النص المفهرس
صفحات 41-60
اليوم الآخر
أنوفهم. مشهدٌ مختصرٌ سريعٌ، لكنه شاخصٌ في الآية «كنايةٌ عن الذلة والانخزال؛
لأن ذلة الذليل، وعزة العزيز تظهران في
عيونهما))(٣).
متحرك، مکتمل السمات والحركات، وهو
متناسقٌ مع أول السورة: ﴿أَقْتَتِ السَّاعَةُ
وَأَنْشَقَّ الْقَمَرُ ﴾ [القمر: ١].
ومع الجو والإيقاع العام للسورة، مشهدٌ
يصور هذه الجموع الخارجة من قبورها في
لحظةٍ واحدةٍ كأنها جرادٌ منتشرٌ(١).
ومع أن المؤمنين والكافرين يتساوون
في هذا الخروج من الأجداث، من تملك
الهول منهم حینها حتی یؤمن الله تعالی من
يشاء من المؤمنين في أرض المحشر، وهذا
ما يدل عليه حذف مفعول الفعل ﴿يَدْعُ﴾؛
لإفادة العموم. وخص الكافرون بهذا
الخطاب؛ تهديدًا لهم وتوبيخًا. والداعي هو
إسرافيل عليه السلام يدعو الناس ويناديهم
للقيام إلى الحساب بعد النفخة الثانية، هذا
المشهد المهول المفزع الذي يدل عليه
التنكير في قوله تعالى: ﴿شَىْءِ ذُّكُرٍ﴾،
أي: شيء عظيم مهول(٢).
وقد تعاضدت الفنون البيانية من تشبيه
ومجازٍ وكنايةٍ في رسم صورة هؤلاء
المجرمين وهم يقومون للحساب منخذلين
مذعورين في ذلك اليوم العصيب؛ إذ يبعثون
من قبورهم منکسي رءوسهم، أبصارهم إلى
الأرض لا يرفعونها ذلًا وهوانًا، فالخشوع
(١) انظر: التصوير الفني في القرآن، سيد قطب
ص٥٩.
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٤/ ٣٢٢.
وهذا تصويرٌ لهم في غاية الذل
والانكسار، صورةٌ تبين حالهم المهين في
الآخرة بعد أن كانوا يرفعون رءوسهم تکبرًا
على المؤمنين في الحياة الدنيا، وللاهتمام
بإظهار هذه الصورة والتركيز عليها قدم
الحال ﴿خُشَّمًا﴾ على عامله ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ
الْأَمْدَاثِ﴾ تقديمٌ صور غاية ذل الأبصار
وخشوعها، ولو تأخر الحال، لفات هذا
التصوير الفني لهيئة الأبصار (٤).
وفي «الجراد مثلٌ في الكثرة والتموج،
يقال في الجيش الكثير المائج بعضه في
بعض: جاءوا كالجراد منتشر في كل مكانٍ؛
لكثرته))(٥)، تشبيةٌ يصور حالهم على كثرتهم
وتماوجهم وهم حيارى فزعين منتشرين
هنا وهناك يستتر بعضهم ببعضٍ من شدة
الخوف.
وهذا التشبيه يتناسب مع آخر
السورة نفسها في قولهم في الدنيا:
﴿فَحْنُ جَمِيعٌ مُنَصِرٌ﴾، وما أشبه الجيش الذليل
المنهزم بالجراد المنتشر هنا وهناك بعضه
فوق بعضٍ.
(٣) الكشاف، الزمخشري ٤٣٢/٤.
(٤) انظر: التقديم والتأخير في القرآن الكريم ص
١٢٧.
(٥) الكشاف ٤/ ٤٣٢.
www. modoee.com
١٩٥
حرف الياء
وأوثر التعبير بالانتشار مع جعله اسم
فاعل في قوله تعالى: ﴿شُنقَِّرٌ﴾؛ لإبراز
صورة الجراد وشدة اندفاعه عند بداية
انتشاره، وتلك صورة المجرمين عند
خروجهم ﴿مِنَ الْأَبْدَاثِ﴾. ومما عمق معنى
الذل والهوان المضروب عليهم كونهم
﴿مُهْطِعِينَ إِلَى النَّاعِ﴾ فهم يمشون وجلين
بسرعةٍ مشية الخائف المذعور إلی داعیهم،
وهم يقولون: ﴿هَذَا يَوْمُ عَبِيرٌ﴾.
وبهذا تواشجت فنون البيان في تقريب
صورة بعث الكافرين من قبورهم إلى
الأذهان بتشبيههم بالجراد المنتشر وهم أذلاء
منكسرين عليهم ثياب الفزع والخوف. وفي
((إسناد القول ﴿هَذَا يَوْمُ عَيْرٌ﴾ إلى الكفار
تلویحٌ بأنه على المؤمنين ليس كذلك))(١).
فهم ليسوا في تلك المرتبة من الفزع
والشدة، بل هو يسيرٌ عليهم بأمر الله
تعالى. ومما يدل على عسر ذلك اليوم على
الكافرين خاصةً دون المؤمنين الموحدين
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِ النَّاقُورِ ) فَذَلِكَ يَوْمِيدٍ
يَوْمُ عَسِيرُ عَلَى الْكَفِرِينَ غْرُ يَبِيرٍ﴾ [المدثر:
٨ - ١٠].
وإذا انتقلنا إلى موضع آخر نجد أن
التعبير القرآني یصور الكافرين عند بعثهم
من قبورهم للحساب بسخرية وتهكم في
قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَبَصَبُوْ حَتَّى يَقُواْ يَوْمَهُ
(١) روح المعاني، الألوسي ٨٠/١٤.
يَوْمَ يَخْرُونَ مِنَ الْأَمْدَاثِ سِرَاءًا كَلْنَهُمْ
٤٢
الَّذِى يُوعَدُونَ
إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٣) خَشِعَةً أَبْصَرُ هُمْتَرْهَمُهُمْ ◌ِلَةٌ ذَلِكَ
الْيَوْمُ الَّذِى كَانُو ◌ْمُعَدُونَ﴾ [المعارج: ٤٢-٤٤].
فهذه آياتٌ ترسم صورةً تهكميةً لهؤلاء
الکافرین عندبعثهم للحساب، صورةٌ تتناسق
مع ما کانوا علیه في الدنیا حین یسرعون إلى
الأنصاب يعبدونها، فجاء التعبير بتصوير
حالهم في الآخرة كذلك؛ ليكون التعبير أشد
إيغالاً في السخرية والتهكم (٢).
ومثل هذه الآيات أيضًا تطالعنا آياتٌ
کریماتٌ في وصف البعث في معرض تسلية
النبي صلى الله عليه وسلم من تكذيب
الكافرين بدعوته صلى الله عليه وسلم؛
لتقرر حقيقة البعث، وتصور حال خروج
منكريه حينها، في قوله تعالى: ﴿وَأُسْتَمِعْ
يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ (١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ
الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ إِنَّا نَحْنُ
ثُِّ وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٢ يَوْمَ تَشَقَّقُ
اْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاءَاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾
[ق: ٤١ - ٤٤].
آيات تصف حال الناس يوم ينفخ في
الصور وینادی فیخرج الناس من قبورهم،
ولتهويل هذا اليوم وحال الناس فيه وتفظيعه
حذف مفعول ﴿وَأَسْتَمِعْ﴾ إيجازًا، والتقدير:
واستمع لأحوال الآخرة التي أخبرك بها(٣).
(٢) انظر: مشاهد القيامة في القرآن، سيد قطب
ص١٨٧.
(٣) انظر: البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي
١٩٦
القرآن الكريم
اليوم الآخر
﴿ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ﴾، مِيقَنًا﴾ دون قوله: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَتُهُمْ
وقوله:
أَجْمَعِينَ﴾؛ للدلالة على أنه ((كان في
تقدير الله تعالى وحكمه حدًا توقت به
الدنیا وتنتهي عنده، أو حدا للخلائق ینتهون
إليه))(١).
والمراد بالحق: الوعد الصادق وهو الحشر،
وسمي حقًّا؛ إبطالًا لمزاعم المشركين بأنه
افتراءٌ واختلاقٌ، إذ كانوا يسمونه سحرًا،
ويعدونه خيالًا، فيعلمون آنذاك أن الواقع
قد يطابقه، فكان حقًا فإنه قد طابقه الواقع،
فکان الإخبار به صدقًا.
إذا كانت المواضع السابقة جاءت ردًا
على المشركين في إثبات البعث وكيفية
قيامهم من القبور إلى الداعي، فإن هناك
ٹمة آیاتٍ تصور الناس جميعًا عند بعثهم،
وهي وإن كانت جوابًا عن سؤال الكافرين
عن البعث، إلا أن الجواب كان عامًا في بيان
بعث الناس کلهم.
وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ
كَانَ مِيقَتَّا ( ٣٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾
[النبأ: ١٧ - ١٨].
وأتت هذه الآيات تفصيلاً للإجمال
١
الوارد في أول السورة ﴿عَمَّ يَتَسَلَ لُونَ (
عَنِ النَّبَإِالْعَظِيمِ ) الَّذِى هُرُفِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبأ:
١- ٣].
فجاء التكرار ﴿لَلاَسَيَعْلَمُونَ ) تُؤْكَلَّا
سَيَعْلَمُونَ﴾[النبأ: ٤-٥].
لردعهم وتهديدهم وبيان أنهم سيرونه
حقيقة وسيعلمون حينها أنه حقٌّ، وأوثر
التعبير في الآية بـ ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ
فھو واقعٌ لامحالة ولکن شاءت حكمته
تأخیره إلى وقتٍ معلوم.
ومن الآيات التي تصور حالهم
وضعفهم وهوانهم بتشبيههم في أرض
المحشر بالفراش المبثوث وذلك في قوله
تعالی:
﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَأَلْفَرَاشِ
اٌلْمَبْثُوثِ ﴾ [القارعة: ١-٤].
فالناس حينئذیکونون کالفراش المتفرق،
المنتشرهنا وهناك، يموج بعضهم في بعضٍ
من شدة الاضطراب والفزع، فشبه الناس
بالفراش المتطاير في كثرتهم، وانتشارهم،
وذلتهم، وضعفهم، واضطرابهم (٢).
وفي مواضع أخرى تأتي لمحاتٌ سريعةٌ
لأحوال الناس في ذلك اليوم العصيب. وفي
المعنى نفسه نجد آيات كريمات أخرى
تصور حالهم.
ثانيًا: أحداث في الحشر:
من أحداث اليوم الآخر الحشر وأحوال
الخلق فيه حينها، وقد تناولت آياتٌ عديدةٌ
من القرآن الكريم طريقة الحشر، وصورهم
(١) الكشاف، الزمخشري ٤ / ٦٨٧.
(٢) انظر: الإبداع البياني ص ٤٢٧.
٠٥٤٢/٩
www. modoee.com
١٩٧
حرف الياء
في أرض المحشر، بكل دقةٍ وبيان، تلك
الطرق الدالة على مكانة كل صنف منهم
حينئذٍ، ومن ذلك حشر المتقين والمجرمين
في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى
الرَّحْمَنِ وَقْدًا ﴿ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ
وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٥-٨٦].
فالآيتان تصوران مشهد حشر المؤمنين
والكافرين وحالهم، فالمؤمنون المتقون
يحشرون ﴿وَفِّدًا﴾ مكرمين إلى جنة ربهم
بعزة وكرامة، أما الكافرون المجرمون
فيساقون سوقًا شديدًا إلى جهنم، عطاشًا
محرومین من الماء، کالبهائم العطاش(١).
وبهذا الأسلوب قابل بين مصير الفريقين
بأبلغ بيان. إذ عدى ﴿نَحْشُرُ﴾ بـ﴿إِلَى﴾
تعظيمًا وتبجيلاً للمؤمنين، وذكر صفة
الرحمة ﴿الرَّحْمَنِ﴾ التي خص المؤمنین بها
إكرامًا لهم؛ إذ إن لفظ الحشر يوحي بالجمع
من أماكن متفرقة وأقطار شاسعة على سبيل
القهر، فجاء لفظ: ﴿الرَّحْمنِ﴾ مؤذن بأنهم
يحشرون إلى من يرحمهم، كما أن لفظ
الوفد مشعرٌ بالإكرام والتبجيل كما يفد
الوفاد إلى الملوك منتظرين الكرامة عندهم،
وفي جانب المجرمين استخدم لفظ السوق
الذي فيه إزعاج، ومما زاده تفظيعًا هو تعديته
بـ﴿إلَى﴾ تبشيعًا لحالهم ومكانهم(٢).
(١) انظر: الجامع لإحكام القرآن ١٥٣/١١.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣٢/٤، البحر
المحيط، أبو حيان ٢٩٨/٧.
فلا تخفى جمالية المقابلة في اختيار
الألفاظ المناسبة لكلا الحالتين. وحشر
المؤمنين والكافرين إلى مصيرهم تكرر في
سورة مريم.
ومن صور حشر الكافرين المجرمين
(حشرهم زرقًا) كما جاء في قوله تعالى:
﴿ يَوْمَ يُفَخُ فِ الصُّورِّ وَتَخْشُرُ الْمُجْرِمِنَ يَوْمَيِذٍ زُرْقًا
يَتَخَفَتُونَ يْنَهُمْ إِن ◌َبِئْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾
[طه: ١٠٢ - ١٠٣].
يصور المشهد المبارك المجرمين وهم
يحشرون زرق الوجوه من الكدر والغم
أو زرق العيون من شدة العطش أو من
العمى، يتخافتون بالحديث لا يرفعون به
صوتًا من الرعب والهول والرهبة المخيمة
على ساحة الحشر، وفيم يتخافتون؟ إنهم
يحاولون تقدير المدة التي قضوها في الدنيا
أو في القبور، فيقولون لم نلبث إلا عشر
ليال، ويقول أصوبهم رأيًا: ما لبثتم غير
يوم، فيستوي في ذلك التخبط الناتج عن
المفاجأة الجاهلون والعالمون(٣).
ومن صور حشر الكافرين المجرمين
(حشرهم عميًا على وجوههم) لا كما كانوا
یمشون في الدنیا علی أرجلهم.
وذلك في قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ
الْقِيَمَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمَّاً مَّأْوَنَّهُمْ
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور
٣٠٤/١٦، ٣٠٦، مشاهد القيامة في القرآن،
سيد قطب ص ١٠٤.
١٩٨
جودة
القرآن الكريم
اليوم الآخر
جَهَنَّةٌ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا
ذَلِكَ جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِعَايَئِنَا وَقَالُواْ أَهِذَا
كُنَا عِظَمًا وَرُفَتَّا أَِنَّا لَمَبْعُوْثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾
[الإسراء: ٩٧ -٩٨].
وغیرها من الآيات. آیات تصور الكافرين
المجرمین وهم يحشرون بذلٍ وهوانٍ على
وجوههم عميًا لا يرون، وبكمًا لا يتكلمون،
وصمًا لا يسمعون، يحبس أولهم على
آخرهم، فيساقون إلى النار مجتمعين.
وحشر الكافر أعمی يمشي على وجهه جاء
في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
قال رجلٌ: یا رسول الله کیف یحشر الكافر
على وجهه يوم القيامة؟ قال: (أليس الذي
أمشاه على رجليه في الدنيا قادرًا على أن
يمشيه على وجهه يوم القيامة؟)(١).
ومن صور حشر الكافرين المجرمين
(حشرهم مع أوثانهم وشياطينهم وهم
جاثون على الركب) وذلك في قوله
تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ
لَنُحْضِرَ نَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِئِيًّا (٧) ثُمّ ◌َنَزِعَنَ
مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِنْيًا﴾ [مريم:
٦٨-٦٩].
وقوله تعالى: ﴿أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ
وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَأَهْدُوهُمْ إِلَى صِرَطِ
اٌلْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٢ -٢٣].
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٦٥٢٣،
كتاب الرقاق، باب كيف الحشر، ١٠٩/٨.
فرب العزة سبحانه وتعالى أقسم بنفسه
الكريمة أنه يحشر الکافرين منکري البعث،
وأمثالهم مع الشياطين ومعبوداتهم الباطلة
التي كانت تضلهم في الدنيا، وأنه يحضرهم
حول جهنم جاثین علی رکبهم ذلًا وهوانًا.
وقد رسم القرآن الكريم في مواضع
أخرى متفرقة صفات الناس وقسماتهم
في أرض المحشر، وجوههم، أبصارهم،
لسانهم، وغيرها، ومما جاء في بيان وجوه
الناس بشكل عام تصويرها وهي قد ذلت
وخضعت لله تعالى قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ
الْوُجُوُ لِلْحَيِّ الْقَيُّورِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾
[طه: ١١١].
ومنها أنه حينئذ تبيض وجوه وتسود
وجوه في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ
وَتَسْوَةُ وُجُوَةٌ فَأَمَّا الَّذِينَ أُسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ
أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيَمَنِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ
تَكْفُرُونَ
﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ أَبْيَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى
(١٠٦
رَحَمَةِ اللَّهِ هُمْ فِهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦ -
١٠٧].
