النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤٣ ( التواجد ، والوجد ، والوجود ) نوراً من الماء فى نار من العنب وسبح القوم لما أن رأوا عجباً کانت ذخيرة کسری عن أب فآب سلافة (١) ورثتها عاد عن إرم وقيل لأبى بكر الدقى : إن جهماً الدقى أخذ شجرة بيده فى حال السماع فى ثورانه ، فقلعها من أصلها : فاجتمعا فى دعوة(٢)، وكان الدقى كف بصره ، فقام الدفى بدور فى حال هيجانه فقال الدقى : إذا قرب منى أرونيه . وكان الدقى ضعيفاً ، فمر به ، فلما قرب منه ، قالوا له : هذا هو . فأخذ الدقى ساق جهم فوقفه ، فلم يمكنه أن يتحرك . فقال جهم: أيها الشيخ ، التوبة .. التوبة .. ! فخلاه . قال الأستاذ الإمام ، أدام الله جماله : فكان ثوران جهم فى حق ، وإمساك الدقى ساقه بحق ، ولما علم جهم أن حال الدقى فوق حاله رجع إلى الإنصاف واستسلم . وكذا من كان يحق لا يستعصى عليه شىء . فأما (٣) إذا كان الغالب عليه المحو فلاعلم ، ولاعقل ، ولا فهم ؛ ولاحسن . سمعت الشيخ أنا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، بذكر باسناده : أن أما عقال المغربى: أقام بمكة أربع سنين لم يأكل ، ولم يشرب ، إلى أن مات . ودخل بعض الفقراء على أبى عقال ، فقال له : سلام عليكم . فقال له أبوعقال : وعليكم السلام . فقال الرجل : آنا فلان . فقال أبو عقال: أنت فلان ، كيف أنت ؟ وكيف حالك ؟ : وغاب عن حالته . قال هذا الرجل ، فقلت له : سلام عليكم . فقال : وعليكم السلام . وكأنه لم يرنى قط . ففعلت مثل هذا غير مرة ، فعلمت أن الرجل غائب ، فتركته ، وخرجت من عنده . (٣) وفي نسخة وأما . (٢) وليمه . (١) خر . ١٤٤ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) سمعت محمد بن الحسين ، بقول : سمعت عمر بن محمد بن أحمد بقول : سمعت امرأة أبى عبد الله التروغندى تقول : لما كانت أمام المجاعة، والناس يموتون من الجوع، دخل أبو عبد الله التروغندى بيته ، فرأى فى بيته مقدار منوين(١) حنطة ، فقال : الناس يموتون من الجوع ، وفى بيتى حنطه .. فخولط فى عقله ، فما كان يفيق إلا فى أوقات الصلاة يصلى الفريضة ثم يعود إلى حالته ، فلم يزل كذلك إلى أن مات . دلت هذه الحكاية على أن هذا الرجل كان محفوظاً عليه آداب الشريعة عند غلبات أحكام الحقيقة . وهذا هو صفة أهل الحقيقة ، تم كان سبب غيبته عن تمييزه : شفقته على المسلمين . وهذا أقوى سمة لتحققه فى حاله . ومن ذلك : الجمع والفرق لفظ ((الجمع والتفرقة)) يجرى فى كلامهم كثيراً. وكان الأستاذ أبو على الدقاق بقول : الفرق : ما نسب إليك . والجمع : ما سلب عنك . ومعناه: أن ما يكون كسباً للعبد، من إقامة العبودية ، وما يليق بأحوال البشرية ، فهو : فرق . ومايكون من قبل الحق ، من إبداء معان ، وإسداء لطف وإحسان فهو : جمع . هذا أدنى أحوالهم فى الجمع والفرق ، لأنه من شهود الأفعال . فمن أشهده الحق - سبحانه - أفعاله عن طاعاته ومخالفاته فهو : عبد بوصف التفرقة (٢) ، ومن أشهده الحق - سبحانه - ما يوليه : من أفعال نفسه سبحانه ، فهو : عبد بشاهد الجمع . (١) منوين: تثنية منا : وهو مكيال مقداره رطلان. (٢) التفرقة بين العابد والمعبود . ١٤,٥ ( الجمع والفرق ) . فاثبات الخلق من باب التفرقة ، وإثبات الحق من نعت الجمع : " .. ولا بد للعبد من الجمع والفرق، فان من لاتفرقة (١) له لاعودية له ، ومن لاجمع له لا معرفة له، فقوله: ((إياك نعبد)) إشارة إلى الفرق. وقوله: ((وإناك نستعين)) إشارة إلى الجمع . وإذا ما خاطب العبد الحق سبحانه ، بلسان نجواه : إما سائلا ، أو داعياً ، أو مثنياً ، أو شاكراً ، أو متنصلا (٢) ، أو مبتهلا ؛ قام فى محل التفرقة . وإذا أصغى سره إلى ما يناجيه به مولاه ، واستمع بلقبه ما يخاطبه به ، فيما ناداه ، أو ناجاه ، أوعرفه ، أو لوح لقلبه وأراده ، فهو شاهد الجمع . . . سمعت الأستاذ أنا على الدقاق ، رحمه الله ، يقول : أنشد قوال بين بدى الأستاذ أبى سهل الصعلوكى ، رحمه الله : د جعلت تنزهى نظرى إليك . وكان أبو القاسم النصراباذى ، رحمه الله ، حاضراً ، فقال الأستاذ أبو سهل: جعلت ، بنصب التاء(٣) . وقال النصراباذى: بل جعلت بضم التاء. فقال الأستاذ أبو سهل : أليس عين الجمع أتم ؟