النص المفهرس

صفحات 1-20

مـ
التراث والعلوم الإسلامية لكل الشعب
الرسالة القشيرية
(للإمام أبو القاسم القشيرى)
النيسابورى الشافعى المتوفى سنة ٤٦٥ هجرية
سيرة ذاتية ومنهاج
ومفاهيم صوفية
لأقطاب التصوف الإسلامى
تحميوع:
العارف بالله الامام عبد الحليم محمود
والدكتور محمود بن الشريف
١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م
مَطابع مؤسسة دار الشعب - للصحافة والطباعة والنشرُ
٩١ شارع قصر العيـنى-القاهرة ت: ٣٥٥١٨١٠ - ٣٥٥١٨١٨ - ٣٥٤٣٨٠٠

الغلاف تصميم :
حسن أحمد خليل
الأعداد الفنى :
أنور عبد الدايم

يتسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للهرب العالمين والصلاة والسلام على أفضل مخلوق وخير مبعوث ،
وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هديه إلى يوم الدين .
( ربنا آتنا من لدنك رحمة ؛ وهىء لنا من أمرنا رشدا )

٤
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
من
مراثنا
الروحى
الرسَالة القشيرية
التدين فى أسمى صوره .. والايمان فى
إيجابيته .. والاحسان فى المادة والعبادة ،
والتصوف ، كل هذه المفاهيم بمعنى واحد ،
تتكتل وتتجمع تحت ظلال كلمة واحدة .. كلمة
((الاسلام)) وكل هذه المسميات روافد فرعية
تتلاقى عند النبع الاصيل عند الشريعة الاسلامية
فى روحانيتها وسماحتها وفى اشراقها وشفافيتها.
ولقد وقر فى بعض الاذهان أن التصوف يباين
التدين أو يغاير الاسلام ، وان له مفهوما سلبيا
يدعو الى الركون والركود والخمود والخمول ،
ويهدف الى العزلة والعكوف والانطواء أو أنه
دروشة وبهدلة ومظاهر تنفر منها الأذواق وتنبو
عنها العيون وتعزف عنها النفس الابية .
وتبللت الفكرة فى أذهان الكثيرين عن
التصوف وحقيقته وطقوسه ورسومه فحملوا على
التصوف وعلى رجاله مدعين أن هذا الأمر
مستحدث فى الدين وان الشرع يعارضه
ولا يعاضده ، ومن جهل أمرا عاداه ، فلا جرم
ان كانت بين هؤلاء وبين أهل التصوف جفوة
أو فجوة .
ولو تانى هؤلاء المتسرعون فى أحكامهم على
التصوف ، ولو تزود خصوم التصوف بالاطلاع
على أمهات كتب التصوف التى أرخت لرواده
وتحدثت عن خطوطه واتجاهاته لوجدوا انهم
متحاملون عليه وأنهم قد تسرعوا فى الحكم من
غير أن يتسلحوا بالبرهان .
ومن أمهات الكتاب التى جلت مفهوم التصوف
وفصلت فى قضيته فى حسم وحزم كتاب
(( الرسالة القشيرية» للإمام أبى القاسم
عبد الكريم القشيرى من علماء القرن الخامس
الهجرى .
وفى أوائل ذلك القرن رأى الامام القشيرى
مناحى تنبعث منها روائح الانحراف الدبنى
ونواحى تخالف التعاليم الاصيلة وتجافى السلوك
الاسلامى ونتنافى مع روح الدين وسماحته .
رأى تعاليم الدين تنتهك باسم التصوف ..
ورأى سفارات تزيف وقيما تغير ومعايير يتجه
بها فى غير اتجاهها .. راى كل ذلك برتكب باسم
التصوف .. رأى أهل القشور المظهرية ، ورأى
أهل المغالاة والشطط ، ورأى أهل الزيف
والجنوح . رآهم وجلهم يدعون أنهم متصوفة
وبسبيرون تحت لواء التصوف يتشدقون بالحفاظ
عليه ويزعمون أنهم وحدهم هم حفظته وسدنته
ودعاته ورعاته .
وخشى القشيرى أن تمتد أثواب الباطل
فتغطى وجه الحق أو تتبلد سماء الحقيقة بغيوم
الأكاذيب وبسحب الترهات فتحول بين اشراق
الحق أو تحجب نوره ولو الى حين .
وحتى لا تضيع معالم الحق بين متاهات
الباطل ولأجل أن يضع حدا فاصلا بين التصوف
الصرف والتصوف الزائف ، أخرج هذه الرسالة
القشيرية لتكون النبع الصافى الذى يستقى منه
كل دارس للتصوف وكل مستشرق للنور ،
وبرد كل جانح أو جامح الى حظيرة الحق ، ولنبين
المنهج الصوفى الصحيح وأنه هو المنهج الاسلامى
بعينه لا فارق ولا لبس ولا اختلاف وان التصوف

