النص المفهرس

صفحات 61-80

٦٣
( أبو يزيد بن طيفور بن عيسى البسطامى ) .
أبو يزيد بن طيفور بن عيسى البسطامى
وكان جده مجوسياً أسلم .
وكانوا ثلاثة إخوة : آدم ، وطيفور ، وعلى . وكلهم كانوا زهاداً عباداً .
وأبو زيد كان أجلهم حالا(١) .
قبل مات سنة : إحدى وستين ومائتين ، وقيل : أربع وثلاثين ومائتين .
سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا الحسن الفارسى ،
يقول : سمعت الحسن بن على يقول : سئل أبو يزيد : بأى شىء وجدت هذه
المعرفة ؟ .
فقال : بطن جائع ، وبدن عار .
سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت منصور بن عبد الله
يقول : سمعت عمى البسطافى يقول : سمعت أبى يقول : سمعت أبا يزيد يقول :
عملت فى المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت شيئاً أشد على من العلم ومتابعته ، ولولا
اختلاف العلماء لبقيت ، واختلاف العلماء رحمة إلا فى تجريد التوحيد .
وقيل : لم يخرج أبو يزيد من الدنيا حتى استظهر القرآن كله .
حدثنا أبو حاتم السجستانى قال : أخبرنا أبو نصر السراج ، قال : سمعت طيفور
البسطامى يقول : سمعت المعروف بعمى البسطامى يقول: سمعت أبى يقول : قال لى
أبو يزيد : قم بنا حتى ننظر إلى هذا الرجل الذى قد شهر نفسه بالولاية ، وكان
رجلا مقصوداً مشهوراً بالزهد ، فمضينا إليه ؛ فلما خرج من بيته ، ودخل المسجد
رمى ببصاقه تجاه القبلة ، فانصرف أبو يزيد ولم يسلم عليه ، وقال : هذا غير مأمون
على أدب من آداب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فكيف يكون مأموناً على ما يدعيه؟
وبهذا الإسناد قال ابو يزيد: لقدهممت أن أسأل الله تعالى أن يكفينى مؤنة الأكل
ومؤنة النساء ، ثم قلت : كيف يجوز لى أن أسأل الله هذا ولم سأله رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم إياه ؟ فلم أسأله . ثم إن الله سبحانه وتعالى كفانى مؤنة النساء ؛ حتى
لا أبالى استقبلتنى امرأة او حائط .
(١) ذكر ابن عربى أنه كان القطب الغوث فى زمانه .
ومن كلامه : ليس العالم من يحفظ من كتاب اللّه فاذا نسى ما حفظ صار حاهلا ؛ بل من يأخذ علمه من ربه أى وقت شاء
بلا تحفظ ودرس . وهذا هو العلم الربانى. وقال: أخذتهم علمكم ميتاً عن ميت واخذنا علمنا عن الحى الذى لا يموت ...

٦٤
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى)
سمعت الشيخ أما عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، بقول : سمعت الحسن
ابن على يقول : سمعت عمى البسطامى يقول : سمعت أبى يقول : سألت أبا بزيد
عن ابتدائه وزهده ، فقال :
ليس للزهد منزلة . فقلت : لماذا ؟ فقال : لأنى كنت ثلاثة أيام فى الزهد ..
فلما كان اليوم الرابع خرجت منه : اليوم الأول : زهدت فى الدنيا وما فيها ،
واليوم الثانى : زهدت فى الآخرة وما فيها ، واليوم الثالث زهدت فيما سوى الله ،
فلما كان اليوم الرابع لم يبق لى سوى الله . . فهمت ، فسمعت ، هاتفاً يقول :
با أبا يزيد لا تقوى معنا . فقلت : هذا الذى أريده .
فسمعت قائلا يقول : وجدت ، وجدت .
وقيل لأبى يزيد : ما أشد ما لقيت فى سبيل الله ؟ فقال : لا يمكن وصفه .
فقيل له : ما أهون ما لقيت نفسك منك ؟
فقال: أما هذا فنعم ، دعوتها إلى شىء من الطاعات فلم تجبنى فمنعتها الماء سنة .
وقال أبو يزيد : منذ ثلاثين سنة أصلى ، واعتقادى فى نفسى عند كل صلاة
أصلبها : كأنى مجوسى أريد أن أقطع زنارى(١) .
سمعت محمد بن الحسين رحمه الله يقول : سمعت عبد الله بن على يقول: سمعت
موسى بن عيسى يقول ، قال لى أبى : قال أبو يزيد : لو نظر تم إلى رجل أعطى من
الكرامات حتى يرتفى (٢) فى الهواء ، فلا تغتروا به ، حتى تنظروا كيف تجدونه
عند الأمر والنهى ، وحفظ الحدود ، وأداء الشريعة (٣).
وحكى عمى البسطامى عن أبيه أنه قال : ذهب أبو يزيد ليلة إلى الرباط ، ليذكر
اللّه، سبحانه، على سور الرباط، فبقى إلى الصباح لم يذكر ، فقلت له فى ذلك ، فقال :
تذكرت كلمة جرت على لسانى فى حال صباى(٤) ، فاحتشمت أن أذكره
سبحانه وتعالى .
(١) ما يشد به الوسط، أراد به كدورات الحظوظ والرغبات.
(٢) وفى نسخة يرتفع، وفى أخرى يتربع.
(٣) مراده الحث على اتباع الكتاب والسنة وعدم الخروخ عن سنهما، أو الغرور من حاله بخالفهما، فهو وإن كان صادقا
فى الحقيقة ، فلا يتابع بحكم الطريقة كما قال العروسى .
(٤) فيه أشعار بعدم صدور المخالفات منه بعد التكليف، وإلا لكان أسرع تذكرالها وأكثر معرفة بها .

