حبيب بن عبد
الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، عن عمر بن الخطاب ، عن أبى سعيد الخدرى ،
وأبى هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (سبعة يظلهم الله فى ظله يوم
لاظل إلا ظله : إمام عادل ، وشاب نشأ فى عبادة الله تعالى ورجل قلبه معلق بالمسجد
إذا خرج حتى يعود إليه ، ورجلان تحابا فى اللّه اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه ،
ورجل ذكر الله تعالى خالياً ففاضت عيناه ، ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال
فقال : إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله
ما تنفق يمينه ) .
سمعت الأستاذ أنا على الدقاق ، رحمه الله ، بقول:
هـ
العبودية أتم من العبادة ، فأولا : عبادة ، تم عبودية ؛ ثم عبودة .
فالعبادة للعوام من المؤمنين ، والعبودية للخواص ، والعبودة لخاص الخاص .
وسمعته بقول : للعبادة: لمن له علم اليقين ، والعبودية ؛ لمن له عين اليقين ،
والعبودة : لمن له حق اليقين .
وسمعته يقول : العبادة: لأصحاب المجاهدات، والعبودية: لأرباب المكابدات،
والعبودة : صفة أهل المشاهدات ، فمن لم يدخر عنه نفسه ، فهو صاحب عادة ، ومن
لم يضن عليه بقلبه فهو صاحب عبودية : ومن لم يبخل عليه بروحه فهو صاحب
عودة .
ويقال : العبودية : القيام بحق الطاعات بشرط التوفير (٢) والنظير إلى مامنك بعين
التقصير ، وشهود ما يحصل من مناقبك من التقدير .
ويقال : العبودية : ترك الاختيار فيما يبدو من الأقدار .
ويقال : العبودية : التبرؤ من الحول والقوة، والإقرار مما يعطيك وبوليك من
الطول (٣) والمنة.
(١) آية ٩٩ من سورة الحجر .
(٢) أى موهرة كاملة .
(٠) الطول . الغي .

٣٤٥
( باب العبودية )
ويقال : العبودية : معانقة ما أمرت به ، ومفارقة ما زجرت عنه .
وسئل محمد بن خفيف : متى تصح العبودية ؟ فقال: إذا طرح كله(١) على
مولاه ، وصبر معه على بلواه .
سمعت الشيخ أباعبد الرحمن السلمى ، رحمة الله ، يقول : سمعت أبا العباس
البغدادى بقول : سمعت جعفر بن محمد بن نصير يقول : سمعت ابن مسروق يقول :
سمعت سهل بن عبد الله يقول: لا يصح (٢) التعبد لأحد حتى لا يجزع من أربعة أشياء:
من الجوع ، والعرى ، والفقر ، والذل .
وقيل : العبودية : أن تسلم إليه كلك ، وتحمل عليه كلك . .
:
وقيل : من علامات العبودية : ترك التدبير ، وشهود التقدير.
وقال ذو النون المصرى : العبودية : أن تكون أنت عبده فى كل حال ، كما أنه
ربك فى كل حال .
وقال الجريرى : عبيد النمم كثير عديدهم ؛ وعبيد المنعم عزيز وجودهم .
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول : أنت عبد من أنت فى رقه وأسره ، فان
كنت فى أسر نفسك فأنت عبد نفسك ، وإن كنت فى أسر دنياك فأنت عبد دنياك .
٦ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار تعس
عبد الخميصة)) (٣).
ورأى أبو رزين رجلافقال له : ماحرفتك ؟ فقال: خر بندة))(٤).
فقال: أمات اللّه تعالى حمارك، لتكون عبد اللّه، لاعبد الحمار .
سمعت الشيخ أباعبد الرحمن يقول : سمعت جدى أنا عمرو بن نجيد تقول:
لاتصفو لأحد قدم فى العبودية حتى يشاهد أعماله عنده رباء ، وأحواله دعاوى
وسمعته يقول : سمعتُ عبد اللّه المعلم يقول : سمعت عبد اللّه من منازل يقول : العبد
عبد مالم يطلب لنفسه خادماً ، فاذا طلب لنفسه خادماً فقد سقط عن حد العبودية
وترك آدابها .
