النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦٣
( التلوين والتمكين )
وقال بعض المشابخ :
انتهى سفر الطالبين إلى الطفر بنفوسهم ، فاذا ظفروا بنفوسهم فقد وصلوا .
قال الأستاذ رحمه الله :
يريد انخناس أحكام للبشرية ، واستيلاء سلطان الحقيقة ، فاذا دام للعبد هذه
الحالة فهو صاحب تمكين .
٠٠
كان الشيخ ابو على الدقاق ، رحمه الله يقول :
كان موسى عليه السلام صاحب تلوين ، فرجع من سماع الكلام واحتاج إلى
ستر وجهه ، لأنه آثر فيه الحال . ونبينا ، صلى الله عليه وسلم ، كان صاحب تمكين،
فرجع كما ذهب ، لأنه لم يؤثر فيه ما شاهده تلك الليلة .
وكان بستشهد على هذا بقصة يوسف عليه السلام : أن النسوة اللاتى رأين
يوسف عليه السلام قطعن أيديهن لما ورد عليهن من شهود يوسف عليه السلام على
وجه الفجأة . وامرأة العزيز كانت أتم فى بلاء(١) يوسف منهن ، ثم لم تتغير عليها
شعرة ذلك اليوم ، لأنها كانت صاحبة تمكين فى حديث يوسف عليه السلام .
قال الأستاذ :
واعلم أن التغير بما برد على العبد يكون لأحد أمرين :
إما لقوة الوارد ، أو لضعف صاحبه .
والسكون من صاحبه لأحد أمرين :
إما لقوته ، أو لضعف الوارد عليه .
سمعت الأستاذ أما على الدقاق ، رحمه الله ، بقول :
أصول القوم فى جواز دوام التمكين تتخرج على وجهين :
(١) حب.

١٦٤
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للأمام القشيرى )
أحدهما: مالا سبيل إليه، لأنه قال صلى اللّه عليه وسلم: ((لو بقيم على ما كنتم
عليه عندى لصافحتكم الملائكة))(١) ولأنه صلى اللّه عليه وسلم قال: ((لى وقت
لا يسعنى فيه غير ربى عز وجل)) أخبر عن وقت مخصوص.
والوجه الثانى: أنه يصح دوام الأحوال ، لأن أهل الحقائق ارنقوا عن وصف
التأثر بالطوارق، والذى فى الخبر أنه قال: ((لصافحتكم الملائكة)) فلم يعلق الأمر
فيه على أمر مستحيل ، ومصافحة الملائكة دون ما أثبت لأهل البداية من قوله صلى
اللّه عليه وسلم: ((إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رغماً بما يصنع)) (٢).
وما قال: ((لى وقت .. ))، فانما قال على حسب فهم السامع. وفى جميع
أحواله "كان قائما بالحقيقة .
والأولى أن يقال: إن العبد ما دام فى الترقى فصاحب تلوين يصح فى نعنه الزيادة
فى الأحوال ، والنقصان منها ، فاذا وصل إلى الحق بانخناس أحكام الشرية مكنه
الحق سبحانه ، بأن لا يرده إلى معلولات النفس ، فهو متمكن فى حاله ، على حسب
محله واستحقاقه .
تم ما يتحفه - الحق سبحانه ، فى كل نفس ، فلاحد لمقدوراته ، فهو فى
الزيادات متلون ، بل ملون . وفى أصل حاله متمكن ؛ فابداً يتمكن فى حالة أعلى
مما كان فيها قبله ، ثم يرتقى عنها إلى ما فوق ذلك إذ لا غادة لمقدورات الحق سبحانه
فى كل جنس .
(١) الحديث بأكمله: عن أبي ربعى: حنظلة بن الربيع الأسيدى: الكاتب أحد كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم)،
قال: ((لقنى أبو بكر، رضى الله عنه فقال: كيف أنت ياحتطلة؟ قلت: ذافق حطلة. قال: سبحان الله . • اتقول ؟ فقلت:
نكون عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالجنة والنار كأنها رأى عين، إذا اخرجنا من عنه رسول الله
صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضبعات نسبنا كثيرا، قال أبو بكر رضى الله عنه ،
فوالله إننا لنفى مثل هذا: فانطلقت أنا وأبوبكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يارسول الله، نافق حنظلة
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟ قال: نكون عندك تذكرنا بالنار واللجنة كأنها رأى عين فاذا خرجنا من عندك
عافسنا الأزواج والأولاد والضبعات: نسبنا كثيرا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذى نفسى ببده، أن لو تدومون على
ماتكونون عندى وفى الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفى طرقكم، ولكن ياحنظلة، ساعة وساعه ثلاث مرات)) رواه
مسلم . عافسنا : داعبنا ، الضيعات : المعايش .
(٢) الحديث بتمامه فيما رواه أبوداود والترمذى عن أبى الدرداء رضى الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: ((من سلك طريقاً يبتغى فيه عاما سهل الله له طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رغما بما بصنع،
وإن العالم ليستغفر له من فى السموات ومن فى الأرض حتى الحيتان فى الماء وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ،
وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، "ن أخذه أخذ بحظ وافر».