٦٥
( أبو محمد سهل بن عبد الله التسترى )
أبو محمد سهل بن عبد الله التسترى
أحد أئمة القوم ، لم يكن له فى وقته نظير فى المعاملات والورع(١) .
وكان صاحب كرامات ، لقى ذا النون المصرى بمكة سنة خروجه إلى الحج .
توفى ، كما قيل، سنة : ثلاث وثمانين ومائتين ، وقيل: ثلاث وسعين ومائتين.
وقال سهل : كنت ابن ثلاث سنين ، وكنت أقوم بالليل أنظر إلى صلاة خالى
محمد بن سوار ، وكان بقوم بالليل ، فربما كان يقول لى : يا سهل ، اذهب فتم
فقد شغلت قلبى .
١
سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله يقول : سمعت أبا الفتح يوسف بن عمر
الزاهد بقول : سمعت عبد الله بن عبد الحميد يقول: سمعت عبيد الله بن لؤلؤ يقول :
سمعت عمر بن واصل البصرى يحكى عن سهل بن عبد الله قال : قال لى خالى يوماً:
ألا تذكر الله الذى خلقك ؟ .
فقلت : كيف أذكره ؟ فقال لى : قل بقلبك عند تقلك فى ثيابك ثلاث مرات .
من غير أن تحرك به لسانك : اللّه معى ، اللّه ناظر إلى ، الله شاهد على .
فقلت ذلك ثلاث ليال، تم أعلمته ، فقال لى :
قل فى كل ليلة سبع مرات . فقلت ذلك ثم أعلمته ، فقال : قل فى كل ليلة
إحدى عشرة مرة ، فقلت ذلك ، فوقع فى قلبى له حلاوة .
فلما كان بعد سنة قال لى خالى : احفظ ما علمتك ، ودم عليه إلى أن تدخل
القبر ، فانه بنفعك فى الدنيا والآخرة .
فلم أزل على ذلك سنين ، فوجدت لها حلاوة فى سرى .
(١) حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وكان يسأل عن دقائق الزهد والورع وفقه العبارة وهو ابن عشر فيحسن الإجابة .
ومن فوله : ماأعطى أحد شيئاً أفضل من علم يستزيد به افتقاراً إلى الله. وقال: ما عبد اللّه شى" أفضل من مخالفة الهوى.
وقال ((حياة القلب الذى يموت يذكر الحى الذى لا يموت. وقال؛ كل عالم خاض فى الدنيا فلا تصع لكلامه، بل يهم فيه
يقول ؛ لأن كل إنسان يدفع مالا يوافق محبوبه .

٦٦
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
ثم قال لى خالى يوماً : ما سهل ، من كان الله معه، وهو ناظر إليه ، وشاهده،
العصيه ؟ إياك والمعصية .
فكنت آخلو ، فبعثونى (١) إلى الكتاب ، فقلت :
إنى لأخشى أن يتفرق على همى (٢)، ولكن شارطوا المعلم : أنى أذهب إليه ساعة،
فأتعلم ، ثم أرجع .
فمضيت إلى الكتاب ، وحفظت القرآن ، وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين ،
وكنت أصوم الدهر ، وقوتى خبز الشعير ، إلى أن بلغت إثنى عشرة سنة ، فوقعت
لى مسألة وأنا امن ثلاث عشرة سنة ، فسألت أهلى أن يبعثونى إلى البصرة أسأل عنها ،
فجئت البصرة وسألت علماءها فلم شف أحد منهم عنى شيئاً ! !
فخرجت إلى ((عبادان))، إلى رجل يعرف بأبى حبيب حمزة بن عبد الله
العبادانى ، فسألته عنها فأجابى . وأقمت عنده مدة أنتفع بكلامه وأتأدب بآدابه ،
ثم رجعت إلى ((تستر)) فجعلت قوتى اقتصاراً على أن بشترى لى بدرهم من الشعير
((الفرق)) (٣) فيطحن ويخبز لى، فأفطر عند السحر كل ليلة على أوقية واحدة بحثاً،
تغير ملح ولا إدام فكان يكفينى ذلك الدرهم سنة .
تم عزمت على أن أطوى ثلاث ليال ، تم أفطر ليلة ، ثم خمساً ، ثم سبعاً ، ثم
خمساً وعشرين ليلة . وكنت عليه (٤) عشرين سنة ، ثم خرجت أسيح فى الأرض
سنين، ثم رجعت إلى ((تستر)) وكنت أقوم الليل كله .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا العباس البغدادى يقول: سمعت
إبراهيم بن فراس بقول : سمعت نصر بن أحمد يقول : قال سهل بن عبد الله :
كل فعل يفعله العبد بغير اقتداء ، طاعة كان أو معصية ، فهو عيش النفس (٥)،
وكل فعل بفعله بالاقتداء فهو عذاب على النفس (٦).
(٢) أى ما أهتم به وهو ذكر ربى مع حضور قلبى فى الخلوة .
(١) وفى نسخة ((فبعثوا بي)).
(٤) وفى نسخة ((فكنت عليها)). (٥) أى حطها .
(٣) مكيال يكال به .
(٦) وقال سهل : دخلت الفتنة على العامة من الرخص والتأويلات، وعلى العار فين من تأخير الحق الواجب إلى وقت آخر.
وقال : من عظم المعاصى الجهل بالجهل، والنظر إلى العامة، وسماع كلام أهل الغفله .
وقال: أصول طريقنا سبعة: التمسك بالكتاب، والاقتداء بالسنة ، وأكل الحلال ، و كف الأذى ، وتجنب المعاصى
والتوبة ، وأداء الحقوق .

٦٧
( أبو سليمان عبد الرحمن بن عطية الدارانى )
أبو سليمان عبد الرحمن بن عطية الدارانى
و ((داران)) قربة من قرى دمشق . مات : سنة خمس عشرة ومائتين .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت عبد الله بن محمد الرازى يقول : أخبر نا
إسحاق بن ابراهيم بن أبى حسان يقول : سمعت أحمد بن أبى الحوارى يقول :
سمعت أبا سليمان يقول :
من أحسن فى نهاره كوفىء فى ليله ، ومن أحسن فى ليله كوفىء فى نهاره . ومن
صدق فى ترك شهوة ذهب الله بها من قلبه ، والله تعالى أكرم من أن يعذب قلما شهوة
تركت له .
وبهذا الإسناد قال : إذا سكنت الدنيا القلب ترحلت منه الآخرة .
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول ، سمعت الحسين
ابن يحيى يقول : سمعت جعفر بن محمد بن نصير ، يقول : سمعت الجنيد يقول .
قال أبو سليمان الدارانى :
ربما يقع فى قلبى النكتة (١) من نكت القوم أياما ، فلا أقبل منه إلا شاهدين
عدلين : الكتاب ، والسنة .
،
وقال أبو سليمان : أفضل الأعمال : خلاف هوى النفس .
وقال: لكل شىء علم (٢)، وعلم الخذلان (٣) ترك البكاء.
وقال : لكل شىء صداً ، وصدأ نور القلب شبع البطن .
وقال : كل ما شغلك عن اللّه تعالى من أهل ، أو مال ، أو ولد فهو عليك
مشئوم .
وقال : أبو سليمان : كنت ليلة باردة فى المحراب ، فأقلقنى البرد : فخبات إحدى
يدى من البرد ، وبقيت الأخرى ممدودة (٤)، فغلبتنى عيناى فهتف بى هاتف .
(١) كلمة الحكمة .
(٣) عدم القبول .
(٢) علامة .
(٤) اى ممدودة الدء