٥
كتاب الشعب ( من تراثنا الروحى - الرسالة القشيرية )
فى صفائه ونقائه هو الايمان المتين المكين فى عنفه
وقوته وإيجابيته .. وهو الاسلام فى سماحته
وسموه .. وهو التدين فى أسمى صوره ، وهو
الارستقراطية الاسلامية على حد تعبير الأستاذ
محقق الرسالة القشيرية الدكتور عبد الحليم
محمود .
ويسوق المؤلف فى كثير من مواضع الكتاب
كثيرا من الأدلة والأفوال يقرن بها تلك القصة
السالفة ويؤكدها ، فهو ينقل عن البزار قوله :
(( من علم طريق الحق سهل عليه أدارته ،
لا دليل على الطريق الى الله الا متابعة رسول الله
صلى الله عليه وسلم فى أحواله وأفعاله وأقواله.
وقد صدر الامام القشيرى رسالته بمقدمة
عرض فيها بايجاز وعمق وتركيز خصائص
التصوف والسـلوك الصوفى ومناخه العقيدى
وتياره التاريخى ثم كشف عن نفسيات المنتفعين
من السوقة المتسربلين برداء التصوف المتسترين
به ليخفوا وراءه نوازعهم الشريرة ومنازعهم
الأئمة .
ثم فضح حال المستهينين بالعبادة المجترئين
على الله الذين تحللوا من تبعات التكاليف بحجة
انهم قد وصلوا وتحرروا .. وكوشعوا بالأسرار
وزالت عنهم أحكام البشرية فلم تبق فيهم بقية
يتعلق بها التكليف لتمام فنائهم حتى صاروا الى
حالة ينتفى فيها العتب وينعدم اللوم على كل
ما يصدر عنهم .
وفى نهاية المقدمة أعرب القشيرى عن
أحاسيسه تجاه هؤلاء الذين حادوا عن السنة
الصوفية وعن المنهج الصوفى وعن يأسه فى أن
يرتدرا الى الجادة . وعن ذلك يقول :
« مضى الشيوخ الذين كان بهم اهتداء وقل
الشباب الذين لهم بسيرتهم وسنتهم اقتداء ،
وزال الورع وطوى بساطه واشتد الطمع وقوى
رباطه ، وارتحل عن القلوب حرمة الشريعة ،
فعدوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة ورفضوا
التمييز بين الحلال والحرام ، واستخفوا بأداء
العبادات واستهانوا بالصوم والصلاة وركضوا فى
ميدان الغفلات وركنوا الى اتباع الشهوات ثم لم
يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الأفعال حتى
ادعوا أنهم تحرروا عن رق الاغلال وانهم قائمون
بالحق تجرى عليهم أحكامه ، وليس لله عليهم
فيما يؤثرونه أو يذرونه عتب ولا لوم ، وانهم
كوشفوا بأسرار الاحدية وزالت عنهم أحكام
البشرية .. تم يقول :
ولما أبى الوقت الا استصعابا أشفقت على
القلوب أن تحسب أن هذا الأمر ((أى الصوفية))
على هذه الجملة (( أى المزاعم والافتراءات )» بنى
فواعده .. فألفت هذه الرسالة .. )).
وفى صدر الرسالة القشيرية باب ارخ
للتصوف وبين مجراه التاريخى فى عهد رسول الله
صلى الله عليه وسلم حتى عهد المؤلف وابان كيف
أطلقت التسمية ((بالصوفية)) وكيف نطورت
خلال المائتى سنة من بدء الهجرة كما ارخ لرواد
التصوف وشيوخه فترجم فى صدق لنيف
وثمانين شخصية صوفية وسجل أحوالهم جميعا
نقل عن أساتذته .
وفى نهاية حديثه عنهم قال : (( هذا هو ذكر
جماعة من شيوخ هذه الطائفة ، وكان الغرض
من ذكرهم فى هذا الموضع التنبيه على أنهم
مجمعون على تعظيم الشريعة ، متصفون بسلوك
طرق الرياضة ، مقيمون على متابعة السنة غير
مخلين بشىء من آداب الديانة متفقون على أن من
خلا من المعاملات والمجاهدات ولم يبد أمره على
أساس الورع والتقوى كان مفتريا على الله سبحانه
وتعالى فيما يدعيه ، مفتونا ، هالكا فى نفسه ،
واهلك من اغتر به ممن ركن الى أباطيله .
وها نحن : أولاء نراه أيضا فى أقواله السالفة
ذلك يعرج على تلك القضية السابقة قضية ان
الدين هو التصوف لا فارق ولا اختلاف ويعرض
بهؤلاء المنحرفين الذبن احدثوا فراغا وهوة بين

٦
كتاب الشعب ( من تراثنا الروحى - الرسالة الفشيرية )
الدين وبين ما زعموه انه تصوف وخلص الى أن
المتصوف هو الورع النقى هو المتمسك بآداب
السنة وتعاليم الديانة .
تم يبسط القول بعد ذلك فى باب خصصه
لتبيان الألفاظ والمصطلحات والتعبيرات التى تدور
فى محيط الصوفيين وكان هدفه من ذلك كما
فال : ونحن نريد بشرح هذه الألفاظ تسهيل
الفهم على من يريد الوقوف على معانيهم من سالكى
طرفهم ومتبعى سنتهم » .
تم يدلف الى مفاهيم التصوف ، التى هى
مفاهيم الاسلام وكلياته فيفسرها ويفصلها بعد
أن يدعمها بآيات من كتاب الله ويطعمها بأحاديث
من هدی رسول الله صلی الله علیه وسلم فیفرد
أبوابا يتحدث فيها عن التوبة والتقوى وعن الورع
والخشوع وعن الصبر والرضا وعن الغيرة
والحرية وعن التوحيد والعبودية وعن الاخلاص
والاستقامة وعن السلوك والاخلاق وغير ذلك من
الكليات التى بلغ تعدادها الخمسين .
وفى باب التصوف تحدث فى مقدمته عن
الصوفية وهل هى اسم أو تقب ، وقال انه ليس
يشهد لهذا الاسم من حيث العربية فياس
ولا استفاق وفند فول من فأل أنه مأخوذ من
الصوف أو من النسبة الى الصفة أو أنه مشتق
من الصفاء ، ثم تحدث عن معنى التصوف واورد
عدة أفوال لعديد من الأئمة ذكر منها دول
الجنيد ، وقد سئل عن التصوف ، فقال هو : ان
یمیتك الحق عنی ویحیبك به وقول « رویم )» هو
استرسال النفس مع الله على ما يريد وفول ذى
النون عن الصوفية : هم قوم اتروا الله على كل
شىء فآترهم الله على كل شىء.
تم أفرد بعد ذلك أبوابا عدة تحدث فيها عن
الولى والولاية - والأولياء وأفاض فى معنى
الولاية كما افاض وافاد وفى عرض ما قيل حول
كرامات الأولياء وعصمتهم والمريدين وآدابهم .
ومؤلف تلك الرسالة هو الامام أبو القاسم
عبد الكريم القشيرى ، عربى من قبيلة ((قشير
أبن كعب » ولد فى نهاية القرن الرابع الهجرى
ببلاد فارس فهو عربى الأصل خرسانى المولد
حاطته مظاهر النعيم منذ صغره الا أنه <ـ
عطف الأب الذى وابنه منيته بعد استهلال و!
هذا ، وكان يتميز بنضج ذهنى يعوف سـ
وبفطرة بقية وعقلية نيرة عربته من أستاذه أبى :
الدقاق وفربت استاذه منه ، واننھی الأمر بالا،
القشيرى ، إلى أن أصبح كما بقول عنه الا
عبد القادر (( امام مطلقا )» المتكلم الأصو
المفسر الأديب النحوى الكاتب الشاعر لسـ
عصره وسيد وفته وكان بعرف الاصول .
مذهب الاشعرى والفروع على مذهب الشافعى
وقد توفى الامام القشيرى بعد أن ترك ذخـ
من تواليف قيمة فى ميدان التفسير والسا
والاخلاق والتوحيد والحديث وقارب ما عر
من كتبه المخطوطة والمطبوعة قرابة ثلاثين كتابا
وقد مات سنة ٤٦٥ هجرية بمدينة نيسا.
ودفن بجوار شيخه أبى على الدقاق .
والرسالة القشيرية طبعات قديمة لم يه
لها اناقة الاخراج ولا جمال المظهر ولا كو
التحقيق ، آخر طبعة حديثة قام بتحفيفها را
من رواد الصوفية فى عصرنا الحالى و:
من اعلامها جمع بين التفافتين الاسلامية والأور!
هو الدكتور عبد الحليم محمود من الذبن عاش
التصوف دراسة وسلوكا ومنهجا وتطبيقا حـ
أطلق عليه لقب ((غزالى مصر)) فاخرج الرسـ
فى طبعة مضبوطة محققة منقحة معهرسة .
وكم نمنينا أن نظهر لهذا السعر القيم طبـ
ميسرة تغرب الكتيرين من أن ينهلوا من هــ
المنهل الاسلامى ويعبوا من هذا النبع الصافى
فيفيدوا بما فى الرسالة من فقه وهدى واسا
وصفاء وصوفية .
وها هى ذى الأمنية قد تحققت بحمدا
فى هذه الطبعة التى هى الآن بين أبدى فرائـ
الأمانل . والله الموفق وهو المعين .
الدكتور محمود بن الشريد
استاذ التصوف والاخلاق بالدراسات العاـ
بكلية الدراسات الإسلامية والعربية - جامع
الأزهر