١٦٥
( القرب والبعد )
فأما المصطلم (١) عن شاهده ، المستوفى إحساسه بالكلية ، فللبشرية لا محالة حد
وإذا بطل عن جملته ونفسه وحسه ، وكذلك عن المكونات بأسرها ، تم دامت
به هذه الغيبة ، فهو محو ، فلا تمكين له إذاً ، ولا تلوين ، ولا مقام ، ولا حال .
وما دام بهذا الوصف : فلا تشريف ، ولا تكليف . اللهم إلا أن يرد بما يجرى
عليه من غير شيء منه ، فذلك (٢) متصرف فى ظنون الخلق ، مصرف فى التحقيق.
قال الله تعالى: ((وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود ، ونقلبهم ذات اليمين وذات
الشمال)»(٣) وبالله التوفيق.
ومن ذلك :
القرب والبعد
أول رتبة فى القرب : القرب من طاعته ، والاتصاف فى دوام الأوقات
بعبادته .
وأما البعد ، فهو التدنس بمخالفته ، والتجافى عن طاعته .
فأول البعد بعد عن التوفيق ، ثم بعد عن التحقيق ، بل البعد عن التوفيق هو
البعد عن التحقيق، قال صلى اللّه عليه وسلم ، مخبراً عن الحق سبحانه: ((ما تقرب
إلى المتقربون بمثل أداء ما افترضته عليهم ، ولا يزال العبد يتقرب إلىَّ بالنوافل .
حتى يحبنى وأحبه . فإذا أحببته، كنت له سمعاً وبصرأ، فى يبصر، وبى يسمع ..
الخبر .. )) (٤).
فقرب العبد اولا قرب باعانه وتصديقه ، ثم قرب باحسانه وتحقيقه .
وقرب الحق سبحانه ، ما بخصه اليوم به من العرفان ، وفى الآخرة ما يكرمه به
من الشهود والعيان ، وفيما بين ذلك من وجوه اللطف والامتنان .
(٢) أى العبد .
(١) الغائب .
(٣) آية ١٨ من سورة الكهف.
(٤) الحديث بتمامه: قال تعالى فى الحديث القدسى الصحيح الذى رواه البخارى: ((من عادى لى وليا فقد آذنته بالحرب،
وما تقرب إلى عبدى بشىّ أحب إلى مما افرصته عليه، ولا يزال يتقرب إلى عبدى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذى
يسمع به ، وبصره الذي يبصر به، ويده التى يبطش بها، ورجله التى يمشى بها وأن سألنى أعطيته ولئن استعاذني لأعيذنه » .

١٦٦
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للأمام القشيرى )
ولا يكون قرب العبد من الحق إلا ببعده عن الخلق . وهذه من صفات القلوب
دون أحكام الظواهر والكون .
وقرب الحق سبحانه ، بالعلم، والقدرة عام للكافة . وباللطف والنصرة خاص
بالمؤمنين ، تم بخصائص التأنيس (١) مختص بالأولياء. قال الله تعالى: (( ونحن أقرب
إليه من حبل الوريد))(٢)، وقال تعالى: ((ونحن أقرب إليه منكم))(٣)، وقال تعالى:
((وهو معكم أنما كنتم))(٤) وقال: ((ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم))(٥) .
ومن تحقق بقرب الحق ، سبحانه وتعالى ، فأدْوَنه (٦) دوام مراقبته إياه ،
لأن عليه رقيب التقوى ، ثم رقيب الحفظ والوفاء ، ثم رقيب الحياء .
وأنشدوا :
وآخر يرعى ناظرى ولسانى
کان رقيباً منك یرعی خواطرى
بسوؤك إلا قلت قد رفعانى
فما رمقت عيناى بعدك منظراً
الشرك إلا قلت قد سمعانى
ولابدرت من فى دونك لفظة
لغيرك إلا عرجا ىعنانى
ولاخطرت فى السر بعدك خطرة
وأمسكت عنهم ناظرى ولسانى
وجدتك مشهوداً بكل مكان
وإخوان صدق قد ستمتحدسهم
وما الزهد أسلى عنهم غير أننى
وكان بعض المشايخ يخص واحداً من تلامذته باقباله عليه ، فقال أصحابه له فى
ذلك ، فدفع إلى كل واحد منهم طيراً ، وقال . اذبحوه بحيث لا يراه أحد .
فمضى كل واحد وذبح الطبر بمكان خال .. وجاء هذا الإنسان والطبر معه
غير مذبوح ؛ فساله الشيخ ، فقال : أمرتنى أن أذبحه بحيث لا يراه أحد ، ولم
بكن موضع إلا والحق سبحانه يراه . فقال الشيخ : لهذا أقدم هذا عليكم ؛ إذ الغالب
عليكم حديث الخلق ، وهذا غير غافل عن الحق .
(١) أى الأنس بالله .
(٢) آية ١٦ من سورة: ق .
(٣) آية ٨٥ من سور الواقعة .
(٤) آية ٤ من سورة الحديد .
(٥) آية ٧ من سورة المجادلة .
(٦) فأقله .