٦٨
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
ما أما سلمان ، وقد وضعنا فى هذه ما أصابها ، ولو كانت الأخرى لو وضعنا فيها .
فآليت على نفسى آن لا أدعو إلا ويداى خارجتان ، حراً كان الزمن أو برداً .
وقال أبو سليمان : نمت عن وردى ، فإذا أنا بحوراء تقول لى : تنام وأنا أربى
لك فى الخدور منذ خمسمائة عام ! !
أخبرنا عبد الله بن يوسف الأصبهانى ، قال : أخبرنا أبو عمرو الجولستى ،
قال : أخبرنا محمد بن اسماعيل قال . حدثنا أحمد بن أبى الحوارى قال : دخلت على
آبى سليمان يوماً وهو يبكى ، فقلت له ما يبكيك ؟
فقال : ما أحمد ، ولم لا أبكى ، وإذا جن الليل ، ونامت العيون ، وخلا كل
حبيب بحبيبه ، وافترش أهل المحبة أقدامهم ، وجرت دموعهم على خدودهم ،
وتقطرت فى محاريبهم ، وأشرف الجليل ؛ سبحانه وتعالى ؛ فنادى : يا جبريل ،
بعينى من تلذذ بكلامى واستراح إلى ذكرى ، وإنى لمطلع عليهم فى خلواتهم .. أسمع
أنينهم .. وأرى بكاءهم ، فلم لا تنادى فيهم يا جبريل : ما هذا البكاء ؟ ! .
هل رأتم حبيباً بعذب أحباءه ؟
آم كيف يجمل بى أن آخذ قوماً إذا جنهم الليل تملقوا (١) لى فى حلفت : انهم
إذا وردوا على يوم القيامة لأكشفن لهم عن وجهى الكريم ، حتى ينظروا إلى وأنظر
إليهم (٢).
أبو عبد الرحمن حاتم بن علوان
ويقال حاتم بن بوسف الأصم ، من أكابر مشايخ خراسان .
وكان تلميذ شقيق ، وأستاذ أحمد بن خضروبه .
قيل : لم يكن أصم ، وإنما تصامم (٣) مرة فسمى به .
سمعت الأستاذ أما على الدقاق ، رحمه الله ، يقول :
(١) أى إذا استرهم الليل توددوا.
(٢) ومن أقواله :
لا ينبغى لفقير أن يزيد فى نظافة ثوبه على نظافة قلبه، ليشاكل باطنه ظاهره . ليت قلبى فى القلوب كثوبى فى الشاب ..
من صارع الدنيا صرعته . ومن سكنت الدنيا قلبه ترحلت منه الآخرة ..
من أظهر الانقطاع إلى الله تعالى لزمه خلع مادونه من عنقه ..
إذا بلغ العبد غاية الزهد أخرحه إلى التوكل . .
القناعة أول الرضا ، والورع أول الزهد ..
مفتاح الآخرة الجوع ، ومفتاح الدنبا الشر ، ومفتاح كل خير الخوف من الله تعالى .
(٣) تصامم : تكلف الصمم .

٦٩
( أبو عبد الرحمن حاتم بن علوان )
جاءت امرأة فسألت حاتماً عن مسألة ، فاتفق أنه خرج مها فى تلك الحالة
صوت ، فخجلت ، فقال حاتم: ارفعى صوتك . فأرى(١) من نفسه : أنه أصم ،
فسرت المرأة بذلك ، وقالت:
إنه لم يسمع الصوت ، فغلب عليه اسم الصمم .
أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، قال : سمعت أما على سعيد
ابن أحمد يقول : سمعت أبى يقول : سمعت محمد بن عبد الله يقول : سمعت خالى
محمد بن الليث يقول : سمعت حامداً اللقاف يقول : سمعت حاتما الأصم يقول :
ما من صباح إلا والشيطان بقول لى : ماذا تأكل ! وماذا تلبس ؟ وأين نسكن ؟
فأقول له ، آكل الموت ، وألبس الكفن ، وأسكن القبر .
وباسناده قيل له : ألا تشتهى ؟
فقال : أشتهى عافية يوم إلى الليل .
فقيل له : أليست الأيام كلها عافية ؟
فقال : إن عافية يومى ، أن لا أعصى الله فيه .
وحكى عن حاتم الأصم ، أنه قال : كنت فى بعض الغزوات ، فأخذنى شخص
فأضجعنى للذبح فلم يشتغل به قلبى ، بل كنت أنظر ماذا بحكم الله تعالى فى ..
فبينما هو يطلب السكين من حقه أصابه سهم غرب (٢). فقتله ، وطرحه غنى
فقمت .
سمعت عبد الله بن يوسف الأصهانی قول : سمعت أبا نصر منصور بن محمد
ابن ابراهيم الفقيه يقول : سمعت أبا محمد جعفر بن محمد بن نصير يقول: روى عن
حاتم انه قال :
من دخل فى مذهبنا هذا فليجعل فى نفسه أربع خصال من الموت :
موتا ابيض ، وهو الجوع ..
(١) فأرى : فأظهر .
(٢) أى آتاه من حيث لا يدرى .

