النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠٤ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للأمام القشيرى ) للتقوى ظاهر وباطن ، فظاهره : محافظة الحدود . وباطنه : النية والإخلاص. وقال ذو النون : تحن إلى التقوى وترتاح للذكر ولا عيش(١) إلا مع رجال قلوبهم كما سكن الطفل الرضيع إلى الحجر سكون إلى روح اليقين وطيبه وقيل : يستدل على تقوى الرجل بثلاث : حسن التوكل فيما لم ينل ، وحسن الرضا فيما قد نال ، وحسن الصبر على ما قد فات . وقال طلق بن حبيب : التقوى : عمل بطاعة الله على نور من اللّه، مخافة عقاب الله. سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، يقول : سمعت محمدأ الفراء يحكى عن أبي حفص (٢) : أنه قال: التقوى بالحلال المحض ، لا غير . وسمعته يقول : سمعت أبابكر الرازى يقول . سمعت أبا الحسين الزنجانى تقول : من كان رأس ماله التقوى كلت الألسن عن وصف ربحه . وقال الواسطى : التقوى : أن يثفى من تقواه ، يعنى : من رؤية تقواه . والمتقى . مثل ابن سيرين ؛ اشترى أربعين حبا (٣) سمنا ، فأخرج غلامه فأرة من حب فسأله : من أى حب آخر جنها ؟ فقال لا أدرى .. فصبها كلها على الأرض . ومثل أبى يزيد(٤): اشترى بهمذان حب القرطم، ففضل منه شىء، فلما رجع إلى (( بسطام)) رأى فيه نملتين ، فرجع إلى هذان فوضع الثملتين . وبحكى أن أبا حنيفة كان لايجلس فى ظل شجرة غريمه . ويقول : قدجاء فى الخبر: (( كل قرض جر نفعاً فهو ربا)). وقيل : إن انا بزبد غسل ثوبه فى الصحراء مع صاحب له . (١) المراد بالعشى الهمن. (٣) حم او له : اي خابية. (٢) وفى سخة جعفر . ( ٤ ) البسطامى . ٢٠٥ ( باب التقوى ) فقال له صاحبه : تعلق الثوب فى جدار (١) الكرم. فقال لا ، لا تغرز الوتد فى جدار الناس . فقال : نعلقه فى الشجر . فقال : لا ، إنه يكسر الأغصان . فقال : نبسطه على الأذخر (٢) . فقال : لا ؛ إنه علف الدواب ، لا نستره عنها . فولى ظهره إلى الشمس والقميص على ظهره ، حتى جف جانب ثم قلبه حتى جف الجانب الآخر . وقيل : إن أبا يزيد دخل يوماً الجامع ، فغرز عصاه فى الأرض فسقطتٍ.، ووقعت على عصا شيخ بجنبه ركز عصاه فى الأرض فألقتها .. فانحنى الشيخ وأخذ عصاه ، فمضى أبو يزيد إلى بيت الشيخ واستحله(٣) ، وقال : كان السبب فى انحنائك تفريطى فى غرز عصاى ، حيث احتجت إلى إن تنحى . ورأى عتبة الغلام بمكان يتصبب عرقا فى الشتاء ، فقيل له فى ذلك . فقال : إنه مكان عصيت فيه ربى !! فسئل عنه ، فقال : كشطت من هذا الجدار قطعة طين، غسل بها ضيف لى بده ، ولم أستمحل من صاحبه . ٠ وقال إبراهيم بن أدهم : بت ليلة تحت الصخرة ببيت المقدس ؛ فلما "كان بعض الليل نزل ملكان، فقال أحدهما لصاحبه : من هاهنا ؟ فقال الآخر : إبراهيم بن أدهم ." فقال : ذاك الذى حط اللّه سبحانه درجة من درجاته . (١) وفى نسخة جداران . (٢) نبت تأكله السائمة . (٣) رجاه أن يسامحه. ٢٠٦ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للأمام القشيرى ) صـ فقال : لم ؟ قال : لأنه اشترى بالبصرة ثمراً ، فوقعت تمرة على نمرة من تمر البقال، فلم يردها على صاحبها . قال إبراهيم : فمضيت إلى البصرة ، واشربت التمر من ذلك الرجل ، وأوقعت تجرة على تمرة ، ورجعت إلى بيت المقدس ، ويت فى الصخرة. فلما كان بعض الليل ، إذا أنا ملكين (١) نزلا من السماء. فقال أحدهما لصاحبه : من هاهنا ؟ فقال الآخر : إبراهيم بن أدهم : فقال : ذلك الذى رد الله مكانه ، ورفعت درجته . وقيل : التقوى على وجوه : للعامة : تقوى الشرك، وللخاصة (٢): تقوى المعاصى، وللأولياء: تقوى للتوسل بالأفعال ، وللأنبياء تقوى نسبة الأفعال ؛ إذ تقواهم منه إليه . وعن أمير المؤمنين على ، رضى الله عنه ، قال : سادة الناس فى الدنيا الأسخياء ، وسادة الناس فى الآخرة الأنقياء . أخبرنا على بن أحمد الأهوازى ، قال : أخبرنا أبو الحسين البصرى قال : أخبرنا شر بن موسى، قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك ، عن يحيى بن أبوب ، عن عبيد الله بن رحو ، عن على بن زيد ، عن القاسم ، عن أبى أمامة ؛ عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( من نظر إلى محاسن امرأة فغض بصره فى أول مرة، أحدث الله له عبادة بجد حلاوتها فى قلبه (٣) . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا العباس محمد بن الحسين ، يقول : سمعت محمد بن عبد الله الفرغانى: يقول: كان الجنيد جالساً مع رويم ، والجريرى، وابن عطاء ، فقال الجنيد : (١) وفى نسخة : بالملكين. (٣) رواه أحمد . (٢) وفى نسخه الخواص . ٢٠٧ ( باب التقوى ) ما نجا من نجا إلا بصدق اللجا(١)، قال الله تعالى: ((وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت(٢) .. الآية). وقال رويم ، رحمه الله: ما نجا من نجا إلا مصدق التقى، قال الله تعالى : ((وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم .. ))(٣). وقال الجريرى: ما نجا من نجا إلا بمراعاة الوفاء (٤)، قال الله تعالى: ((والذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق))(٥). وقال ابن عطاء : ما نجا من نجا إلا بتحقيق الحياء من الله قال الله تعالى : ((ألم يعلم بأن الله يرى)) (٦). وقال الأستاذ الإمام(٧): ما نجا من نجا إلا بالحكم والقضاء ، قال الله تعالى: ((إن الذين سبقت لهم منا الحسنى)) (٨) الآية: وقال أبضاً : ما نجا من نجا إلا بما سبق له من الاجتباء ، قال الله تعالى : (( واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم))(٩). ٢ (١) أى الالتجاء. : (٢) آية ١١٨ من سورة التوبة. (٤ ) أى بالعهود . !! (٥) آية ٢٠ من سورة الرعد . (٧) أبو القاسم القشيرى . (٩) آية ٨٧ من سورة الأنعام . (٣) آنة ٦١ من سورة الزمر . (٦) آية ١٤ من سورة العلق. (ه ) آية ١٠١ من سورة الأنبياء. الباب التاسع الـ ـورع رتى سفيان الثورى فى المنام .. وله جناحان يطير بهما فى الجنة من شجرة الى شجرة .. فقيل له : بم نلت هذا ٠٠ ؟ ٠٠ فقال : بالورع ٠٠ ٢١٠ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) باب الورع أخبرنا أبو الحسين عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكى ، قال : حدثنا محمد بن داود بن سليمان الزاهد قال أخبرنا محمد بن الحسين بن قتيبة ، قال : حدثنا أحمد بن أبى طاهر الخراسانى . قال : حدثنا يحيى بن العيزار قال : حدثنا محمد بن يوسف الفريابى ، عن سفيان ، عن الاجلح ، عن عبد الله بن بربده ، عن آبى الأسود الدؤلى، عن أبى ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه))(١) . قال الأستاذ الإمام رضى الله عنه: أما الورع ، فانه : ترك الشبهات . كذلك قال إبراهيم بن أدهم : الورع ترك كل شبهة ، وترك ما لا يعنيك (٢) هو ترك الفضلات. وقال أبوبكر الصديق رضى الله عنه: ((كنا ندع سبعين باباً من الحلال مخافة أن نقع فى باب من الحرام)). وقال صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: ((كن ورعاً تكن أعبد الناس)) (٣). سمعت الشيخ أما عبد