تقديم
بسم الله الرحمن الرحيم: (( والعصر، إن الإنسان لفي خسر ، إلا الذين آمنوا
وعملوا الصالحات ، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر)).
إن معالم الإيمان ، وسمات التدين ، والفكرة الصحيحة عن الهدف الذى من
أجله خلق الإنسان ، والمنطق السليم فى الصلة بين اللّه والعالم .. إن كل ذلك بكاد
- فى العصر الحاضر - بندرس ويتلاشى .
وإنه لمن المؤكد ، أن الأغلبية العظمى من الناس الآن بسيرون فى الحياة دون
شعور واضح برسالة السماء ، وتوجيهها ، وهديها !! وإنهم بذلك لفى خسر ،
وإنهم بذلك لمن الأشقياء . ومع أن رسالة السماء ، لا تعقيدفيها ، ومع أن هدى الله
سهل واضح ؛ فان الإنسان يحاول - منذ أن كانت الرسالة الإلهية - أن ينشق
عليها ، وأن يقف منها موقف المتمرد .
هذه الرسالة، يمكن تلخيصها فى كلمة: ((الإسلام)) وليس هناك من تعبير
ادق ، ولا أجمل من هذا التعبير ؛ إنه دقيق فى معناه ، جميل فى جرسه .
ورسالة الله إلى الإنسان : هى أن يلقى الإنسان بقياده إلى خالقه، هى أن يسلم
الإنسان نفسه لربه . والمسلم من أسلم لله أمره، إنه الذى يعتنق مبدأ السلام مع الله،
فاذا ما اعتنق مبدأ السلام مع اللّه كان قلبه سلاماً بالنسبة إلى نفسه : أى هدوءاً
واطمئناناً ، وسلاماً بالنسبة إلى اللّه : أى رضاً وغبطة ، وسلاماً بالنسبة إلى الخلق،
فيسلم الخلق - للسلام الذى بعمر قلبه - من لسانه وبده .
فاذا ما: ((اسلم )) الإنسان ، فقد استجاب إلى الدعوة الإلهية.
*
هذه الدعوة التى تتسم بالتوحيد ، والوحدة والوحدانية ، والتى يعبر عنها
بالإسلام : تختلف فى موقفها بالنسبة لتوجيه الإنسان ، بحسب موضوع التوجيه ؛
ذلك أنها توجه الإنسان بالنسبة للطبيعة، للكون المادى للعالم المحس ، وفى
هذا المجال تأمره أمراً ، وتفرض عليه فرضأ ، أن يغزو هذا العالم : فيصل إلى أعمق

٨
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
أعماق الأرض والبحار ، ويرتفع فى الأفق إلى أبعد ما يصل إليه العلم بوسائله وآلاته ،
ويغزو الفضاء فيما بين السماء والأرض ، وتترك له الاختيار فى استخدام الوسائل ،
لذلك : لاحجر عليه فى الحرية ولا تضييق .
وموقف للدين الإسلامى من العلم واضح كل الوضوح ، فأول كلمة فى
الدستور الإسلامى: ((القرآن)) هى: ((إقرأ ... )). ثم إن الآيات القرآنية التى تحث
على المعلم ، وتبين فضل العلماء كثيرة : يقول الله تعالى ، لنبيه ، صلى اللّه عليه
وسلم: ((وقل رب زدنى علماً))، ويقول اللّه تعالى: ( يرفع الله الذين آمنوا منكم
والذين أوتوا العلم درجات ... ) ويقول تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء .. )
أما الأحاديث النبوية : فانها هى الأخرى كثيرة ، من أجمعها : الحديث الذى
رواه أبو داود ، والترمذى ، يقول صلوات الله وسلامه عليه :
(«من سلك طريقاً يبتغى فيه علماً، سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة
لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاء بما يصنع ، وإن العالم ليستغفر له من فى السماوات ،
ومن في الأرض حتى الحيتان فى الماء ، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على
سائر الكواكب ، وإن العلماء ورثة الأنبياء ، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهما
إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر)).
وقد وضح هذا الاتجاه فى القرآن، وفى الأحاديث الشريفة ، وضوحاً بينا ؛
فاندفع: ١الميتلمون: إلى البحث فى جميع ميادين الحياة: روحية كانت أو عقلية
أو مادية . . . ١.
ونشأ عن ذلك : الحضارة الإسلامية التى أنتجت أمثال : جابر بن حيان فى
الكيمياء ، وابن الهيم فى الطبيعيات، وأبى بكر الرازى فى الطب، وابن سينا فى
الطب كذلك والفلسفة ، والغزالى فى الجانب الروحى ، وابن رشد فى الفلسفة ،
العقلية ، وابن خلدون في الاجتماع والتاريخ .. ، وكثيرين غيرهم .
وقد أشاد كثيرون من منصفى الغربيين بالحضارة الإسلامية ومناهجها بقول
(غوستاف لوبون ) :
: ((ويعزى إلى بيكون ، على العموم: أنه أول من أقام التجربة والملاحظة اللتين
هما أساس المناهج العلمية الحديثة، مقام الأستاذ. ولكنه يجب أن نعترف ، قبل
. كل شىء ، بأن ذلك كله من عمل العرب وحدهم .
H