٧٠
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
وموتا اسود ، وهو : احتمال الأذى من الخلق .
وموتا أحمر ، وهو : العمل الخالص من الشوب فى مخالفة الهوى .
وموتا أخضر ، وهو : طرح الرقاع بعضها على بعض (١).
أبو زكريا يحيى بن معاذ الرازى الواعظ
نسيج وحده فى وقته ، له لسان (٢) فى الرجاء خصوصاً ، وكلام فى المعرفة .
خرج إلى للخ ، وأقام بها مدة .
ورجع إلى ((نيسابور)) ومات بها سنة : ثمان وخمسين ومائتين.
سمعت محمد بن الحسين رحمه الله ، يقول : سمعت عبد الله بن محمد بن
أحمد بن حمدان العكبرى يقول : سمعت أحمد بن محمد بن السرى يقول : سمعت
أحمد بن عيسى يقول : سمعت يحيى بن معاذ بقول : كيف يكون زاهداً من
لا ورع له ؟. تورع عما ليس لك ، ثم ازهد فيما لك .
وبهذا الإسناد قال :
جوع التوابين تجربة ، وجوع الزاهدين سياسة ، وجوع الصديقين تكرمة .
وقال يحيى الفوت أشد من الموت ؛ لأن الفوت انقطاع عن الحق ، والموت
انقطاع عن الخلق .
وقال يحيى: الزهد (٣) ثلاثة أشياء ، القلة، والخلوة ، والجوع .
وقال بحبي : لا تربح على نفسك شىء أجل من أن تشغلها فى كل وقت بما
هو اولی بها .
وقيل : إن يحيى بن معاذ تكلم بلخ فى تفضيل الغنى على الفقر ، فأعطى ثلاثين
ألف درهم ، فقال بعض المشايخ : لا بارك الله له فى هذا المال فخرج إلى نيسابور ،
فوقع عليه اللص واخذ ذلك المال منه .
(١) أى ترقيع الثياب.
(٢) أى كلام.
(٣) أى علامات الزهد .

٧١
( أبو حامد أحمد بن خضروية البلخى )
أخبرنا عبد الله بن يوسف الأصبهانى قال: انانا (١) ابو القاسم عبد الله بن الحسين
ابن بالويه الصوفى قال : سمعت محمد بن عبد الله الرازى يقول : سمعت الحسين بن
علويه يقول : سمعت يحيى بن معاذ الرازى تقول :
من خان اللّه فى السر هتك الله ستره فى العلانية .
سمعت عبد الله بن يوسف يقول: سمعت أبا الحسين محمد بن عبد العزيز
المؤذن يقول : سمعت محمد بن محمد الجرجانى يقول : سمعت على بن محمد يقول :
سمعت يحيى بن معاذ الرازى يقول :
تزكية الأشرار لك هجنة بك (٢)، وحبهم لك عيب عليك ، وهان عليك من
احتاج إليك (٣).
أبو حامد أحمد بن خضروية البلغى
من كبار مشائخ خراسان ، صحب أبا تراب النخشبى .
قدم نيسابور ، وزار أبا حفص ، وخرج إلى سطام فى زيارة أبى يزيد البسطامى
وكان كبيراً فى الفتوة (٤) .
وقال أبو حفص : ما رأيت أحداً أكبر همة ، ولا أصدق حالا من أحمد بن
خضرونه .
وكان أبو يزيد تقول : أستاذنا أحمد .
سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله، يقول : سمعت منصور بن عبد الله
يقول : سمعت محمد بن حامد يقول : كنت جالساً عند أحمد بن خضروبه ، وهو
فى النزع ، وكان قد أتى عليه خمس وتسعون سنة .
(١) وفى نسخة أخرى (( أخبر نا)).
(٢) قبح ونقص.
(٣) ومن كلامه: مفاوز الدنيا تقطع بالأقدام ومفاوز الآخرة بالقلوب . وقال: العقلاء ثلاثة: من ترك الدنيا قبل أن
تبر كه، وهيأ قبره قبل أن يدخله . وأرضى خالقه قبل أن يلقاه .
(٤) قوة البذل المال والجاه والعلم. وصفه بعضهم فقال: ولى عارف، مخى لبذل التالد والطارف، أيس من الفضول،
فأونس بالوصول، كان يجلب القلوب بوعظه، وينير الدرر برقيق لفظه، مارآه فقيه جاحد، أو مكابر منتقد. إلا اعرف،
ووقف على شاطئ التسليم ، وربما أغرف .

٧٢
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
فسآله بعض اصحابه عن مسألة ؛ فدمعت عيناه ، وقال :
مانى ، باب كنت أدقه منذ خمس وتسعين سنة ، وهو ذا يفتح لى الساعة
لا أدرى أبا لسعادة يفتح أم بالشقاوة ؟ أنى لى أوان الجواب ؟ .
قال : وكان عليه سبعمائة دينار ، وغرماؤه عنده ، فنظر إليهم . وقال :
اللهم إنك جعلت الرهون وثيقة لأرباب الأموال ، وأنت تأخذ عنهم وثيقتهم
فأدَّ عنى .
قال : فدق داق الباب وقال : أين غرماء أحمد ؟ فقضى عنه .
ثم خرجت روحه . ومات ، رحمه الله، سنة أربعين ومائتين .
وقال أحمد بن خضرويه : لا نوم أثقل من الغفلة ، ولارق آملك من الشهوة ،
ولولا ثقل الغفلة عليك لما ظفرت بك الشهوة (١) .
أبو الحسين أحمد بن أبى الحوارى(٢)
من أهل دمشق ، صحب أبا سليمان الدارانى وغيره ، مات سنة ، ثلاثين
ومائتين . وكان الجنيد يقول : أحمد بن أبى الحوارى : ريحانة الشام .
سمعت الشيخ آبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت أبا أحمد الحافظ يقول :
سمعت سعيد بن عبد العزيز الحلبى يقول : سمعت أحمد ابن أبى الحوارى يقول :
من نظر إلى الدنيا نظر إرادة وحب لها أخرج الله نور اليقين والزهد من قلبه .
وبهذا الإسناد يقول: من عمل عملا بلا اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فباطل
عمله .
وبهذا الإسناد قال أحمد بن أبى الحوارى :
أفضل البكاء : بكاء العبد على ما فاته من أوقاته على غير الموافقة (٣).
وقال أحمد : ما ابتلى الله عبدأ بشىء أشد من الغفلة والقسوة .
(١) وقال: أفضل الأعمال رعاية السر عن الالتفات إلى شىء غير الله ..
وقال : القلوب أوعية فاذا امتلأت من الحق فاضت زيادة أنوارها على الجوارح .
وقال : الصبر راد المضطرين ، والرضا درجة العارفين .
وقال: حقيقة المحبة معرفته تعالى بالقلب، وذكره باللسان . مع الحضور والاحترام ، ورفع الهمة عن كل ماسواه .
(٢) يروى أنه طلب العلم ثلاثين سنة، فلما بلغ، حمل كتبه إلى البحر فأغرقها، وقال : ياعلم، لم افعل بك هذا هواناً
بك ولا استخفافاً بحقك، بل كنت اطلب لأهتدى بك إلى ربي والآن استغليت عنك .
ومن حكمه: ((لا دليل على اللّه سواه)) و((إذا حدثتك نفسك بترك الدنيا عند إدبارها فهو خدمة، وإذا حدثتك بير كها عند
إقبالها فذاك » .
(٣) أى لما جاءت به السنة .