فالآيتان تصوران مشهدًا من مشاهد
القيامة؛ إذ نری فیه مظهرًا عجبًا، نرى وجوهًا
مبيضة ووجوهًا مسودة وهذا مشهدٌ حسيٍّ،
ولكنه منبعثٌ عن تأثر نفسي، ألقى ظله على
هذه الوجوه فابیضت، وعلى تلك فاسودت،
وهذا وذلك زيادة في العذاب والنعيم وفي
www. modoee.com
١٩٩
حرف الياء
التحقير والتکریم(١). وخص الوجه بالذکر
دون سائر الجسد؛ لأنه أول ما يرى من
الإنسان، ولأنه أشرف الأعضاء في الجسد.
ولهذا نرى التركيز عليه في وجوه
الكافرين خاصة مثل قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ
الْقِيَمَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى الَّهِ وُجُوهُهُم
مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَنْوَى لِلْمُتَكَّبِنَ﴾
[الزمر: ٦٠].
وفي سورة عبس نعاين صفاتٍ أخرى في
الوجوه، وجوه المؤمنین و وجوه الکافرین،
زاد فيها على بياض الوجوه النور والإشراق
والضحك والاستبشار مما دل على الأمن
والطمأنينة ذلك في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَيِدٍ
◌ُشْفِرَةٌ ) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨-
٣٩].
وأضاف إلى وجوه الكافرين المسودة
غبارا دالًا على الكآبة واليأس والخوف في
قوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَؤْمَيْدٍ عَلَيْهَا غَبَةٌ فَ تَرْهَقُهَا
فَتَرَةُ ﴿ أُوْلَكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْعَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٠ -
٤٢].
وفي آیات أخری نری تقابلا بین وجوه
المؤمنين ووجوه الكافرين من حيث النظر
وجوه
إليه سبحانه وتعالى وعدمه فى قوله:
يَوْمَّدٍ نَاضِرَةُ إِلَى رَتْهَا نَاظِرَةٌ (١) وَوُجُوهٌ يَوْمَيِ بَاسِرَةٌ
[القيامة: ٢٢-٢٥].
◌َتَظُنَّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ
(١) انظر: مشاهد القيامة في القرآن، سيد قطب
ص ٢٠٣.
هذه المقابلة بين الفريقين التي أظهرت
البون الشاسع بينهما، فالمؤمنون وجوههم
مشرقةٌ مبتسمةٌ، وهذا يدل على الأمن
والطمأنينة، والكافرون وجوههم عابسةٌ
مظلمةٌ، وهذا يدل على خوفهم وذعرهم
ويأسهم، فهم فريقان مختلفان، وهذا ما
يدلُ عليه التنكير المستفاد منه التنويع في
وفي الآية تكريم عظيم من الله لعباده
المؤمنین في أرض المحشر يوم القيامة، فهو
يزيد لهم الفضل والنعم بعد تبييض وجوههم
في أرض المحشر بالنظر إلى وجهه الكريم
عيانًا كما ترى الشمس في النهار إذا كان
الجو صحوًا كما دلت على ذلك النصوص
التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة.
وهكذا رسم القرآن الكريم في الآيات
السابقة بمجموعها صورة تقابلية بين
بياض ونضارة وجوه المؤمنين، وسواد
وكلاحة وقتامة وجوه الكافرين، وفي
الجمع والموازنة بينها يتجلى البون الشاسع
بين منزلة المؤمنين والكافرين في أرض
المحشر، ففريق المؤمنين يحشرون في
أجمل صورة وأكرمها، وقد ملأت الطمأنينة
والفرحة نفوسهم -فالبياض علامة لهم يوم
القيامة- فوجوههم بيضاء مشرقة ضاحكة
مستبشرة إلى ربها ناظرة.
٢٠٠
جوسين
القرآن الكريمِ
اليوم الآخر
بخلاف الکافرین الذین یحشرون سود
الوجوه في أبشع صورة وأذلها، فوجوههم
سوداء مظلمة عليها غبرة ترهقها فترة لا تنظر
إليه سبحانه بل هم في النار خالدون.
ومما جاء في وصف الكافرين في
أرض المحشر قوله تعالى: ﴿وَلَوْتَرَى إِذِ
الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ
رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَأَرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا
مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢].
آیة ترسم صورة المجرمین وهم منکسو
الرءوس يوم القيامة، لا يرفعونها من عظيم
الخزي والذل الذي يشعرون، ویحکي بعد
ذلك قولهم الدال على إقرارهم بعد أن
شاهدوا بأعينهم وسمعوا بآذانهم بأن الآخرة
حق وما جاء به رسل الله عليهم الصلاة
والسلام حق، فیتمنون أن یعیدهم الله إلى
الدنيا لتكون الفرصة الأخيرة لهم، ولکن
بعد فوات الأوان.
وقد صور القرآن الكريم أبصار الكافرين
في أرض المحشر، صورها وهي ذليلة مهانة،
ومما جاء في ذلك قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَ
عَنْهُمُ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَىْءٍ ذُكُرٍ
خُشَّعًا أَبْصَرُهْ يَخْرُجُونَ مِنَ اْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ
مُنْتَشْرٌ ل مُهْطِعِينَ إِلَى الَّاعِ يَقُولُ اَلْكَفِرُونَ هَذَا
٠١٠٠ ٠
يَوْمُ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٦-٨].
وقوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّ يُلَقُواْ
(٢٠ يَوْمَ يَخُْونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا
يَوْمَعُالَّذِى يُوعَدُونَ
كَهُمْ إِلَى نُصُبِ يُوْفِضُونَ (٣ خَشِعَةً أَبْصَرُ هُمْتَرْهَمُهُمْ زِلَّةٌ
ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِى كَانُوْيُعَدُونَ﴾ [المعارج: ٤٢ -٤٤].
وقد سبق بيان هذه الآيات.
وقد صور القرآن الكريم حالهم
وملابسهم ووجوههم معًا، حالهم ذليل،
وذلك في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ
غَيِّرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ الْوَاحِدِ اَلْقَهَّارِ
وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِى
٤٨
سَرَابِلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى
الأصْفَادِ
وُجُوهَهُمُ النَّارُ ٥ لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسِ مَا
كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [إبراهيم:
٤٨-٥١].
وصورهم وهم صامتون لا يتكملون في
قوله تعالى: ﴿هَذَا يَؤُ لَا يَطِقُونَ () وَلَا يُؤْذَنُ
لَمْ فَيَعْنَذِرُونَ ﴿ وَّيْلٌ يَوْمَيِّدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * هَذَا
يَوْمُ الْفَصْلِّ جَمَعْنَكُمْ وَالْأَوَِّينَ ﴿ فَإِن كَانَ لَكُرْكَيْدٌ
فَكِدُونِ﴾ [المرسلات: ٣٥-٣٩].
ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿رَّبِّ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِّ لَا يَلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا.
٣٧
يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَئِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا
مَنْ أَذِنَ لَهُ الَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابً ا ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقٌّ
فَمَن شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَيِِّ مَثَابًا ) إِنَّا أَنْذَرْنَكُمْ
عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ
اَلْكَافِرُ بَيْتَنِى كُنتُّ تُرَبًا﴾ [النبأ: ٣٧-٤٠].
مشهدٌ يصور حال الهلع والذعر مما
یری، والندم على ما قدم، عندما یری قضاء
الله تعالى في البهائم قبل حسابهم فيتمنى أن
www. modoee.com
٢٠١
حرف الياء
يكون ترابًا كالبهائم لسوء ما قدمت يداه من
خزيٍ ينتظره حسابًا وجزاءً.
وإذا انتقلنا إلى موطنٍ آخر نجد آياتٍ
تصور الهول الذي یعم کل إنسانٍ في أرض
المحشر حتى يفصله عن محيطه ويجعله يفر
من کل قریپٍ وحبیبٍ له في الدنيا، وذلك
يَوْمَ
٣٣
في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَتِ الصَّآَنَّةُ
يَفِرُ الْمَهُ مِنْ أَخِ ، وَأُمِّهِ، وَأَِهِ ) وَصَحِبَتِهِ، وَبَنِيهِ
٦ ◌ِكُلِّ امْرِيٍ مِنْهُمْ يَوْمَيذٍ شَأَنٌ يُغْنِهِ وُجُوهٌ يَوْمَيِلٍ
مُسْفِرَةٌ ) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (١) وَوُجُوهٌ يَوْمَيِذٍ عَلَيْهَا
غَبْرَةٌ ٥ تَرْهَقُّهَا قَتَرَةُ ﴿ أُوْلَكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ﴾
[عبس: ٣٣ -٤٢].