١٦٧
( الشريعة والحقيقة )
ورؤية القرب حجاب عن القرب ، فمن شاهد لنفسه محلا ، أو نفساً ، فهو
ممكور به (١) .
ولهذا قالوا : أوحشك الله من قربه : أى من شهودك لقربه ، فان الاستئناس
تقربه من سمات العزة به ، إذ الحق سبحانه وراء(٢) كل أنس.
وإن مواضع الحقيقة توجب الدهش واحو (٣).
وفى قريب من هذا قالوا :
ما أبالى بمحتّى
محنّى فيك أننى
قربکم مثل بعدکم
فى وقمت راحى
وكان الأستاذ أبو على الدقاق ، رحمه الله ، كثيراً ما ينشد :
ودادكم هجر ، وحبكم قلى (٤) وقربكم بعد وسلمكم حرب
ورأى أبو الحسين النورى بعض أصحاب أبى حمزة ، فقال :
أنت من أصحاب أبى حمزة الذى بشير إلى القرب ؟ إذا لقيته ، فقل له : إن
أما الحسين النورى يقرئك السلام ، ويقول لك : قرب القرب فيما نحن فيه بعد البعد .
فأما القرب بالذات ، فتعالى الله الملك الحق عنه ، فانه متقدس عن الحدود ؛
والأقطار ، والنهاية والمقدار ، وما اتصل به مخلوق ، ولا انفصل عنه حادث مسبوق به ،
جلت صمدبته عن قبول الوصل والفصل .
فقرب هو فى نعته محال : وهو تدانى الذوات .
وقرب هو واجب فى نعته : وهو قرب بالعلم والرؤية .
وقرب هو جائز فى وصفه ، بخص به من يشاء من عباده ، هو قرب الفضل (٥)
باللطف .
(١) ممكور به : مغروربه :
(٣) وفى نسخة و((المحق)).
(٥) وفى نسخة أخرى ((الفعل)).
(٢) أى أمام
(٤ ) بغض ،

١٦٨
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للأمام القشيرى )
الشريعة والحقيقة
الشريعة : أمر بالتزام العبودية .
والحقيقة : مشاهدة الربوبية .
فكل شريعة غير مؤيدة بالحقيقة فغير مقبول .
وكل حقيقة غير مقيدة بالشريعة فغير مقبول .
فالشريعة جاءت بتكليف الخلق والحقيقة إنباء عن تصريف الحق .
فالشريعة أن تعبده ، والحقيقة أن تشهده .
والشريعة قيام بما أمر ، والحقيقة شهود لما قضى وقدر ، وأخفى وأظهر .
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه الله ، يقول :
قوله: ((إياك نعبد)) حفظ للشريعة (( وإياك نستعين)) إقرار بالحقيقة .
واعلم أن الشريعة حقيقة من حيث إنها وجبت بأمره .
والحقيقة - أيضاً - شريعة ، من حيث إن المعارف به ؛ سبحانه ، أيضا،
وجبت بأمره .
ومن ذلك :
النفس (١)
النفس : ترويح القلوب بلطائف الغيوب. وصاحب الأنفاس أرق وأصفى من
صاحب الأحوال . فكان الوقت مبتدئاً ، وصاحب الأنفاس منتهياً ، وصاحب
الأحوال بينهما .
فالأحوال وسائط ، والأنفاس نهاية الترقى .
فالأوقات لأصحاب القلوب ، والأحوال لأرباب الأرواح ، والأنفاس
لأهل السرائر :
وقالوا : أفضل العبادات عد الأنفاس مع الله سبحانه وتعالى .
(١) بفتح الفاء .

١٦٩
( الخواطر )
وقالوا : خلق الله القلوب وجعلها معادن المعرفة، وخلق الأسرار وراءها (١).
وجعلها محلا للتوحيد . فكل نفس حصل من غير دلالة المعرفة وإشارة التوحيد
على بساط الاضطرار فهو ميت ، وصاحبه مسئول عنه .
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه الله ، يقول :
العارف لا يسلم له النفس ، لأنه لامساحة تجرى معه ، والمحب لا بد له من
نفس ، إذ لولا أن يكون له نفس لتلاشى ، لعدم طاقته .
ومن ذلك :
الخواطر
والخواطر خطاب يرد على الضمائر ، وهو قد يكون بالقاء ملك ، وقد يكون
بالقاء شيطان ، ويكون أحاديث النفس ، ويكون من قبل الحق سبحانه .
فاذا كان من الملك فهو . الإلهام .
وإذا كان من قبل النفس ، قيل له : الهواجس .
وإذا كان من قبل الشيطان فهو : الوسواس .
وإذا كان من قبل اللّه سبحانه ، وإلقائه فى القلب ، فهو : خاطر حق .
وجملة ذلك من قبيل الكلام(٢).
فاذا كان من قبل الملك ، فانما يعلم صدقه بموافقة العلم (٣) ، ولهذا قالوا : كل
خاطر لايشهد له ظاهر فهو باطل .
وإذا كان من قبل الشيطان فأكثره يدعو إلى المعاضى .
وإذا كان من قبل النفس فأكثره ، يدعو إلى اتباع شهوة أو استشعار كبر ،
أو ماهو من خصائص أوصاف النفس .
(١) أى بعدها .
(٢) أى جميع ما تقدم فى معنى الخاطر هو من قبيل الكلام النفسى الملى فى الضمائر .
(٣) بالكتاب والسنة .