٧٣
( أبو حفص عمر بن مسلمة الحداد )
أبو حفص عمر بن مسلمة الحداد
من قرية بقال لها: ((كورداباذ)) على باب مدينة نيسابور، على طريق ((((خارى)).
كان أحد الأئمة والسادة (١) . مات سنة نيف وستين ومائتين.
قال أبوحفص: المعاصى ىربد (٢) الكفر ، كما أن الحمى يريد الموت .
وقال أبوحفص : إذا رأيت المربد يحب السماع فاعلم أن فيه بقية من البطالة .
وقال : حسن أدب الظاهر عنوان حسن أدب الباطن .
وقال : الفتوة : أداء الإنصاف، وترك مطالبة الإنصاف (٣) .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أباالحسن محمد بن موسى يقول : سمعت
أباعلى الثقفى يقول : كان أبوحفص ، بقول : من لم يزن أفعاله وأحواله فى كل
وقت بالكتاب والسنة ، ولم بتهم خواطره ، فلا نعده فى ديوان الرجال (٤).
أبو تراب عسكر بن حصين النخشبى
صحب حاتما الأصم ، وأبا حاتم العطار المصرى .
مات سنة : خمس وأربعين ومائتين(٥) .
قيل : مات بالبادية نهسته (٦) السباع
(١) هو أول من أظهر طريقة التصوف بنسابور. صحب ابن خضروده والأبوردى وكان حداداً لا غلامه ينفخ
غاب فكره فى - كر محبوبه فقى عن الحس البشرى ونسى أن يخرج الحديد من الكير بالآله فأخرحه بده، فصاح العلام: الحديد
فى تلك بلا آله . مرماه به، وخرح ماتحاً فى البريه وهو يقول : شرط المحبة السير والكتمان لا الاقتصاح والإعلان.
ومن كلامه: الزاهد حقاً لا يذم الدنيا ولا بمدحها ولا بنظر إليها. ولا بفرح ها إذا أقبلت ولا حزن علها إدا أديرت
((وسئل عن الموبه، فقال: لبس للعبد من الموبة شى"، لأن التوبة إليه، لا منه))
(٣) أى لا يطلب النصفة من أحد فاد طلبها دليل على مصيره.
(٢) أى رساء ومقدماته.
(٤) أى الذين قال الله فيهم: ((رجال صدقوا ماعاهدوا الله علبه)).
(٥) تفقه على مذهب الإمام الشافعى، وأخذ عنه الإمام أحمد بن حنبل، ومن حكمه: الناس بحدود ثلاثة والبست لهم:
النفس والروح، وهمالله. والمال وهو الورثة: ويطلبون أثنين ولا يجدونها: الفرح والراحه وهما فى الحمة.
(٦) أخذت لحمه بمقدم أسنانها .

٧٤
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
وقال ابن الجلاء : صحبت ستمائة شيخ ، ما لقيت فيهم مثل أربعة : أولهم :
أبو تراب النخشى .
1
قال أبو تراب : الفقير قوته : ما وجده ، ولباسه : ما ستره ، ومسكنه : حيث
نزل .
وقال أبو تراب : إذا صدق العبد فى العمل وجد حلاوته قبل أن يعمله ، فاذا
أخلص فيه وجد حلاوته ولذته وقت مباشرة الفعل .
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت جدّى
إسماعيل بن نجيد يقول : كان أبو تراب النخشى إذا رأى من أصحابه ما يكره زاد
فى اجتهاده وجدد توبته ويقول :
مشؤمى دفعوا إلى ما دفعوا إليه، لأن الله عز وجل يقول: ((إن الله لا يغير ما بقوم
حتى يغيروا ما بأنفسهم)) قال: وسمعته يقول أيضاً لأصحابه : من لبس منكم مرقعة
فقدسأل ، ومن قعد فى خانقاه أو مسجد فقد سأل ، ومن قرأ القرآن من مصحف ،
أو كيما سمع الناس فقد سأل .
قال : وسمعته بقول : "كان أبو تراب يقول: بينى وبين اللّه عهد أن لا أمد يدى
إلى حرام إلا قصرت بدى عنه .
ونظر أبو تراب يوماً إلى صوفى من تلامذته قد مديده إلى قشر بطيخ ، وقد
طوى ثلاثة أيام ، فقال له أبو تراب :
تمد يدك إلى قشر البطيخ ؟ أنت لا يصلح لك التصوف ، إلزم السوق .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا العباس البغدادى يقول :
سمعت أبا عبد الله الفارسى يقول: سمعت أبا الحسين الرازى يقول: سمعت
يوسف ابن الحسين يقول : سمعت أبا تراب النخشى بقول :
ما تمنت نفسى على شيئاً قط(١)، إلا مرة واحدة: تمنت على خبزاً وبيضاً، وأنا
فى سفرى ، فعدلت عن الطريق إلى قرية ، فوثب رجل وتعلق بى وقال : كان هذا
مع اللصوص ، فبطحونى وضربونى سبعين خشبة . قال : فوقف علينا رجل صوفى،
(١) أى منذ أخذ فى الرياضة.