مشهدٌ يصف أهوال القيامة التي تصل إلى
مشاعر الإنسان الوجدانية المرتبطة بأقرب
الناس إليه، وقد بين النبي صلى الله عليه
وسلم هول ذلك اليوم فعن عائشة رضي الله
عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول: (يحشر الناس يوم القيامة
حفاة عراةً غرلًا) قلت: يا رسول الله النساء
والرجال جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض؟
قال صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة الأمر
أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعضٍ)(١)؛
لأن ﴿لِكُلِّ آمْرِيٍ مِنْهُمْ يَوْمَيدٍ شَأْنٌ يُعِيدِ﴾، فالكل
مشغول بأمره ولا یدري عن حال غیره شیئا.
ويلاحظ أنه تدرج في ذكر من يفر منهم
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، رقم ٢٨٥٩،
كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب فناء الدنيا
وبيان الحشر، ٤/ ٢١٩٤.
المرء يوم القيامة على طريقة الترقي في
القرب والمحبة؛ مبالغةً في وصف الهول
والفزع الذي يعيشه، فـ«ذكر فرار الإنسان
من أحبابه، ورتبهم ترتيبًا في الحنو والشفقة،
فبدأ بالأقل، وختم بالأكثر؛ لأن الإنسان أشد
شفقةً على بنيه من كل ما تقدم ذكره، وإنما
یفر منهم؛ لاشتغاله بنفسه»(٢).
وقد اقتضى السياق هذا الترتيب، في
حين نجد أنه في موضع آخر بدأ بما انتهى
منه هنا وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْتَلُ
حَيٌ حَيْمَا ن ◌ُصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْيَفْتَدِى
مِنْ عَذَابٍ يَوْصِلٍِ بِيَنِيهِ { وَصَحِبَتِهِ، وَأَخِيهِ
(٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِى تُقْوِيِهِ ) وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ
يُجِيهِ﴾ [المعارج: ١٠ - ١٤].
ومما لاشك فيه أن سبب تقديم الأخ
على الأم والأب والصاحبة والابن في سورة
عبس، وتقديم الابن على الصاحبة والأخ
والفصيلة (الأم) في سورة المعارج، كان
لأمرٍ خاصٍ يقتضيه السياق، جعل النظم في
الترتيب مغايرًا في الموضعين، وهو يقوم
على اختيارٍ معنويٍ جماليٍ خاصٍ، ويهيئ
لتصورٍ معينٍ، ويحقق كل شروط الفن
البلاغي.
وسبب ذلك أن المقام في سورة عبس
مقام فرارٍ وهربٍ من الأحبة انشغالًا بالنفس
(٢) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي الكلبي
٢/ ٤٥٤.
٢٠٢
القرآن الكريم
اليوم الآخر
يوم الفزع الأكبر، والإنسان يفر من الأباعد واتساعها في قلب الكافر، وتفاقم التشتت
الذي يعتريه، وهذا ما يرمز إليه الانتقال
من الأدنى إلى الأبعد عاطفيًا ومكانيًا،
ويدل أيضًا على العجز عن طلب المعين،
والاضطراب في التماسه اضطرابًا شديدًا
باتساع دائرة البحث عنه درجةً بعد درجةٍ
حتى تشمل كل الموجودات في ذلك اليوم
العصيب(١).
أولًا ثم ينتهي بألصق الناس به، فجاء
الترقي من الأدنى إلى الأعلى؛ لأنه يناسب
فكرة الفرار والنكوص عن مساعدة أقرب
الأقربین - انشغالًا بالنفس- من شدة الهول
ولذلك تأخر ذكر البنين؛ لأنه لو بدأ بذكرهم،
لما احتاج بعد ذلك إلى ذكر غيرهم،
ولأن الوصف بالتخلي عن نجدة الأبناء،
والانصراف عنهم هو أقصى ما يمكن أن
يصل إليه التعبير عن مدى انشغال الإنسان
بهمومه الخاصة ومشكلاته الذاتية عن
كل ما حوله، فهذا وصفٌ لما ينتاب المرء
من الذاتية المطلقة والاستغراق المطلق
بالقلق الشخصي على المصير في ذلك
اليوم العصيب، في حين نرى أن السياق في
سورة المعارج غيره في سورة عبس؛ إذ يؤتى
بالمجرم؛ لیلقی جزاء عمله في النار.
فالمقام مقام البحث عن المنقذ والمعين
والمفتدي، والمجرم يود النجاة بکل سبیلٍ
ولو أدى ذلك إلى أن يبدأ بأقرب الناس
إليه، فكان الترتيب على سبيل التدلي فبدأ
بالأقرب كما تعول عليه النفس، فالابن
فالزوجة، فالأخ فالعشيرة، ثم من في الأرض
جمیعًا.
وهذا الترتیب فضلا عن أنه تعبيرٌ یناسب
من حيث تدرجه حركة الكافر النفسية في
ذلك اليوم، فإنه تعبيرٌ عن اشتعال الحيرة
وثمة أمورٌ أخرى اقتضت أن يكون
الترتيب مغايرًا في سورة المعارج، منها أن
المفتدي هو (مجرم) وليس إنسانًا اعتیادیًا،
والمجرم مستعدٌ لفعل أي شيءٍ؛ للنجاة
بنفسه ولو كان الفداء بأحب وأقرب من
لدیه؛ ليضعه مکانه في النار، بل لا يهمه لو
افتدى بالناس كلهم بذنبه، ومنها أن البدء
بأقرب الناس يدل على هول العذاب فوق
التصور مما يجعله يفتدي هكذا، ومنها
أنه ذكر ما يناسب هذه القطيعة بالاقتداء
وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشَْلُ حِيمٌ حِيمًا﴾
[المعارج: ١٠].
والحميم: القريب، فبدأ بالأقرب
فالأبعد(٢).
(١) انظر: بلاغة العطف في القرآن الكريم، عفت
الشرقاوي ص ١٠٥ - ١١٠.
(٢) انظر: الجملة العربية تأليفها وأقسامها، فاضل
صالح السامرائي ص ٤٧ - ٤٨.
www. modoee.com
٢٠٣
حرف الياء
ثالثًا: أحداث عند الحساب:
عرض القرآن الكريم لمشاهد الحساب
وأحداثه بدءًا من الميزان الذي توزن فيه
أعمال المرء كلها، ومن ثم تطاير الصحف
والعرض، انتهاءً بندم الكافرين والمنافقين
وجدالهم بعد هذه الأحداث الفاصلة التي
تنتهي بأمرهم إلى الخلود في نار جهنم.
١. الميزان.
ينصب يوم القيامة ميزانٌ حقيقيّ كما قال
ابن عباس رضي الله عنهما: ((له لسانٌ و کفتان
لحساب الخلق على ما قدموه من أعمالٍ
صالحةٍ وطالحةٍ، فيؤتى بالأعمال الصالحة
على صورةٍ حسنةٍ جميلةٍ، وبالأعمال السيئة
على صورةٍ قبيحةٍ، فتوضع كل واحدةٍ منهما
في كفة الميزان، وعلى هذا تكون صحيفة
المرء بعدها))(١).
ومن المواطن التي جاء فيها ذكر الميزان
قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِنَ الْقِسْطَ لِيَّوْمِ
الْقِيَامَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئاً وَإِن كَانَ
مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنْتِنَا بِهَأُ وَّكَغَى بِنَا
حَسِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
تصف الآية الكريمة القضاء العادل في
اليوم الآخر بأنه يوازن بين أعمال العباد
موازنة دقيقة فيحاسب كلا على أعماله،
والمعنى: أن الموازين يوم القيامة عدلٌ لا
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢/ ١٨٠، زاد
المسير، ابن الجوزي ١٠٣/٢.
يظلم بها أحدٌ شيئًا.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: و((الأكثر
-يعني: من العلماء- على أنه إنما هو ميزانٌ
واحدٌ، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال
الموزونة فيه))(٢).
ووصف الله تعالى الموازين بالقسط؛
لأن المیزان قد يكون مستقيمًا وقد يكون
بخلافة، فبين أن تلك الموازين تجري على
حد العدل والقسط، وأكد ذلك بقوله: ﴿فَلَا
نُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾.
وقد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم
أن أعمال العباد توزن في اليوم الآخر من
حسنات أو سيئات، فمن ثقلت موازينه بأن
رجحت حسناته على سيئاته فاز ودخل
الجنة برحمته تعالى، ومن رجحت سيئاته
علی حسناته هلك و دخل النار بعدله تعالى،
وإن كان المؤمنون على تفاوت درجاتهم في
الأعمال هم من أهل الجنة، وإن عذبوا على
بعض ذنوبهم بمقدارها.
وفي وزن أعمال العباد جاءت آيات عدة،
منها قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِ الصُّورِ فَلَآ
أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَيِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ﴿ فَمَنْ
تَقُلَتْ مَوَزِنُّهُ. فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
١٠٢
وَمَنْ خَقَّتْ مَوَزِينُهُ، فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ
أَنْفُسَهُمْ فِ جَهَنَّمَ خَلِدُونَ (١٢) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ
النَّارُ وَهُمْ فِهَا كَالِحُونَ ﴾[المؤمنون: ١٠١-
(٢) تفسير القرآن العظيم ٣٤٥/٥.
مَوْسُو ◌َرُ النَّفْسَيد
القرآن الكريمِ
٢٠٤
اليوم الآخر
١٠٤].
وقوله تعالى: ﴿وَاُلْوَزْنُ يَوْمَیدٍ الْحَقُّ فَمَن
ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ، فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ١
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ، فَأُوْلَيْكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُم
بِمَا كَانُواْ بِشَايَتِنَا يَظْلِمُونَ﴾﴾ [الأعراف: ٨-٩].
ومنها أيضًا قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن
فَهُوَ فِ عِيشَةٍ
ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ,
رََّضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ. ٥)
١٠
فَأَتُّهُ هَاوِيَةٌ ) وَمَا أَدْرَئِكَ مَاهِيَةْ
نَارُ حَامِيَةٌ ﴾ [القارعة: ٦-١١].
فجاءت الآيات الكريمات؛ لتعرض وزن
أعمال الناس في الميزان، وتفصل في حالهم
إلى حالٍ حسنةٍ لأهل السعادة المعبر عنهم
بـ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ، فَهُوَ فِي
عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾، وحال فظيعة لأهل
الشقاء المعبر عنهم بـ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ
مَوَزِينُهُ فَأَتُهُ حَاوِيَةٌ م وَمَآ
أَدْرَنِكَ مَاهِيَهْ نَارُ حَامِيَةٌ﴾(١).
فكان في التفصيل مقابلةٌ بين الصنفین
الشقي منهم والسعيد، وبيان منزل كل
فريقٍ منهم، فالسعداء ترجح حسناتهم على
سيئاتهم، وتثقل في الميزان وتكون خاتمتهم
إلى الجنان، أما الأشقياء الذين لا تقوم بهم
حسناتهم وترجح سيئاتهم فيكون مآلهم إلى
النار.
وفي مواضع أخرى يصور القرآن الكريم
(١) انظر: التحرير والتنوير ٥١٣/٣٠.
دقة الميزان في وزنه حتى الذرة المتناهية في
الصغر قسطًا وعدلًا من الله تعالى، وذلك
في قوله تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ
أَشْنَانًا لِّيُرَوْاْ أَعْمَلَهُمْ ل فَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرَايَرَهُ, { وَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٦-٨].
فهذه آياتٌ تصف دقة الميزان
الرباني في اليوم الآخر، الناس يمضون
أَشْكَانًا
متفرقين بحسب أعمالهم
وَلَهُرَوْاْ أَعْمَلَهُمْ﴾ خيرًا كانت أم شرًا،
يرونها مكتوبةً في صحائفهم، فيعطون
کتبهم بحسب أعمالهم بیمینھم أو شمالھم،
ويرونها وهي توزن في الميزان.
وهذا ما يدل عليه التفريع بعدها:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرَايَرَهُ,
٢) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾
((انتقالًا للترغيب والترهيب بعد الفراغ من
إثبات البعث والجزاء، والتفريع قاضٍ بأن
هذا يكون عقب ما يصدر الناس أشتاتًا))(٢).
وبعض الخلق لا يقيم لهم الرحمن وزنًا
في اليوم الآخر، وهم المذكورون في قوله
تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنََّهُ بِالْأَخْسَرِنَ أَعْمَلًا { الَّذِينَ
ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ الْحَيَّةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ
صُنْعًا ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ رَبِّهِمْ وَلِقَّبِهِ،
◌َبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ وَزْنَا﴾
[الكهف: ١٠٣- ١٠٥].
(٢) المصدر السابق ٤٩٤/٣٠.
www. modoee.com
٢٠٥
حرف الياء
وقد جاء بيان هذه الآيات الكريمات
في السنة النبوية الشريفة فعن أبي هريرة
رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: (إنه ليأتي الرجل العظيم
السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح
بعوضةٍ، وقال: اقرءوا: ﴿فَلَا تُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ
اٌلْقِيَامَةِ وَزْنَا﴾﴾(١).
٢. تطاير الصحف.
تطالعنا آياتٌ في التعبير القرآني تعرض
لمشاهد من الحساب، وهي تطاير الصحف
إلى أصحابها، تلك الصحف التي يكتب
فيها ما قدم ابن آدم في حياته، وقد جاءت
هذه المشاهد؛ لتقابل بين صنفين من الناس؛
صنفٌ یؤتی كتابه بيمينه، وآخر يؤتى كتابه
بشماله، وحال کل واحدٍ منها بعدها.
ومن هذه المشاهد ما جاء في قوله تعالى:
﴿يَوْمَيِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَّةٌ (٥) فَأَمَّا مَنْ
أُوِى كِتَبَهُ بِيَسِنِهِ، فَيَقُولُ هَاؤُمُ أَقْرَهُوَأَ كِنَِّيَهُ (١)
إِنِّ ظَنَنْتُ أَنِّ مُلَقٍ حِسَابَةْ ، فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ
(١ فيِ جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ﴿ قُطُوفُهَا دَانِيَّةٌ أَ كُلُواْ
وَأَشْرَبُواْ هَنِيًَ بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ)
وَأَمَّا مَنْ أُوِيَ كِنَبَهُ بِشِمَالِهِ، فَيَقُولُ يَتََّنِيِ لَمْ أُوتَ كِنَِيَّة
﴿ وَلَوْ أَدْرِ مَا حِسَاَِهْ { يَلَتْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ
مَا أَغْنَى عَنِى مَالِيَةٌ { هَلَكَ عَنِى سُلْطَيِيَة )
٢٧
◌ُوهُ فَعُوهُ لَّ ◌ْبَحِيمَ صَلُوهُ ، ثُرَِّ سِلْسِلَةٍ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٤٧٢٩،
كتاب التفسير، باب (أولئك الذين كفروا
بآيات ربهم ولقائه)، ٦/ ٩٣.
إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ
٣٢
ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاءَا فَاسْلُكُوهُ ،
بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ) وَلَا يَعُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ
٣٤
فَسَ لَهُ الْيَوْمَ هَنْهُنَا حَمِيمٌ (٥) وَلَ طَعَامِ إِلَّمِنْ غِسْلِينِ (
لَّا يَأْكُلُ: إِلَّا الْخَطِئُونَ﴾ [الحاقة: ١٨ -٣٧].
فهذه آياتٌ تصف الحساب وموقف
الناس عنده؛ إذ ينقسمون إلى قسمين، منهم
من یؤتی کتابه بیمینه، فیسعد أيما سعادة،
ويفرح فرحًا کبیرًا، ومنهم من يؤتى كتابه
بشماله، فیشقی أیما شقاوة، ويحزن حزنًا
عميقًا، فريقان مختلفان في موقفٍ واحدٍ،
یصورهما القرآن أدق تصویر.
ومن مشاهد تطاير الصحف وإتيان
الكتاب في اليمين أو الشمال أيضًا قوله
تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ (٢)
فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ، وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِ
مَسْرُورَان ◌ِ وَأَمَّا مَنْ أُوِيَ كِنَبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ
يَدْعُواْ تُرً ا وَيَصْلَى سَعِيرًا ) إِنَّهُ، كَانَ فِ أَهْلِ
مَسْرُورًا ( ٢) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَّنْ يَهُرَ ل ◌َ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ
بِ بَصِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧-١٥].
جاءت هذه الآيات تفصيلاً للإجمال
في قوله تعالى في أول السورة: ﴿يَأَيُّهَا
الْإِنسَنُّ إِنَّكَ كَادِعُ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَعُلَفِيهِ﴾، وهي
تقابل بين صنفي الناس آنذاك، فمنهم من
يؤتى كتابه بيمينه وهو السعيد، ومنهم من
يؤتى كتابه بشماله وهو الشقي. والحساب
اليسير في الآية كنايةٌ عن عدم المؤاخذة
على سيئاته، بل هو عرضٌ فقط يذكر فيه
٢٠٦
الْقُرْآن الكَرِيمِ
اليوم الآخر
تعالى المؤمن بما عمل في الدنيا (١). ثم أُوتِيَ كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ، فَأُوْلَمِكَ يَقْرَهُونَ
يتجاوز عنه، فهو حسابٌ قليلٌ يسيرٌ كما كِتَبَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا { وَمَن
كَانَ فِى هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُ
سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٧١-٧١].
دل عليه التنكير في قوله تعالى: ﴿حِسَابًا
يَسِيرً﴾. ويدل عليه أيضًا ما روي عن أم
٣. الشهادة على الخلق.
المؤمنين سيدتنا عائشة رضي الله عنها عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نوقش
الحساب عذب) قالت: قلت: أليس يقول
الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ ثُحَاسَبُ حِسَابًا يسيرًا﴾ قال
صلى الله عليه وسلم: (ذلك العرض) (٢)،
وفي رواية أخرى: (لیس ذاك الحساب! إنما
ذاك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة
عذب)(٣).
وبعد هذا العرض ينصرف إلى بيته وأهله
في الجنة مسرورًا فرحًا. أما الشقي فسيأخذ
كتابه بشماله من وراء ظهره؛ لأن «أيمانهم
تغل إلى أعناقهم، وتكون شمائلهم وراء
ظهورهم»(٤).
وما أن يقرأ كتابه حتى يدعو على نفسه
بالهلاك لسوء مصيره؛ إذ سيدخل جهنم.
ومما جاء في بيان الصحف وتطايرها أيضًا
قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِمَمِعِمٍ فَمَنْ
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢٣/٣٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب من نوقش الحساب عذب، رقم ٦١٧١،
٢٣٩٤/٥.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، رقم ٢٨٧٦،
كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب إثبات
الحساب، ٤ / ٢٢٠٤.
(٤) معاني القرآن ٣/ ٢٥٠.
جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تبين
أن هناك الكثير من الشهود على الإنسان في
اليوم الآخر لإقامة الحجة علیه ولتكون دليلاً
وشاهدًا على ما فعله في الحياة الدنيا، وربنا
الرحمن تعالی لا یحتاج إلی من یخبره عن
عباده أو يشهد عليهم بما فعلوه، فهو العالم
تعالى بهم وبأعمالهم كما حكى عن نفسه
العلية في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِ شَأَنِ
وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا
كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهٍ وَمَا يَعْزُبُ
عَن رَّبِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَآءِ
وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَبٍ مُّبِينٍ﴾
[يونس: ٦١].
وقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ
أَوْ نَتَوَّنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا
يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦].
وشهادة الرب تعالى على الإنسان في
الدنيا تكفي على ابن آدم فهو أعظم شهيد
وأجل شهيد تعالى، إلا أنه سبحانه من كمال
عدله وإعذارًا لهم أقام عليهم الشهود بعد
شهادته عليهم، ونوعهم وكثرهم؛ لإلزامهم
الحجة والبينة، وهؤلاء الشهود كثر كما
www. modoee.com
٢٠٧
حرف الياء
ذكرنا، أولهم ربنا الرحمن إذ يذكر الإنسان شهدوهم وحفظوا عليهم ما كانوا يعملون
بما قدم في الدنيا ويقول له: ألم تفعل كذا في الدنيا صغيره وكبيره. ومنهم الكتاب
الذي سجل كل صغيرة وكبيرة عليهم قال
تعالى: ﴿وَتَرَ كُلّ أُمَِّ جَائِيَةٌ كُلُّ أُمِّ تُدْعَ إِلَى كِتَبِهَا
الْيَوْم ◌ُهْزَوَّنَ مَاكُمْ تَعْمَلُونَ ( هَذَا كِنَبُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ
بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجائية:
٢٨-٢٩].
وكذا؟ -کما جاء في الصحیح -. والآيات
في شهادته تعالى على العباد كثيرة. ذكرنا
بعضها في هذه الفقرة ومع هذا، فالإنسان
بجحوده ينكر وينكر، فيزيد الله تعالى له
الشهود من مخلوقاته عليه حكمًا وعدلًا
- كما سيأتي -.
ومن الشهود على الخلق أيضًا بعد شهادة
الله تعالى الملائكة بأصنافها كما في قوله
تعالى: ﴿إِذْ يُلَقَّى الْمُّلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ
فَعِدٌ( ٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّ لَدَيْهِ رَقِيبُ عِيدٌ (
١٨
وَجَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَجِدُ
وَتُفِخَ فِ الصُّورِّ ذَلِكَ يَوْمُ اَلْوَعِيدِ ) وَحَدَتْ
١٩
كُلُّ نَفْسِ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ١٧ -٢١].
أي: ملك يسوقه إلى المحشر وملك
يشهد عليه بأعماله في الدنيا، وقوله تعالى:
﴿كَا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِلِدِينِ ) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ
كِرَامًا كَئِينَ ا يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾
[الانفطار: ٩- ١٢].
أي: ملائكة يكتبون ما كنتم تعملون في
الدنيا غير مضيعينه، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ
أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَكَ
يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ اَلْأَشْهَدُ هَؤُلاءِ
الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمَّ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى
الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].
ومن هؤلاء الأشهاد الملائكة الذين
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِرُ الْجِبَالَ وَتَرَى
اْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَهُمْ فَلَمْ تُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ()
وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفَّا لَّقَدْ جِنْتُمُونَا كُمَا خَلَقْتَكُم
أَوَّلَ مَرَّقٌ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ تَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا )
وَوُضِعَ الْكِتَبُّ فَتَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّافِيهِ
وَيَقُولُونَ يَوَيْلَنَّنَا مَالِ هَذَا أَلْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ
صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنَهَأْ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ
حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧ -
٤٩].
آيات تعرض لساحة العرض والحساب،
و قد تجمعت فيها الخلائق کلها وتحشدت،
وقد جئوا على الركب متميزين أمة أمة
يرتقبون الحساب، ويجابهون بالجزاء وكل
شيء قد كتب واستنسخ في كتاب دقيق
ناطق الذي لم يترك عملًا صغيرًا أو كبيرًا إلا
وأحاط به.
ومن الشهود على الخلق أيضًا الأنبياء
والرسل كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهُ
لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا
وَيُؤْتِ مِن ◌َّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ فَكَيْفَ
٢٠٨
جوبيه
القرآن الكريم
اليوم الآخر
إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِم بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى
هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ( ١) يَوْمَيِذٍ يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ
اللَّهَ حَدِيثًا﴾﴾ [النساء: ٤٠-٤٢].
وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِ أُمَّةٍ رَسُولٌّ فَإِذَا
جَلّمَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِلْقِسْطِ وَهُمْ لَا
يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٤٧].
يعني: إذا جاء الرسول في اليوم الآخر
قضي بینهم وسماه الله تعالى شهيدًا كما
في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلّ أُمٍَّ
شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَثٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمْ
يُسْتَعْنَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤].
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمِ
مِنْ أَنْفُسِهِمٌّ وَجِتْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ
وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَنَّا لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدَّى
وَرَحْمَةً وَيُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾[النحل: ٨٩].
وغيرها من الآيات. والآيات السابقات
تدل بجموعها أنه تعالى في اليوم الآخر
سيجمع الخلائق ويجيء بكل أمة ليشهد
عليهم رسولها بما بلغ وبما أجابته به أمته
حين دعاها إلى الله تعالى؛ لئلا يكون للناس
حجة بعد الرسل فيشهد عليها بالحق،
فحينئذ يتمنون لو أنهم سووا بالأرض،
وسويت بهم، فيكونون نسيًا منسيًا، حالهم
كحال سائر البهائم، وذلك من عظيم ما
یرون من الهول والشدة، وهیهات لهم ذلك.
ومن الشهود على الخلق أيضًا أمة
محمد؛ إذ يجيء بها شاهدة على الأمم؛
لعدلها بعد أن تشهد الرسل على أقوالهم،
لا تجد هذه الأمم حينئذ إلا تكذيب رسلها
وإنکار تأديتهم للرسالة كما كانوا يكذبونهم
في الدنيا، فتقوم الأمة الوسط أمة سيدنا
محمد صلى الله عليه وسلم وذلك في
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا
لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣].
وقوله تعالى أيضًا: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ
شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾
[الحج: ٧٨].
هذه الشهادة التي تأتي بعد تكذيب الأمم
لرسلها کما سبق وقد جاء بیان ذلك صراحة
في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم فعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (يجيء نوحٌ وأمته،
فيقول الله تعالى هل بلغت؟ فيقول: نعم أي
رب، فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا
ما جاءنا من نبي، فيقول لنوح: من يشهد لك؟
فيقول: محمدٌ صلی الله عليه وسلم وأمته،
فنشهد أنه قد بلغ، وهو قوله -جل ذكره -:
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَمًِّا لِّنَكُونُواْ
شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ والوسط: العدل)(١).
ومن الشهود على الخلق أيضًا الأرض،
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٣٣٣٩،
کتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله: (إنا أرسلنا
نوحًا إلى قومه)، ٤ /١٣٤.
www. modoee.com
٢٠٩
حرف الياء
وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ
أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنسَنُ مَا لَمَّا الْ يَوْمَيْدٍ
تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾
[الزلزلة: ٢-٥].
فالأرض تشهد على الإنسان بما عمل
على ظهرها بعد إنكاره فعن أبي هريرة رضي
الله عنه، قال: (قرأ رسول الله صلى الله عليه
وسلم هذه الآية: ﴿يَوْمَيِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾
[الزلزلة: ٤]. قال: (أتدرون ما أخبارها؟)
قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: (فإن أخبارها
أن تشهد على كل عبدٍ وأمةٍ بما عمل على
ظهرها، أن تقول: عمل عمل كذا في يوم
كذا، فهذه أخبارها)(١).
فإذا أنكر الخلق كل الشهود السابقين
وكذبوهم ولجوا في الخصومة، أقام الله
عليهم شاهدًا منهم، فتشهد عليهم جوارحهم
(سمعهم وأبصارهم وجلودهم) بما قدموا
من أعمال في الدنيا، كما قال تعالى:
◌َشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلَِّنَتُهُمْ وَيْدِهِمْ وَأَرْجُهُم بِمَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤].
وقوله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَنْوِهِمْ
وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيِهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ
يَكْسِبُونَ﴾[يس: ٦٥].
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك، رقم ٣٠١٢،
كتاب التفسير، باب من كتاب قراءات النبي،
٢٨١/٢.
قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح على شرط
الشيخين ولم يخرجاه). ولم يتعقّبه الذهبي.
((وهكذا يخذل بعضهم بعضًا وتشهد
عليهم جوارحهم، وتتفكك شخصيتهم
مزقًا وآحادًا یكذب بعضها بعضًا، وتعود کل
جارحةٍ إلى ربها مفردة، ويثوب كل عضوٍ
إلی بارئه مستسلمًا، إنه مشهدٌ عجيب رهیب
تذهل من تصوره القلوب»(٢).
ومن شهادة الجوارح أيضًا قوله
﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ
تعالى:
فَهُمْ يُوزَّعُونَ ٢ حََّ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ
سَمْعُهُمْ وَأَبْصَرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
﴿ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدُمْ عَلَيْنَاً قَالُواْ
أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِىَّ أَنطَقَ كُلّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ
مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتِرُونَ أَن
يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَ أَبْصَدَّكُمْ وَلَا جُلُودُكُمّ
وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ
(٢) وَذَلِكُمْ ظَتُكُمُ الَّذِى ظَنَنْتُم بِرَبَّكُمْ أَرْدَنَكُمْ
فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَسِرِينَ ﴾ [فصلت: ١٩ -٢٣].
فالآيات الكريمات تصف حال العباد
المنكرين للمكتوب في صحفهم من
السيئات المطالبين بأن لا يكون الشاهد
عليهم إلا من أنفسهم، فيختم الله على
أفواههم فلا تستطيع أن تنطق بشيء ثم
يأمر أعضاءهم أن تشهد عليهم بما عملوا.
والكافرون اعتادوا على الكذب في الدنيا،
وظنوا أنهم يستطيعون أن يحققوا عن طريقه
فوزًا ونفعًا، وهكذا جاءت الآية؛ لتسد
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٩٧٣/٥.
٢١٠
الْقُرآن الكَرِيْمِ
اليوم الآخر
عليهم هذا الباب الذي اعتادوا أن يدخلوا هناك توافق بين ما يدلي به المعترف وما
يدلي به الشاهد(٢).
ويخرجوا منه.
فيوم القيامة يختم تعالى على أفواههم
ويعقد ألسنتهم، وتترك الشهادة إلى غير
اللسان من أعضاء جسمه، بعد أن رفض
هذا الإنسان شهادة الناس والملائكة
عليه، فتشهد عليهم أعضاؤهم على غير
ما کانوا یعهدون من أمرهم، وعلی غیر ما
كانوا ينتظرون؛ لأنهم كانوا عنها يدافعون
ويكذبون في الدنيا، وبعدها تنقلب عليهم
في الآخرة.
والناظر في الآية يرى أنه تعالى أسند
الختم إلى نفسه في حين أسند الكلام
والشهادة إلى الجوارح؛ لأنه لو أسندها
إليه لكان هناك احتمال في أن يكون ذلك
جبرًا وقهرًا، والإقرار بالإجبار غير مقبول،
فنسبها إليها، فتشهد باختيارها لخالقها بعد
ما يقدرها الله تعالى على الكلام؛ ليكون أدل
علی صدور الذنب منهم(١).
وثمة لطيفة في تقديم الاعتراف أو الكلام
على الشهادة، وذلك لمناسبة الواقع فالعادة
جرت بأن تسير الأمور في القضايا على وفق
هذا النسق، الاعتراف أولًا، والشهود ثانيًا،
وهذا ما بينته الآية الكريمة، وكذلك قدم؛
لأن دوره في هذه القضية أكثر فعالية وأبلغ
دلالة من الشهادة، وبخاصةً عندما يكون
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٧/ ٥٥٥-٥٥٦.
وقد جاء حديث في الصحيح يجمع
أغلب هؤلاء الشهود على المخلوق عند
إنكاره فعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه
قال: (ضحك رسول الله صلى الله عليه
وسلم ذات يومٍ أو تبسم، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (ألا تسألوني من أي
شيء ضحكت؟) فقال: (عجبت من مجادلة
العبد ربه يوم القيامة، يقول: یا رب، أليس
وعدتني أن لا تظلمني؟ قال: بلى، قال: فإني
لا أقبل علي شهادة شاهدٍ إلا من نفسي،
فيقول: أو ليس كفى بي شهيدًا، وبالملائكة
الكرام الكاتبين؟ قال: فيردد هذا الكلام
مراتٍ، فیختم على فيه، وتكلم أركانه بما
کان یعمل، فيقول: بعدًا لكم وسحقًا، عنكم
كنت أجادل)(٣).
وبعد كل هؤلاء الشهود على الخلق
في ساحة العرض والحساب، وبعد أن
يرى المخلوق الحق، ويتبين له أن الله لا
تخفى عليه خافية، ویری کل ما عمله في
الدنيا مكتوبًا في صحيفته، وقامت عليه
(٢) انظر: تأملات في سورة يس، حسن محمد
باجودة، ص٨٧.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك، رقم ٨٧٧٨،
كتاب الأهوال، ٦٤٤/٤.
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط
مسلم ولم يخرجه))، ولم يتعقبه الذهبي.
www. modoee.com
٢١١
حرف الياء
الشهود ویری أنه لا برهان له ولا حجة، یقر
ويعترف بما جنى وأقترف كما حكى عنه
القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿يَمَعْشَرَ
اَلْجِنّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ يَقُصُونَ
عَلَيْكُمْ ءَايَِ وَيُنذِرُونَّكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَاً
قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىَ أَنْفُسِنَّا وَظَرَّتْهُمُ الْمَيَّةُ الدُّنَّا
وَشَهِدُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَفِرِينَ﴾
[الأنعام: ١٣٠].
٤. الخصوم بین یدي رب العالمين.
من مواقف الحشر والحساب تخاصم
الكافرين مع شركائهم ومضليهم.
وقد جاءت آيات كريمات عديدة تبين
هذا التخاصم منها ما جاء في تصوير
التخاصم بين الأتباع مع قادتهم المضلين
لهم في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ
فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١) وَقَالُواْ يَوَّيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الَّذِينِ
هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِى كُتُم بِهِ تُكَّذِّبُونَ
أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ
٢٣
مِن دُونِ اللَّهِ فَأَهْدُوهُمْ إِلَى صِرَطِ الْجَحِيمِ (
٢٢
وَقِقُوُهُمْ إِنَهُمْ مَسْئُولُونَ مَا لَكُ لَا نَّنَاصَرُونَ)
بَلَّ هُمُّ أَلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ
يَتَسَآءَ لُونَ ﴿ قَالُواْإِنَّكُمْ كُمْ تَأْتُونَنَاعَنِ اَلْيَمِينِ
قَالُواْ بَل لَمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ { وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ
مِّنِ سُلْطَانٍ بَلْ كُنُمْ قَوْمًا طَحِينَ ) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ
٣٢
رَيْنَاْ إِنَّا لَذَآَيِقُونَ ) فَأَغْوَيْنَكُمْ إِنَّا كُنَا غَوِينَ
فَإِنَّهُمْ يَوْمَيِدٍ فِىِ الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ﴿ إِنَّا كَذَلِكَ
نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ﴾ [الصافات: ١٩-٣٥].
آیات کریمات تصور تخاصم الكافرين
المجرمين مع أسيادهم وقادتهم المضلين
لهم، فيقول الضعفاء التابعون للقادة
المضلين لهم: ﴿إِنَّكُمْ كُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ ﴾؛
لإضلالنا ومنعنا من سماع الحق واتباعه.
فيرد المضلون على المستضعفين منكرين
إضلالهم إياهم، ويقولون لهم: ﴿قَالُوا بَل لَّْ
تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴿ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍّ
بَلَ كُمْ قَوْمًا ◌َخِينَ﴾، براءة منهم بعد ما رأوا
الحق بأعينهم وعاينوا العذاب الواقع بهم
جمیعًا لا محالة. وقریب من هذه الآيات
نقرأ قوله تعالى: ﴿وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ
الضُّعَفَوْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا
فَهَلْ أَنْتُم مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابٍ اللَّهِ مِن شَىْءُ
قَالُواْ لَوْ هَدَننَا اللهُ لَهَّدَيْنَكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَاً
أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَّرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ [إبراهيم:
٢١].
وغيرها من الآيات الكريمات.
ومن التخاصم ما يحصل بين العابدين
ومعبوداتهم عندما يجمعهم الله في مكان
واحد، وقد جاء ذلك القرآن الكريم منها قوله
تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلَاءِ
أَمْ هُمْ ضَلُّواْ السَّبِيلَ ، قَالُواْ سُبْحَتَكَ مَا
كَانَ يَطْبَغِى لَنَا أَنْ تَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءُ وَلَكِن
مَتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَ هُمْ حَقَّ نَسُواْ ﴾ [الفرقان: ١٧ -
٢١٢
مَوَسُولَةُ المقيمـ
القرآن الكريمِ
١٨].
اليوم الآخر
وقوله تعالى: ﴿وَبُرْزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ!
مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ
وَقِيلَ لَمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ()
فَكُبْكِبُواْ فِيَهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ
٩٣
يَنْصُرُونَكُأَوْ يَنْنَصِرُونَ
وَحُدُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٥) قَالُواْ وَهُمْ فِيَهَا
يَخْتَصِمُونَ ٢ تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِىِ ضَلَلِ تُّبِيٍ )
إِذْ تُسَوِّيِكُمْ بِرَبِ الْعَلَمِينَ ﴿ وَمَآ أَضَلَّنَا إِلَّا
اَلْمُجْرِمُونَ﴾ [الشعراء: ٩١-٩٩].
ومن التخاصم ما يحصل بين الكافرين
وقرنائهم، وجاء ذلك في قوله تعالی:
﴿وَنُفِخَ فِ الصُّورِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ، وَحَلّمَتْ كُلُّ
نَفْسِ مَّعَهَا سَأَبِقٌ وَشَهِيدٌ لَّقَدْ كُنتَ فِ غَفْلَتٍْ مِّنْ
هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصْرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ )
وَقَالَ فَي ◌ُّ هَذَا مَا لَدَىَّ عِيدُ أَلْقِيَا فِي جَهَنََّ كُلَّ
كَفَّارٍ عَنِدٍ ل ◌َنَّعِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ قُرِبٍ ٥ الَّذِى
جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَاخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِ الْعَذَابِ الشَّدِيدِ؟
﴿ قَالَ قِنُهُ رَبَّنَامَا أَطْغَيْتُّهُ وَلَكِنْ كَانَ فِ ضَلَلٍ بَعِيدٍ
١﴾ قَالَ لَا تَخْتَصِمُواْ لَدَنَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُرُ بِالْوَعِيدِ
(٢٧
أَمَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَنَّ وَمَا أَنْ بِظَلَِّ لْمِيدِ﴾ [ق:
٢٨
٢٠ - ٢٩].
ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن
ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُفَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَا فَهُوَ لَهُ، قَرِينٌ
وَإِنَّهُمْ لَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم
مُهْتَدُونَ ) حَتٌَّ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَلَيْتَ بَيْنِى
وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقِيْنِ فَبِئْسَ اَلْقَرِينُ (٥) وَلَن
يَنفَعَكُمُ اَلْيَّوْمَ إِذ ◌َظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِ اَلْعَذَابِ
مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٦-٣٩].
ومن التخاصم ما يحصل في اليوم
الآخر عندما تنقلب خلة الكافرين عداوة
بینھم، أما المؤمنون فلا يصيبهم خوف ولا
حزن حيث الجنة مأوى لهم ولأزواجهم،
وذلك في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ
إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْنِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
٦ الْأَخِلَاءُ يَوْمَيِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا
الْمُتَّقِينَ ﴿ يَعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ
اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِئَايَقِنَا
٦٨
وَلَّ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ
وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴿ أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ أَنْتُمْ
وَأَزْ وَجُكُمْ تُخْبَرُونَ﴾ [الزخرف: ٦٦ -٧٠].
www. modoee.com
٢١٣
حرف الياء
المآل والمصير
جاءت مشاهد مآل ومصير الخلق في
اليوم الآخر وجزائهم في كثيرٍ من آيات
القرآن الكريم، ولو أردنا ذكرها مع بيانها
لاحتجنا إلى مئات الصفحات، والناظر إليها
يجد أغلبها - إن لم تكن جميعها- جاءت
على سبيل التقابل بين مآل ومصير المؤمنين
ومآل ومصير الكافرين؛ ليصور ما للمؤمنين
من نعيمٍ في الجنان، وما للمجرمين من
عذاب في النيران، وقد جاءت هذه المشاهد
ترغيبًا وترهيبًا، ترغيبًا في الإيمان والعمل
الصالح الموصل إلى الجنان، وترهيبًا من
الكفر والمعاصي الموصل إلى النيران، وهذا
التقابل مقصودٌ؛ إذ بضدها تتميز الأشياء،
ليتميز البون الشاسع بين منازل المجرمين،
ومراتب المؤمنين، معتمدة في أغلبها على
التصوير الذي يعد «الأداة المفضلة لأسلوب
القرآن))(١).
ويلاحظ على هذه المشاهد أن التقابل
لم يأت على نمطٍ واحدٍ، بل جاء متنوعًا،
فأحيانًا يكون التقابل ثلاثيًا بين السابقين
وأصحاب اليمين والمجرمين نحو ما جاء
في سورة الرحمن والواقعة، وتارةً يكون
التقابل ثنائيًا بين المؤمنين والكافرين، وهذا
التقابل الثنائي أکثر ذکرًا من الثلاثي وسيأتي
تفصيله.
ومن أمثلة التقابل الثلاثي بين المؤمنين
السابقين والمؤمنين من أصحاب اليمين
والكافرين المجرمين قوله تعالى:
يُعَرَ
الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَصِى وَالْأَقْدَاءِ
فَأَتِ ءَالَاءِ رَبَّكُمَا تُكَذَِّانِ هَذِهِ، جَهَنَُّ أَِّى
يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيٍ ◌َانٍ
(٢) فَأَتِيِّ ءَالَاءِ رَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ
رَيِّدِ جَنَّكَانِ فَأَتِيْ ءَالَاءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ذَوَاتَآً
أَقَْانٍ ﴿ فَأَتِّ ءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِهِمَا عَيْنَانِ
تَجْرِهَانِ فَأَمِّ ◌َلَاءِ رَيِّكُمَاتُكَذِّبَانِ » فِهِمَامِن
كُلِّ فَكِهَةٍ زَوْجَانِ ، فَأَتِّ ءَلَاءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٥٣
مُتَّكِينَ عَلَى قُرُئٍِ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى
الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ، فَأَِّّ ءَالَاءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
فِهِنَّ قَصِرَاتُ اُلْطَرْفِ لَمْ يَطْمِنْهُنَّ إِسٌْ قَبْلَهُمْ وَلَا
جَنٌ فَأَتِيِّ ءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ كَأَنَّهُنَ
اَلْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ، فَأَِّ ءَالَاءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
! هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ
٦٠
فَأَتِ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) وَمِن دُونِمَا
جَنََّانِ فَأَتِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانٍ)
٦٥
﴿ فَبِأَيِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
مُدْهَآَمَتَانِ
فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ﴿ فَبِأَتِّ ءَالَاءِ رَبَّكُمَا
تُكَّذِّبَانِ فِيهِمَا فَكِهَةُ وَغَخْلُ وَرُمَّانٌ (٥) فِيأَتِيّ
ءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) فِنَّ خَيْرَتُّ حِسَانٌ ))
(٨) حُرُ مَقْصُورَاتٌ فِي
فَأَتِّ ءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَنِ
الـ
اَلْخِيَامِ ، فَأَتِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
يَطَمِئْهُنَّ إِنسَقُ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌ (٦) فَأَتِ ءَالَآءِ رَبَّكُمَا
(١) التصوير الفني في القرآن، سيد قطب ص٣٦.
٢١٤
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