١٧٠
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للأمام القشيرى )
واتفق المشايخ على أن من كان أكله من الحرام لم يفرق بين الإلهام والوسواس(١).
وسمعت الشيخ أبا على الدقاق ، رحمه الله ، يقول :
من كان قوته معلوماً (٢) لم يفرق بين الإلهام والوسواس ، وأن من سكنت عنه
هو اچس نفسه بصدق مجاهدته نطق بیان(٣) قلبه بحكم مكابدته .
.. وأجمع الشيوخ على أن النفس لا تصدق ، وآن القلب لا بكذب .
وقال بعض المشابخ : إن نفسك لا تصدق وقلبك لا بكذب ، ولو اجتهدت كل
الجهد أن تخاطبك روحك لم تخاطبك .
وفرق الجنيد بين هواجس النفس ووساوس الشيطان : بأن النفس إذا طالبتك
بشىء ألحت ... فلا تزال تعاودك ، ولو بعد حين ، حتى تصل إلى مرادها ،
ويحصل مقصودها ، اللهم إلا أن يدوم صدق المجاهدة ، ثم إنها تعاودك وتعاودك.
وأما الشيطان إذا دعاك إلى زلة ، فخالفته بترك ذلك ، بوسوس بزلة أخرى ،
لأن جميع المخالفات له سواء ، وإنما يريد أن يكون داعياً أبداً إلى زلة ما ، ولاغرض
له فی تخصیص واحد دون واحد .
وقد قيل : كل خاطر يكون من المسلك فربما يوافقه صاحبه ، وربما يخالفه .
فأما خاطر يكون من الحق سبحانه ، فلا بحصل خلاف من العبد له .
وتكلم الشيوخ فى الخاطر الثانى ، إذا كان الخاطران من الحق سحانه ، هل
هو أقوى من الأول ؟
فقال الجنيد : الخاطر الأول أقوى ، لأنه إذا بقى رجع صاحبه إلى التأمل .
وهذا بشرط العلم ، فترك الأول يضعف الثانى .
وقال ابن عطاء الله : الثانى أقوى ، لأنه ازداد قوة بالأول .
وقال أبوعبد الله بن خفيف ، من المتأخرين :
هما سواء ، لأن كليهما من الحق ، فلا مزية لأحدهما على الآخر .
والأول لايبقى فى حال وجود الثانى ، لأن الآثار لا يجوز عليها البقاء .
(١) لأن التمييز بينهما إنما يقع بدقيق النظر فى الأحكام وكمال العلم بالحلال والحرام.
(٢) أى معينا من جهة ما إذا اطمأن له واعتمد عليه .
(٣) وفى نسخة : بيان فقط :

١٧١
( علم اليقين ، وعين اليقين ، وحق اليقين )
علم اليقين ، وعين اليقين ، وحق اليقين
هذه عبارات عن علوم جلية .
فاليقين : هو العلم الذى لا يتداخل(١) صاحبه ريب على مطلق العرف .
ولا يطلق فى وصف الحق سبحانه ؛ لعدم التوقيف .
فعلم اليقين : هو اليقين ، وكذلك عين اليقين : نفس اليقين ، وحق اليقين :
نفس اليقين (٢) .
فعلم اليقين ، على موجب اصطلاحهم (٣) ما كان بشرط البرهان .
وعين اليقين ما كان بحكم البيان (٤) .
وحق اليقين ما كان بنعت العيان (٥) .
فعلم اليقين لأرباب العقول . وعين اليقين لأصحاب العلوم(٦) . وحق اليقين
لأصحاب المعارف (٧).
والكلام فى الإفصاح عن هذا بحال تحقيقه (٨) يعود إلى ماذكرناه .
فاقتصرنا على هذا القدر ، على جهة التنبيه .
(١) فى نسخة: يداخل، وهى الأظهر.
(٢) فالتلانة فى اللغة بمعنى واحد واختلاف العبارات بينها إشارة إلى تفاوت القوة فها .
(٣) أى الصوفية .
((٤ ) أى بطريق الكشف .
(٥) أى بطريق المشاهدة .
(٦) أى الذين ثبتت علومهم وتوالت على قلوبهم حتى استغنوا عن البرهان.
(٧) الذين غلب على قلوبهم ماشغلهم عن ذكر غير الله .
(٨) وفى نسخة أخرى (( والكلام فى الإفصاح عن هذا مجال وتحقيقه .. ))