٧٥
( أبو محمد عبد الله بن حبيق )
فصرخ وقال : وبحكم هذا أبو تراب النخشى ، فخلونى واعتذروا إلى وادخلى
الرجل منزله ، وقدم إلى خبزاً وبيضاً ، فقلت (١): كلها بعد سبعين جلدة :
وحكى ابن الجلاء قال : دخل أبو تراب مكة طيب النفس ، فقلت : ابن اكلت
أيها الأستاذ؟ فقال : أكلة بالبصرة ، وأكلة بالنباج ، وأكلة هاهنا .
أبو محمد عبد الله بن خبيق
من زهاد المتصوفة ، صحب يوسف بن أسباط .
كان كوفى الأصل . ولكنه سكن أنطاكية .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا الفرج الورثانى بقول: سمعت أبا الأزهر
الميافارقينى يقول : سمعت فتح بن شخرف بقول : حدثنى عبد الله بن خبيق أول
ما لقيته فقال لى :
يا خراسانى ، إنما هى أربع لاغير : عينك ، ولسانك ، وقلبك ، وهواك ..
فانظر عينك لا تنظر بها إلى ما لا يحل ، وانظر لسانك ، لاتقل به شيئاً بعلم الله تعالى
خلافه من قلبك ؛ وانظر قلبك ، لا يكن فيه غل ولاحقد على أحد من المسلمين ،
وانظر هواك لانهوى به شيئاً من الشر ، فاذا لم يكن فيك هذه الأربع من الخصال ،
فاجعل الرماد على رأسك ؛ فقد شقيت .
وقال ابن خبيق : لا تغتم إلا من شىء يضرك غداً ، ولا تفرح إلا شىء سرك
غداً .
وقال ابن خبيق : وحشة العباد عن الحق ، أوحشت منهم القلوب ، ولو أنهم
أنسوا بربهم لأنس بهم كل أحد .
وقال : أنفع الخوف ماحجزك عن المعاصى ، وآطال منك الحزن على مافاتك ،
وألزمك الفكرة فى بقية عمرك . وأنفع الرجاء : ما سهل عليك العمل .
وقال : طول الاستماع إلى الباطل يطفى ء حلاوة الطاعة من القلب .
(١) أي فى نفسى لنفسى.

٧٦
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
أبو على أحمد بن عاصم الأنطاكى
من أقران بشر بن الحارث ، والسرى السقطى ، والحارث المحاسبى .
وكان أبو سليمان الدارانى بسميه : جاسوس القلب ؛ لحدة فراسته .
وقال أحمد بن عاصم: إذا طلب صلاح قلبك فاستعن عليه بحفظ لسانك (١).
وقال أحمد بن عاصم: قال الله تعالى ((إنما أموالكم وأولادكم فتنة)) ونحن
نستزبد من الفتنة (٢) .
أبو السرى منصور بن عمار (٣)
من أهل مرو، من قرية يقال لها. ((يرانقان)).
وقيل إنه من (( بوشنج)) أقام بالبصرة : وكان من الواعظين الأكابر.
وقال منصور بن عمار : من جزع من مصائب الدنيا تحولت مصيبته فى دينه .
وقال منصور بن عمار : أحسن لباس العبد : التواضع ، والانكسار ، وأحسن
لباس العارفين: التقوى، قال الله تعالى: ((ولباس التقوى ذلك خير)).
وقيل: إن سبب توبته أنه وجد فى الطريق رقعة مكتوباً عليها (( بسم الله الرحمن
الرحيم ))، فرفعها ، فلم يجد لها موضعاً(٤) فأكلها ، فرأى فى المنام كأن قائلا قال له :
فتح الله عليك باب الحكمة ؛ باحترامك لتلك الرقعة .
(١) إنما خص اللسان بالذكر لعظم جرائمه التى تؤثر فى القلب ظلمة زائدة، فعلى العاقل أن يشغل لسانه بالذكر والنلاوة،
ليتنور قلبه .
(٢) ومن كلامه: ((أحذر الغيبة كما تحذر عظيم البلاء: فانها إذا ثبتت فى القلب أنها أخواتها من النميمة والبغى وسوء
الظن والبهتان. وهى جانبة للإيمان)).
((كفى بالعبد عاراً أن يدعى دعوة لا يحققها بفعله، أو يجعل لغير ربه من قلبه نصيباً أو يستوحش مع ذكره ))
((من كان باللّه أعرف، كان منه أخوف)).
وكان ، رضى الله عنه ، من المحدثين .
(٣) وبسمى (المرزوى)) . ات ببغداد سنة خمس وعشرين ومائتين.
كتب إليه بشر المريسى : ماقولك فى القرآن ، أمخلوق أم لا ؟
فكتب إليه : أما بعد ، عافانا الله وإياك من كل فتنة، فان يفعل فأعظم بها من نعمة، وإلا فهو الهلكة . أعلم أن الكلام فى القرآن
بدعة اشترك فيها السائل والمجيب، فتعاطى السائل ماليس له، وتكلف المجيب ماليس له، والله تعالى الخالق؛ ومادون الله مخلوق،
و القرآن كلام الله، والته إلى أسمائه التي سماه الله بها تكن من المهتدين ؛ ولا تبتدع فى القرآن من قبلك اسماً تكن من الغالين
((وذر الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ماكانوا يعملون))
(٤) أى يلمبق بها .

٧٧
( أبو صالح خمدون بن أحمد بن عمار القصار )
سمعت الشيخ أنا عبدالرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا بكر
الرازى يقول : سمعت أبا العباس القاص بقول : سمعت أبا الحسن الشعرانى تقول :
رأيت منصور بن عمار فى المنام ، فقلت له : ما فعل اللّه بك ؟
فقال قال لى : أنت منصور بن عمار ؟ فقلت : بلى يارب ،
قال : أنت الذى كنت تزهد الناس فى الدنيا وترغب فيها ؟
قلت: قد كان ذلك يارب ، ولكنى ما اتخذت مجلساً إلا بدأت بالثناء عليك
وثنيت بالصلاة على نبيك ؛ صلى الله عليه وسلم ، وثلثت بالنصيحة لعبادك.
فقال : صدق ، ضعوا له كرسياً ، بمجدنى فى سمائى بين ملائكتى ، كما كان
مجدنی فی أرضی بین عبادی(١) .
أبو صالح حمدون بن أحمد بن عمارة القصار
نيسابورى ، منه انتشر مذهب الملامتية (٢) بنيسابور.
صحب سلما (٣) الباروسى ، وأبا تراب النخشبى.
مات : سنة إحدى وسبعين ومائتين .
سئل حمدون : متى يجوز للرجل أن يتكلم على الناس (٤) ؟
(١) قال العروسى: هذه القصة تشير إلى أن العبرة بما سبق من العناية، وإن ظهر خلاف طريق الهداية، لتحقق فائد
الرجاء والأمل، لكل من عمل ومن لم يعمل، وذلك بواسطة فيوضات الكرم ، من خزائن ولى النعم - ومع هذا فعلى المكلف دوام
الأمتثال ، وتفويض القبول لرب الأفضال ، فلا يغتر الإنسان بكثرة العبادات ، ولا يقنط بكبير المخالفات لثبوت الجهل بما علمه
العليم مما قضاه بحكمه القديم ، فيلزم أن يكون عمله بين الرجاء والخوف، ولا يضيع وقته مابين عسى وسوف ، حيث ذلك من علامة
الخذلان ، القائد إلى دركات النيران ، هذا ماتحرر فى أحكام الشريعة ، والمعول عليه فى أصول الحقيقة .
(٢) الملامية : هم الذين يسترون صلاحهم بأمور تتداولها العوام ليست بمخالفات ولا معاص مبالغة فى الخفاء عن الشهرة؛
ويعقب الإمام العروسى على هذا المذهب بقوله: ((ولكن طريق الاتباع أكمل، والله سبحانه بعبادة أعلم)) وقد أفرد السهروردى
فصلا فى عوارفه لبيان أحوالهم والحديث عنهم .
(٣) وفى نسخة أخرى (( سالما))
(٤) أى يعظمهم .
ومن كلامه: (( لا يجزع من المصيبة إلا من اتهم ربه))، ((لا أحد أدون ممن يتزين إلى دار فانية، ويتذلل إلى من لا يملك له
ضرا ولا نفعاً))، ((إنما كان كلام السلف أنفع من كلامنا لأنهم تكلموا لعز الإسلام، ونجاة النفوس، ورضا الرحمن، ونحن
نتكلم لعز النفوس، وطلب الدنيا، ورضا الخلق))، ( إذا اجتمع إبليس وجنوده لم يفرحوا كفرحهم بثلاثة: مؤمن قتل مؤمنا،
ورجل يموت كافرا، وقلب فيه خوف الفقر)، (إذا استطعت أن تصبح مفوضا لا مدبرا فافعل)، ( من شغله طلب الدنيا
عن الآخره ؛ ذل فى الدنيا والآخرة ) .
مات رحمه الله سنة إحدى وسبعين ومائتين، ودفن بنيسابور، وقد أسند الحديث عن جماعة من الأعيان ، وزوى عنه آخرون .