سعد
(١) أى ثقله .
(٢) أى لا يصلح .
(٣) الخميصة: كساء أسود مربع من خز أو صوف. (٤) لفظة غير عربية معناها. خادم حادى.
-

٣٤٦
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية تلامام القشيرى )
وسمعته يقول : سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت جعفر بن نصير يقول :
سمعت ابن مسروق يقول : سمعت سهل بن عبد الله يقول: لا يصلح للعبد التعبد حتى.
يكون بحيث لايرى عليه أثر المسكنة فى العدم ، ولا آثر الغنى فى الوجود .
وقيل : العمودية شهود الربوبية .
سمعت الأستاذ أنا على الدقاق ، رحمه الله، يقول: سمعت النصر اباذى يقول :
قيمة العابد معبوده ، كما آن شرف العارف بمعروفه .
وقال أبو حفص : العبودية زينة العبد ، فمن تركها تعطل من الزينة .
سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول: سمعت أبا جعفر الرازى بقول
سمعت عباس بن حمزة يقول : حدثنا أحمد بن الحوارى قال : سمعت الناجى
بقول : أصل العمادة فى ثلاثة أشياء :
لاترد من أحكامه شيئاً ، ولا تدخر عنه شيئاً ، ولا سمعك تسأل غيره حاجة .
وسمعته يقول : سمعت أبا الحسن الفارسى يقول : سمعت ابن عطاء يقول :
العبودية فى أربع خصال : الوفاء بالعهود ، والحفظ للحدود ، والرضا بالموجود ،
والصبر عن المفقود .
وسمعته يقول : سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول : سمعت الكتانى يقول :
سمعت عمرو بن عثمان المكى تقول : ما رأيت أحداً من المتعبدين ، فى كثرة من
لقيت مكة وغيرها ، ولا أحداً ممن قدم علينا فى المواسم أشد اجتهاداً ولا أدوم على
العادة من المزنى (١)، رحمه الله تعالى، ولا رأيت أحداً أشد تعظيماً لأوامر الله تعالى
منه ، وما رأيت أحداً أشد تضييقا على نفسه وتوسعة على الناس منه .
سمعت الأستاذ أما على الدقاق يقول : ليس شيء أشرف من العبودية ، ولا
اسم (٢) أتم للمؤمن من الاسم له بالعبودية ، ولذلك قال سبحانه فى وصف النبى صلى
الله عليه وسلم ليلة المعراج - وكان أشرف أوقاته فى الدنيا - ( سحان الذى أسرى
بعبده ليلا من المسجد الحرام). وقال تعالى: (فأوحى إلى عبده ما أوحى) ، فلو
كان اسم أجل من العبودية لسماه به .
(١) من أصحاب الإمام الشافعى.
(٢) أى. وصف .

٣٤٧
( باب العبودية )
وفى معناه أنشدوا
يعرفه السامع والرائى
باعمرو ثارى عند زهرائى
فانه اشرف اسمائى
لا تدعنى إلا بياعيدها
وقال بعضهم : إنما هو شتان : سكونك إلى اللذة ، واعمادك على الحركة ، فاذا
أسقطت عنك هذين فقد آديت العمودية حقها .
كما قال الواسطى : احذروا لذة العطاء ؛ فانها غطاء لأهل الصفاء .
وقال أبو على الحوزجانى : الرضا : دار العمودية ، والصبر بابه، والتفويض
ميته ، فالصوت على الاب والفراغة فى الدار ، والراحة فى البيت .
سمعت الأستاذ انا على الدقاق يقول : كما آن الربوبية نعت للحق سحانه
لايزول عنه ، فالعبودية صفة للعد لاتفارقه مادام .