١٧٢
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للأمام القشيرى )
الوارد
ويجرى فى كلامهم ذكر الواردات كثيراً .
والوارد :
ما يرد على القلوب من الخواطر المحمودة ، مما لا يكون بتعمد العبد ، وكذلك
ما لا يكون من قبيل الخواطر ، فهو أيضاً : وارد .
ثم قد يكون وارد من الحق ، ووارد من العلم .
فالواردات أعم من الخواطر ؛ لأن الخواطر تختص بنوع الخطاب ،
أو ما يتضمن معناه .
والواردات تكون : وارد سرور ، ووارد حزن ، ووارد قبض ؛ ووارد
بسط ، إلى غير ذلك من المعانى (١).
ومن ذلك لفظ :
الشاهد
كثيراً ما يجرى فى كلامهم لفظ : الشاهد :
فلان بشاهد (٢) العلم ، وفلان بشاهد الوجد ، وفلان بشاهد الحال .
ويريدون بلفظ الشاهد : ما يكون حاضر قلب الإنسان ، وهو ما كان الغالب
عليه ذكره ، حتى كأنه يراه ويبصره ، وإن كان غائباً عنه . فكل ما ستولى على
قلب صاحبه ذكره ، فهو شاهده فان كان الغالب عليه العلم ، فهو شاهد العلم .
وإن كان الغالب عليه الوجد ، فهو شاهد الوجد .
ومعنى الشاهد : الحاضر ، فكل ماهو حاضر قلبك فهو شاهدك . وسئل الشبلى
عن المشاهدة ، فقال :
(١) يقول الشيخ العروسى: ذلك باعتبار حال السالك أما العارف: فهو دائماً فى حال جمع الحقيقة لا إحساس له ى"
من سرور أو حزن فحينئذ يكون وارد السرور وضده من واردات العلم لا من وارد الحق .
(٢) أى متلبس .

٠١٧٣
( الوارد )
من أين لنا مشاهدة الحق ؟ الحق لنا شاهد(١) .
أشار بشاهد الحق إلى المستولى على قلبه ؛ والغالب عليه من ذكر الحق والحاضر
فى قلبه دائماً من ذكر الحق .
ومن حصل له مع مخلوق تعلق بالقلب ، يقال : إنه شاهده ، يعنى : أنه حاضر.
قلبه ، فان المحبة توجب دوام ذكر المحبوب ، واستيلائه عليه .
وبعضهم تكلف فى مراعاة هذا الاشتقاق فقال :
إنما سمى الشاهد من الشهادة (٢)، فكأنه إذا طالع شخصاً بوصف الجمال : فإن:
كانت شربته ساقطة عنه ، ولم يشغله شهود ذلك الشخص عما هو به من الحال ،
ولا أثرت فيه صحبته بوجه ، فهو شاهد له على فناء نفسه .
ومن آثر فيه ذلك ، فهو شاهد عليه فى بقاء نفسه .
وقيامه بأحكام بشريته إما شاهد له ، أو شاهد عليه .
وعلى هذا حمل قوله صلى الله عليه وسلم: ((رأيت ربى ليلة المعراج فى أحسن
صورة)) أى : أحسن صورة رأيتها تلك الليلة لم تشغلنى عن رؤيته تعالى ، بل رأيت
المصور فى الصورة ، والمنشىء فى الإنشاء ، ويريد بذلك رؤية العلم ، لا إدراك
البصر (٣) .
(١) وفى نسخة ((لنا شاهد الحق).
(٢) بمعنى المعاينة .
(٣) قال الأنصارى: أن صح الخبر فمحله أن رؤيته صلى الله عليه وسلم لربه كانت فى أحسن صورة هو عليها لأنه
تعالى خلق له من الإدراك الذى رأى به ربه المنزه عن الأجسام والصور والهيآت مالم يخلقه له قبل ، فذلك الصورة راجعة إلى حاله
صلى الله عليه وسلم الى خصه بها ربه من الإدارالك الشريف الذى يخلقه لأوليائه فى الدار الآخرة ويخصهم به ، وتكون - الصورة
معنوية لا حسية .

١٧٤
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للأمام القشيرى )
النفس (١).
نفس الشىء فى اللغة : وجوده .
وعند القوم: ليس المراد من اطلاق لفظ النفس الوجود ، ولا القالب الموضوع (٢).
إنما أرادوا بالنفس: ما كان معلولا (٣) من أو صاف العبد ومذموماً من أخلاقه وأفعاله.
تم إن المعلولات من أوصاف العبد على ضربين :
أحدهما : ما يكون كسباً له ؛ كمعاصيه ومخالفاته .
والثانى : أخلاقه الدنيئة ، فهى فى أنفسها مذمومة ، فاذا عالجها العبد ونازلها ،
تلتفى عنه بالمجاهدة تلك الأخلاق على مستمر المادة .
والقسم الأول من أحكام النفس : ما نهى عنه نهى تحريم ، أو نهى تنزيه .
وأما القسم الثانى ، من قسمى النفس : فسفساف الأخلاق ، والدفء منها .
هذا حده على الجملة ، ثم تفصيلها (٤): فالكبر ، والغضب ، والحقد ، والحسد ،
وسوء الخلقٍ، وقلة الاحتمال ، وغير ذلك من الأخلاق المذمومة .
وأشد أحكام النفس وأصعبها : تو هما أن شيئاً منها حسن ، أو أن لها استحقاق
قدر ، ولهذا عد ذلك من الشرك الخفى .
ومعالجة الأخلاق فى ترك النفس ، وكسرها ، أتم (٥) من مقاساة الجوع والعطش
والسهر ، وغير ذلك من المجاهدات التى تتضمن سقوط القوة ، وإن كان ذلك
أيضاً من جملة ترك النفس ، ويحتمل أن تكون النفس : لطيفة مودعة فى هذا
القالب ، هى محل الأخلاق المعلومة (٦).
كما أن الروح : لطيفة ، مودعة فى هذا القالب هى محل الأخلاق المحمودة .
(١) بسكون الفاء.
(٣) أى ذا ملة وصفة ذميمة.
(٢) أى الجسم .
(٤) أى الجملة .
(٥) أى: فى طريق الوصول إلى المقصود حيث الخير كله فى مخالفة النفس.
(٦) وفى نسخة المعلولة أى : المذمومة .
٠٠