٧٨
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام الفشيرى )
فقال : إذا تعين عليه أداء فرض من فرائض الله تعالى فى علمه ، أوخاف هلاك
إنسان فى بدعة ، وهو يرجو أن ينجيه اللّه تعالى منها (١).
وقال : من ظن أن نفسه خير من نفس فرعون (٢) ، فقد أظهر الكبر .
وقال : منذ علمت أن للسلطان فراسة فى الأشرار ، ماخرج خوف السلطان
من قلبى .
وقال: إذا رأيت سكراناً فتمايل؛ لئلا تبغى عليه، فتبتلى بمثل ذلك (٣).
وقال عبد الله بن منازل : قلت لأبى صالح : أوصنى .
فقال: ((إن استطعت أن لا تغضب لشىء من الدنيا، فافعل)).
ومات صديق له ، وهو عند رأسه ، فلما مات أطفأحمدون السراج . فقالوا له :
فى مثل هذا الوقت يزاد فى السراج الدهن .
فقال لهم : إلى هذا الوقت كان الدهن له ، ومن هذا الوقت صار الدهن للورثة .
وقال حمدون : من نظر فى سير السلف عرف تقصيره وتخلفه عن درك درجات
الرجال .
وقال : لاتفش على أحد ما تحب أن يكون مستوراً منك .
أبو القاسم الجنيد بن محمد
سيد هذه الطائفة وإمامهم (٤).
أصله من نهاوند. ومنشؤه ومولده بالعراق . وأبوه كان يبيع الزجاج ؛ فلذلك
يقال له: ((القواريرى)).
(١) هذا إذا سلم حال تكلمه من الكبر والعجب والرياء، ونحوها من الآفات .. كما قال الأنصارى فى شرحه.
(٢) أى: فى الآخرة، لأنه لا يدرى بم يختم له، أما الحكم فى الحال بأن المؤمن خير من الكافر لا كبر فبه.
(٣) المراد ترك الكبر على العصاة، ورحمتهم، وصدور الموعظة لهم على وجه الرفق بهم والخوف عليهم.
(٤) قال ابن عربى فى الفتوحات : هو سيد أهل الطائفة، كان من الفقهاء المتعبدين على مذهب الشافعية وتفقه على أبى ثور.
توفى ببغداد سنة ٢٩٨ هـ، وكان الكتبة يحضرون مجلسه لألفاظه، والفقهاء لتقريره، والفلا سفة لدقة نظره ومعانيه .
والمتكلمون لتحقيقه ، والصوفية لإشاراته وحقائقه .
ومن حكمه : الإخلاص سربين العبد وربه لا يعمله ملك فيكتبه ولاشيطان فيفسده ولا هوى فيهلكه . وقال : بنى الطريق
على أربع : لا تتكلم إلا عن وجود ، ولا تأكل إلا عن فافة، ولا تتم إلا عن غلبة ؛ ولا تسكت إلا عن خشية.

٧٩
( أبو القاسم الجنيد بن محمد )
وكان فقيهاً على مذهب ((أبى ثور)) وكان يفتى فى حلقته بحضرته وهو ابن عشرين
سنة . صحب خاله السرى ، والحارث المحاسبى ، ومحمد بن على القصاب.
مات سنة : سبع وتسعين ومائتين .
سمعت محمد بن الحسين ؛ رحمه الله، يقول: سمعت محمد بن الحسين البغدادى
يقول : سمعت الفراغانى يقول : سمعت الجنيد ؛ وقد سئل : من العارف ؟
قال : من نطق عن سرك (١) وأنت ساكت .
سمعت أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت محمد بن عبد الله
الرازى يقول : سمعت أبا محمد الجريرى يقول : سمعت الجنيد بقول :
ما أخذنا التصوف عن القيل والقال ، لكن عن الجوع ؛ وترك الدنيا ، وقطع
المألوفات والمستحسنات .
سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله يقول : سمعت أبا بكر الرازى يقول :
سمعت أبا محمد الجريرى يقول : سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا نصر
الأصهانى بقول : سمعت أبا على الروذبارى يقول: سمعت الجنيد يقول لرجل ذكر
المعرفة وقال :
أهل المعرفة بالله : يصلون إلى ترك الحركات (٢) من باب البر والتقرب إلى الله
عز وجل .
فقال الجنيد : إن هذا قول قوم تكلموا باسقاط الأعمال ، وهو عندى عظيمة ،
والذى سرق ويزنى أحسن حالا من الذى يقول هذا فان العارفين بالله تعالى أخذوا
الأعمال عن الله تعالى، وإليه رجعوا فيها، ولو بقيت ألف عام لم آنقص من عمال البر
ذرة إلا أن بحال بى دونها .
وقال الجنيد : إن أمكنك أن لاتكون آلة بيتك إلا خزفاً ، فافعل .
وقال الجنيد : الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرسول
عليه الصلاة والسلام .
(١) وفى نسخة أخرى: بسرك.
(٢) أى الأعمال .