(٤). فسكت النصر اباذى . وسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى أيضاً يحكى هذه الحكاية على هذا الوجه . ومعنى: هذا أن من قال ((جعلت)) بضم التاء يكون إخباراً عن حال نفسه ، فكأن العبد يقول هذا من عنده. وإذا قال ((جعلت)) بالفتح فكأنه يتبرأ من أن يكون ذلك يتكلفه ، بل يخاطب مولاه فيقول : أنت الذى خصصتنى بهذا ، لا أنا بتكلفى . (١) وجه التفرقة والجمع على ماذكره العروسى فى حاشيته: فى قوله ((نعبد)) الاستقلال؛ اعتباراً بظاهر الحال، وفى قوله ((نستعين)) الرجوع إلى فوة الكبير المتعال. (٢) متصلا من ذنبه . (٣) وفى نسخ، وهو أصوب، بفتح التاء. (٤) لأن نسبة الأفعال إلى الله أتم من نسبتها إلى العبد. ١٤٦ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى) فالأول على خطر (١) الدعوى ، والثانى بوصف التبرى من الحول ، والاقرار بالفضل والطول : والفرق بين من يقول بجهدى أعبدك . وبين من يقول : بفضلك ولطفك أشهدك . ومن ذلك جمع الجمع وجمع الجمع : فوق هذا . يختلف الناس فى هذه الجملة على حسب تباين أحوالهم ، وتفاوت درجاتهم : فمن أثبت نفسه ، وأثبت الخلق ، ولكن شاهد الكل قائماً بالحق ، فهذا هو : جمع . وإذا كان مختطفاً عن شهود الخلق ، مصطلماً(٢) عن نفسه ، مأخوذاً بالكلية عن الإحساس بكل غير ، بما ظهر ، واستولى من سلطان الحقيقة، فذاك جمع الجمع (٣). فالتفرقة : شهود الأغيار لله عز وجل . والجمع : شهود الأغيار باللّه . وجمع الجمع : الاستهلاك بالكلية ، وفناء الإحساس بما سوى الله عز وجل عند غلبات الحقيقة . وبعد هذا حالة عزيزة يسميها القوم : ٠ الفرق الثانى وهو أن يرد العبد إلى الصحو عند أوقات أداء الفرائض ، ليجرى عليه القيام بالفرائض فى أوقاتها ، فيكون رجوعاً لله بالله تعالى، لا للعبد بالعبد. فالعبد يطالع نفسه ، فى هذه الحالة ، فى تصريف الحق سبحانه ، يشهد مبدىء ذاته وعينه بقدرته ، ومجرى أفعاله وأحواله عليه ، بعلمه ومشيئته . وأشار بعضهم بلفظ (( الجمع والفرق)) إلى تصريف الحق جميع الخلق . (١) أى المخاطرة فيها بنفسه حيث نسب لنفسه حالا أو مقاماً . (٢) غافلا، وإلهاً . (٣) وهو لا يتم التحقيق به لأحد إلا بعد الفناء عن الأفعال والصفات والذات . ١٤٧ ( جمع الجمع ) فجمع الكل فى التقليب والتصريف : من حيث إنه منشىء ذواتهم ومجرى صفاتهم ، ثم فرقهم فى التنويع : ففريقاً أسعدهم ، وفربقاً أبعدهم وأشقاهم ، وفريقاً هداهم ، وفريقاً أضلهم وأعماهم ، وفربقاً حجبهم عنه ، وفريقاً جذبهم إليه ، وفريقاً آنسهم بوصله ، وفربقاً آبسهم من رحمته . وفربقاً أكرمهم بتوفيقه ، وفربقاً اصطلمهم(١) عند رومهم لتحقيقه، وفريقاً أصحاهم ، وفريقاً محاهم وفريقاً قربهم . وفريقا غيبهم وفريقاً أدناهم وأحضرهم ، ثم أسقاهم فأسكرهم . وفريقاً أشقاهم وأخرهم ثم أقصاهم وهجرهم . ٠ وأنواع أفعاله لا يحيط بها حصر، ولا يأتى على تفصيلها شرح ولا ذكر وأنشدوا للجنيد ، رحمه اللّه ؛ فى معنى الجمع والتفرقة : وتحققتك فى سرى فناجاك لسانى فاجتمعنا لمعانى وافترقنا لمعانى إن يكن غيبك التعظيم عن لحظ عيانى فقد صبرك الوجد من الأحشاء دانى وأنشدوا : فأصدر (٣) فى حال من لم يرد إذا ما بدا لى (٢) تعاظمته ففرد التواصل مثنى العدد به جمعت وفرقت عی (١) غيبهم . (٢) أى ظهر لى نور الحق . (٣) فأرجع". ١٤٨ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) جن الفناء والبقاء أشار القوم بالفناء : إلى سقوط الأوصاف المذمومة . وأشاروا بالبقاء : إلى قيام الأوصاف المحمودة به . وإذا كان العبد لا يخلو عن أحد هذين القسمين ، فمن المعلوم : أنه إذا لم يكن أحد القسمين كان القسم الآخر لامحالة ، فمن فى عن أوصافه المذمومة ظهرت عليه الصفات المحمودة ، ومن غلبت عليه الخصال المذمومة استترت عنه الصفات المحمودة . واعلم أن الذى بتصف به العبد : أفعال ، وأخلاق ، وأحوال . فالأفعال : تصرفاته باختياره . والأخلاق : جبلة فيه ، ولكن تتغير بمعالجته على مستمر العادة . والأحوال : ترد على العبدعلى وجه الابتداء ، لكن صفاؤها بعد زكاء الأعمال . فهى كالأخلاق من هذا الوجه ، لأن العبد إذا نازل (١) الأخلاق بقلبه فينفى بجهده سفسافها (٢)، "مَنَّ اللّه عليه بتحسين أخلاقه، فكذلك إذا واظب على تزكية أعماله ، ببذل وسعه مَنَّ اللّه عليه بتصفية أحواله ، بل بتوفية أحواله . فمن ترك مذموم أفعاله بلسان الشريعة يقال : أنه فنى عن شهواته . فاذا فنى عن شهواته بقى بنيته وإخلاصه فى عبوديته . ومن زهد فى دنياه بقلبه ، بقال ، فى عن رغبته . فاذا فنى عن رغبته فيها بقى بصدق إنابته . ومن عالج أخلاقه ، فنفى عن قلبه الحسد والحقد ، والبخل ، والشح والغضب ،. والكبر ، وأمثال هذا من رعونات النفس ، يقال : فى عن سوء الخلق . (١) انتقل إليها . (٢) حقيرها . ١٤٩ ( الفناء والبقاء ) فاذا فتى عن سوء الخلق بقى بالفتوة والصدق. ومن شاهد جريان القدرة فى تصاريف الأحكام ، يقال : فنى عن حسبان الحدثان من الخلق ، فاذا فنى عن توهم الآثار من الأغيار بقى بصفات الحق . ومن استولى عليه سلطان الحقيقة حتى لم يشهد من الأغيار لاعيناً ولا أثراً؛ ولا رسماً ، ولاطللا ؛ يقال : إنه فنى عن الخلق وبقى بالحق . ففناء العبد عن أفعاله الذميمة ، وأحواله الخسيسة : بعدم هذه الأفعال . وفناؤه عن نفسه ، وعن الخلق : بزوال إحساسه بنفسه وبهم . فاذا فنى عن الأفعال ، والأخلاق ، والأحوال ، فلا يجوز أن يكون ما فى عنه من ذلك موجوداً . وإذا قيل: فنى عن نفسه ؛ وعن الخلق ، فنفسه موجودة ، والخلق موجودون ولكنه لاعلم له بهم ولا به ، ولا إحساس ، ولاخبر ، فتكون نفسه موجودة ، والخلق موجودين ولكنه غافل عن نفسه وعن الخلق أجمعين ، غير محس بنفسه وبالخلق . وقد ترى الرجل يدخل على ذى سلطان ؛ أو محتشم ، فيذهل عن نفسه ، وعن أهل مجلسه هيبة ، وربما يذهل عن ذلك المحتشم ، حتى إذا سئل بعد خروجه من عنده ، عن أهل مجلسه وهيآت ذلك الصدر (١)، وهيآت نفسه ، لم يمكنه الإخبار عن شىء . قال الله تعالى: ((فلما رأينه أكبرنه، وقطعن أيديهن)). لم يجدن عند لقاء يوسف عليه السلام، على الوهلة (٢) ألم قطع الأيدى ، وهن أضعف الناس، وقلن: ((ماهذا بشراً)) - ولقد كان بشراً -. وقلن: ((إن هذا إلا ملك كريم)) - ولم يكن ملكا - فهذا تغافل مخلوق عن أحواله عند لقاء مخلوق ، فما ظنك بمن تكاشف (٣) بشهود الحق سبحانه ؟ . (١) أى المحتشم، وفى نسخة ((وهيئة)). (٢) البغتة . (٣) أى أزيلت عنه الحجب. ١٥٠ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) فلو تغافل عن إحساسه بنفسه وأبناء جنسه ، فأى أعجوبة فيه ؟ !. فمن فنى عن جلهه بقى بعلمه .. ومن فى عن شهوته بقى بانابته .. ومن فى عن رغبته بقى بزهادته .. ومن فنى عن منيته(١) بقى بارادته(٢) تعالى: وكذلك القول فى جميع صفاته : فاذا فنى العبد عن صفته بما جرى ذكره ، يرتقى عن ذلك بفنائه عن رؤية فنائه وإلى هذا أشار قائلهم : وقوم تاه فى ميدان حبه فقوم تاه فى أرض بفقر وأبقوا بالبقا من قرب ربه فأفنوا تم أفنوا ثم أفنوا فالأول أفناه(٣) عن نفسه وصفاته ببقائه بصفات الحق. تم فناؤه عن صفات الحق بشهوده الحق . ثم فناؤه عن شهود فنائه باستهلاكه فى وجود الحق . ومن ذلك : الغيبة والحضور فالغيبة : غيبة القلب عن علم ما يجرى من أحوال الخلق ، لاشتغال الحس بما ورد عليه ، ثم قد يغيب عن إحساسه بنفسه وغيره ، بوارد من تذكر ثواب ، أو تفكر عقاب . كما روى أن : الربيع بن خيتم كان يذهب إلى ابن مسعود ، رضى الله عنه ، فمر بحانوت حداد ، فرأى الحديدة المحماة فى الكبر ، فغشى عليه .. ولم يفق إلى الغد . فلما أفاق ، سئل عن ذلك ، فقال : تذكرت كون أهل النار فى النار : فهذه غيبة زادت على حدها ، حتى صارت غشية . (١) طلبته. (٣) وفى نسخة (فناوه). (٢) وفى نسخه (بإرادته ) فقط . ١٥١ ( الغيبة والحضور ) وروى عن على بن الحسين : أنه كان فى سجوده ، فوقع حريق فى داره ، فلم ينصرف عن صلاته ، فسئل عن حاله ، فقال : ألهتنى النار الكبرى عن هذه النار . وربما تكون الغيبة عن إحساسه بمعنى (١) يكاشف به من الحق سبحانه وتعالى . ثم إنهم (٢) مختلفون فى ذلك على حسب أحوالهم. ومن المشهور: أن ابتداء حال أبى حفص النيسابورى الحداد فى ترك الحرفة ، أنه كان على حانوته ، فقرأ قارىء آية من القرآن ، فورد على قلب أبى حفص وارد تغافل عن إحساسه ، فأدخل يده فى النار ، وأخرج الحديدة المحماة بيده ، فرأى تلميذاً له ذلك، فقال : يا أستاذ ، ما هذا ؟ فنظر أبو حفص إلى ما ظهر عليه ، فترك الحرفة ، وقام من حانوته . وكان الجنيد قاعداً ، وعنده امرأته ، فدخل عليه الشبلى ، فأرادت امرأته أن تستتر ، فقال لها الجنيد : لاخبر للشبلى عنك ، فاقعدى . فلم يزل بكلمه الجنيد ، حتى بكى الشبلى ، فلما أخذ الشبلى فى البكاء قال الجنيد لامرأته : استترى ، فقد أفاق الشبلى من غيبته . سمعت أبا نصر المؤذن ىنيسابور ، وكان رجلا صالحاً ، قال : كنت أقرأ القرآن فى مجلس الأستاذ أبى على الدقاق بنيسابور ؛ وقت كونه هناك وكان يتكلم فى الحج كثيراً ، فأثر فى قلبى كلامه ، فخرجت إلى الحج تلك السنة ، وتركت الحانوت والحرفة، وكان الأستاذ أبو على رحمه الله، خرج إلى الحج أبضاً فى تلك السنة ، وكنت مدة كونه بنيسابور أخدمه ، وأواظب على القراءة فى مجلسه ، فرآبته يوماً فى البادية: تطهر .. ونسى قمقمة كانت بيده .. فحملتها ، فلما عاد إلى رحله وضعتها عنده ، فقال : جزاك الله خيراً، حيث حملت هذا . ثم نظر إلى طويلا كأنه لم يرن قط : وقال : (١) أى بوارد . (٢) أى من يرد عليهم الوارد . ١٥٢ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية الامام القشيرى ) رأيتك مرة . فمن أنت ؟ فقلت : المستغاث بالله !! صحبتك مدة ... وخرجت عن مسكنى ومالى بسببك، وتقطعت فى المفازة بك . والساعة تقول رأيتك مرة ! ! وأما الحضور : فقد يكون حاضراً بالحق ؛ لأنه إذا غاب عن الخلق حضر بالحق ، على معنى أنه يكون كأنه حاضر ، وذلك لاستيلاء ذكر الحق على قلبه ، فهو حاضر بقلبه بين يدى ربه تعالى ؛ فعلى حسب غيبته عن الحق يكون حضوره بالحق ، فان غاب بالكلية مكان الحضور على حسب الغيبة . فاذا قيل : فلان حاضر ، فمعناه أنه حاضر بقلبه لربه ، غير غافل عنه ، ولاساه ، ستليم لذكره . ثم يكون مكاشفاً فى حضوره على حسب رتبته بمعان يخصه الحق سبحانه وتعالى بها . وقد بقال لرجوع العبد إلى إحساسه بأحوال نفسه ، وأحوال الخلق : إنه حضر أى رجع عن غيبته ، فهذا يكون حضوراً بخلق ، والأول حضوراً بحق . وقد تختلف أحوالهم فى الغيبة ، فمنهم من لاتمتد غيبته ، ومنهم من تدوم غيبته . وقدحكى أن ذا النون المصرى بعث إنساناً من أصحابه إلى أبى يزيد ، لينقل إليه صفة أبى يزيد ... فلما جاء الرجل إلى بسطام . سأل عن دار أبى يزيد . فدخل عليه فقال له أبو يزيد : ما تريد ؟ فقال : أريد أبا يزيد . فقال : من أبو يزيد ؟ وأين أبو يزيد؟ أنا فى طلب أبى يزيد . فخرج الرجل ، وقال : هذا مجنون . ورجع الرجل إلى ذى النون . فأخبره بما شهده . فبكى ذو النون وقال : أخى أبو يزيد ذهب فى الذاهبين إلى الله . ١٥٣ ( الصحو والتنكر ) الصحو والسكر فالصحو : رجوع إلى الإحساس بعد الغيبة . والسكر : غيبة بوارد قوى . والسكر زيادة على الغيبة من وجه ، وذلك أن صاحب السكر قد يكون مبسوطأ إذا لم يكن مستوفى (١) فى حال سكره ، وقد يسقط إخطار الأشياء عن قلبه فى حال سكره ، وتلك حال المتساكر، الذى لم يستوفه الوارد ، فيكون للاحساس فيه مساغ ، وقد يقوى سكره حتى يزيد على الغيبة ، فربما يكون صاحب السكر أشد غيبة من صاحب الغيبة إذا قوى سكره ، وربما يكون صاحب الغيبة أتم فى الغيبة من صاحب السكر ، إذا كان متساكراً غير مستوف . والغيبة قد تكون للعباد ، بما يغلب على قلوبهم من موجب الرغبة والرهبة ومقتضيات الخوف والرجاء . 1 والسكر لا يكون إلا لأصحاب المواجيد . فاذا كوشف العبد بنعت الجمال حصل السكر ؛ وطاب (٢) الروح ، وهام القلب ، وفى معناه أنشدوا : وسكرك من لحظى يبيح لك الشربا فصحوك من لفظى هو الوصل كله عقار لحاظ كأسه سكر اللا فما مل ساقيها وما مل شارب وأنشدوا : فأسكر القوم دور كأس وكان سكرى من المدير وأنشدوا : لى سكرتان ، وللندمان واحدة شىء خصصت به من بينهم وحدى (١) بأن كان فيه بقية إدراك وفى نسخة، مستوفيا فى سكره. (٢) وفى نسخة وطرب . . 1 ١٥٤ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) وأنشدوا : سكران : سكر هوى وسكر مدامة فتى نفيق فتى به سكران واعلم أن الصحو على حسب السكر ، فمن كان سكره بحق ، كان صحوه يحق . ومن كان سكره تحظ مشوباً ؛ كان صحوه ىحظ (١) مصحوباً. ومن كان محقاً فى حاله(٢) كان محفوظاً فى سكره . والسكر والصحو بشيران إلى طرف من التفرقة . وإذا ظهر من سلطان الحقيقة على (٣) فصف العبد الثبور ، والقهر . وفى معناه أنشدوا : إذا طلع الصباح لنجم راح تساوى فيه سكران وصاح قال تعالى: ((فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً، وخر موسى صعقا)). هذا (٤) مع رسالته وجلالة قدره خر صعنا ، وهذا (٥) مع صلابته ، وقوته ، صار دكاً متكسراً . والعبد فى حال سكره شاهد الحال . وفى حال صحوه بشاهد العلم . إلا أنه فى حال سكره محفوظ (٦) لا يتكلفه . وفى حال صحوه متحفظ بتصرفه . والصحو والسكر بعد الذوق والشرب . (١) وفى مسخذ. يحظ صحيح. (٢) أى فى حال صحوه . (٣) علامة، وفى نسخة . علم أن صفة. ( ٤) اى موسى عليه السلام . (٥) أى لحبل . (٦) اى محفوظ بالله. ١٥٥ ( الذوق والشرب ) الذوق والشرب ومن جملة ما بجرى فى كلامهم : الذوق ، والشرب . ويعبرون بذلك عما يجدونه من تمرات التجلى ، ونتائج الكشوفات ، وبواده الواردات . وأول ذلك : الذوق ، تم الشرب ، ثم الرى . فصفاء معاملاتهم يوجب لهم ذوق المعانى . ووفاء منازلاتهم يوجب لهم الشرب . ودوام مواصلاتهم بقتضى لهم الرى . . ٠ فصاحب الذوق متساكر (١) ، وصاحب الشرب سكران ، وصاحب الرى صاح . ومن قوى حبه تسرمد (٢) شربه ، فاذا دامت به تلك الصفة لم يورثه الشرب سكراً ، فكان صاحياً بالحق ، فانياً عن كل حظ ، لم يتأثر بما يرد عليه ، ولا تتغير عما هو به . ومن صفا سره ، لم يتكدر عليه للشرب . ومن صار الشرب له غذاء لم يصبر عنه ، ولم يبق بدونه . وأنشدوا : فاذا لم نذقها لم نعش وإنما الكأس رضاع بيننا وأنشدوا : فهل أنسى فأذكر ما نسيت؟ عجبت لمن يقول ذكرت ربى فما نقد الشراب ولا روبت شربت الحب كأساً بعد كأس (١) وهو من بنى فيه بقية شعور بماله من الأحوال . (٢) دام . ١ ١٥٦ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) ويقال : كتب بحى بن معاذ إلى أبى يزيد البسطامى : ((هاهنا من شرب من كأس (١) المحبة لم يظمأ بعده)). فكتب إليه أبو زيد : عجبت من ضعف حالك .. هاهنا من بحتسى بحار الكون وهو فاغرفاه يستزيد . واعلم أن كاسات القرب تبدو من الغيب ، ولا تدار إلا على أسرار معتقة ، وأرواح عن زقق الأشياء محررة . ومن ذلك : المحو والاثبات المحو : رفع أوصاف العادة . والإثبات : إقامة أحكام العبادة فمن نفى عن أحواله الخصال الذميمة ، وأنّى بدلها بالأفعال والأحوال الحميدة ، فهو صاحب محو وإثبات . سمعت الأستاذ أما على الدقاق ، رحمه الله ، يقول : قال بعض المشايخ لواحد : إيش تمحو ؟ وإيش تثبت ؟ فسكت الرجل ! ! فقال : أما علمت أن الوقت محو وإثبات ، إذ من لا محو له ، ولا إثبات ، فهو معطل ، مهمل . وينقسم إلى محو الزلة عن الظواهر ، ومحو الغفلة عن الضمائر ، ومحو العلة عن السرائر ، ففى محو الزلة : إثبات المعاملات ؛ وفى محو الغفلة : إثبات المنازلات . وفى محو العلة إثبات المواصلات . (١) وفى نسخة. من شرب كأسا من المحبة. ١٥٧ ( الستر والتجلى ) هذا محو وإثبات بشرط العبودية . وأما حقيقة المحو والإثبات ، فصادران عن القدرة : فالمحو : ما ستره الحق ونفاده، والإثبات ما أظهره الحق وأبداه . والمحو والإثبات مقصوران على المشيئة، قال الله تعالى: ((يمحو الله ما شاء ويثبت )) . قيل : محو عن قلوب العارفين ذكر غير الله تعالى ، وبثبت على ألسنة المريدين ذكر الله ، ومحو الحق لكل أحد وإثباته على ما يليق بحاله . ومن محاه الحق سبحانه عن مشاهدة(١)، أثبته (٢) بحق حقه (٣). ومن محاه الحق عن إثباته به رده إلى شهود الأغيار ؛ وأثبته فى أودية التفرقة . وقال رجل للشبلى رحمه الله : مالى أراك قلقاً ، أليس هو معك ، وأنت معه ؟ فقال الشبلى : لو كنت أنا معه كنت أنا ، ولكى محو فيما هو . والمحق فوق المحو ؛ لأن المحو يبقى أثراً ، والمحق لا يبقى أثراً . وغاية همة القوم أن بمحقهم الحق عن شاهدهم ، ثم لا يردهم إليهم بعد ما محقهم عنهم . الستر والتجلى . العوام (٤) فى غطاء الستر (٥) ، والخواص فى دوام التجلى. وفى الخبر: ((إن الله إذا تجلى لشىء خشع له)). فصاحب الستر ، بوصف شهوده ، وصاحب التجلى أبداً ، بنعت خشوعه . (١) أىمشاهدته لنفسه وأفعاله . (٢ ) حققه . (٣) أى جعل حاله الوجود بواسطة فنائه عن فنائه. بحق الحقيقة: أى بغلبة مشاهدة أنوار الحقيقة فيتم له الوجود بها. (٤) أى من الصوفية . (٥) بأن يخفى الله عنهم احوالهم. ايدوموا على جدهم واجهادهم فى عباداتهم. ١٥٨ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) والستر للعوام عقوبة ، وللخواص رحمة ، إذ لولا أنه يستر عليهم (١) ما يكاشفهم به ، لتلاشوا عند سلطان الحقيقة : ولكنه كما يظهر لهم ، بستر عليهم . سمعت منصور المغربى بقول : وافى بعض الفقراء حياً من أحياء العرب ، فأضافه شاب ؛ فبينا الشاب فى خدمة هذا الفقير إذ غشى عليه ، فسأل الفقير عن حاله ، فقالوا : له بنت عم ، وقد علقها (٢) ، فمشت فى خيمتها ، فرأى الشاب غبار ذيلها ، فغشى عليه . فمضى الفقير إلى باب الخيمة ، وقال : إن للغريب فيكم حرمة وذماماً ، وقد جئت مستشفعا إليك فى امر هذا الشاب ، ٦ فتعطفى عليه فيما هو به من هواك . فقالت: سبحان اللّه ، أنت سليم القلب، إنه لا بطيق شهود غبار ذيلى ، فكيف يطيق صحبتى .؟! وعوام هذه الطائفة عيشهم فى التجلى ، وبلاؤهم فى الستر . ١ ١ وأما الخواص، فهم بين طيش وعيش(٣)؛ لأنهم إذا تجلى لهم طاشوا، وإذا ستر عليهم ردوا إلى الحظ فعاشوا . وقيل: إنما قال الحق تعالى لموسى عليه السلام: ((وما تلك بيمينك يا موسى))، ليستر عليه ببعض ما يعلله(٤) به بعض ما أثر فيه من المكاشفة بفجأة السماع . وقال صلى الله عليه وسلم: (( إنه ليغان(٥) على قلبى حتى أستغفر الله فى اليوم سبعين مرة)). ٠٠ والاستغفار: طلب الستر، لأن الغفر: هو السير، ومنه غمر الثوب، والمغفر، وغيره فكأنه أخبر أنه بطلب الستر على قلبه عند سطوات الحقيقة ؛ إذ الخلق لابقّاء لهم مع وجود الحق. وفى الخبر: ((لو كشف(٦) عن وجهه(٧) لأحرقت سحات (٨) وجهه ما أدرك بصره))(٩) . (١) بمعنى عنهم. ( ٤ ) يلاطفه . (٧) أى وجه الله. (٢) تعلق قلبه بها . (٣) بين سكر وصحو . (٦) أى العبد . (٥) ليغطى . (٨) أى أنوار عظمة الله وجلاله . (٩) أى أن العبد - كما قال الشيخ زكريا الأنصارى - لا يطيق رؤية الحق تعالى ولا كمال جلاله؛ وإنما يكشف لكل عبد، من رؤيته فى الدنيا ما تقوى عليه بصيرته وليس المراد بقوله ((المكاشفة)) و((المشاهدة)) ونحوهما من الألفاظ : معاينة الذات حقيقة، فان ذلك لا يقع فى الدنيا ولا فى الآخرة على الوجه المعهود . ١٥٩ ( المحاضرة ، والمكاشفة ، ثم المشاهدة ) المحاضرة ، والمكاشفة ، ثم المشاهدة ، المحاضرة ابتداء (١) ، تم المكاشفة ، ثم المشاهدة . فالمحاضرة : حضور القلب . وقد يكون بتواتر البرهان ، وهو بعد وراء ! الستر (٢)، وإن كان حاضراً باستيلاء سلطان الذكر . ثم بعده . المكاشفة : وهو حضوره بنعت البيان . غير مفتقر فى هذه الحالة إلى تأمل الدليل ، وتطلب السبيل ، ولا مستجير (٣) من دواعى للريب . ولا محجوب من نعت الغيب . تم المشاهدة : وهى حضور الحق من غير بقاء تهمة (٤). فاذا أصحت سماء السر عن غيوم الستر، فشمس الشهود مشرقة عن برج الشرف. وحق المشاهدة ما قاله الجنيد ، رحمه الله : وجود الحق مع فقدانك(٥) . فصاحب المحاضرة مربوط بآياته ، وصاحب المكاشفة مبسوط بصفاته . وصاحب المشاهدة ملقى بذاته ، وصاحب المحاضرة بهديه عقله : وصاحب المكاشفة بدنيه علمه ، وصاحب المشاهدة تمحوه معرفته . ولم يزد فى بيان تحقيق المشاهدة أحد على ما قاله عمرو بن عثمان المكى رحمه الله . ومعنى ما قاله : أنه تتوالى أنوار التجلى على قلبه من غير أن تتخللها ستر وانقطاع كما لو قدر اتصال البروق، فكما أن الليلة الظلماء يتوالى البروق فها ، واتصالها ، إذا قدرت تصير فى ضوء النهار ، فكذلك القلب إذا دام به دوام التجلى متع (٦) نهاره فلا ليل . وأنشدوا : ليلى بوجهك مشرق والناس فى سدف (٧) الظلام وظلامه فى الناس سارى ونحن فى ضوء النهار (١) أى أول المراتب .. (٣) أى: مستعيذ. (٥) أى فنائك عما سواه . (٢) الحجاب . ( ٤ ) شبهة . (٧) ظلمة . (٦) أى طال. ١٦٠ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى ) وقال النورى : لايصح للعبد المشاهدة وقد بقى له عرق قائم . وقال : إذا طلع الصباح استغنى عن المصباح : وتوهم قوم أن المشاهدة تشير إلى طرف من التفرقة ، لأن باب المفاعلة فى العربية بين اثنين . وهذا وهم من صاحبه . فان فى ظهور الحق سبحانه ، ثبور (١) الخلق وبّاب المفاعلة جملتها لاتقضى مشاركة الاثنين نحو : سافر ، وطارق النعل ، وأمثاله . وأنشدوا : بأنواره أنوار ضوء الكواكب فلما استبان الصبح أدرك (٢) ضوؤه بتجريعه طارت كأسرع ذاهب يجرعهم كأساً لو ابتلى (٣) به اللظى كأس ، أى كأس !! تصطلمهم عنهم ، وتفنيهم، وتختطفهم منهم ، ولاتبقيهم. كأس .. لا تبقى ولاتذر ، تمحوهم بالكلية ، ولا تبقى شظية من آثار