الرحمن السلمى ، يقول سمعت أبا العباس البغدادى يقول : سمعت جعفر بن محمد يقول : سمعت الجنيد بقول : سمعت السرى بقول : كان أهل الورع فى أوقاتهم أربعة : حذيفة المرتعش (٤)، ويوسف بن أسباط، وإبراهيم بن أدهم ، وسليمان الخواص ، فنظروا فى الورع .. فلما ضاقت عليهم الأمور فزعوا إلى التقلل (٠). وسمعته يقول : سمعت أبا القاسم الدمشقى يقول : سمعت الشبلى يقول : الورع أن تتورع عن كل ما سوى الله تعالى . (١) رواه التر مذى وابن ماجه وغيرهما بسند صحيح. (٢) أى، المواد «رك مالا يعنى فى الحديث السابق لرسول الله صلى الله عليه وسلم هو ترك الفضلات أى مالا تدعو إليه حاجة دينبه ونرك المحرم والمكروه مافيه شبهة . (٣) البهى فى الشعب بسند ضعف . (٤ ) فى نسخة . المرعشى. (٥) أى فاما الهوائى تقعى الحلال من كسبهم، ولم بقدروا على صفاته لحلوا حسب مكان إلى القلبل الصافى من ذلك الكسب . ٢١١ ( باب الورع ) وسمعته يقول : أخبرنا أبو جعفر الرازى قال : حدثنا العباس بن حمزة قال : حدثنا أحمد بن أبى الحوارى قال : حدثنا اسحق بن خلف ؛ قال . الورع ، المنطق : أشد منه فى الذهب والفضة ، والزهد فى الرياسة : أشد منه فى الذهب والفضة ، لأنك تبذلهما فى طلب الرئاسة . وقال أبو سليمان الدارانى : الورع : أول الزهد ، كما أن القناعة : طرف من الرضا . وقال أبو عتمان : ثواب الورع خفة الحساب . وقال يحيى بن معاذ: الورع الوقوف على حد العلم من غير تأويل . . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت الحسين بن أحمد بن جعفر يقول : سمعت محمد بن داود الدينورى يقول : سمعت عبد الله بن الجلاء يقول : أعرف من أقام بمكة ثلاثين سنة لم يشرب من ماء زمزم إلا ما استقاه بركوته(١)، ورشائه(٢)، ولم يتناول من طعام جلب من مصر(٣). وسمعته يقول : سمعت أبا بكر الرازى يقول : سمعت على بن موسى التاهرنى يقول : وقع من عبد الله بن مروان فلس فى بئر قذرة ، فاكترى عليه بثلاثة عشر ديناراً حتى أخرجه ، فقيل له فى ذلك ، فقال : كان عليه اسم الله تعالى . وسمعته يقول : سمعت أبا الحسن الفارسى يقول : سمعت بن علويه يقول : سمعت يحيى بن معاذ يقول الورع على وجهين : . ورع فى الظاهر ؛ وهو : أن لا يتحرك إلا لله تعالى. وورع فى الباطن ، وهو : أن لا يدخل قلبك سوى الله تعالى . وقال يحيى بن معاذ : من لم ينظر فى الدقيق من الورع لم يصل إلى الجليل من العطاء . وقيل : من دق فى الدين نظره جل فى القيامة خطره (٤) . وقال ابن الجلاء : من لم يصحبه للتّقى فى فقره أكل الحرام النص (٥). (٣) أى من المدن. (٥) الصرف . (٢) حبله . (١) بدلوه (٤) قدره ومكانته . ٢١٢ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) وقال يونس بن عبيد : الورع : الخروج عن كل شبهة ، ومحاسبة النفس فى كل طرفة (١) . وقال سفيان الثورى: ما رأيت أسهل من الورع: ماحاك (٢) فى نفسك (٣) تركته وقال معروف الكرخى : احفظ لسانك من المدح كما تحفظه من الذم . وقال بشر بن الحارث : أشد الأعمال ثلاثة : الجود فى القلة ، والورع فى الخلوة ، وكلمة الحق عند من يخاف منه ويرجى . وقيل : جاءت أخت بشر الحافى إلى أحمد بن حنبل وقالت : إنا نغزل على سطوحنا ، فتمر بنا مشاغل الظاهرية ، ويقع الشعاع علينا ، ١ أفيجوز لنا الغزل فى شعاعها ؟ . فقال أحمد : من أنت ؟ عافاك الله تعالى . فقالت : أخت بشر الحافى . فبكى أحمد وقال : من بينكم يخرج الورع الصادق ، لا تغزلى فى شعاعها . وقال على العطار : مررت بالبصرة فى بعض الشوارع ، فاذا مشايخ قعود وصبيان يلعبون ، فقلت : أما تستحون من هؤلاء المشايخ ؟ . فقال صبى من بينهم : هؤلاء المشايخ قل ورعهم فقلت هيبتهم . وقيل : إن مالك بن دينار مكث بالبصرة أربعين سنة ، فلم يصح له أن يأكل شيئاً من تمر البصرة ، ولا من رطبها ، حتى مات ولم يذقه . وكان إذا انقضى وقت الرطب قال : ما أهل البصرة ، هذا بطنى ما نقص منه شىء ولا زاد فيكم . وقيل لابراهيم بن أدهم : ألا تشرب من ماء زمزم ؟ فقال : لو كان لى دلو لشربت منه . سمعت الأستاذ أما الدقاق يقول : كان الحارث المحاسبى إذا مد يده إلى طعام فيه شبهة ضرب على رأس إصبعه عرق فيعلم أنه غير حلال . (١) لخطة . (٣) مما تكره أن يطلع عليه الناس . (٢) يحرك . ٢١٣ ( باب الورع ). وقال : إن بشرأ الحافى دعى إلى دعوة ، فوضع بين يديه طعام ، فجهد أن يمد يده إليه ، فلم تمتد . ففعل ذلك ثلاث مرات . فقال رجل يعرف ذلك منه : "إن بده لا تمتد إلى طعام فيه شبهة ، ما كان أغنى صاحب هذه الدعوة أن يدعو هذا الشيخ ؟ . أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى الصوفى ، قال : سمعت عبد الله بن على بن بحى التميمى قال سمعت أحمد بن محمد بن سالم بالبصرة تقول : سئل سهل بن عبد الله عن الحلال الصافى، فقال: هو الذى لا يعصى الله تعالى فيه . وقال سهل : الحلال الصافى : الذى لاننسى اللّه تعالى فيه . ودخل الحسن البصرى مكة ، فرأى غلاماً من أولاد على بن أبى طالب ، رضى الله عنه، قد أسند ظهره إلى الكعبة بعظ الناس ، فوثب عليه الحسن وقال له : ما ملاك الدين ؟ فقال : الورع . فقال له : فما آفة الدين ؟ فقال : الطمع ... فتعجب الحسن منه . وقال الحسن : مثقال ذرة من الورع السالم (١) خير من ألف مثقال من الصوم والصلاة . وأوحى الله سبحانه ، إلى موسى ، عليه الصلاة والسلام: لم يتقرب إلى المتقرىون بمثل الورع والزهد . وقال . أبو هريرة : جلساء اللّه تعالى غداً : أهل الورع والزهد . وقال : سهل بن عبد الله: من لم يصحبه الورع أكل رأس الفيل ولم شع ! ! وقيل : حمل إلى عمر بن عبد العزيز مسك من الغنائم ، فقض على مشامه (٢). وقال : إنما ينتفع من هذا تربحه ، وأنا أكره أن أجد ريحه دون المسلمين . وسئل أبو عمان الحيرى عن الورع ، فقال : 1 كان أبو صالح حمدون عند صديق له، وهو فى النزع ، فمات الرجل ، فنفث أبو صالح فى السراج ، فقيل له فى ذلك ، فقال : (١) أى الخالص من الرياء والكبر. (٢) أنفه . ٢١٤ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) إلى الآن كان الدهن له فى المسرجة ، ومن الآن صار للورثة . اطلبوا دهنا غيره. وقال كهمس : أذنبت ذنباً أبكى عليه منذ أربعين سنة ؛ وذلك : أنه زارنى أخ لى ؛ فاشتريت لأجله بدانق سمكة مشوية ، فلما فرغ أخذت قطعة طين من جدار (١) جار لى حتى غسل بها يده ولم أستحله . وقيل : كان رجل يكتب رقعة ، وهو فى بيت بكراء ، فأراد أن يترب الكتاب من جدار البيت ، فخطر بباله أن البيت بالكراء ... ثم إنه خطر بباله أنه لاخطر. لهذا ، فترب الكتاب ، فسمع هاتفاً يقول : سيعلم المستخف بالتراب ما يلقاه غداً من طول الحساب ! ! ور هن أحمد بن حنبل ، رحمه الله تعالى ، سطلا له عند بقال مكة ، حرسها اللّه تعالى ، فلما أراد فكاكه أخرج البقال إليه سطلين ، وقال خذ أيهما هو لك . فقال أحمد : أشكل على سطلى ، فهو لك ، والدراهم لك . فقال البقال : سطلك هذا ، وأنا أردت أن أجربك . فقال: لا آخذه . ومضى. وترك السطل عنده . وقيل : سيب ابن المبارك دابة قيمتها