النص المفهرس
صفحات 301-320
٣١١ ( باب الشكر ) قال الأستاذ : حقيقة الشكر عند أهل التحقيق : الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع ، وعلى هذا القول : يوصف الحق ، سبحانه ، بأنه : شكور ، توسعاً (١)، ومعناه : أنه يجازى العباد على الشكر، فسمى جزاء الشكر شكراً؛ كما قال تعالى: (( وجزاء سيئة سيئة مثلها))(٢) . وقيل : شكره تعالى: إعطاؤه الكثير من الثواب على العمل اليسير ؛ من قولهم : دابة شكور : إذا أظهرت من السمن فوق ما تعطى من العلف . ويحتمل أن يقال . حقيقة الشكر : الثناء على المحسن بذكر إحسانه فشكر العبد لله تعالى : ثناؤه عليه بذكر إحسانه إليه ، وشكر الحق ، سبحانه ، للعبد : ثناؤه عليه بذكر إحسانه(٣) له، ثم إن إحسان العبد: طاعته لله تعالى، وإحسان الحق : إنعامه على العبد بالتوفيق للشكر له ، وشكر العبد على الحقيقة ، إنما هو : نطق اللسان ، وإقرار القلب بانعام الرب . والشكر بنقسم إلى : شكر باللسان : وهو اعترافه بالنعم بنعت الاستكانة . وشكر بالبدن والأركان : وهو اتصاف بالوفاء والخدمة . وشكر بالقلب وهو اعتكاف على بساط الشهود بادامة حفظ الحرمة . ويقال : شكر هو شكر العالمين ، يكون من جملة أقوالهم . وشكر : هو نعت العابدين ، يكون نوعاً من أفعالهم وشكر : هو شكر العارفين ، يكون باستقامتهم له فى عموم أحوالهم . وقال أبو بكر الوراق : شكر النعمة : مشاهدة(٤) المنة ، وحفظ الحرمة (٥). قال حمدون القصار شكر النعمة : أن ترى نفسك فيه طفيلياً . وقال الجنيد : الشكر فيه علة ، لأنه (٧) طالب لنفسه المزيد ، فهو واقف مع الله سبحانه ، على حظ نفسه . (١) وفى نسخة (( فوصف الحق بأنه شکور توسع )". (٣) طاعته . (٥) أى معرفة قدرها . (٢) آية ٤٠ من سورة الشورى . (٤) أى معرفتها . (٦) أى الشاكر . ٣١٢ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) وقال أبو عثمان : الشكر معرفة العجز عن الشكر . ويقال : الشكر على الشكر أتم من الشكر ، وذلك ، بأن ترى شكرك بتوفيقه ، ويكون ذلك التوفيق من أجل النعم عليك ، فتشكره على الشكر .. ثم تشكره على شكر الشكر ، إلى مالا يتناهى . وقيل : الشكر : إضافة النعم إلى موليها بنعت الاستكانة . وقال الجنيد : الشكر : أن لا ترى نفسك أهلا للنعمة . وقال رويم: الشكر: استفراغ الطاقة (١). وقيل : الشاكر : الذى يشكر على الموجود، والشكور : الذى يشكر على المفقود. ويقال : الشاكر: الذى يشكر على الرفد(٢)، والشكور : الذى بشكر على الرد . ويقال : الشاكر : الذى يشكر على النفع ، والشكور : الذى بشكر على المنع . ويقال : الشاكر : الذى يشكر على العطاء ، والشكور : الذى شكر على البلاء . ويقال : للشاكر: الذى يشكر عند البذل ، والشكور : الذى يشكر عند المطل . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت الأستاذ أنا سهل الصعلوكى يقول : سمعت المرتعش بقول : سمعت الجنيد يقول : كنت بين يدى السرى ألعب ، وأنا ابن سبع سنين ، وبين بدبه جماعة بتكلمون فى الشكر ، فقال لى : ياغلام ، ما الشكر؟ فقلت : ألا تعصى الله بنعمة. فقال : يوشك أن يكون حظك من اللّه لسانك . قال الجنيد ، رحمه الله ، فلا أزال أبكى على هذه الكلمة التى قالها السرى . وقال الشبلى : الشكر : رؤية المنعم ، لا رؤية النعمة . وقيل الشكر : قيد(٣) الموجود ، وصيد المفقود . وقال أبوعتمان : شكر العامة على المطعم والملبس ، وشكر الخواص على ما يرد على قلوبهم من المعانى . (١) استفراغ الطاقة فى الشكر. (٢) العطاء . (٣) أى حفظ . ٣١٣ ( باب الشكر) وقيل : قال داود ، عليه السلام ، إلهى ، كيف أشكرك ، وشكرى لك نعمة من عندك ؟ . فأوحى الله إليه : الآن قد شكرتنى . وقيل : قال موسى عليه السلام فى مناجاته : إلهى ، خلقت آدم بيدك ، وفعلت .. وفعلت .. فكيف شكرك ؟ فقال : علم أن ذلك منى ، فكانت معرفته بذلك شكره لى . وقيل : كان لبعضهم صديق ، فحبسه السلطان ، فأرسل إليه ، فقال له صاحبه : أشكر الله تعالى ؛ فضرب الرجل، فكتب إليه ، فقال : أشكر الله تعالى ، فجىء مجوسى مبطون ، وقيد ، وجعلت حلقة من قيده على (١) زجل هذا ، وحلقة على رجل المجوسى ، فكان يقوم المجوسى بالليل مرات وهذا يحتاج أن يقوم على رأسه حتى يفرغ ، فكتب إلى صاحبه ، فقال : أشكر الله تعالى . فقال : إلى متى تقول ، وأى بلاء فوق هذا ؟ فقال له صاحبه : لو وضع الزنار الذى فى وسطه فى وسطك ، كما وضع القيد الذى فى رجله فى رجلك ، ماذا كنت تصنع ؟ وقيل : دخل رجل على سهل بن عبد الله ، فقال له : إن اللص دخل دارى ، وأخذ متاعى .. فقال له أشكر الله تعالى ، ولو دخل اللص قلبك - وهو الشيطان - وأفسد التوحيد ، ماذا كنت تصنع . وقيل : شكر العينين : أن تستر عيباً تراه بصاحبك. وشكر الأذنين : أن تستر عيباً تسمعه فيه . وقيل : الشكر : التلذذ بثنائه على ما لم يستوجبه من عطائه . سمعت السلمى يقول : سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت الحسن بن يحيى يقول : سمعت جعفراً يقول سمعت الجنيد يقول : كان السرى إذا أراد أن ينفعنى بسألنى ؛ فقال لى يوماً : يا أبا القاسم ، ما الشكر. فقلت له : أن لا يستعان بشىء من نعم اللّه ، تعالى ، على معاصيه . (١) أى فى ، ٣١٤ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) فقال : من أين لك هذا . فقلت : من مجالستك . وقيل: التزم الحسن بن على الركن وقال : إلهى .. نعمتنى فلم تجدنى شاكراً .. وابتليتنى فلم تجدنى صابراً .. فلا أنت سلبت النعمة بتركى الشكر ولا أدمت الشدة بتركى الصبر .. إلهى ما يكون من الكريم إلا الكرم . وقيل : إذا قصرت يدك عن المكافأة فليطل لسانك بالشكر . وقيل : أربعة لا ثمرة لأعمالهم : مسارة الأصم ، وواضع النعمة عند من لا يشكر ، والباذر فى السبخة ، والمسرج فى الشمس . وقيل : لما بشر إدريس ، عليه السلام ؛ بالمغفرة سأل الحياة (١) ، فقيل له فيه ، فقال لأشكره فانى كنت أعمل قبله للمغفرة ، فبسط الملك جناحه وحمله عليه إلى السماء . وقيل ، مر بعض الأنبياء عليهم السلام ، بحجر صغير يخرج منه الماء الكثير ، فتعجب منه، فأنطقه الله معه، فقال: مذ سمعت اللّه، تعالى: يقول، (( ناراً وقودها الناس والحجارة)) (٢) وأنا أبكى من خوفه . قال ؛ فدعا ذلك النبى أن يجبر اللّه ذلك الحجر ؛ فأوحى الله تعالى إليه أنى قد أجرته من النار ، فمر ذلك النبى ، فلما عاد وجد الماء يتفجر منه مثل ذلك ؛ فعجب منه فأنطق اللّه ذلك الحجر معه ، فقال له لم تبكى ، وقد غفر اللّه لك ؟ فقال : ذلك كان بكاء الحزن والخوف ، وهذا بكاء الشكر والسرور . وقيل: الشاكر مع (٣) المزيد؛ لأنه فى شهود النعمة (٤)، قال الله تعالى: ((لئن شكرتم لأزيدنكم))(٥) والصابر مع الله تعالى، لأنه بشهود المبتلى (٦)، قال الله سبحانه: ((إن الله مع الصابرين)). وقيل : قدم وفد على عمر بن عبد العزيز ، رضى الله عنه ، وكان فيهم شاب .. فأخذ يخطب ، فقال عمر: الكبر .. الكبر .. فقال له الشاب : يا أمير المؤمنين ، لو كان الأمر بالسن ، لكان فى المسلمين من هو أسن منك .. فقال : تكلم . فقال: (١) أى إطالتها . (٣) أى كائن . (٥) آية ٧ من سورة إبراهيم . (٢) من آية ٦ من سورة التحريم. " (٤) أى حضورها . (٦) وفى نسخة ((المبلى له)). ٣١٥ ( باب الشر) منـ لسنا وفد الرغبة ، ولا وفد الرهبة . آما الرغبة فقد أوصلها إلينا فضلك وأما الرهبة فقد أمننا منها عدلك . فقال له : فمن أنتم ؟ فقال : وفد الشكر ، جئناك نشكرك وننصرف . وأنشدوا : ومن الرزبة أن شكرى صامت عما فعلت وأن برك ناطق إنى إذن ليد (٢) الكريم لسارق آرى الصنيعة منك ثم آسرها (١) وقيل : أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: أرحم عبادى: المبتلى، والمعافى . فقال : ما بال المعافى ؟ فقال : لقلة شكرهم على عافيتى إياهم . وقيل : الحمد على الأنفاس؛ والشكر على نعم الحواس وقيل : الحمد ابتداء منه والشكر افتداء منك وفى الخبر الصحيح ((أول من يدعى الى الحنة الحامدون للّه غلى كل حال )) وقبل الحمد على مادفع ، والشكر على ماصنع . وحكى عن بعضهم أنه قال: رأيت فى بعض الأسفار شيخاً كبيراً قد طعن فى السن ، فسألته عن حاله ، فقال : إنى كنت فى ابتداء عمرى أهوى ابنة عم لى ؛ وهى كذلك كانت تهوانى ؛ فاتفق أنها زوجت منى ، فليلة زفافها قلنا : تعال: حتى نحيى هذه الليلة شكراً لله تعالى على ماجمعنا . فصلينا تلك الليلة، ولم يتفرغ أحدنا لصاحبه فلما كانت الليلة الثانية قلنا مثل ذلك . مهمنذ سبعين؛ أو ثمانين سنة ، نحن على تلك الصفة كل ليلة : أليس كذلك يا فلانة ، فقالت العجوز : كما يقول الشيخ . (١) أخفيها . (٢) لقسمته . الباب الثالث والعشرون اليقين ٠٠ إذا وصل الى القلب ملأ القلب نورا ٠٠٠ ! ٣١٨ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) باب اليقين قال الله تعالى: ((والذين يؤمنون بما أنزل إليك ، وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون))(١) حدثنا الأستاذ الإمام أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك ، قال : حدثنا أبو بكر أحمد بن محمود بن خرزاذ الأهوازى بها قال : حدثنا أحمد بن سهل بن أيوب قال: حدثنا خالد، يعنى ((ابن زيد)) قال : حدثنا سفيان الثورى، وشريك بن عبد الله وسفيان بن عيينة ، عن سليمان التيمى ، عن خيثمة ، عن عبد اللّه بن مسعود ، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( لا ترضين أحداً بسخط الله تعالى ، ولا تحمدن أحداً على فضل الله عز وجل، ولا تذمن أحداً على ما لم بؤتك الله تعالى ، فان رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص ولا يرده عنك كراهة كاره ، وإن الله تعالى - بعدله وقسطه ـ-، جعل الروح (٢) والفرح فى الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن فى الشك والسخط)) (٣). أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى قال : أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن سعيد الرازى قال : حدثنا عياش بن حمزة قال : حدثنا أحمد بن أبى الحوارى ، قال : قال أبوعبد الله الأنطاكى : ان أقل اليقين إذا وصل إلى القلب يملأ القلب نوراً ، وينفى عنه كل ريب ، ويمتلىء القلب به شكراً ، ومن اللّه تعالى خوفاً . ويحكى عن أبى جعفر الحداد قال : رآنى أبو تراب النخشبى ، وأنا فى البادية جالس على بركة ماء ، ولى ستة عشر يوماً لم آكل ولم أشرب فقال لى : ماجلوسك ؟ فقلت : آنا بين العلم واليقين أنتظر ما يغلب فأكون معه، يعنى ((إن غلب على العلم شربت ، وإن غلب اليقين مررت )) فقال لى : سيكون لك شأن . (١) آية ٤ من سورة البقرة . (٢) أى الراحة . (٣) رواه القصاصى فى المسند بسند ضعيف. ٣١٩ ( باب اليقين ) وقال أبو عتمان الخيرى : اليقين قلة الاهتمام لغد . وقال سهل بن عبد اللّه : لليقين : من زيادة الإيمان ، ومن تحقيقه . وقال سهل ايصاً : اليقين : شعبة من الإيمان ، وهو دون التصديق . وقال بعضهم : اليقين : هو العلم المستودع فى القلوب . يشير هذا القائل إلى أنه غير مكتسب . وقال سهل : ابتداء اليقين : المكاشفة ، ولذلك قال بعض السلف : لو كشف الغطاء ما ازددت بقيناً ، تم المعاينة والمشاهدة . وقال أبو عبد الله بن خفيف : اليقين تحقق الأسرار بأحكام المغيبات . وقال أبوبكر بن طاهر : العلم : بمعارضة الشكوك ، واليقين : لاشك فيه . اشار إلى العلم الكسبى وما يجرى مجرى البديهى، وكذلك علوم