البشرية . كما قال قائلهم : ساروا فلم يبق لارسم ولا أثر اللوائح ، والطوابع ، واللوامع قال الأستاذ رضى الله عنه : هذه الألفاظ متقاربة المعنى ، لا يكاد يحصل بينها كبير فرق. وهى من صفات أصحاب البدايات الصاعدين فى الترقى بالقلب ، فلم يدم لهم بعد ضياء شموس المعارف . لكن الحق سبحانه وتعالى، يؤتى رزق قلوبهم فى كل حين، كما قال: ((ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (٤) ، فكلما أظلم عليهم سماء القلوب بسحاب الحظوظ سنح (٥) لهم فيها لوائح الكشف وتلألا لوامع القرب . وهم فى زمان سترهم يرقبون فجأة اللوائح (٦). (١) هلاك . (٣) وفى نسخة : لوابتليت لفظى أى: جهم. (٥) ظهر. (٢) وفى نسخة أدرج أى: غيب. (٤) آية ٦٢ من سورة مريم, (٦) ينتظرون مجيّ الوائح بغتة. ١٦١ ( اللوائح ، والطوابع ، واللوامع ) فهم كما قال القائل : بأنها البرق الذى يلمع من أى أكناف السما تسطع فتكون(٤) أولا: لوائح ، تم لوامع ، ثم طوالع : فاللوائح كالبروق ، ما ظهرت حتى استقرت ، كما قال القائل : كان تسليمه على وداعا افترقنا حولا فلما التقينا وأنشدوا : كأنه مقتبس نارا باذا الذى زار ومازارا ماضره لو دخل الدارا؟ مر بباب الدار مستعجلا واللوامع : أظهر من اللوائح . ليس زوالها بتلك السرعة ، فقد تبقى اللوامع وقتين ، وثلاثة . ولكن كما قالوا : والعين باكية لم تشبع المنظرا وكما قالوا : لم ترد ماء وجهه العين إلا شرقت قبل ربها برقيب فاذا لمع قطعك عنك ، وجمعك به ، لكن لم يسفر نور نهاره حتى كر عليه عساكر الليل ، فهؤلاء بين روح ونوح ؛ لأنهم بين كشف وستر . كما قالوا : فالليل يشملنا بفاضل برده والصبح يلحفنا ردءاً مذهبا والطوالع : أبهى وقتاً ، وأقوى سلطانا ، وأدوم مكثاً ، وأذهب للظلمة وأنفى النهمة . لكنها موقوفة على خطر الأفول ، ليست برفيعة الأوج ، ولا بدائمة المكث . ثم أوقات حصولها وشيكة الارتحال ، وأحوال أفولها طويلة الأذيال . وهذه المعانى ، التى هى: اللوائح واللوامع والطوالع ، تختلف فى القضايا (٢)، ثمنها ما إذا فات لم يبق عنها (٣) آثر، كالشوارق إذا أفلت، فكأن الليل كان دائماً. ومنها ما يبقى عنه أثر، فان زال رقمه (٤) بقى آلمه ، وإن غريت أنواره بقيت آثاره . فصاحبه بعد سكون غلباته(٥) يعيش فى ضياء بركاته ، فالى أن ىلوح ثانيا يرجى(٦) وقته على انتظار عوده ، ويعيش بما وجد فى كونه (٧) (١) أى الأشياء التى تظهر لهم . (٤ ) أى أثره . (٧) أى زمن وجوده . (٢) الأحكام . (٥) قلقه . (٣) والأولى أن يقول (( عنه)) ". (٦) وفى نسخة يزجى: أى يدافع . ١٦٢ كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للأمام القشيرى ) البوادة والهجوم البوادة : ما بفجأ قلبك من الغيب على سبيل الوهلة(١)، إما موجب فرح، وإما موجب ترح . والهجوم : ما يرد على القلب بقوة الوقت ، من غير تصنع منك . ويختلف فى الأنواع على حسب قوة الوارد وضعفه . فمنهم من تغيره البوادة ، وتصرفه الهواجم . ومنهم من بكون فوق ما فجؤه حالا وقوة . أولئك سادات الوقت كما قيل : ولهم على الخطب الجليل لجام لا نهتدى نوب (٢) الزمان إليهم التلوين والتمكين التلوين : صفة أرباب الأحوال . التمكين : صفة أهل الحقائق . فما دام العبد فى الطريق فهو صاحب تلوين ، لأنه مرتفى من حال إلى حال ، وينتقل من وصف إلى وصف ويخرج من مرحل(٣) ويحصل فى مربع (٤)، فإذا وصل تمكن . وأنشدوا : ما زلت أنزل فى ودادك منزلا تتحير الألباب دون نزوله وصاحب التلوين أبداً فى الزيادة وصاحب ، التمكين وصل ثم اتصل . وأمارة أنه اتصل : أنه بالكلية عن كليته بطل . (١) البغته . (٣) مكان الرحيل . (٢) أحداثه : بدام : فوه وثبات . ( ٤ ) محل الربيع .