كثيرة ، وصلى صلاة الظهر ، فرتعت الدابة فى زرع قرية سلطانية (٢) ، فترك ابن المبارك الدابة ولم يركبها . وقيل: رجع ابن المبارك من ((مرو)) إلى ((الشام)) فى قلم (٣) استعاره فلم يرده على صاحبه . واستأجر النخعى دابة ، فسقط سوطه من يده ، فنزل، وربط الدابة ، ورجع فأخذ السوط ، فقيل له : لوحولت الدابة إلى الموضع الذى سقط فيه السوط فأخذته كان أسهل لك فقال: إنما استأجرتها لأمضى هكذا .. لاهكذا ! ! وقال أبو بكر الدقاق: تهت فى تيه بنى إسرائيل خمسة عشر يوماً .. فلما وافيت الطريق ، استقبلنى جندى فسقانى شربة من ماء ، فعادت قسوتها على قلبى وتألمت ثلاثين سنة . (١) وفى نسخة من دار . (٢) أى زرعت بأموال السلطان . (٣) أى بسبب. ٢١٥ ( باب الورع ) وقيل : خاطت رابعة العدوية شقا فى قميصها فى ضوء مشعلة سلطان ، ففقدت قلبها (١) زماناً ، حتى تذكرت ، فشقت قميصها ، فوجدت قلبها . ورئى سفيان الثورى فى المنام ، وله جناحان يطير بهما فى الجنة من شجرة إلى شجرة . فقيل له : بم نلت هذا ؟ : فقال : بالورع . ووقف حسان بن أبى سنان على أصحاب الحسن ، فقال : أى شىء أشد عليكم؟ فقالوا : الورع . فقال : ولا شىء أخف على منه . فقالوا : فكيف ؟ فقال : لم أرو من نهركم منذ أربعين سنة . وكان حسان بن أبى سنان لا ينام مضطجعاً ، ولا يأكل سميناً ، ولا يشرب ماء بارداً ستين سنة ، فرأى فى المنام بعد موته ، فقيل له: ما فعل الله بك؟ .. فقال : خيراً ، إلا أنى محبوس عن اللجنة بابرة استعرتها فلم أردها . وكان لعبد الواحد بن زيد غلام خدمه سنين ، وتعبد أربعين سنة : وكان فى ابتداء أمره كيالا ، فلما مات رئى فى المنام ، فقيل له : ما فعل الله بك ؟ . فقال : خيراً ، غير أنى محبوس عن الجنة ، وقد أخرج (٢) على من غبار القفيز الذى اكتلته أربعين قفيزاً (٣) . ومرعيسى بن مريم ؛ عليهما السلام بمقبرة ، فنادى رجلا منها ، فأحياه الله تعالى. فقال : من أنت ؟ فقال كنت حمالا أنقل للناس ، فنقلت لإنسان يوماً حطبا ، فكسرت منه خلالا تخللت به فأنا مطالب به منذ مت . وتكلم أبو سعيد الخراز فى الورع .. فمر به عباس بن المهتدى ، فقال : يا أبا سعيد ، أما تستحى ؛ تجلس تحت سقف أبى الدوانيق ، وتشرب من بركة زبيدة ، وتتعامل بالدراهم المزيفة ، وتكتم فى الورع ؟ .. (١) أى حضوره. (٢) أى أظهر الله . (٣) القفيز: مكيال وذلك لأن الكيال إذا اكتال ما فيه تراب حصل التراب فى أسفل الكيل فان لم ينفضه فى الحال واكتال به مرة أخرى تزايد التراب وحصل بواسطته فى المدة الطويلة نقص كثير فيها يكال فحبس عن الجنة بسبب ذلك . الباب العاشر الز هـ الزهد : هو النظر الى الدنيا بعين الزوال .. لتصغر فى عينيك .. فيسهل عليك الاعراض عنها .. .. ٢١٨ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) باب الزهد أخبرنا حمزة بن يوسف السهمى الجرجانى ، قال . أخبرنا أبو الحسن عبيد الله ابن أحمد بن يعقوب المقرى ببغداد ، قال : حدثنا جعفر بن مجاشع قال : حدثنا زيد بن إسماعيل قال : حدثنا كثير بن هشام قال : حدثنا الحكم بن هشام ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبى فروة ، عن أبى خلاد - وكانت له صحبة - قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((إذا رأتم الرجل قد أوتى زهداً فى الدنيا، ومنطقاً ، فاقتربوا منه ؛ فانه يلقن الحكمة (١))). قال الأستاذ الإمام أبو القاسم ، رحمه الله : اختلف الناس فى الزهد (٢) ؛ فمنهم من قال . الزهد فى الحرام ؛ لأن الحلال