١٧٥
( الروح )
وتكون الجملة مسخراً بعضها لبعض . والجميع إنسان واحد .
وكون الروح ، والنفس ، من الأجسام اللطيفة فى الصورة ، ككون الملائكة
والشياطين بصفة اللطافة . وكما يصح أن يكون البصر محل الرؤية ، والأذن محل
السمع ، والأنف محل الشم ، والفم محل الذوق والسميع ، والبصير والشام، والذائق
إنما هى الجملة ، التى هى الإنسان فكذلك محل الأوصاف الحميدة : القلب والروح :
ومحل الأوصاف المذمومة : النفس .
والنفس جزء من هذه الجملة ، والقلب جزء من هذه الجملة ، والحكم الاسم
راجع إلى الجملة .
الروح
الأرواح مختلف فيها عند أهل التحقيق من أهل السنة :
فمنهم من يقول : إنها الحياة .
ومنهم من بقول : إنها أعيان مودعة فى هذه القوالب .
لطيفة :
أجرى الله العادة بخلق الحياة فى القالب، ما دامت الأرواح فى الأبدان ،
فالإنسان حى بالحياة ، ولكن الأرواح مودعة فى القوالب؛ ولها ترق (١) فى حال
النوم ، ومفارقة للبدن ، ثم رجوع إليه .
وأن الإنسان : هو الروح ، والجسد ؛ لأن الله سبحانه وتعالى ؛ سخر هذه
الجملة بعضها لبعض . والحشر بكون للجملة . والمثاب والمعاقب الجملة .
والأرواح مخلوقة . ومن قال بقدمها فهو مخطىء خطأ عظيما .
والآخبار تدل على أنها أعيان لطيفة .
(١) أى صعود عن البدن.
:

كتاب السعب ( الرسالة القشيرية للامام الفتيرى)
السر
يحتمل آنها (١) لطيفة مودعة فى القالب، كالأرواح.
وأصولهم تقتضى أنها محل المشاهدة ، كما أن الأرواح محل للمحبة ، والقاوب
فحل للمعارف (٢).
وقالوا : السر : مالك عليه إشراف ، وسر السر : مالا اطلاع عليه لغير الحق .
وعند القوم: على موجب مواضعاتهم (٣) ومقتضى أصولهم : السر الطف من
الزوح ، والروح أشرف من القلب .
وبقولون: الأسرار معتقة عن رق الأغيار من الآثار والأطلال .
ويطلق لفظ ((السر)) على ما يكون مصوناً مكتوما بين العبد والحق سبحانه،
فى الأحوال (٤). وعليه يحمل قول من قال :
أسرارنا بكر لم يفتضها وهم واهم .
ويقولون :
صدور الأحرار قبور الأسرار .
وقالوا :
لو عرف زرى سرى لطرحته .
فهذا طرف من تفسير إطلاقاتهم ، وبيان عباراتهم فيما انفردوا به من الفاظ
ذكرناها على شروط الإيجاز .
ونذكر الآن أبواباً فى شرح المقامات التى هى مدارج (٥) ارباب السلوك.
ثم بعدها أبواباً فى تفصيل الأحوال على الجد الذى يسهله اللّه تعالى ، بفضله
إن شاء الله تعالى .
(١) وفى نسخة ((أنا)).
(٢) وال العلامة علاء الدين القونوى: والظاهر أنها أسماه لحقيقة واحدة وهى اللطيفة الإنسانية، لكنها تختلف باعتبارات
مختلفة .. قال العروسى: وهو المتعثن إذ لا دليل على هذا التقسيم.
(٥) طرق .
(٤) أى الواردات على العبد.
(٣) اصطلاحاتهم.

الباب الخامس
التوبة
ما من شيء أحب الى
الله من شاب تائب ..
والتوبة أول منزل من
منازل السالكين .. وأول
مقام من مقام الطالبين

١٧٨
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
باب التوبة
قال الله تعالى: ((وتوبوا إلى الله جميعاً أيه المؤمنون لعلكم تفلحون)) (١).
أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين بن فورك، رحمه الله ، قال : أخبرنا أحمد
ابن محمود بن خراز قال : حدثنا محمد بن فضل بن جابر ، قال : حدثنا سعيد بن
عبد اللّه قال : حدثنا أحمد بن زكريا ، قال : سمعت أنس بن مالك يقول : سمعت
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، يقول :
(( التائب من الذنب كمن لاذنب له ، وإذا أحب الله عبدا لم يضره ذنب، ثم
تلا: ((إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين)) (٢)، قيل: يارسول الله، وما علامة
التوبة ؟ قال : الندامة)) (٣).
أخبرنا على بن أحمد بن عبدان الأهوازى ، قال : أخبرنا أبو الحسين أحمد
ابن عبيد الصفار ، قال : أخبرنا محمد بن الفضل بن جابر قال : أخبرنا الحكم بن
موسى ، قال : حدثنا غسان بن عبيد عن أبى عاتكة طريف بن سليمان ، عن أنس
ابن مالك: أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: ((ما من شىء أحب إلى
الله من شاب تائب))(٤) .
فالتوبة أول منزل من منازل السالكين .
وأول مقام من مقامات الطالبين .
وحقيقة التوبة فى لغة العرب : الرجوع ، يقال : تاب أى رجع .
فالتوبة الرجوع عما كان مذموماً فى الشرع إلى ماهو محمود فيه .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الندم توبة)).
(١) آية ٣١ من سورة النور .
(٢) آية ٢٢٢ من سورة آل عمران.
(٣) قال السيوطى: رواه أيضاً ابن النجار وحسنه وقد روى أوله ابن ماجه.
(٤) ذكره السيوطى فى جامعه من حديث طويل وقال : رواه أبو المظفر السمعانى فى أماليه عن سامان وضعفه ،
وله شواهد من الأحاديث الصحيحة .