٨٠
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت منصور بن عبد الله
يقول : سمعت أبا عمر الأنماطى يقول : سمعت الجنيد يقول :
لو أقبل صادق على الله ألف ألف سنة ، ثم أعرض عنه لحظة؛ كان ما فاته
أكبر مما ناله .
وقال الجنيد : من لم يحفظ القرآن ، ولم يكتب الحديث لايقتدى به فى هذا
الأمر (١) ، لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا نصر الأصبهانى يقول : سمعت أبا على
الروذبارى يقول عن الجنيد : مذهبنا هذا : مقيد بأصول الكتاب والسنة .
وقال الجنيد : علمنا هذا مشيد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
أنبأنا محمد بن الحسين رحمه الله ، قال : سمعت أبا الحسين بن فارس يقول :
سمعت أبا الحسن على بن إبراهيم الحداد بقول: حضرت مجلس القاضى (٢) أبى
العباس بن شريح ، فتكلم فى الفروع والأصول بكلام حسن عجبت منه ، فلما رأى
إعجابى قال :
أتدرى من أن هذا ؟
قلت : بقول به القاضى .
فقال : هذا بركة مجالسة أبى القاسم الجنيد .
وقيل للجنيد : من أبن استفدت هذا العلم ؟
فقال : من جلوسى بين بدى اللّه ثلاثين سنة تحت تلك الدرجة . وأومأ إلى
درجة فى داره .
سمعت الأستاذ أنا على الدقاق ، رحمه الله ، يحكى ذلك ، وسمعته يقول :
رأى فى بده سبحة ، فقيل له : أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة ؟
(١) أى التصوف .
(٢) فى نسخة بدون ذكر (القاضى )

٨١
( أبو عثمان سعيد بن اسماعيل الجبرى )
فقال : طريق به وصلت إلى ربى لا افارته .
سمعت الأستاذ أبا على ، رحمه الله ، يقول :
كان الجنيد يدخل كل يوم حانوته ، ويسبل الستر ، ويصلى أربعمائة ركعة ،
تم بعود إلى بيته .
وقال أبو بكر العطوى :
كنت عند الجنيد حين مات ، فرأيته ختم القرآن ... ثم ابتدأ من البقرة ...
وقرآ سعين آية تم مات رحمه الله(١).
أبو عثمان سعيد بن اسماعيل الجبرى
المقيم نيسابور. وكان من ((الرى)) صحب شاه الكرمانى ، ويحيى بن معاذ
الرازى . تم ورد نيسابور ، مع شاه الكرمانى ؛ على (٢) أبى حفص الحداد وأقام
عنده ، وتخرج به ، وزوجه أبوحفص ابنته .
مات سنة تمان وتسعين ومائتين ، وعاش بعد أبى حفص نيفا وثلاثين سنة .
سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا عمرو بن حمدان
يقول : سمعت أبا عثمان يقول : لا بكمل إيمان الرجل حتى يستوى فى قلبه أربعة أشياء:
المنع ، والإعطاء ، والعز ، والذل .
سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت عبد الرحمن بن عبد الله
يقول : سمعت بعض أصحاب أبى عثمان يقول : سمعت أما عنمان يقول .. صحبت
أبا حفص مدة ، وأنا شاب ، فطردنى مرة ، وقال : لاتجلس عندى .
(١) ومن أقواله :
(( لا يسمى عبد عاقلا حتى لا يظهر على جوارحه شىّ ذمه ربه)) ..
(( بنى الطريق على أربع: لا تتكلم إلا عن وجود، ولا تأكل إلا عن فاقة، ولا تنم إلا عن غلبة، ولا تسكت إلا عن خشية)).
(( صفاء القلوب على حسب صفاء الذكر وخلوصه من الشوائب» .
((يجعل أحدهم بينه وبين قلبه محلاة من الطعام، ويريد أن يجد حلاوة المناجاة )).
((طريق التصوف عنوة لا صلح فيها)).
(( لا يصفو قلب لعمل الآخرة، إلا إذا تجرد من حب الدنيا)).
(٢) أى: وقرأ على أبي حفص .

٨٣
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية الامام القشيرى )
فقمت ، ولم اوله ظهرى، وانصرفت إلى ورائى، ووجهى إلى وجهه .. حتى
عن عينيه(١)، وجعلت على نفسى: أن أحفر على بابه حفرة لا أخرج منها إلا بأمره .
فلما رأى ذلك أدنانى، وجعلنى من خواص أصحابه .
قال : وكان يقال فى الدنيا ثلاثة لا رابع لهم :
أبو عثمان : بنيسابور ، والجنيد ببغداد ، وأبو عبد الله بن الجلاء بالشام.
وقال أبوعتمان: منذ أربعين سنة ما أقامنى الله تعالى فى حال فكرهته، ولانقلنى
إلى غيره فسخطته .
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت عبد الله بن
محمد الشعرانى يقول : سمعت أبا عنمان يقول ذلك .
ولما تغير على آبى عنمان الحال (٢) مزق ابنه أبو بكر قميصاً على نفسه ، ففتح
أبو عتمان عينيه وقال: خلاف (٣) السنة يابنى فى الطاهر ، علامة رياء فى الباطن.
سمعت محمد بن الحسين ، يقول : سمعت محمد بن أحمد الملامتى يقول :
سمعت أما الحسين الوراق يقول : سمعت آبا عتمان يقول :
الصحبة مع الله : بحسن الأدب ؛ ودوام الهيبة ، والمراقبة .
والصحبة مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم باتباع سنته ، ولزوم ظاهر العلم .
والصحبة مع أولياء الله تعالى بالاحترام والخدمة .
والصحبة مع الأهل : بحسن الخلق .
والصحبة مع الاخوان : بدوام البشر ما لم يكن إنما .
والصحبة مع الجهال : بالدعاء لهم والرحمة عليهم .
(١) وفى نسخة أخرى ((عنه))
(٢) أى حينما غشى عليه فى مرضه .
(٣) أى مافعله ابنه من إظهار الحزن والألم عليه حتى لا يذم بترك الحنو على والده. إذا لم يراقب الله فى أمره ونهيه عند
نزول المصائب .