مباح من قبل اللّه تعالى ؛ فإذا أنعم الله على عبده عال من حلال، وتعبده بالشكر عليه ، فتركه له باختياره لا يقدم(٣) على إمساكه له بحق إذنه (٤) . ومنهم من قال : الزهد فى الحرام واجب ، وفى الحلال فضيلة ؛ فان إقلال المال - والعبد صابر فى حاله ، راض بما قسم الله تعالى له، قانع بما يعطيه - أتم من توسعه وتبسطه فى الدنيا، فان الله تعالى زهد الخلق فى الدنيا بقوله: ((قل متاع الدنيا قليل، والآخرة خير لمن اتقى))(٥): وغير ذلك من الآيات الواردة فى ذم الدنیا والتزهيد فيها . ومنهم من قال : إذا أنفق العبد ماله فى الطاعة ، وعلم من حاله الصبر ، وترك ١ للتعرض لما نهاه الشرع عنه فى حال العسر ، فحينئذ يكون زهده فى المال الخلال أتم . (١) رواه ابن ماجه بنحوه وفيه ضعف . (٢) لا من حيث معناه ، بل من حيث متعلق حكمه . (٣) أى فالأمر إلى سواء لا أولوية لأحدهما على الآخر فتركه مثل إمساكه فى الفضيلة (العروسى). (٤) فلا يكون تركه زهداً عند هذا القاتل . (٥) آية ٧٧ من سورة النساء . ٢١٩ ( باب الزهد ) ومنهم من قال : شغى للعدان لا يختار ترك الحلال بتكلفه ، ولاطلب الفضول مما لايحتاج إليه ويراعى القسمة . فان رزقه الله ، سبحانه وتعالى مالا من حلال شكره ، وإن وقفه الله تعالى ، على حد الكفاف لم يتكلف فى طلب ما هو فضول المال فالصبر أحسن يصاحب الفقر ، والشكر آليق بصاحب المال الحلال . وتكلموا فى معنى الزهد: فكل نطق عن وقته ، وأشار إلى حده . سمعت الشيخ أنا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، بقول : حدثنا أحمد بن اسماعيل الأزدى قال : قال : حدثنا عمران بن موسى الإسفنجى قال : حدثنا الدورقى قال : حدثنا وكيع قال : قال سفيان الثورى : الزهد فى الدنيا : قصر الأمل ، ليس بأكل الغليظ ، ولا يلبس العباء . وسمعته يقول : سمعت سعيد بن أحمد يقول : سمعت عباس بن عصام يقول : سمعت الجنيد يقول : سمعت السرى السقطى يقول : إن الله سحانه ، سلب الدنيا عن أو ليائه، وحماها (١) عن أصفيائه ، وأخرجها من قلوب أهل وداده ؛ لأنه لم يرضها لهم . وقيل: الزهد من قوله (٢) سبحانه وتعالى: (( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم (٣). فالزاهد لا يفرح بموجود من الدنيا ، ولا يتأسف على مفقود منها . وقال أبو عتمان : الزهد : أن تترك الدنيا ثم لا تنالى بمن أخذها (٤). سمعت الأستاذ أما على الدقاق يقول : الزهد : أن تترك الدنيا كما هى ، لا تقول أنى بها رباطاً أو أعمر مسجداً . وقال يحيى بن معاذ: الزهد : مورث السخاء بالملك ، والحب يورث السخاء بالروح ، وقال ابن الجلاء : الزهد : هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال ، لتصغر فى عينك فيسهل عليك الإعراض عنها . (١) أمسكها . (٣) آية ٢٣ من سورة الحديد. (٢) أى مأخوذ . (٤) وفى نسخه: الزاهد: الذى يترك الدنيا ثم لا يبالى من أخذها. ٢٢٠ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى) وقال ابن خفيف . علامة الزهد : وجود الراحة فى الخروج عن الملك . وقال أيضا الزهد : سلو القلب عن الأساب، ونقض الأيدى من الأملاك. وقيل : الزهد : عزوف النفس عن الدنيا بلا تكلف . سمعت الشيخ أنا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول: سمعت النصر الاذى تقول : الزاهد : غريب فى الدنيا ، والعارف غريب فى الآخرة . وقيل : من صدق فى زهده آتته الدنيا راغمة . ولهذا قيل : لو سقطت قلنسوة من السماء لما وقعت إلا على رأس من لابريدها . وقال الجنيد : الزهد