١٧٩
( باب التوبة )
فارباب الأصول من اهل السنة قالوا :
شرط التوبة ، حتى تصح ، ثلاثة أشياء :
الندم على ما عمل من المخالفات .
وترك الزلة فى الحال .
والعزم على أن لايعود إلى مثل ما عمل من المعاصى .
فهذه الأركان لابد منها ، حتى تصح توبته .
قال هؤلاء: وما فى الخبر أن ((الندم توبة))(١) إنما نص على معظمه كما قال
صلى الله عليه وسلم: ((الحج عرفه))، أى معظم أركانه عرفه ، أى الوقوف بها ،
لا أنه لا ركن فى الحج سوى الوقوف بعرفات ولكن معظم أركانه الوقوف بها .
كذلك قوله ((الندم توبة)) أى معظم اركانها الندم .
ومن أهل التحقيق من قال : بكفى الندم فى تحقيق ذلك ؛ لأن الندم بستتبع
الركنين الاخرين فانه يستحيل تقدير أن يكون نادماً على ماهو مصر على مثله ؛
أو عازم على الإتيان بمثله .
وهذا معنى التوبة على جهة التحديد والإجمال .
فأما على جهة الشرح والإبانة ، فان للتوبة أسباباً وترتيباً وأقساماً .
فأول ذلك : انتباه القلب عن رقدة الغفلة ، ورؤية العبد ماهو عليه من سوء
الحالة .
ويصل إلى هذه الجملة بالتوفيق للاصغاء إلى ما يخطر بباله من زواجر الحق ،
سبحانه. بسمع قلبه ؛ فانه جاء فى الخبر ((واعظ الله فى قلب كل امرىء مسلم)).
وفى الخبر: ((إن فى البدن لمضغة إذا صلحت صلح جميع البدن وإذا فسدت
فسد جميع البدن ، ألا وهى: القلب))(٢) .
فاذا فكر ىقلبه فى سوء ما يصنعه ، وأبصر ما هو عليه من قبيح الأفعال ،
(١) رواه أحمد وابن ماجه والحاكم والبيهى فى الشعب .
(٢) رواه الشيخان وأصحاب السنن .

١٨٠
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
سنح (١) فى قلبه إرادة التوبة ؛ والإقلاع عن قبيح المعاملات فيمده الحق ، سبحانه
بتصحيح العزيمة ، والأخذ فى جميل الرجعى ، والتأهب لأسباب التوبة :
فأول ذلك :
هجران إخوان السوء ، فانهم هم الذين يحملونه على رد هذا القصد ويشوشون
عليه صحة هذا العزم .
ولاتم ذلك: إلا بالمواظبة على المشاهدة (٢) التى تزبد رغبته فى التوبة وتوفر دواعيه
على إتمام ما عزم عليه . مما يقوى خوفه ورجاءه: فعند ذلك تنحل من قلبه عقدة الإصرار
على ما هو عليه من قبيح الأفعال ، فيقف عن تعاطى المحظورات ، ويكبح لجام نفسه
عن متابعة الشهوات فيفارق الزلة فى الحال ، ويبرم العزيمة على أن لا يعود إلى مثلها
فى الاستقبال .
فان مضى على موجب قصده ، ونفذ بمقتضى عزمه فهو الموفق صدقا .
وإن نقض التوبة مرة أو مرات ، وتحمله إرادته على تجديدها ، فقد يكون
مثل هذا أيضاً كثيراً ، فلا ينبغى قطع الرجاء عن توبة أمثال هؤلاء ، فان لكل أجل
كتابا .
حكى عن أبى سليمان الدارانى ، أنه قال :
اختلفت إلى مجلس قاصَ ، فأثر كلامه فى قلبى ، فلما قمت لم يبق فى قلبى
منه شىء .. فعدت ثانياً ؛ فبقى أثر كلامه فى قلبى ، حتى رجعت إلى منزلى .
فكسرت آلات المخالفات ولزمت الطريق .
فحكى هذه الحكاية لحيى بن معاذ فقال :
عصفورا اصطاد كركيا !!
أراد بالعصفور . ذلك القاص ، وبالكركى : أبا سليمان الدارانى .
ويحكى عن أبى حفص الحداد أنه قال :
تركت العمل كذا ، وكذا مرة ؛ فعدت إليه ، ثم تركنى العمل ، فلم أعد
بعد إليه .
(١) خطر.
(٢) وفى نسخة المشاهد .