وأنشد بعضهم :
وإن سألوه قال ها ذاك مولابا(١)
فان تسألوبى قلت : ها انا عبده
سمعت الشيخ ابا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت النصر اباذى يقول :
العمادات إلى طلب الصفح والعفو عن تقصيرها أقرب منها إلى طلب الإعواض
والجزاء عليها .
وسمعته يقول: سمعت النصراباذى يقول : العبودية إسقاط رؤية التعمد فى
مشاهدة المعبود .
وسمعته يقول : سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت
الحريرى يقول : سمعت الحنيد تقول : العبودية ، ترك الأشغال، والاشتغال بالشغل
الذى هو اصل الفراغة (٢),
(١) أى عبدى وملوكمى.
(٢) الفراغة. الحرع. قال الشح ركريا. بأن يشتعل العبد بالطاعات ويرى الفصل لمحرمها علمه فى عموم الأوقات فادا
وصل إلى هذه الحالة استراح قلبه من هم التقديرات فوض أمره إلى خالق البربات ، وهذه هى الفراعة من كل ما يصر

ء
الباب الثامن والعشرون
الإرادة
((لوعة فى الفؤاد .. لدغة فى
القلب .. غرام فى الضمير ..
انزعاج فى الباطن ٠٠ نيران
تتاجج فى القلوب ٠٠)) .
-

٣٥٠
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
باب الارادة
قال الله عز وجل: ((ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون
وجهه))(١) .
وأخبرنا : على بن أحمد بن عبدان قال : أخبرنا أحمد بن عبيد قال : حدثنا
هشام بن على قال : حدثنا الحكم بن أسلم قال : أخبرنا إسماعيل بن جعفر ، عن
حميد، عن أنس رضى الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أراد الله
بعبد خيراً استعمله . فقيل له : كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: يوفقة لعمل صالح
قبل الموت))(٢).
والإرادة: بدء طريق السالكين ، وهى اسم لأول منزلة القاصدين إلى الله تعالى.
وإنما سميت هذه الصفة : إرادة ؛ لأن الإرادة مقدمة كل أمر ، فما لم يرد العبد
شيئاً لم يفعله ، فلما كان هذا أول الأمر لمن سلك طريق الله عز وجل سمى: إرادة
تشبيهاً بالقصد فى الأمور الذى هو مقدمتها .
والمريد ، على موجب الاشتقاق : من له إرادة ، كما أن العالم : من له علم ؛
لأنه من الأسماء المشتقة .
ولكن المريد فى عرف هذه الطائفة : من لا إرادة له ، فمن لم يتجرد عن إرادته
لا يكون مريداً ، كما أن من لا إرادة له ، على موجب الاشتقاق ، لايكون مريداً .
وتكلم الناس فى معنى الإرادة ؛ فكل عبر على حسب مالاح لقلبه ، فأكبر
المشايخ قالوا :
الإرادة : ترك ما عليه العادة وعادة الناس - فى الغالب - التعريج (٣) فى أوطان
الغفلة ، والركون إلى اتباع الشهوة ، والإخلاد إلى مادعت إليه المنية (٤).
والمريد منسلخ عن هذه الحملة ؛ فصار خروجه امارة ودلالة على صحة
(١) آية ٥٢ من سورة الأنعام .
(٢) حديث صحيح رواه أحمد فى مسنده والثرمذى وابن حبان والحاكم عن أنس وتمامه ( ... ثم يقبضه عليه ( وروى
نحوه عمرو بن الحمق أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله قبل وما استعمله؟ قال يفتح له عملا صالحا
بين يدى موته حتى يرضى عنه من حوله ) رواه أحمد فى مسنده والحاكم فى المستدرك .
(٣) أى الإقامة .
(٤) أى المتفى والمقصود .

٣٥١
( باب الارادة )
الإرادة ، فسميت تلك الحالة : إرادة ، وهى خروج عن العادة ؛ فان (١) ترك العادة
أمارة الإرادة .