خلو القلب عماخلت منه اليد . وقال أبو سليمان الدارنى : الصوف علم من أعلام الزهد ؛ فلا ينبغى للزاهد أن بلبس صوفا ثلاثة دراهم ، وفى قلبه رغبة خمسة دراهم . وقد اختلف الساف فى الزهد (١): فقال سفيان الثورى ، وأحمد بن حنبل ، وعيسى بن بونس وغيرهم : الزهد فى الدنيا : إنما هو قصر الأمل . وهذا الذى قالوه ىحمل (٢) على أنه من أمارات الزهد ، والأسباب الباعثة عليه والمعانى الموجبة له . وقال عبد الله بن المبارك: الزهد: هو الثقة بالله تعالى مع حب الفقر. وبه قال شقيق البلخى ، ويوسف بن أساط وهذا أيضا من أمارات الزهد ، فانه لا يقوى العبد على الزهد ، إلا بالثقة بالله تعالى . وقال عبد الواحد بن زبد: الزهد : ترك الدينار والدرهم (٣) وقال أبو سليمان الدارنى : الزهد : ترك ما بشغل عن الله سبحانه وتعالى: سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت أحمد بن على يقول: سمعت إبراهيم بن فاتك يقول : سمعت الجنيد يقول ، وقد سأله رويم عن الزهد، فقال : (١) أى: فى حقيقته وأسبابه. (٣) وفى نسخه ((ونحوهما بقبله)). (٢) أى فى العرف . ٢٢١ ( باب الزهد ) هو استصغار الدنيا ، ومحو آثارها من القلب . وقال سرى : لايطيب عيش الزاهد إذا اشتغل عن نفسه (١) ، ولا يطيب عيش العارف إذا اشتغل بنفسه (٢) . وسئل الجنيد عن الزهد ، فقال : خلو اليد من الملك ، والقلب من التتبع . .... وسئل الشبلى عن الزهد فقال: أن تزهد فيما سوى الله تعالى. وقال يحيى بن معاذ : لا مبلغ أجد حقيقة الزهد حتى يكون فيه ثلاث خصال : عمل بلاعلاقة (٣) ، وقول بلاطمع ، وعز للا رباسة . وقال أبو حفص : الزهد لا يكون إلا فى الحلال ، ولا حلال فى الدنيا ، فلا زهد. وقال أبوعثمان : إن الله تعالى يعطى الزاهد فوق ما بريد، وبعطى الراغب دون ما يريد ، ويعطى المستقيم موافقة ما يريد . وقال يحيى بن معاذ : الزاهد يسعطك (٤) الخل والخردل ، والعارف شمك المسك والعنبر . وقال الحسن البصرى : الزهد فى الدنيا أن تبغض أهلها وتبغض ما فيها . وقيل لبعضهم : ما الزهد فى الدنيا ؟ قال: ترك ما فيها على من فيها . وقال رجل لذى النون المصرى : متى أزهد فى الدنيا ؟ فقال : إذا زهدت فى نفسك . وقال محمد بن الفضل : إيثار الزهاد عند الاستغناء ، وإيثار الفتيان عند الحاجة ، قال الله تعالى: ((وبؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة))(٥). وقال الكتانى : الشىء الذى لم يخالف فيه كوفى ولا مدنى ولا عراقى ، ولا شامى: الزهد فى الدنيا ، وسخاوة النفس ، والنصحية للخلق . يعنى أن هذه الأشياء لا يقول أحد إنها غير محمودة . (١) أى بغيرها من شهوات الدنيا . (٣) أى خالصاً لله تعالى لالعلة دنيوية . (٤) أى: أدخل فى أنفك . (٢) أى عن مولاه . (٥) آية ٩ من سورة الحشر . ٢٢٢ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) وقال رجل ليحيى بن معاذ : متى أدخل حانوت التوكل ، وألبس رداء الزاهدين ؟ . فقال : إذا صرت من رياضتك فى السر إلى حد لو قطع الله عنك الرزق ثلاثة أيام لم تضعف فى نفسك . فأما ما لم تبلغ هذه الدرجة فجلوسك على بساط الزاهدين جهل، ثم لا آمن عليك أن تفتضح بيهم ... وقال بشر الحافى : الزهد: ملك لا يسكن إلا فى قلب مخلى (١) . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا بكر الرازى يقول: سمعت بن محمد بن الأشعث البيكندى يقول : من تكلم فى الزهد ، ووعظ الناس ، ثم رغب فى مالهم ، رفع الله تعالى حب الآخرة من قلبه . وقيل : إذا زهد العبد فى الدنيا وكل الله تعالى به ملكا يغرس الحكمة فى قلبه. وقيل لبعضهم : لم زهدت فى الدنيا ؟ . فقال : لزهدها فى. وقال أحمد بن حنبل : الزهد على ثلاثة أوجه : ترك الحرام ، وهو : زهد العوام : والثانى : ترك الفضول من الحلال ، وهو : زهد الخواص . والثالث : ترك ما يشغل العبد عن اللّه تعالى ، وهو : زهد العارفين. سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، بقول . قيل لبعضهم : لم زهدت فى الدنيا ؟ قال : لما زهدت فى أكثرها أنفت من الرغبة فى أقلها . وقال يحيى بن معاذ : الدنيا كالعروس المجلوة ، ومن يطلها ما شطتها والزاهد فيها يسخم وجهها وينتف شعرها ، ويحرق (٢) ثوبها. والعارف مشتغل بالله تعالى، لا يلتفت إليها . (١) أى لا يتحقق إلا فى قلب انقطع طمعه عن الدنيا وتخل مها . (٢) وفى نسخة : ويخرق . ٢٢٣ ( باب الزهد ) سمعت أبا عبد الله الصوفى يقول: سمعت : أنا الطيب السامرى يقول: سمعت الجنيد يقول : سمعت السرى يقول : مارست كل شىء من أمر الزهد ، فنلت منه ما أريد ، إلا الزهد فى الناس ؛ فانى لم أبلغه ، ولم أطلقه . وقيل : ما خرج الزاهدون إلا إلى أنفسهم ، لأنهم تركوا النعيم الفانى للنعيم الاقى . وقال النصر اناذى : الزهد حقن دماء الزاهدين ، وسفك دماء العارفين . وقال حاتم الأصم . الزاهد بذيب كيسه قبل نفسه ، والمتزاهد بذيب نفسه قبل كيسه . سمعت محمد بن عبد الله يقول : حدثنا على بن الحسين الموصلى قال : حدثنا أحمد ابن الحسين قال : حدثنا محمد بن الحسين قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : سمعت الفضيل بن عياض يقول : جعل اللّه الشر كله فى بيت ، وجعل مفتاحه حب الدنيا ، وجعل الخير كله فی بیت ، وجعل مفتاحه الز هد . الباب الحادى عشر الصمت تعلم الصمت .. كما تتعلم الكلام .. فان كان الكلام يهديك .. فان الصمت يقيك .. ٢٢٦ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) باب الصمت أخبر نا عبد الله بن يوسف الأصبهانى قال: حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان قال : حدثنا أحمد بن يوسف السلمى قال : حدثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن الزهرى، عن أبى سلمة ، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))(١). أخبر نا على بن أحمد بن عبدان ، قال : أخبرنا أحمد بن عيد قال : حدثنا شر ابن موسى الأسدى قال: حدثنا محمد بن سعيد الأصبهانى ، عن ابن المبارك ، عن يحيى بن أيوب ، عن عبيد الله بن زجر ، عن على من يزيد ، عن القاسم ، عن أبى أمامة ، عن عقبة بن عامر قال : قلت : (( يارسول اللّه، ما النجاة ؟ قال: احفظ عليك لسانك، وليسعك بيتك، والك على خطيئتك))(٢). قال الأستاذ ، رحمه الله: الصمت سلامة، وهو (٣) الأصل. وعليه ندامة إذا ورد عنه الزجر (٤) فالواجب : أن يعتبر فيه الشرع، والأمر والنهى . والسكوت فى وقته : صفة الرجال ، كما أن النطق فى موضعه من أشرف الخصال . سمعت الأستاذ أنا على الدقاق يقول : من سكت عن الحق فهو شيطان أخرس . والصمت: من آداب الحضرة، قال الله تعالى: ((وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون))(٥). وقال تعالى - خبراً عن الجن بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم -: ((فلما حضروه قالوا أنصتوا .. ))(٦) . (١) رواه أحمد والشيخان وغير هما . (٣) وفى نسخة ( وهى) أى السلامة . (٥) آية ٢٠٤ من سورة الأعراف. (٢) رواه التر مذى وقال حسن. (٤) لكون النطق مطلوبا. (٦) آية ٢٩ من سورة الأحقاف.