١٨١
( باب التوبة )
وقيل : إن أبا عمرو بن نجيد ، فى ابتداء أمره ، اختلف إلى مجلس أبى
عثمان(١) ، فأثر فى قلبه كلامه ، فتاب .
ثم إنه وقعت له فترة ، فكان يهرب من أبى عتمان إذا رآه ، ويتأخر عن مجلسه
فاستقبله أبوعتمان يوماً فحاد أبو عمرو عن طريقه ، وسلك طريقاً أخرى ، فتبعه
أبو عتمان .. فما زال به يقفو أثره ، حتى لحقه ، فقال له :
ما بنى ، لا تصحب من لا يحبك إلا معصوماً ، إنما ينفعك أبو عثمان فى مثل
هذه الحالة . قال : فتاب أبو عمرو بن نجيد ، وعاد إلى الإرادة(٢) ، ونفذ فيها.
سمعت الشيخ أبا على الدقاق ، رحمه الله ، يقول :
تاب بعض المريدين، ثم وقعت له فترة(٣)، فكان يفكر وقتاً: لوعاد إلى توبته (٤)
كيف حكمه ؟ فهتف به هاتف : بافلان ، أطعتنا فشكر ناك ، ثم تركتنا فأمهلناك ، وإن
عدت إلينا قبلناك .
فعاد الفتى إلى الإرادة ، ونفذ فيها .
فاذا ترك المعاصى ، وحل عن قلبه عقدة الإصرار ، وعزم أن لا يعود إلى
مثله ، فعند ذلك بخلص إلى قلبه صادق الندم ، فيتأسف على ما عمله ، ويأخذ
فى التحسر على ما صنعه(٥) من أحواله ، وارتكبه من قبيح أعماله ، فتم توبته ،
وتصدق مجاهدته ، واستبدل(٦) بمخالطته العزلة ، وبصحبته مع اخوان السوء
التوحش عنهم ، والحلوة دونهم ويصل ليله بنهاره فى التلهف (٧) ، ويعتنق فى عموم
أحواله بصدق التأسف ، بمحو بصوب عبرته آثار عثرته ، ويأسو (٨) بحسن توبته
كلوم (٩) حوبته(١٠) ويعرف من بين أمثاله بذبوله ، ويستدل على صحة حاله بنحوله .
ولن سم له شىء من ذلك إلا بعد فراغه من إرضاء خصومه ، والخروج عما
لزمه من مظالمه ؛ فان أول منزلة من (١١) التوبة إرضاء الخصوم بما أمكنه، فان اتسع
(١) سعيد بن سلام الحرانى .
(٢) الحالة التى فتر عنها.
(٤) وفى نسخة ((التوبة)).
(٦) وفى نسخة ((ويستبدل)).
(٨) يداوى .
(١٠) أثمه .
(٣) عودة إلى مكان عليه قبل التوبة .
(٥) وفى نسخة ((ضبعه).
(٧) أى التحسر.
(٩) جروح .
(١١) وفي نسخة في .

١٨٢
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
ذات بده لإيصال حقوقهم إليهم ، أو سمحت أنفسهم باحلاله والبراءة عنه (١)،
وإلا فالعزم بقله على أن يخرج عن حقوقهم عند الإمكان والرجوع إلى الله سبحانه
تصدق الانهال والدعاء لهم .
وللتائبين صفات وأحوال :
هى من خصالهم ، بُعدّ ذلك (٢) من جملة التوبة، لكونها من صفاتهم، لا لأنها
من شرط صحتها ، وإلى ذلك تشير أقاويل الشيوخ فى معنى التوبة :
سمعت الأستاذ أنا على الدقاق ، رحمه الله تعالى ، يقول :
أولها التوبة ، وأوسطها الإنابة ، وآخرها الأوية .
فجعل التوبة بداية ، والأوية نهاية ، والإنابة واسطنهما .
فكل من تاب لخوف العقوبة فهو صاحب توبة .
ومن تاب طمعاً فى الثواب ، فهو صاحب إنابة .
ومن تاب مراعاة للأمر (٣) لا الرغبة فى الثواب أورهبة من العقاب فهو صاحب
أوىة .
ويقال أيضاً . التوبة صفة المؤمنين ، قال الله تعالى: وتوبوا إلى الله جميعاً أنه
المؤمنون )) (٤).
والإنابة: صفة الأولياء والمقربين، قال الله تعالى ((وجاء تقلب منيب))(٥).
والأولة: صفة الأنبياء والمرسلين، قال الله تعالى: ((نعم العبد إنه أواب))(٦).
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السامى، يقول: سمعت منصور بن عبد الله
يقول : سمعت جعفر بن نصر يقول: سمعت الجنيد يقول :
التوبة على ثلاثة معان :
أولها : الندم ، والثانى العزم على ترك المعاودة إلى ما نهى الله عنه.
(١) والأولى أن يقول عنها.
(٣) أبى لامتثال.
( ٥) آية ٢٣ من سورة قل .
(٢) أى جر 40.
(٤) آية ٣١ من سورة النود .
(٩) آية ٣٠ من سورة ص و ٤٤ من سورة ص أيضا.