٩
( الوحدة والوحدانية ركائز الحضارة الاسلامية )
ويقول العلامة الشهير: ((همبولد)) بعد أن يذكر أن ما قام على التجربة والملاحظة :
هو أرفع درجة فى العلوم: ((إن العرب ارتقوا فى علومهم إلى هذه الدرجة التى كان
يجهلها القدماء تقريباً)) .
ويتبين لنا من هذا أن الإسلام :
- يحث على العلم ويشجعه ، ويدعو إليه ، ويأمر بالاستزادة منه .
- وأن روح الإسلام هذه أنتجت حضارة خصبة عمت جميع زوايا الحضارة المادية
وجوانبها .
٠
بيد أن: ((إقرأ))، أو الأمر بالعلم والثقافة فى الإسلام قيّد بأن يكون: ((باسم الله))؛
وبذلك ينتفى الإيذاء والضرر فى العلم ، وبذلك أيضاً تفترق حضارة الإسلام فى هذا
الجانب عن الحضارة الغربية، فالحضارة الغربية لم تنشأ: (( باسم الله)) وإنما نشأت: فـ
باسم العلم . ومن أجل ذلك سخرت العلم فى التنكيل، والدمار ، والاستعمار، وإشقاء
الإنسانية ..
1
وحضارة الإسلام نشأت باسم الله ، ولم تنشأ باسم العلم ، ومن أجل ذلك كان
هدف العلم فى الإسلام إرضاء الله وإسعاد الإنسانية . هذا شأن الإسلام بالنسبة للكون
المحس .
على أن:((إقرأ باسم ربك الذي خلق)) حينما تقيّد العلم والثقافة بأن يكونا: باسم الله،
وحينما تصبغ دراسة للكون بصبغة للتوجه إلى الله، فانما تضعنا مباشرة أمام توجيه
إلهى سافر - لا لبس فيه - يرشدنا إلى وجوب إعطاء جميع الأعمال التي نقوم بها ،
صورة للعبادة : ذلك أن ما كان باسم الله ، فهو عبادة .
وإن: ((إقرأ باسم ربك الذي خلق)) تنص على أن القراءة لاتكون : باسم منفعة
شخصية ، ولا باسم مصلحة إقليمية ، ولا باسم غابة مادة أباً کانت ، ولا باسم وزير
ولا أمير ، ولا باسم وطن أو بيئة، وإنما هى : باسم اللّه، وإذا كانت باسم الله ، فانها
تفيد للشخص باعتباره فرداً، وتفيد المجتمع الخاص الذى نسميه: (( وطناً))؛ وتفيد
المجتمع الإسلامى العام ، بل وتفيد الإنسانية جمعاء .

١٠
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
· إذا ما تجردت القراءة للّه تعالى، وكان هدفها الأول والأخير هو: ((الله)):
مصدر الخبر والنور ، كانت : خيراً ، وكانت نوراً فى جميع الأرجاء ، وفى
جميع الأزمان .
وما كان يقصد القرآن قط بهذه الكلمة الأولى ، القراءة وحسب، وإنما كانت
للقراءة رمزاً لكل ما بأتيه الإنسان فى الجانب الإيجابى وكل ما بدعه الإنسان فى
الجانب السلبي .
إن هذه الكلمة الأولى ، تريد أن تقول: اقرأ باسم ربك .. تحرك باسم ربك ،
تكلم باسم ربك ، إعمل باسم ربك ...
أما إذا امتنعت عن حركة أو فعل، فينبغى آن بكون ذلك أيضاً باسم ربك ؛
ويكون معنى الآية فى النهاية : جرد حياتك كلها وكيانك كله : أسباباً وغايات لله
سبحانه وتعالى .
وإذا كانت الآية الكريمة واضحة المعنى فى الجانب الإيجابى ، الذى بحث
على القراءة ، والذى يحث على أن تكون القرّاءة : باسم الله ، فان الجانب السلبى-
قد نزلت فيه - فيما بعد - آيات صريحة الدلالة ، واضحة المعنى ، بقول الله تعالى:
((ولا تأكلوا مما لم بذكر اسم الله عليه، وإنه لفسق)).
وأما ما ذبح على للنصب : فلم يرد به الذابح وجه اللّه تعالى، فهو أيضاً فسق ؛
لأنه لم يذكر اسم الله عليه ؛ فكل ما لم يذكر اسم الله عليه يجب إذن الامتناع عنه .
- أما الإقدام عليه ، فانه فسق يتفاوت فى درجته من الرجس ، زيادة ونقصانا.
وهكذا يضعنا الإسلام منذ ((إقرأ باسم ربك)): أى منذ اللحظة الأولى من
تاريخه ، على قمة الإخلاص ، وعلى قمة الإحسان ، وفى خضم من التقوى، وعلى
السنام من الصدق .
دهما دامت الحياة كلها لله؛ فليس هناك مجال للكذب ، والرياء ، والنفاق،
والخديعة، وإرادة غير الله بالأعمال ..
وإزالة لكل لبس فى هذا الجانب ، وحباً فى ان سير الإنسان فى الحياة على
بينة من أمره - فيهلك من هلك عن بينة؛ ويحيا من حى عن بينة - حدد اللّه،