فأما حقيقتها : فهى نهوض القلب فى طلب الحق ، سبحانه ، ولهذا يقال : إنها
لوعة تهون كل روعة (٢).
سمعت : الأستاذ أبا على الدقائق ، رحمه الله ، يقول حاكياً عن ممشاد الدينورى،
أنه قال : مذ علمت أن أحوال الفقراء جد كلها لم أمازح فقيراً ؛ وذلك أن فقيراً
قدم على فقال : أيها الشيخ أريد أن تتخذلى عصيدة .. فجرى على لسانى إرادة وعصيدة
فتأخر الفقير ولم أشعر به ، فأمرت باتخاذ عصيدة .. وطلبت الفقير فلم أجده ..
فتعرفت خبره .. فقيل لى : إنه انصرف من فوره ، وكان يقول فى نفسه: إرادة
وعصيدة .. إرادة وعصيدة .. وهام على وجهه حتى دخل البادية ، ولم يزل يقول
هذه الكلمات حتى مات .
وعن بعض المشايخ قال : كنت بالبادية وحدى ، فضاق صدرى ، فقلت :
يا إنس ، كلمونى .. ياجن كلمونى ، فهتف بى هاتف : ما تريد؟ فقلت : آريد
الله تعالى ، فقال: متى تريد الله؟ يعنى : أن من قال الجن والإنس : كلمونى، منى
بكون مريداً لله عز وجل؟ . والمريد لايفتر آناء الليل والنهار ، فهو فى الظاهر
بنعت المجاهدات ، وفى الباطن بوصف المكابدات .. فارق الفراش ، ولازم
الانكماش ، وتحمل، المصاعب ، وركب المتاعب ، وعالج الأخلاق ، ومارس
المشاق ، وعائق الأهوال ، وفارق الأشكال ، كما قيل :
ثم قطعت الليل فى مهمة (٣) لا أسد أخشى ولا ذيبا
يغلبنى شوقى فأطوى السرى (٤) ولم يزل ذو الشوق مغلوبا
سمعت : الأستاذ أما على الدقاق يقول : الإرادة : لوعة فى الفؤاد .. لدغة فى
القلب .. غرام فى الضمير .. انزعاج فى الباطن .. نيران تتأجج فى القلوب .
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت أبابكر
السباك يقول : سمعت يوسف بن الحسين يقول : كان بين أبى سليمان وأحمد بن أنى
الحوارى عقد : لا يخالفه أحمد فى شىء بأمره به .. فجاءه يوماً وهو بتكلم فى
(١) وفى نسخة ((فاذن)).
٠ ٠ (٣) صحراء.
(٢) فزعة
(٤) البر لها

٣٥٢
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
مجلسه ، فقال : إن التنور قد سجر (١)، فما تاء،؟ فلم يجبه ، فقال مرتين أو ثلاثة،
فقال أبو سلمان : اذهب فاقعد فيه .. كأنه نهاق به قلبه ، وتغافل عنه أبو سلمان
ساعة، ثم ذكر (٢) فقال: أدركوا أحمد فانه فى التنور؛ لأنه آلى على نفسه آن لا يخالفى؛
فنظروا فاذا هو فى التنور لم تحترف منه شعرة .
وسمعت الأستاذ أما على ، يقول : كنت فى ابتداء صباى مخترقاً (٣) فى الإرادة
وكنت أقول فى نفسى : ليت شعرى .. ما معنى الإرادة .
وقيل : من صفات المريدين : التحبب إليه بالنوافل ، والخلوص فى نصيحة
الآمة ، والأنس بالخلوة ، والصبر على مقاساة الأحكام ، والإيثار لأمره ، والحياء
من نظره ، وبذل المجهود فى محبوبه ، والتعرض لكل سبب يوصل إليه ، والقناعة
بالخمول (٤) ، وعدم القرار بالقلب إلى أن يصل إلى الرب .
وقال أبو بكر الوراق: آفة المريد ثلاثة أشياء : التزويج ، وكتبة (٥) الحديث ،
والأسفار .