القوم فى الانتداء كسبي ، وفى الانتهاء بديهى . سمعت محمد بن الحسين يقول : قال بعضهم : أول المقامات (١) . المعرفة ، ثم القين ، ثم التصديق ، تم الإخلاص ، تم الشهادة(٢)، تم الطاعة . والإيمان اسم يجمع هذا كله . أشار هذا انتقائل إلى أن أول الواجبات ، هو المعرفة بالله سبحانه . والمعرفة لا تحصل إلا بتقديم شرائطها . وهو النظر الصائب ، تم إذا توالت الأدلة ، وحصل البيان صار تتوالى الأنوار ، وحصول الاستبصار ، كالمستغنى عن تأمل البرهان وهو حال اليقين ، ثم تصديق الحق ، سبحانه ، فيما أخبر عند صفائه إلى إجابة الداعى فيما يخبر من افعاله، سبحانه فى المستأنف (٣)؛ لأن التصديق إنما يكون فى الإخار ، ثم الإخلاص فيما بتعقبه من اداء الأوامر ، ثم بعد ذلك إظهار الإجابة مجميل الشهادة ، ثم آداء الطاعات بالتوحيد فيما آمر به ، والتجرد عما زجر عنه . وإلى هذا المعنى آشار الإمام أبو بكر محمد بن فورك ، فيما سمعته ، يقول: ذكر اللسان فضيلة بفيض بها (٤) القلب . وقال سهل بن عبد الله: حرام على قلب أن يشم رائحة اليقين وفيه سكون إلى غير الله تعالى . (١) درجات الإيمان . (٣) المستقبل . (٢) أى الاقرار باللسان مع الشكر . (٤) فى نسخة : عليها . ٣٢٠ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى) وقال ذو النون المصرى : اليقين داع إلى قصر الأمل ، وقصر الأمل يدعو إلى الزهد ، والزهد ىورث الحكمة ، والحكمة تورث النظر فى العواقب. وسمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا العباس البغدادى يقول : سمعت ذا النون المصرى يقول : ثلاثة من أعلام اليقين : قلة مخالطة الناس فى العشرة ، وترك المدح لهم فى العطية ، والتنزه عن ذمهم عند المنع . وثلاثة من أعلام بقين اليقين . النظر إلى الله تعالى فى كل شىء، والرجوع إليه فى كل أمر ، والاستعانة له فى كل حال . وقال الجنيد ، رحمه الله: اليقين: هو استقرار العلم الذى لا ينقلب ولا يحول ولا يتغير فى القلب . وقال ابن عطاء : على فدر قربهم من التقوى أدركوا ما أدركوا من اليقين . وأصل التقوى : مباينة النهى ، ومبابنة النهى مباينة النفس ، فعلى قدر مفارقهم النفس وصلوا إلى اليقين. وقال بعضهم : هو المكاشفة ، والمكاشفة على ثلاثة أوجه : مكاشفة بالإخبار ، ومكاشفة باظهار القدرة ، ومكاشفة ىحقائق الإيمان . واعلم أن المكاشفة فى كلامهم ، عمارة : عن ظهور الشىء للقلب باستيلاء ذكره من غير بقاء للريب ، وربما أرادوا بالمكاشفة ما يقرب مما نراه الرائى من اليقظة والنوم. وكثيراً ما يعبر هؤلاء عن هذه الحالة: ((الشات)). سمعت الإمام أما بكر بن فورق يقول : سالت أما عثمان المعربى ، فقلت : ماهذا الذى تقول ؟ قال : الأشخاص أراهم كذا .. وكذا ، فقلت : تراهم معاينة او مكاشفة ؟ فقال : مكاشفة . وقال عامر بن عبد قيس : لو كشف الغطاء ما ازددت بقينا . وقيل : اليقين : رؤية العيان بقوة الإيمان . ٣٢١ ( باب اليقين ) وقيل : اليقين : زوال المعارضات . وقال الجنيد ، رحمه الله ، اليقين : ارتفاع الربب فى مشهد الغيب . سمعت الأستاذ آبا على الدقاق ، بقول ، فى قول النبى صلى الله عليه وسلم فى عيسى ابن مريم عليه السلام: ((لو ازداد يقيناً لمشى فى الهواء كما مشيت فيه )). قال رحمه الله : أنه أشار بهذا إلى حال نفسه ، صلى الله عليه وسلم ، ليلة المعراج ؛ لأن فى لطائف المعراج آنه، صلى الله عليه وسلم، قال: ((رأيت البراق قد بقى ومشيت)) . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله يقول: سمعت أحمد بن على بن جعفر بقول : سمعت السرى تقول ، وقد سئل عن اليقين ، فقال : اليقين : سكونك عند جولان الموارد فى صدرك، لتبينك أن حركتك فيها لا تنفعك ولا ترد عنك مقضياً . وسمعته يقول : سمعت عبد الله بن على يقول: سمعت أبا جعفر الأصبهابى يقول: سمعت على بن سهل يقول : الحضور أفضل من اليقين ، لأن الحضور وطنات(١) ، واليقين خطرات . كأنه جعل اليقين. ابتداء الحضور ، والحضور دوام ذلك . فكأنه جوز حصول اليقين خالياً من الحضور ، وأحال جواز الحضور بلا بقين ؛ ولهذا قال النورى : اليقين : المشاهدة . يعنى أن فى المشاهدة بقيناً لاشك فيه ، لأنه لا شاهده ، تعالى من لا يثق بما منه . وقال أبوبكر الوراق : اليقين : ملاك القلب ، وبه كمال الإيمان ، وباليقين عرف الله تعالى ، وبالعقل عقل عن اللّه تعالى . وقال الجنيد : قد مشى رجال باليقين على الماء ، ومات بالعطش أفضل منهم تقيناً . سمعت الشيخ أما عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت الحسين بن يحيى يقول : سمعت جعفراً يقول : قال إبراهيم الخواص : (١) من توطن : أى أقام واستوطن. ٠ ٣٢٢ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى) لقيت غلاماً فى التيه(١)، كأنه سبكة فضة ، فقلت : إلى أين باغلام ؟ فقال : إلى مكة . فقلت : بلازاد ، ولا راحلة ، ولا نفقة . فقال لى : با ضعيف اليقين ، الذى يقدر على حفظ السموات والأرضين لا يقدر أن بوصلنى إلى مكة بلاعلاقة (٢) قال : فلما دخلت مكة إذا أنا به فى الطواف وهو يقول : با نفس موتى كمداً ياعين سحى أبداً ١ إلا الجليل الصمدا ولا تحبى أحداً فلما رآنى قال لى : يا شيخ ، أنت بعد على ذلك الضعف من اليقين ؟ . وسمعته يقول سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت الهرجورى يقول : إذا استكمل للعبد حقائق اليقين صار البلاء عنده نعمة ، والرخاء مصيبة . وقال أبو بكر الوراق : اليقين على ثلاثة أوجه : بقين خبر ، ويقين دلالة ، ويقين مشاهدة . وقال أبو تراب للنخشبى : رأيت غلاماً فى البادية مشى بلا زاد ، فقلت : إن لم يكن معه بقين فقد هلك . فقلت : يا غلام ، فى مثل هذا الموضع بلا زاد ؟ فقال : يا شيخ ارفع رأسك هل ترى غير الله عز وجل ؟ فقلت : الآن إذهب حيث شئت . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا نصر الأصهانی يقول: سمعت محمد ابن عيسى يقول : قال أبو سعيد الخراز: العلم ما استعملك(٣)، واليقين: ما حملك (٤) وسمعته يقول : سمعت أبا بكر الرازى يقول: سمعت أبا عتمان الآدمى بقول: سمعت إبراهيم الخواص يقول : طلبت المعاش لأكل الحلال ! فاصطدت السمك ، فيوماً وقعت فى الشبكة سمكة ، فأخرجتها وطرحت الشبكة فى الماء فوقعت أخرى فيها . فرميت بها تم عدت ، فهتف بى هاتف : لم تجد معاشاً إلا أن تأتى من يذكرنا فتقتلهم .. ! قال : فكسرت القصبة ، وتركت الاصطياد(٥). (١) التيه : الصحراء التى يتاه فيها . (٢) العلاقة: ما يتبلغ به من العيش، قال ذلك لقوة يقينه، ولطف ربه، وإن كانت السنة حمل الزاد فى السفر، ولا يدل حمله على ضعف اليقين مطلقاً، فان الأنبياء والأئمة حملوه فى السفر. لكنهم لم يعتمدوا عليه وإنما اعتمدوا على ربهم. (٤) أى بعثك على الجد فى طاعة الله والرضا بقضائه. (٣) أى ماقادك إلى العمل. (٥) يقول الشيخ ذكريا الأنصارى: ((ليس ذلك إنكاراً للاصطياد، ولا لطلب الحلال، بل عادة الله تعالى أن يؤدب أولياءه بخواطر ينبيههم بها على أنهم لا يسكنون إلى غيره تعالى؛ فتى علم من أحدهم سكوناً إلى غيره نيهه ليرجع إليه ويعتمد عليه دون الأسباب)). الباب الرابع والعشرون ـبر الصـ قيل: (( .. الصبر على الطلب عنوان الظفر .. والصبر فى المحن علامة الفرج ٠٠) ٣٢٤ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) باب الصبر قال الله، عز وجل: ((واصبر وما صبرك إلا بالله)) (١). وأخبرنا على بن أحمد الأهوازى ، قال : أخبرنا أحمد بن عبيد البصرى ، قال : حدثنا أحمد بن على الخراز قال : حدثنا أسيد بن زيد قال : حدثنا مسعود بن سعد ، عن الزيات ، عن أبى هريرة ، عن عائشة، رضى الله عنها، رفعته (٢) ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الصبر عند الصدمة الأولى))(٣). وخبرنا على بن أحمد قال : أخبرنا أحمد بن عبيد قال : حدثنا أحمد بن عمر ، قال : حدثنا محمد بن مرداس قال : حدثنا يوسف بن عطية ، عن عطاء بن أبى ميمونة ، عن أنس بن مالك ، رضى الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الصبر عند الصدمة الأولى)) (٤). ثم الصبر على أقسام : صبر على ماهو كسب للعبد ، وصبر على ما ليس بكسب له . فالصبر على المكتسب ، على قسمين : صبر على ما امر الله تعالى به ، وصبر على ما نهى عنه . وأما الصبر على ما ليس بمكتسب للعبد : فصبره على مقاساة ما يتصل به من حكم اللّه فيما بناله فيه مشقة . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت الحسين بن يحيى ، ول : سمعت جعفر بن محمد يقول : سمعت الجنيد يقول : المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل هين على المؤمن ، وهجران الخلق فى جنب (٤) اللّه تعالى شديد ، والمسير من النفس إلى الله تعالى صعب شديد ، والصبر مع الله أشد . وسئل الجد عن الصبر ، فقال : هو تجرع المرارة من غير تعبيس . (١) آية ١٢٧ من سورة النحل . (٣) ، ٤ متفق عليه . (٤) أى فى طاعته . (٢) اى إلى السى صلى الله عليه وسلم. 7 ٣٢٥ ( باب الصبر ) وقال على بن أبى طالب ، رضى الله عنه ، : الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد . وقال أبو القاسم الحكيم: قوله تعالى: ((واصبر)) آمر بالعبادة، وقوله ((وما صيرك إلا بالله)) عبودية، فمن ترقى من درجة ((لك))(١) إلى درجة ((بك))؛ فقد انتقل من درجة العبادة إلى درجة العبودية . قال صلى الله عليه وسلم: ((بك أحيا وبك أموت)). سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، يقول : سمعت أبا جعفر الرازى يقول : سمعت عياشاً بقول : سمعت أحمد بقول : سألت أبا سليمان عن الصبر ، فقال : والله ما نصبر على ما نحب ، فكيف على ما نكره ؟ ! . وقال ذو النون : الصبر : التباعد عن المخالفات ، والسكون عند تجرع غصص البلية ، وإظهار الغنى مع حلول الفقر ساحات المعيشة . وقال ابن عطاء : الصبر : الوقوف مع البلاء بحسن الأدب . وقيل : هو الفناء فى البلوى بلاظهور شكوى . وقال أبوعثمان : الصبار : الذى عود نفسه الهجوم على المكاره . وقيل : الصبر : المقام مع البلاء بحسن الصحبة ، كالمقام مع العافية . وقال أبوعمان : حسن الجزاء على عبادة : الجزاء على الصبر، ولاجزاء فوقه ، قال الله عز وجل: ((ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)) (٢). وقال عمرو بن عمان : الصبر. هو الثبات مع الله سبحانه وتعالى، وتلقى بلائه بالرحب والدعة . وقال الخواص : هو الثبات على أحكام الكتاب والسنة . سجـ (١) أشار إلى التفرقة بين الصبر لله، والصبر بالله. فالصبر لله تشعر بالاستقلال بالفعل. والصبر باللّه تؤذن بالتبرى من الحول والقوة . (٢) آية ٩٦ من سورة النحل . 1 ٣٣٦ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) وقال يحيى بن معاذ : صبر المحبين أشد من صبر الزاهدين واعجباً ، كيف مصبرون ؟ . وانشدوا : الصير بحمد فى المواطن كلها إلا عبك فانه لا يحمد وقال رويم : الصبر : ترك الشكوى . وقال ذو النون : الصبر : هو الاستعانة بالله تعالى . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه الله ، يقول : الصبر كاسمه . وانشدنى الشيخ أبوعبد الرحمن السلمى ، قال : أنشدنى أبو بكر الرازى قال : انشدفى ابن عطاء لنفسه : ساصير ، كى ترضى ، واتلف حسرة وحسبى أن رضى ويتلفنى صبرى وقال ابو عبد الله بن خفيف : الصبر على ثلاثة أقسام : متصبر ، وصابر، وصبار. وقال على بن أبى طالب ، رضى الله عنه : الصبر مطية لاتكبو . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت على بن عبد الله البصرى يقول : وقف رجل على الشبلى فقال : آى صبر اشد على الصابرين ؟ فقال : الصبر فى اللّه عز وجل، فقال: لا، فقال: الصر الله، قال : لا، قال : الصبر مع اللّه، قال: لا. قال: فأى شىء ؟ قال : الصبر عن الله. قال : فصرخ الشبلى صرخة كادت روحه أن تتلف . وسمعته يقول : سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان ، يقول : سمعت أبا محمد الجريرى تقول : الصبر : آن لا يفرق بين حال النعمة والمحنة ، مع سكون الخاطر فيهما ، والتصبر : هو السكون ، مع البلاء مع وجدان أثقال المحنة . ونشد عضهم : صبرت ولم أطلع هواك على صبرى وأخفيت ما بى منك عن موضع الصبر إلى دمعتي سراً فتجرى ولا أدرى مخافة أن يشكو ضمير صبابى سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه الله ، تقول : ٣٢٧ ( باب الصبر ) فاز الصادرون بعز الدارين؛ لأنهم نالوا من الله تعالى معيته: قال الله تعالى ((إن الله مع الصابرين)) (١). وقيل فى معنى قوله تعالى: ((اصبروا وصابروا ورابطوا)) الصبر: دون المصادرة، والمصابرة : دون المرابطة . وقيل : اصبروا بنفوسكم على طاعة الله تعالى، وصابروا بقلوبكم على البلوى فى الله، ورابطوا بأسراركم على الشوق إلى الله. وقيل : اصبروا فى اللّه، وصابروا بالله، ورابطوا مع الله . وقيل : وعد الله تعالى إلى داود عليه السلام: خلق - خلاقى، وإن من أخلاقى أننى أنا الصبور . وقيل : تجرع الصبر ، فان قتلك قتلك شهداً ، وإن أحياك أحياك عزيزاً . وقيل : الصبر لله: عناء، والصبر باللّه: بقاء، والصبر فى الله: بلاء، والصبر مع الله وفاء ، والصبر عن اللّه: جفاء. وأنشدوا : والصير فى سائر الأشياء محمود والصبر عنك فيمذموم عواقبه وأنشدوا : بمنزلة اليمين من الشمال وكيف الصبر عمن حل منى رأيت الحب يلعب بالرجال إذا لعب الرجال بكل شىء وقيل : الصبر على الطلب عنوان الظفر ، والصبر فى المحن علامة الفرج . سمعت منصور بن خلف المغربى ، رحمه الله ، يقول : جرد واحد للسياط ، فلما رد إلى السجن دعا ببعض أصحابه فتفل على يده ، وألقى من فمه دقاق الفضة على يده فسئل ، فقال : كان فى فى درهمان ، وكان على حاشية الحلقة لى عين ، فلم أرد أن أصيح لرؤيته إياى ... فكنت أعض على الدرهمين .. فتكسرا فى فمى. وقيل : حالك التى أنت فيها رباطك ، وما دون اللّه تعالى أعداؤك ، فأحسن المرابطة في رباط حالك . (١) آية ٤٦ من سورة الأنفال. ٣٢٨ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى) وقيل : المصابرة : هى الصبر على الصبر ، حتى يستغرق الصبر فى الصبر فيعجز الصبر عن الصبر ، كما قيل : فصاح المحب بالصبر صبراً صابر الصبر فاستغاث به الصبر وقيل : حبس الشبلى وقتاً فى المارستان ، فدخل عليه جماعة ؛ فقال : من أنتم ؟ فقالوا . أحاؤك جاءوك زائرين . فأخذ برمهم بالحجر وآخذوا بهربون . فقال : يا كذابون ، لو كنم أحبائى لصبر تم على بلائى . وفى بعض الأخبار . بعينى ما يتحمل المتحملون من أجلى . وقال الله تعالى: ((واصبر لحكم ربك فانك بأعيننا)) (١). وقال بعضهم : كنت بمكة .. فرآيت فقبراً طاف بالبيت ، وأخرج من جيبه رقعة ، ونظر فيها ، ومر ، فلما كان الغد ، فعل مثل ذلك ، فترقيته أياماً وهو يفعل مثل ذلك ، فيوماً من الأيام طاف ونظر فى الرقعة ، وتباعد قليلا .. وسقط ميتاً ، فأخرجت الرقعة من جيبه ، فاذا فيها : ((واصبر لحكم ربك فانك بأعينا)) (٢). وقيل : رئى حدث يضرب وجه شيخ بنعله ، فقيل له : ألا تستحى .. تضرب حروجه شيخ بمثل هذا ؟ : فقال : جرمه عظيم . فقيل : وما ذاك ؟ فقال : هذا الشيخ يدعى أنه يهوانى ، ومنذ ثلاث ما رآنى . وقال بعضهم: دخلت بلاد الهند، فرأيت رجلا نفرد عين ((يسمى فلانا الصبور)) فسألت عن حاله ، فقيل: هذا فى عنفوان شبابه سافر صديق له ، فخرج فى وداعه ، فدمعت إحدى عينيه ولم تبك الأخرى ، فقال لعينه التى لم تدمع : لم لم تدمعى على فراق صاحبى ؟ لأحر منك النظر إلى الدنيا وغمض عينه ، فمنذ ستين سنة لم يفتح عينه . وقيل فى قوله تعالى: ((فاصبر صبراً جميلا)) : الصبر الجميل : أن يكون صاحب المصيبة فى القوم لا يدرى من هو . (١) آية ٤٨ من سورة الطور. (٢) آية ٤٨ من سورة الطور. ٣٢٩ ( باب الصبر ) وقال عمر بن الخطاب ، رضى الله عنه ، لو كان الصبر والشكر بعيرين ، لم آمال أيهما ركبت . وكان ابن شبرمة ، رحمه الله، إذا نزل به بلاء قال : سحابة بم تنقشع . وفى الخبر، أن النبي صلى الله عليه وسلم، سئل عن الإيمان، فقال: ((الصدر والسماحة)) (١). اخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن طاهر الصوفى قال: حدثنا محمد بن على التيجانى قال : حدثنا محمد بن إسماعيل البخارى قال : حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا سويد بن حام قال : حدثنا عبد الله بن عبيد، عن عمير ، عن أبيه ، عن جده ، قال: سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الإيمان، فقال: (الصبر والسماحة))(٢). . . وسئل السرى عن الصبر، فجعل يتكلم فيه ، فدب على رجله عقرب ، وهى تضربه بادرتها ضربات كثيرة ، وهو ساكن . فقيل له : لم لم تنحها ؟ . فقال : استحييت من الله تعالى أن أتكلم فى الصبر ، ولم أصبر . وفى بعض الأخبار : الفقراء الصبر هم جلساء اللّه تعالى يوم القيامة . وأوجى اللّه تعالى إلى بعض أنبيائه : آنزلت يعبدى بلانى ، فدعانى ، فما طلته بالإجابة ، فشكانى ، فقلت : باعىدى ، كيف أرحمك من شىء به ارحمك . وقال ابن عيينة فى معنى قوله تعالى: (( وجعلنا منهم أئمة يهدون امرنا لما صبر وا))(٣) قال : لما أخذوا برأس الأمر (٤) جعلناهم رؤساء(٥). سمعت الأستاذ أما على الدقاق يقول : إن الصبر حده أن لا تعترض على التقدير؛ فاما إظهار البلاء على غير وجه الشكوى فلا بنافى الصبر ، قال الله تعالى فى قصة ابوب: (( إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه اواب))(٦) مع ما اخبر عنه تعالى انه قال : ((مسى الضر)). (١) رواه أبو يعلى والطبرانى . (٣) السجدة : ٠٢٤ (٥) أى أئمة . (٢) رواه أبو يعلى والطبر انى . (٤ ) أى الصبر . (٦) آية ٤٤ من سورة ص . ٣٣٠ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) وسمعته يقول : استخرج الله منه هذه المقالة: بعنى قوله: (( مسمى الضر)) لتكون متنفساً لضعفاء هذه الأمة . وقال بعضهم: إنا وجدناه صابراً، ولم يقل ((صبوراً)) لأنه لم يكن جميع أحواله الصبر ، بل كان فى بعض احواله يستلذ البلاء ، ويستعذبه ، فلم يكن فى حال الاستلذاذ صابراً؛ فلذلك لم يقل: ((صبوراً)). سمعت الأستاذ أباعلى ، رحمه الله ، يقول : حقيقة الصبر : الخروج من البلاء على حسب الدخول فيه ، مثل أيوب عليه السلام فانه قال فى آخر بلائه: ((م فى الضر وأنت ارحم الراحمين)) فحفظ أدب الخطاب، حيث عرض بقوله: ((وأنت أرحم الراحمين)) ولم يصرح بقوله: ((ارحمنى)). واعلم ان الصر على ضربين : صبر العابدين ، وصبر المحبين. فصر العابدين ، أحسنه: أن يكون محفوظاً(١)، وصبر المحبين أحسنه : أن يكون مر فوضا(٢) . وفى معناه أنشدوا : تبين يوم البين أن اعتزامه على الصير من إحدى الظنون الكواذب وفى هذا المعنى سمعت الأستاذ آبا على ، رحمه الله ، يقول : أصبح يعقوب، عليه السلام ، وقد وعد الصبر من نفسه، فقال: ((فصبر جميل)) أى : فشأنى صبر جميل ، ثم لم يمس حتى قال: ما أسفا ((على يوسف)). (١) اى دائماً . (٢) أى متروكا . الباب الخامس والعشرون المراقبة « ٠٠ من راقب الله تعالى فى خواطره .. عصمه الله فى جوارحه ٠٠ )»