١١
( الوحدة والوحدانية ركائز الحضارة الاسلامية )
سبحانه وتعالى - تحديداً واضحاً كل الوضوح - الغابة التى خلق الإنسان من أجلها ،
1
يقول سبحانه :
( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) ..
والإسلام يريد بذلك أن تكون حياة الإنسان فى جميع اتجاهاتها ، وفى جميع
جوانبها وزواياها .. حياة الإنسان أسساً وبواعث .. وحياة الإنسان وسائل ومناهج ..
وحياة الإنسان أهدافاً وغابات ... يريد الإسلام أن يكون كل ذلك : عبادة .
وليس ذلك بالأمر المستحيل ؛ فالعمل الواحد يعمله شخص من الأشخاص ،
فيكون عملا دنيوياً ، ويعمله شخص آخر فيكون للعمل دبنياً .
بل إن العمل الواحد يعمله الشخص الواحد فى وقت ما ، فيكون دنيوياً ،
ويعمله هو نفسه فى وقت آخر فيكون عبادة ، وكل ذلك إنما هو بحسب النية ،
بقول صلوات الله وسلامه عليه :
((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ مانوى ؛ فمن كانت هجرته إلى الله
ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها ؛
فهجرته إلى ما هاجر إليه)).
فاذا ما أراد الإنسان بعمله وجه الله كان العمل : عبادة مهما أغرق فى الصورة
الدنيوية ، وأحاديث الرسول صلوات الله وسلامه عليه فى هذا الجانب كثيرة
معروفة .
بيد أن العبادة من ناحية قيمتها الروحية : درجات لا تحصى ؛ إنها قد تكون
شكلا من الأشكال ، مجرد شكل ، لاقيمة لها ؛ ولا وزن فى مقاييس الروح
وموازينها .. وقد تسمو وتسمو ؛ فتصل إلى: ((أن تعبد الله ؛ كأنك تراه ؛ فان
لم تكن تراه ؛ فانه براك)).
ولقد كان الرسول ؛ صلوات الله وسلامه عليه، المثل الأعلى لنا فى أن نعبد الله ؛
كأننا نراه ، أو فى أن نرى الله فى جميع مانأتی وما ندع ؛ فى الكون نذلله ونسخره ،
وفى المجتمع نصلحه ونهذبه .. وفى للعمل نتقنه ونخلص فيه .. وفىالحديث نتحرى
فيه الصدق والأمانة ...

١٢
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
لقد حوّل الرسول، صلوات الله وسلامه عليه. الحياة إلى عادة. فكان
العمل عمادة . وإن من الذنوب ذنوباً لا بكفرها إلا السعى على المعاش. والجهاد
عمادة وإن أفضل الأعمال : الإيمان ، بم الجهاد .
ولقد وصل الأمر به صلوات الله وسلامه عليه: أن جعل الأكل والشرب
والمشى عادة .
وهكذا أصبحت الحياة حركة وسكوناً لله . سبحانه، فأصبحت الحياة كلها
عبادة : ((قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك
أمرت وأنا أول المسلمين».
ولقد وضح هذا الاتجاه منذ اللحظة الأولى للوحى: «إقرأ باسم ربك الذى
خلق)) ثم إن القرآن كله فسره، ووضحته أعمال الرسول، صلوات الله وسلامه
عليه : الحياة عمادة. الأنفاس ، والحركات ، والسكنات والنوم ، واليقظة . الحياة
كلها بل ، والموت عادة .
تلك هى حياة الصوفية ، وذلك هو معنى الدين ؛ وهو معنى الإسلام . وهو
ما أراده الله بصريح آبائه الكريمة وهديه المستقيم .
٠٠٠
إن توضيح هذا ونشره ، والعمل على إحياء معنى للدين ، ونشر الشعور للدبنى ،
وبيان معنى: «الإسلام وقيادة الأمم - من أجل سعادة الإنسانية - لتسلم وجهها
لله ... ذلك هو المهمة الأولى لعلماء الدين: أجل مهمة، وأسمى وظيفة ... إنها
وظيفة الأنبياء والرسل .
ومن أجل ذلك ومساهمة منا فى توضيح الطريق ، نشرنا هذا الكتاب راجين
اللّه، سبحانه . أن يجعل ذلك فى ميزان حسناتنا .
نشريا هذا الكتاب الذى يتحدث عن الصوفية وعن التصوف.
ذلك أن الصوفية هى الطائفة التى تعبد الله - فى كل عصر .. كأنها تراه.
وهى الطائفة التى تحس إحساسا واضحا بالفكرة الدينية فى معناها العميق .
إنهم مثل عليا كأشخاص ، ومثل عليا كمادىء إنهم أمثلة حية لما ينبغى أن
تكون عليه المتدين وهم أمثلة حاولت الكمال فى الاقتداء برسول الله صلى الله عليه
وسلم والتخلق بأخلاق القرآن .

١٣
:( الوحدة والوحدانية وفائز الحضارة الإسلامية) :
١ - وفى نشر هذا الكتاب رسم لفكرة العبودية الصحيحة ، وتوضيح لما ينبغى
أن تكون عليه الصلة بين الإنسان وربه ، وبين الإنسان ومجتمعه .
٣ - ومما لاشك فيه أن كل ما يقرؤه الإنسان يؤثر فيه، ونحن إذن سعداء بالأثر
الجميل الذى سيكون - باذن الله - ثمرة لنشر هذا الكتاب .
٣ - ولقد أحضرنا مخطوطتين الرسالة القشيرية من تونس : إحداهما بخط مشرفى،
والأخرى بخط مغربىّ ، وبسعدنا أن نخرج النص محققاً صحيحاً .
٤ - ولقد ألف الإمام القشيرى، هذا الكتاب تصحيحاً وتوضيحاً للفكرة الصوفية
فى سلامتها ، ونقائها . ونحن سعداء باحياء هذا الكتاب فى هذا العصر الذى
شوهت فيه الفكرة عن التصوف ، وأنكر كثير من الناس - عن جهل ،
أو متعمدين - المثل العليا فى الأخلاق ، والمعاملات، التى دعا إليها الصوفية .
٥ - ولقد كان كثير من الباحثين بتمنون أن يكون هذا الكتاب الذى يعتبر مصدراً
أصيلا من مصادر التصوف - بين أيديهم محققاً مفهرسا وبسعدنا أن نحقق لهم
هذه الرغبة .
ولقد كان من تيسير اللّه، لهذا العمل ، أن هذا الكتاب قد شرحه علم من أعلام
الإسلام ، هو شيخ الإسلام : زكريا الأنصارى ، وكتب علم من اعلام الإسلام ،
هو شيخ الإسلام : السيد مصطفى العروسى ، على الشرح حاشية نفيسة .
وقد استفدنا من الشرح والحاشية واغترفنا من أنوارهما الكثير .
أما مؤلف الكتاب: فانه الإمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيرى
النيسابورى الشافعى (٣٧٦هـ - ٤٦٥هـ).
ولد رضى الله عنه سنة : ست وسبعين وثلمائة، فى شهر ربيع الأول ، فى بلدة
((إستوا)) وكان سكانها من العرب الذين قدموا خراسان.
وهو عربى من قبيلة ((قشير بن كعب)).
تو فى أبوه وهو صغير ، فربى يتيما ، ولكن النجابة ظهرت فيه من صغره ؛
فتتقف بالأدب والعربية . ولكنه لم يكن بعلم الحساب فذهب إلى ((نيسابور)) ليتعلم
طرفاً من الحساب ، حتى بتمكن من إدارة قرية له باستوا .

١٤
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى)
وأرادت المقادير ، ان يحضر درس أبى على الدقاق ، فيرى إخلاصا ويرى
تقوى . ويرى نورا ترتسم على وجهه ، ويشرق من كلماته فينير قلوب السامعين ،
وبجذبهم إلى الله . وكانت فطرة القشيرى النقية على استعداد تام اسلوك الطريق ،
ورأى الإمام ابو على الدقاق فيه النجابة ، فقبله فى زمرة مريديه ، ثم اصطفاه فى
زمرة أخصائه ، وزوجه ابنته ؛ مع كرة أقاربها .
وانتهى الأمر بالقشيرى إلى أن اصبح - كما يقول عنه الإمام عبد الغافر -
((الإمام مطلقا، الفقيه، المتكلم، الأصولى، المفسر، الأدب. النحوى ،
الكاتب الشاعر ، لسان عصره وسيد وقته، وسر اللّه بين خلقه . مدار الحقيقة،
وعين السعادة ، وقطب السيادة، من جمع بين الشريعة والحقيقة، كان يعرف
الأصول على مذهب الأشعرى والفروع على مذهب الشافعى .. ».
ولقد ترجم له صاحب كتاب: ((دمية القصر)» ابو الحسن الباخرزى فقال:
٨ جامع لأنواع المحاسن تنقاد له صعابها ذلل المراسن ، فلو فرع الصخر بصوت
تحذيره لذاب ، ولو ارتبط إبليس فى مجلس تذكيره لتاب ، وله فصل الخطاب
فى فصل المنطق المستطاب ، ماهر فى التكلم على مذهب الأشعرى ، خارج فى
إحاطته بالعلوم عن الحد البشرى ، كلماته للمستفيدين فوائد وفرائد . وأعقاب
منبره العارفين وسائد . ثم إذا عقد بين مشايخ الصوفية حبوته ، ورأوا قربته من
الحق وحظوته : تضاءلوا بين بديه ، وتلاشوا بالإضافة إليه ، وطواهم بساطه فى
حواشيه ، وانقسموا بين النظر والتفكير فيه وله شعر بتوج به رءوس معاليه ، إذا
ختمت به أذناب أماليه ... » .
وقد كتب الإمام القشيرى كثيرا من الكتب منها :
١ - الرسالة القشيرية الى نقدمها اليوم للقراء مغتبطين. كتبها المؤلف فى سنة:
سبع وثلاثين واربعمائة ((إلى جماعة الصوفية بلدان الإسلام)).
كتبها تصحيحاً لاوضاع كثيرة انحرفت، وبيانا لما ينبغى أن يكون عليه
المريد الصادق .
لقد كانت هناك جوانب كثيرة فى الأجواء التى تزعم أنها صوفية قد دب إليها
الفساد، وسلك بعض المدعين مسالك، لاتمت إلى الدبن ولا إلى التصوف بصلة ،

١٥
( الوحدة والوحدانية ركائز الحضارة الاسلامية )
كما هو الشأن دائما فى المدعين المزيفين الذين يوجدون فى كل عصر ، وفى كل
ميدان؛ فأشفق الإمام القشيرى ((على القلوب أن تحسب أن هذا الأمر : (اى امر
التصوف ) على هذه الجملة قد بنى قواعده ، وعلى هذا النحو سار سلفه)).
وقاده هذا الإشفاق إلى أن يكتب هذه الرسالة ، مبيناً فيها جانبين :
الجانب الأول : سيرة رجال التصوف وبعض أقوالهم ، وذكر فى هذا الجانب
كثيراً من أعلام الصوفية ، كنماذج ، سير المريد على هديهم .
أما الجانب الثانى: فانه مبادىء السلوك ومناهجه ... أوكما يقول هو بأسلوبه :
((ذكرت فيها بعض سير شيوخ هذه الطريقة فى : آدابهم ، وأخلاقهم ،
ومعاملاتهم وعقائدهم ، بقلوبهم ، وما أشاروا إليه من مواجيدهم ، وكيفية ترقهم
من بداتهم إلى نهاتهم ؛ لتكون لمريدى هذه الطريقة قوة ، ومنكم لى تتصحيحها
شهادة ، ولى فى نشر هذه الشكوى سلوة، ومن الله الكريم فضلا ومثوىة)).
ولقد كانت هذه الرسالة ، وما تزال ، النبع الصافى الذى ستقى منه كل دارس
للتصوف وكل مستشرف لحياة النور .
تلك هى الرسالة القشيرية : أما كتبه الأخرى فان له : · "
٢ - فى تفسير القرآن: ((لطائف الإشارات)) طبع حديثا .
٣ - وله كتاب ((الفتوى)) التى أوردها السبكى فى الطبقات.
٤ - وله كتاب ((حياة الأرواح والدليل على طريق الصلاح والفلاح)) مخطوط
بالأسكوريال .
٥ - وله كتاب ((المعراج)) فى بانكيبور ، وأخرجه وحققه الدكتور حسن
عبد القادر ، نشر بالقاهرة .
٦ - وله كتاب ((شكاية أهل السنة)) ذكرها السكى فى ((طبقات الشافعية)) كاملة.
٧ - وله كتاب ((الفصول)) وهو مخطوط بالقاهرة.
٨ - وله كتاب ((اللمع)) وهو مخطوط بالقاهرة .
٩ - وله كتاب ((التوحيد النبوى)) وهو مخطوط بالقاهرة.
١٠- وله كتاب (( التيسير فى علم التفسير)) وهو مخطوط فى الهند ، وليدن.

١٦
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
١١- وله كتاب (( ترتيب السلوك)) لم يطبع بعد، وموجود. مخطوط فى الفاتيكان.
١٢- وله كتاب ((التمييز فى علم التذكير)) فى استانبول ، وفارس، والقيروان
والقاهرة .
١٣- وله كتاب ((القصيدة الصوفية)) مخطوط بالقاهرة.
١٤ - وله كتاب ((الأربعين حدثا)) مخطوط فى ليدن .
١٥- وله كتاب ((شرح أسماء الله الحسنى)) مخطوط فى: الموصل، وفارس وتونس،
ودمشق ، وله كتب أخرى .
وقد توفى الإمام القشيرى صبيحة يوم الأحد ، فى السادس عشر من شهر ربيع
الأول عام ٤٦٥ هـ: خمس وستين وأربعمائة مدينة ((نيسانور)) ودفن بجوار
شيخه انى على الدقاق، رحمهما الله رحمة واسعة .
الدكتور عبد الحليم محمود
الدكتور محمود بن الشريف

١٧
رسَالة الإمام القشيرى
إلى جماعة الصوفية ببلدان الإسلام
بسم من الرحمن الرحيم
الحمد لله الذى تفرد بجلال ملكوته(١)، وتوحد بجمال جبروته(٢) وتعزز بعلو
أحديته ، وتقدس بسمو صمديته(٣)، وتكبر فى ذاته عن مضارعة كل نظير (٤) وتنزه
فى صفاته عن كل تناه وقصور ، له الصفات المختصة بحقه(٥)، والآيات الناطقة بأنه
غير مشبه بخلقه .
فسبحانه من عزيز ، لاحد يناله(٦)، ولاعد بحتاله (٧)، ولا أمد (٨) بحصره ،
ولا أحد ينصره ، ولا ولد بشفعه ، ولاعدد يجمعه ، ولامكان مسكه ، ولا زمان
بدرکه ، ولا فهم يقدره ، ولا وهم يصوره .
تعالى عن أن يقال : كيف هو ؟ أو أين هو ؟ أو اكتسب بصنعه الزين (٩)،
أو دفع بفعله النقص والشين ؛ إذ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، ولا تغلبه
حى ، وهو الخبير للقدير .
(١) ملكوته : سلطانه وملكه العظيم .
(٢) جبروته: قهره لغيره أو جبره لكل كسير.
(٣) صمديته : كونه المقصود فى الحوائج على الدوام.
( ٤) مضارعة كل نظير : مشابهة كل شبيه .
(٥) وهى صفات الربوبية التى تميز بها عن خلقه.
(٦) لاحد يتاله : لا حصر يدرك كنهه .
(٧) لاحد يحتاله : لا كثرة تجمعه وتقدر عليه بالاحتيا)).
(٨) أمد : غاية .
(٩) الزين: الكمال والحسن .

١٨
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
أحمده على ما نولى ويصنع، وأشكره على ما يزون ١١) ويدفع(٢)، وأتوكل
عليه وأقنع ، وأرفس ما يعطى ويمنع .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، شهادة موقن بتوحيده، مستجير
سحسن تأبيده .
وأشهد أن سيدنا محمدا عبده المصطفى، وأمينه المجتبى ٢١) ورسوله المبعوث إلى
كافة الورى . على اللّه عليه وعلى آله مصابيح الدجى. وعلى أصحابه مفاتيح
الهدى ، وسلم تسليما كثيرا .
هذه رسالة كتبها الفقير إلى الله تعالى عند الكريم من هوارن القشيرى . إلى
جماعة الصوفية سلدان الإسلام . فى سنة سبع وثلاثين وأربعمائة .
أما بعد :
- رضى اللّه عنكم - فقد جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه، وفضلهم على
الكافة من عباده . بعد رسله وأنبيائه . صلوات الله وسلامه علهم ، وجعل قلوبهم
معادن أسراره ، واختصهم من بين الأمة بطوالع أنواره .
فهم الغياث للخلق ، والدائرون فى عموم أحوالهم مع الحق بالحق .
صفاهم من كدورات (٤) البشرية، ورقاهم إلى محال(٠)المشاهدات بما تجلى لهم
من حقائق الأحدىه ، ووفقهم للقيام بآداب العبودية ، وأشهدهم مجارى أحكام
الربوبية(١٦ .
فقاموا بأداء ما عليهم من واجبات التكليف ، وتحققوا/١٧بما منه سبحانه لهم من
التقليب والتصريف .
(١) يررى : يصبفى ربيع.
(٢) يديع: يبسط ريمنح .
(٣) المححى : المختار .
(٤) صفاه من قدرات البشرية: مخلصهم وطهرهم من حظوظ أنفسه ؛ حيث وضهى المجاهدة والرياضية الداقة.
(٥) محال : أماكن ومنازل .
(٦) مجارى أحكام الرسوبية : متشا تصرفاته تمال هيم وق غيرم من العطاء والقيد والإسعاد والإضلال.
( ٢) عشقوا ، أى اتصفوا طمأنينة للوهم بما أبروته القدرة المليه والحكمة الأولية .

١٩
( رسالة الامام القشيرى الى جماعة الصوفية ببلدان الاسلام )
ثم رجعوا إلى اللّه (١)، سبحانه وتعالى، بصدق الافتقار، ونعت الانكسار،
ولم تكلوا على ما حصل منهم من الأعمال، أو صفا لهم من الأحوال . علماً
منهم بأنه جل وعلا يفعل ما يريد ، ويختار من بشاء من العبيد . لا يحكم عليه
خلق ولا بتوجه عليه مخلوق حق . ثوابه : إبتداء فضل . وعذابه: حكم بعدل ، وأمره
قضاء فصل (٢) .
ثم اعلموا ، رحمكم الله ، أن المحققين من هذه الطائفة انقرض أكثرهم ،
ولم يبق فى زماننا هذا من هذه الطائفة إلا أثرهم ، كما قيل :
آما الخيام فانہا کخیامهم
وأرى نساء الحى غبر نساتها
حصلت الفترة (٣) فى هذه الطريقة .. ، لا ، بل إندرست(٤) الطريقة بالحقيقة:
مضى الشيوخ الذين كان بهم اهتداء ، وقل الشباب الذين كان شم سيرتهم
وسنهم اقتداء ، وزال الورع وطوى بساطه ، واشتد الطمع وقوى رباطه .
وارتحل عن القلوب حرمة (٥) الشريعة، فعدوا قلة المبالاة بالدين أو ثق ذريعة (٦)
ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام(٧). ودانوا(٨) تترك الإحترام، وطرح الاحتشام،
واستخفوا بأداء العبادات ، واستهانوا بالصوم والصلاة ، وركضوا فى ميدان الغفلات
وركنوا إلى اتباع الشهوات ، وقلة المبالاة بتعاطى المحظورات ، والارتفاق(٩) مما
يأخذونه من السوقة ، والنسوان ، وأصحاب للسلطان .
(١) رجعوا إلى الله: فعملوا بأحكام الله تعالى معبر لين من الحول والقوة، مراقبين الله فى حركاتهم وسكفاتهم ملاحظين
أنفسهم بالانكسار والافتقار إليه تعالى .
(٢) وهؤلاء الموصوفون بما ذكر، هم: المقربون المتصفون بالإحسان. وفى الخبر الصحيح: ((ما الاحسان؟ قال أن
تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، والأمة درجاتهم متفاوتة؛ وينقسمون إلى: أصحاب اليمين، وإلى المقربين كما
دل عليه القرآن الكريم ، فن صح إيمانه وعمل بما أمر به شرعاً فهو من أصحاب اليمين، ومن قلت غفلاته وتوالت منه نوافله
وطاهاته، وتوالى على قلبه ذكره ودعواته فهو المقرب والمحسن، ويعبرعنه : ((الصوفى)» الذى سفا عن الأخلاق المدمومة وتخلق
بالأخلاقى المحمودة، حتى أحبه الله وحفظه فى جميع حركاته وسكناته، كما جاء فى الخبر الصحيح: ((ما تقرب التقربون
إلى بمثل أداء ما افترضت عليهم ولا يزال العبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به
(٣) الفترة: التراخى والتفريط فى طريقة الصوفية.
(٤) إندرست: زالت ومحيت، يقصد أن طريقة الصوفية فى الحقيقة قد زالت معالمها من نفوس الكثيرين بعد أن غلب
عليهم قلة المبالاة ومخالفتهم الشريعة .
(٥) حرمة الشريعة: استرامها .
(٦) أى جعلوا قلة الاهتمام بأحكام الدين أقوى وسيلة يصلون بوساطتها لمقاصدهم الدنيوية الخيمة.
(٧) لم يفرقوا بين الحلال والحرام. بل جمعوا بينهما من غير تحر.
(٩) الارتفاق : الانطاع .
(٨) تدينوا بعدم احترام الشيخ والعالم والكبير .

٢٠
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية الامام القشيرى)
ثم ثم برضوا ما تعاطوه من سوء هذه الأفعال. حتى الكاروا إلى أعلى الحقائق
والأحوال. وادعوا أنهم تحرروا عن رق الأغلال١١ وتحققوا بحقائق الوصال!١٢
وأنهم قائمون بالحق، تجرى عليهم أحكامه. وهم محو (٢). وليس الله عليهم فيما
تؤثرونه أو بدرونه عتب ولا لوم ، وأنهم كوشفوا بأسرار الأحدية . واختطفوا
عنهم بالكلية (١٤. وزالت عنهم أحكام الشربة. وبقوا بعد فنانهم عنهم(١٥ بأنوار
الصمدية ، والقائل عنهم غيرهم إذا نطقوا ، والنائب عنهم سواهم فيما تصرفوا .
ـل صرفوا .
ولما طال الابتلاء فيما نحن فيه من الزمان مما لوحت معضه من هذه القصة
وكنت لا أسط إلى هذه الغابة لسان الإنكار ، غيرة على هذه الطريقة أن يذكر أهلها
بسوء، أو يجد مخالف لئلبهم مساغاً(٦)؛ إذ البلوى فى هذه الدمار ماءالفين لهذه
الطريقة والمنكرين عليها شديدة .
ولما كنت أؤمل من مادة هذه الفترة أن تنحسم (١٧، ولعل الله سبحانه بجود
بلطفه فى التنبيه لمن حاد عن السنة المثلى فى تضييع آداب هذه الطريقة .
ولما أى الوقت إلا استصعاماً. وأكثر أهل العصر بهذه الديار إلا تمادن فيها
اعتادوه واغترارأ بما ارتادوه(٨) ..
أشفقت على القلوب أن تحسب أن هذا الأمر (٩) - على هذه الجملة (١٠) - نى
قواعده . وعلى هذا النحو سار سلفه .
(١) دعموا أنهم وصلوا إلى الحقائق المطباءومخلصوا من محبة ما سوى الله))، بقضوا أغلال الرقم العبودية لعبر المول سعده
والوضوا عند صرفه هو الت، أما ٬٠ ٠ بس وهاوان ى أوضاق الحق سبحانه وتعال.
( ٢) نى. هوا نير انصفوا بالعرب الضوى من انه .
(٣) : هدم. مه رجهم : ى ميم + بس الب نفيه يتعلق ب التخليبث، حالي سي سيوا ذ عائه بعضيم الاب *
ويسلم اخرس حل ق مايستر ص٣م .
(٤ ) أى حدت قلوبهم , أرواحهم ك عدداً سريعاً حى ، يش سيم سمه اسرة العدل.
(٥) أى من أنفسهم .
(٦) في التقصير مدخلا .
(٧) أن د. نقط الأسباب المفضية إلى النهاون والتكامل ٥ صلاح النفس.
( ٨) ار تادر.، اختاروه وتلبسوا به .
(٩) وهو الوصول إلى أهل الحقائق والأسال.
(١٠) مزامهر وادعامات .