وقيل : لم تركت كتابة الحديث ؟ فقال : منعتنى عنها الإرادة .
وقال حاتم الأصم : إذا رأيت المريد يريد غير مراده ، فاعلم أنه قد أظهر
بذالته (٦) .
٠٠٠٠
سمعت : محمدين الحسين يقول : سمعت أبا بكر الرازى بقول : سمعت الكتانى
تقول : من حكم المريد آن يكون فيه ثلاث أشياء : نومه غلبة ، وأكله فاقة ، وكلامه
ضرورة .
وسمعته يقول: سمعت الحسين بن أحمد بن جعفر يقول : سمعت جعفر بن
نصير يقول : سمعت الجنيد يقول: إذا اراد اللّه تعالى بالمربد خيراً أوقعه إلى الصوفية ،
ومنعه صحية القراء (٧) :
وسمعته يقول : سمعت عبد الله بن على يقول : سمعت الربى يقول : سمعت
(١) حمى. (٢) تذكر.
(٣) أى شديد الطلب.
(٤) أى الرضا بالخفاء ، لسلم من شر الظهور والشهرة .
(٥) أى التفرغ والانقطاع لكتابة الحديث وقراءته ردرسه، إذ يشغل ذلك الانقطاع عن القيام باصلاح روحه.
(١) وفى نسبغة ((نذالته، أى حبش بابه.
(٧) فى العصرين على القراءة التعبد الحب، وفى لمهنةوالفقراء؟

٣٥٣
( باب الارادة )
الدقاق يقول: بهابة الإرادة أن تشير إلى الله تعالى فتجده مع الإشارة، فقلت: فأى
شىء ستوعب الإرادة ؟ فقال : أن تجد الله تعالى بلا إشارة .
سمعت : محمد بن عبد الله الصوفى يقول : سمعت عباس بن أبى الصحو يقول :
سمعت أبا بكر الدقاق بقول : لا يكون المريد مريداً حتى لابكتب عليه صاحب
الشمال عشرين سنة .
وقال أبوعمان الحيرى : من لم تصح إرادته بداراً(١) لايزيده مرور الأيام عليه
إلا إداراً .
وقال أبوعثمان : المريد إذا سمع شيئاً من علوم القوم فعمل به صار حكمة فى
قلبه إلى آخر عمره ، ينتفع به ، ولو تكلم به انتفع به من سمعه . ومن سمع شيئاً من
علومهم ، ولم يعمل به ، كان حكاية يحفظها أياماً بم ينساها .
وقال الواسطى : أول مقام المريد : إرادة الحق ، سبحانه ، باسقاط إرادته .
وقال يحيى بن معاذ : أشدشىء على المريدين : معاشرة الأضداد .
سمعت : الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت أبا القاسم الرازى يقول:
قال يوسف بن الحسين : إذا رأيت المريد بشغل بالرخص والكسب فليس يجىء
منه شىء .
وسمعته يقول : سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت جعفر الخلدى يقول :
سئل الجنيد : ما للمريدين فى مجاراة الحكايات؟ فقال: الحكايات جند من جنود الله
تعالى ، بقوى بها قلوب المريدين . فقيل له : فهل لك فى ذلك شاهد؟ فقال : نعم ،
قوله عز وجل: (( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك) (٢).
وسمعته يقول : سمعت محمد بن خالد يقول : سمعت جعفراً يقول : سمعت
الحنيد يقول : المريد الصادق غنى عن علم العلماء .
فأما الفرق بين المريد والمراد : فكل مريد على الحقيقة مراد . إذ لو لم يكن مراد
اللّه تعالى بأن يريدّه لم يكن مريداً ؛ إذ لا يكون إلا ما أراده الله تعالى ، وكل مراد
مريد ؛ لأنه إذا أراده الحق سبحانه بالخصوصية وفقه للارادة . ولكن القوم فرقوا
بين المريد والمراد :
(١) أي ابتداء ,
(٢) آية ٢٠ من سورة هود: