النص المفهرس
صفحات 21-40
اليوم الآخر
وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ التَّمَاءُ أولى بالإمكان والقدرة من ذلك))(١).
بَنَهَا { رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّنَهَا (٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا
وَأَخْرَجَ شُحَهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَتَهَاً (
أَخْرَجَ مِنْهَ مَآءَهَا وَمَرْعَنْهَا وَاَلْجِبَالَ أَرْسَنَهَا﴾
[النازعات: ٢٧-٣٢].
قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله
بعد أن أورد عددًا من الآيات حول هذا
الاستدلال: «فالله تعالى لم یکتف في بیان
إمكان المعاد بهذا؛ إذ يمكن أن يكون الشيء
ممتنعًا ولو لغیره، وإن لم يعلم الذهن امتناعه؛
بخلاف الإمكان الخارجي. فإنه إذا علم بطل
بعلمه بوجود نظيره وتارةً بعلمه بوجود ما
هو أبلغ منه، فإن وجود الشيء دليلٌ على أن
ما هو دونه أولى بالإمكان منه.
ثم إنه إذا بین کون الشيء ممكنًا فلا بد
من بيان قدرة الربِّ عليه، وإلا فمجرد العلم
بإمكانه لا يكفي في إمكان وقوعه إن لم تعلم
قدرة الرب على ذلك. فبين سبحانه هذا
كله بمثل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ قَادِرُ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ
وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلَّا لَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا
كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٩٩].
فإنه من المعلوم ببداهة العقول أن خلق
السموات والأرض أعظم من خلق أمثال
بني آدم والقدرة علیه أبلغ، وأن هذا الأيسر
٣. القادر على البدء قادر على الإعادة.
من أدلة القرآن الكريم في الاستدلال
على البعث بعد الموت استدلاله على وقوع
وإمكان النشأة الثانية - البعث بعد الموت-
بالنشأة الأولى -الخلق الأول.
وهذا استدلال جاء في کثیر من آيات
القرآن الكريم، استدلال يلزم منكر البعث
الحجة بالدليل القاطع، فهو يغفل عن أن
خلقه على هذا النحو أعظم دلیل، فهو يرى
بأم عينيه كل يوم النشأة الأولى للإنسان
أن يكون ممتنعًا، والإنسان يعلم الإمكان والحيوان، ومن كانت هذه حاله في الأولى
الخارجي؛ تارةً بعلمه بوجود الشيء، وتارةً لن يصعب إرجاعه في الثانية؛ لأن الذي
خلق من العدم قادر غير عاجز تعالى على
أن يعيده وهو أهون عليه، لكن فطرة هؤلاء
المنکرین فسدت؛ لکفرهم وعنادهم، فغابت
عنهم الحقائق الثوابت: ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ
حِينٌّ مِنَ الذَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا ( إِنَّا خَلَقْنَا
اَلْإِنسَنَ مِن نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ تَّبْتَلِهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا
بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ١- ٢].
ومن الآيات الكريمات التي ذكرت
الاستدلال على النشأة الآخرة بالنشأة
الأولى، وتذكير منكري البعث المستبعدين
له بهذه الحقيقة الثابتة التي لا يستطيع أحد
إنكارها قوله تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ
الْأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٥) وَقَالُواْ
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٩٩/٣.
www. modoee.com
١٧٥
حرف الياء
أَِذَا كُنَّا عِظَمًا وَرُفَنَّا أَمِنَّا لَمَبْعُوْقُونَ خَلْقًا جَدِيدًا
﴿ ﴿ قُلْ كُنُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥) أَوْ خَلْقًا
مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَاً
قُلِ الَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّؤْ فَسَيُنْخِضُونَ إِلَيْكَ
رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَ هُوَّ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ
قَرِبًا (١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْنَجِيبُونَ مِحَمْدِهِ،
وَتَظُنُّونَ إِنْ أَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٤٨-٥٢].
فالآيات تعرض لسؤال منكري البعث
المتكرر دومًا (من يعيدنا؟)، (من يبعثنا؟)
وهذا غاية الإنكار منهم، كما قال الألوسي
رحمه الله: ((فيه من الدلالة على غلوهم
في الكفر وتمادیهم في الضلال ما لا مزيد
علیە))(١).
فجاءت الآيات بالجواب البليغ المفحم
بأن قل لهم يا محمد - تحقيقًا للحقِّ،
وإزاحة للاستبعاد، وإرشادًا لهم إلى طريقة
الاستدلال -: إن الذي یعیدکم ویبعثکم هو
الله القادر العظيم الذي فطركم وأنشأكم في
النشأة الأولى، من غير مثال سابق يحتذيه
ولا أسلوبٍ ينتحيه، وكنتم ترابًا ما شم
رائحة الحياة، أليس الذي يقدر على ذلك
بقادر على أن يعيد العظام البالية إلى حالتها
المعهودة؟! بلی إنه على كل شيء قدير (٢).
قال الرازي رحمه الله: ((فإن المنافاة بين
الحجرية والحديدية، وبين قبول الحياة أشد
(١) روح المعاني ٨/ ٨٧.
(٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
١٧٧/٥.
من المنافاة بين العظمية وبين قبول الحياة،
وذلك أن العظم قد كان جزءًا من بدن
الحي، أما الحجارة والحديد فما كانا البتة
موصوفين بالحياة، فبتقدير أن تصير أبدان
الناس موصوفةً بصفة الحجرية والحديدية
بعد الموت، فإن الله تعالی یعید الحياة إليها
ويجعلها حيًّا عاقلًا كما كان))(٣).
ولكن لا زال الجحود والشكُّ والريبة
تجول في عقول المنكرين للبعث ومخيلتهم،
كما ذكر الله عنهم بقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن
يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِى فَطَرَّكُمْ أَوَّلَ مَرَّوْ فَسَيُنْفِضُونَ
إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَ هُوَّ قُلْ عَسَى أَن
يَكُونَ قِيبًا ﴾.
فالوجود دليل على العدم؛ إذ لولا ذلك
لما كان للشيء وجود في الخارج.
وفي موضع آخر من القرآن الكريم نجد
تفصيلاً في الاستدلال على البعث بالخلق
الأول للإنسان، فأبونا آدم خلقه الله من
تراب، فالقادر على جعل التراب بشرًا سويًّا،
لا يعجزه أن يعيده بشرًا سويًّا مرة أخرى بعد
موته، ویذکر أيضًا بخلقنا نحن - ذرية آدم-
فإنه خلقنا من سلالة من ماء مهين، تَحَوَّلَ
هذا الماء فأصبح نطفة، ثم صارت النطفة
علقة، ثم تحولت إلى مضغة. إلى أن نفخ
فيها الروح، وجعلها إنسانًا سويًّا.
فالقادر على هذا الخلق المشاهد
(٣) مفاتيح الغيب ٣٥٢/٢٠.
١٧٦
جوبيه
الْقُرآن الكَرِيْمِ
اليوم الآخر
المعلوم، قادر على إعادته، وإحياء الموتى.
قال تعالى:
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُتُمْ
فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَقْنَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ
مِن تُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَفَقِ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ أُخَلَّقَةٍ
وَغَيْرٍ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِنَ لَكُمْ وَنُّفِرُّ فِ آلْأَرْحَامِ مَا
نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَنَّى فُمَّ تُخْرِحُكُمْ ◌ِفْلًا ثُمَّ
◌ِتَبْلُغُواْ أَشُنَّكُمْ وَمِنْكُم مَن يُنَوَلَّ
وَمِنْكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا
يَعْلَمَ مِنْ بَعْدٍ عِلْمٍ شَيْئَّأْ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً
فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيَّهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ
مِن كُلِّ زَوْجَ بَهِيج ٥ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ لَلُّْ
وَنَّهُ, يُّحْيِ الْمَوْقَ وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْ ءٍ قَدِيرٌ ) وَأَنَّ
السَّاعَةَ مَاتِيَّةٌ لََّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِ
الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٥-٧].
وهذه الآيات تعطي تفصيلاً للمراحل
التي يمر بها خلق الإنسان، فقد قابل الله هذه
المراحل بعدة دلالات على قدرته سبحانه
على البعث.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: ((أي
إنهم التبس عليهم إعادة الخلق خلقًا جديدًا،
ثم نبههم على ما هو من أعظم آیات قدرته
وشواهد ربوبيته وأدلة المعاد، وهو خلق
الإنسان؛ فإنه من أعظم الأدلة على التوحيد
والمعاد، وأي دلیل أوضح من تركيب هذه
الصورة الآدمية بأعضائها وقواها وصفاتها،
وما فيها من اللحم والعظم والعروق
والأعصاب والرباطات والمنافذ والآلات
والعلوم والإرادات والصناعات؟! كل ذلك
من نطفة ماء! فلو أنصف العبد ربه لاكتفى
بفكره في نفسه، واستدل بوجوده على
جميع ما أخبرت به الرسل عن الله وأسمائه
وصفاته))(١).
وهذه الآيات لها دلالة عقلية على البعث:
فهي نقلة ضخمة بعيدة الأغوار والآماد،
تشهد بالقدرة التي لا يعجزها البعث، وأنَّ
إنشاء الإنسان من التراب، وتطور الجنين
في مراحل حياته، وانبعاث الحياة من
الأرض بعد الهمود، كلّ ذلك متعلق بأن
الله هو الحقّ، فهو من السنن المضطردة
التي تنشأ من أن خالقها هو الحقُّ الذي لا
تختل سننه ولا تتخلف، وأن اتجاه الحياة في
هذه الأطوار؛ ليدل على الإرادة التي تدفعها
وتنسق خطاها وترتب مراحلها.
فهناك ارتباط وثيق بين أن الله هو الحقُّ،
وبين هذا الاضطراد والثبات، والاتجاه
الذي لا يحيد، وأن إحياء الموتى هو إعادة
للحياة، والذي أنشأ الحياة الأولى هو الذي
ينشئها للمرة الآخرة ﴿وَأَنَّ اللّهَ يَبْعَثُ مَن
فيآلْقُبُورِ﴾؛ ليلاقوا ما يستحقونه من جزاء،
فهذا البعث تقتضيه حكمة الخلق والتدبير،
وإنَّ هذه الأطوار التي يمرُّ بها الجنين، ثمَّ
يمر بها الطفل بعد أن يرى النور؛ لتشير إلى
أن الإرادة المدبرة لهذه الأطوار ستدفع
(١) الفوائد، ابن القيم ص ٩.
www. modoee.com
١٧٧
حرف الياء
بالإنسان إلی حیث یبلغ كماله الممكن في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده
عظمٌ رمیمٌ، وهو یفتته ویذريه في الهواء،
دار الکمال؛ إذ إن الإنسان لا يبلغ كماله
في حياة الأرض، فهو يقف ثم يتراجع
﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدٍ عِلْمٍ شَيْئًا﴾.
وهو يقول: يا محمد، أتزعم أن الله يبعث
هذا؟ فقال: (نعم، يميتك الله تعالى ثم
يبعثك، ثم يحشرك إلى النار).
فلابد من دار أخرى يتم فيها تمام
الإنسان، فدلالة هذه الأطوار على البعث
دلالة مزدوجة، فهي تدلُّ على البعث من
ناحية أنَّ القادر على الإنشاء قادر على
الإعادة، وهي تدلُّ على البعث؛ لأن
الإرادة المدبرة تكمِّلُ تطوير الإنسان
الخلق والإعادة ونواميس الحياة والبعث،
ونواميس الحساب والجزاء، تشهد كلها
بوجود الخالق المدبر القادر، الذي ليس في
وجوده جدال(١).
ومن الآيات أيضًا قوله تعالى: ﴿ وَضَرَبَ
لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَةُ، قَالَ مَن يُحِ اَلْعِظَمَ وَهِىَ
رَمِيمٌ ﴿ قُلْ يُحْبِيهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٌ
وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨-٧٩].
فالله تعالى يعلم أين ذهبت العظام
في سائر أقطار الأرض وأرجائها وتفرقها
وتمزقها، ويعلم مم يعيد خلق الإنسان كما
بدأه من أصغر جزء في الإنسان وهو: عجب
الذنب. قال مجاهدٌ، وعكرمة، وعروة بن
الزبير، والسدي، وقتادة في سبب نزول هذه
الآيات الكريمات: (جاء أبي بن خلفٍ إلی
وقد أمر الله عباده بالسير في الأرض،
والنظر في كيفية بدء الخلق؛ ليستدلوا بذلك
على قدرته على الإعادة، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ
الَّذِى يَبْدَؤُّأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَبٌ عَلَيْةٍ
وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ
اَلْحَكِيمُ ) ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ
هَل لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِّن شُرَكَآءَ
فِ مَا رَزَقْنَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَّخَافُونَهُمْ
كُخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ
اُلْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٧-٢٨].
وهذه الآيات مثلٌ ضربه الله تعالى
لعباده؛ ليدلَّ على ((أن الإعادة أهون عليه
(١) انظر: في ظلال القرآن ٢٤٠٩/٤.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٦/ ٥٩٤.
١٧٨
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّ
القرآن الكريم
ونزلت هذه الآيات من آخر يس: ﴿أَوَلَمْ
يَرَ الْإِنسَنُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِنْ نُطَفَةٍ﴾، إلى آخرهن
عن ابن عباس، (أن العاصي بن وائلٍ أخذ
عظمًا من البطحاء ففته بيده، ثم قال لرسول
الله صلی الله عليه وسلم: أیحيي الله هذا
في الدار الآخرة، وهكذا تلتقي نواميس بعد ما أرى؟ فقال رسول الله صلى الله
علیه وسلم: (نعم، یمیتك الله ثم یحییك،
ثم يدخلك جهنم). قال: ونزلت الآيات من
آخریس)(٢).
اليوم الآخر
من البداية، أي: أیسر، وإن كان جمیعه على
الله تعالى هينًا، وقاله ابن عباسٍ. ووجهه
أن هذا مثلٌ ضربه الله تعالی لعباده، يقول:
إعادة الشيء على الخلائق أهون من ابتدائه،
فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على البداية
عندکم وفیما بینکم)»(١).
يقول الفخر الرازي رحمه الله معلقًا
على هذه الآيات نقلًا: ((لو اجتمع كلّ
الخلائق على إيراد حجةٍ في البعث على
هذا الاختصار لما قدروا عليها؛ إذ لاشكَّ أنَّ
الإعادة ثانيًا أهون من الإيجاد أولًا، ونظيره:
﴿قُلْ يُحِْيهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوْلَ مَزَّقِ﴾ [يس:
٧٩].
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ.
وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]))(٢).
وبمجموع الآيات السابقة كلها نجد أن
أسلوب الآيات يمزج الحجج والبراهين
العقلية القاطعة بالكلمات البليغة المؤثرة،
والمنطق الصحيح، وبهذا يرد القرآن الكريم
على منكري البعث والحساب ويجادلهم
ويبطل مزاعمهم، ويبدد شبههم الباطلة
الواهية في أسلوب بليغ محكم يلزم الحجة
في الاستدلال على البعث بعد الموت
بالنشأة الأولى.
٤. القادر على الإماتة ثم الإحياء قادر على
(١) الجامع لأحكام القرآن ٢١/١٤.
(٢) مفاتيح الغيب ٥٥٦/٢١.
البعث.
إِنَّ تقلب الخلق بين الموت (العدم) ثمَّ
الحياة، ثم الموت، ثم الحياة الأبدية الخالدة
أعظم دليل على قدرة الله التي تجعل
النفوس تخضع لعظمته وسلطانه ف﴿ گیفَ
تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنِتُمْ أَمْوَتًا فَأَحْيَكُمَّ
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيَكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَمُونَ﴾
[البقرة: ٢٨].
وفي كثير من المواضع من القرآن
الكريم يبين ربنا الرحمن تعالى أن من تمام
مستحقات ألوهيته وربوبيته قدرته على
تحويل الخلق من حال إلى حال، ولذا فإنه
يميت ويحيي، ويخلق ويفني، ويخرج الحي
من الميت، والميت من الحي، ومن كانت
هذه حاله فهو قادر على رد الأرواح إلى
الأجساد وبعثها في الآخرة.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَىْ كَمَا
خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَكَّتُم مَّا خَوَّلْنَكُمْ وَرَآءَ
ظُهُورِكُمٌّ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ
زَعَمْتُمْ أَنَهُمْ فِيكُمْ شُرَّكَوْلَقَدَ نَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ
عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ
اٌلْحَبِّ وَالنَّوَّ يُخْرِجُ الَّْ مِنَ الْمَيْتِ وَتُخْرِئُ الْمَيْتِ
مِنَ الْحَيَّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَنَّ تُؤْفَكُونَ ﴾ فَالِقُ
اَلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنَا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
حُسْبَانً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَهِزِ اَلْعَلِيمِ (١) وَهُوَ الَّذِى
جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِهْتَدُواْ بِهَا فِ ظُلُمَتِ أَلْبَرِّ
وَالْبَحْرِّ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢) وَهُوَّ
www. modoee.com
١٧٩
حرف الياء
الَّذِىَّ أَنشَأَكُمْ مِّن نَّفْسِ وَاحِدَةٍ فَيُسْتَقَرُّ وَمُسْتَوْدَعٌ
قَدْ فَصَّلْنَا الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام:
٩٤ - ٩٨].
وأبعد من ذلك فقد استدل القرآن الكريم
في كثير من آياته بقصص وأحداث من
أماتهم الله تعالی ثم أحیاهم في الدنيا؛ ليثبت
قضية البعث بعد الموت، ويدلل على صدق
ما أخبر به الرسل من أمر المعاد. ومن هذا
الاستدلال ما ورد في سورة البقرة، إذ وردت
فيها أحداث متنوعة تدلل على ذلك:
منها حادثة بني إسرائيل مع نبیھم سیدنا
موسی علیه السلام حین قالوا له: لن نؤمن
لك حتى نرى الله جهرة، فأماتهم الله
تعالى، ثم أحياهم، وفي ذلك يقول الله
تعالى مخاطبًا بني إسرائيل في معرض
الامتنان عليهم: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَنْ تُؤْمِنَ
لَكَ حَقَّ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الضَّعِقَةُ
وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ () ثُمَّ بَعَثْنَكُمْ مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥)
الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىُّ كُلُواْ مِنْ
طَيِّبَتٍ مَا رَزَقْنَكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوّا
أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٥ -٥٧].
وقريب من هذه الحادثة ما تحكيه لنا
السورة المباركة أن أناسًا فروا خوفًا من
قدر الله المتحقق في الموت، وهم ألوف،
فوقعوا به فماتوا ثم أحياهم الله بعدها،
يقول ربنا تعالى فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
خَرَجُوا مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفُّ حَدَّرَ أَلْمَوْتِ
فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَهُمّْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو
فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣].
وفي هذه الآيات ((يقص سبحانه وتعالى
علينا قصة الذين خرجوا من ديارهم على
كثرتهم واتفاق مقاصدهم، بأن الذي
أخرجهم منها حذر الموت من وباء أو غيره،
يقصدون بهذا الخروج السلامة من الموت،
ولكن لا يغني حذر عن قدر، ﴿فَقَالَ لَهُمُ
اللَّهُ مُوتُوا﴾ فماتوا ﴿ثُمَّ﴾ إن الله تعالى
﴿أَحْيَهُمْ﴾ إما بدعوة نبي أو بغير ذلك،
رحمة بهم ولطفا وحلما، وبيانا لآياته
لخلقه بإحياء الموتى، ولهذا قال:
اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ﴾ أي: عظيم ﴿عَلَى النَّاسِ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ فلا
تزيدهم النعمة شكرًا، بل ربما استعانوا بنعم
الله تعالى على معاصيه، وقليل منهم الشكور
الذي يعرف النعمة ويقر بها ويصرفها في
طاعة المنعم))(١).
ومنها أيضًا في الاستدلال على البعث
قصة العزير عليه السلام وهو أحد أنبياء بني
إسرائيل الذي مر على قرية ميتة فاستبعد أن
يحييها الله تعالى، فأماته الله تعالى مائة سنة،
ثم أحياه.
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِى
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٠٦.
١٨٠
جوبيه
القرآن الكريمِ
اليوم الآخر
مَزَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّ
يُحِىء هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَاً فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ
بَعَثَةٌ قَالَ كُمْ لَبِئْتَّ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًّا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ
وَشَرَائِكَ لَمْ يَتَسَنَّةٌ وَأَنْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ
وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةٌ لِلنَّاسِّ وَأَنْظُرْ إِلَى
اَلْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِرُ هَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمَّاً
فَلَمَّا تَبَّنَ لَهُ, قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩].
وهذه القرية هي: بيت المقدس، خربها
الملك الجبار بختنصر وقتل أهلها، فمر
عليها عزير، فإذا بالقرية خربة مدمرة، فوقف
عزير متفكرًا فيما آلت إليه من الخراب،
مستعظمًا قدرة الله ومعترفًا بالعجز عن
معرفة طريق الإحياء فقال: ﴿أَّ يُعْىِ هَذِهِ
اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾؟! فأراه الله ذلك في عالم
الواقع؛ ليكون ذلك أبلغ في المعرفة؛ لأن
أحاسيس الإنسان ومشاعره أحيانًا لا تقبل
مجرد دليل، فأراه الله أبعد الأمرين في نفسه
على أبلغ وجه، حيث أماته فاختلط لحمه
وعظمه وشعره بالتراب ثم أحياه، ثم في
غيره حيث أحيا له الحمار وحفظ طعامه من
الفساد؛ ليكون ذلك آیة علی قدرة الله على
البعث والإعادة ودرسًا لغيره(١).
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٢٨٩/٣، تفسیر
القرآن العظيم ٦٨٨/١.
نفسها سؤال إبراهيم عليه السلام عن كيفية
إحياء الموتى؛ فأمره الله تعالى أن يذبح
أربعة من الطير، ويفرقهن أجزاء على الجبال
التي حوله، ثم يناديهن، فتلتئم الأجزاء
بعضها إلى بعض، ويأتين إلى إبراهيم سعيًا.
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ
إِبْرَهِمُ رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْنَى قَالَ أَوَلَمْ
تُؤْمِنْ قَالَ بَى وَلَكِن لِيَطْمَبِنَّ قَلِى قَالَ فَخُذْ
أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ أَجْعَلْ عَلَى كُلِّ
جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءً اثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيَاً وَأَعْلَمْ
أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠].
وهذه حادثة أخرى يستدل بها القرآن
الكريم على البعث بعد الموت بطريقة
عملية تطبيقية.
ومنها أيضًا في قصة القتيل الذي اختصم
فيه بنو إسرائيل، فأمرهم الله تعالى أن
يذبحوا بقرة فيضربوه ببعضها؛ ليخبرهم
بمن قتله، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ
قَطَلْتُمْ نَفْسًا فَذَارَأْ تُمْ فِيهَا وَاللّهُ تُخْرِجُ مَّا كُنتُمْ
تَكْتُونَ ) فَقُلْنَا أَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَاْ كَذَلِكَ يُحْى
اللهُ الْمَوْنَى وَيُرِيكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾
[البقرة: ٧٢- ٧٣].
ومن هذا الاستدلال في السورة المباركة ثم جعل كل فريق يدرأ عن نفسه التهمة
لقد كشف الله لقوم موسى عن الحكمة
من ذبح البقرة. لقد كانوا قد قتلوا نفسًا منهم
ويلحقها بسواه. ولم يكن هناك شاهد فأراد
الله أن يظهر الحق على لسان القتيل ذاته
www. modoee.com
١٨١
حرف الياء
وکان ذبح البقرة وسيلة إلى إحيائه، وذلك
بضربه ببعض من تلك البقرة. وهكذا كان،
فعادت إليه الحياة؛ لیخبر بنفسه عن قاتله،
وليجلو الشكوك التي أحاطت بمقتله،
وليحق الحق ويبطل الباطل بأوثق البراهين.
حادثة أمام العيان لم يكن الغرض منها إحياء
هذا المیت؛ لیکشف لهم عن قاتله فحسب،
بل لیکشف الله للقوم بأنه جعل ذبح البقرة
وسيلة ظاهرة تكشف لهم عن قدرة الله في
إحياء الموتى بما شاهدوه من أمر القتيل،
حتى يبلغوا من بعدهم قدرة الله تعالى على
الإيجاد والمعاد (١).
ومن هذا الاستدلال أيضًا الذي دل على
إمكان إحياء الموتى. ما جعله الله تعالى
من آيات عيسى بن مريم في إحياء الموتى،
وإخراجهم من قبورهم بإذن الله تعالى،
وذلك في قوله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِىّ
إِسْرَِّيلَ أَنِّ قَدْ جِئْتُّكُمْ بِقَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنْ أَخَُّقُ
لَكُم مِّنَ الْطِينِ كَهَيََّةِ الَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ
فَيَكُونُ طَيْرًّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأَبِىُّ الْأَكْمَهَ
وَاْأَبْرَصَ وَأُحِ اَلْمَوْقَ بِإِذْنِ اللّهِ وَأَنَبِّئُكُمْ بِمَا
تَأْكُونَ وَمَا تَتَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ
لَيَةٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٤٩].
ومن ذلك أيضًا ما أخبر الله عن قصة
أصحاب الكهف، إذ لبثوا وهم رقود في
كهفهم مدة طويلة ثم بعثهم قال تعالى:
(١) انظر: في ظلال القرآن ٧٩/١ -٨٠.
﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبَّنَاَ ءَائِنَا
مِن لَّدُنكَ رَحْمَةُ وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا
فَضَرَيْنَا عَلَىْ ءَاذَانِهِمْ فِ اَلْكَهْفِ سِنِينَ
عَدَدًا ® ثُمَّ بَعَنْتَهُمْ لِنَعْلَمَ أَىُّ الْخِزْبَّنِ أَحْصَى
لِمَا لَبِئُوَاْ أَمَدًا﴾ [الكهف: ١٠- ١٢].
قال الشوكاني رحمه الله: ((فإن من
شاهد حال أهل الكهف علم صحة ما
وعد الله به من البعث» (٢)، كما قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ أَعْتَزْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَهْدَ
اللَّهِ حَقِّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف:
٢١].
إن هذه الحوادث والقصص كلها جاءت؛
لتدل على إحياء الموتى بعد مماتهم، وهذا
برهان قطعي على قدرة الله تعالى على
ذلك، وعبرة وعظة لمنكري البعث وتبصرة
وذکری لکل عبد منیب.
٥. العدل والحكمة يستلزمان وجود اليوم
الآخر.
لم يخلق الله تعالى الخلق عبئًا ولن
يتركهم سدى، بل خلقهم لغاية معلومة وهي
العبادة؛ لتكون الدنيا دار عمل واختبار لهم،
فانقسموا على قسمين: قسم آمن وعمل
الصالحات، والقسم الآخر كفر وعصى
وعمل السيئات، ومن هنا فإن من حكمة الله
ومقتضى عدله وجود البعث ومن ثم الجزاء
للخلق بعد الموت؛ ليجزي كل واحد منهم
(٢) فتح القدير ٣٢٨/٣.
جَوَسُولَةُ النَّفِي
القرآن الكريم
١٨٢
اليوم الآخر
الجزاء الأوفى على ما قدم في الدنيا، فيئيب الدنيا لا يؤمر ولا ينهى ويترك في قبره سدی
دون أن يبعث؟! إن ذلك لا يليق بحكمة
الله، فكل شيء یصدر عنه سبحانه له حكمة
تقتضيه(١).
المحسن منهم ويعاقب المسيء، ولو لم
يكن هناك بعث للخلق وحساب لهم على
أعمالهم التي قدموها في الحياة الدنيا، لكان
وعدل الله لا يسوي بين من أحسن
وأساء قال تعالى: ﴿أَمَّ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَحُواْ
السَّيِّئَاتِ أَنْ أَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ سَوَاءَ تَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَلَّةَ مَا
يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١].
الخلق كله عبثًا باطلًا ولانتفت صفة العدالة
في حقه تعالى، وهذا أمر لا يتفق مع حكمة
الله تعالى وعدله وهو مناقض ومعارض
للعدل الرباني الإلهي؛ لأن الله خلق الخلق
لعبادته، وأرسل الرسل وأنزل عليهم الكتب؛
لبيان الطريق الموصلة إليه، وعليه فإن ذلك
يستلزم الحساب والجزاء - كما سبق -.
وقد جاءت آيات كثيرة من القرآن وأن كمال الرب تعالى وكمال أسمائه
الكريم تبين أن البعث ضرورة يقتضيها
عدل الله وحكمته وتقرر ذلك، منها قوله
تعالى: ﴿أَفَجْعَلُ الْسْلِينَّكُْجْرِمِينَ ﴿ مَالَكُزُكَيْفَ
تَحَكُونَ﴾ [القلم: ٣٥- ٣٦].
آيات ابتدأت المحاججة بالاستفهام
الإنكاري؛ لنفي التساوي بين المسلمين
والكافرين في الجزاء، وإبطال زعم
الكافرين بالتساوي حينها. أي: لا يكون
المسلمون كالمجرمين الكافرين في سوء
الحال والمآل.
ومنها أيضًا قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ
أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ
فَتَعَلَى اَللَّهُ الْمَلِكُ الْحَفِىّ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ رَبُّ
١١٥
اَلْعَرْشِ الْكَرِ﴾ [المؤمنون: ١١٥-١١٦].
فهل يظن عاقل أن يترك الإنسان في هذه
قال ابن القيم رحمه الله: ((لهذا كان
الصواب أن المعاد معلوم بالعقل مع الشرع،
وصفاته تقتضيه وتوجيه)»(٢).
وحكمته تعالى تقتضي أن تكون هناك
حياة ثانية بعد الحياة الدنيا، يقام فيها ميزان
العدل الإلهي، وينال كل عامل جزاء عمله
خيرًا كان أم شرًا، وهذا ما أكده القرآن
وأشارت إليه آياته وقوله تعالى: ﴿إِنَّ
السَّاعَةَ ءَانِيَةُ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا
تَسْعَى﴾ [طه: ١٥].
وغيرها من الآيات.
٦. القياس على المحسوسات كالنباتات.
ذكرنا - فيما سبق- أدلة على البعث
وكانت أغلبها - إن لم تكن كلها- أدلة عقلية،
وفي القادم نذكر بعض الأدلة الحسية من
(١) انظر: المصدر السابق ٣/ ٥٩٢.
(٢) الفوائد، ص ٧.
www. modoee.com
١٨٣
حرف الياء
واقع الإنسان الذي يعايشه تدل على صدق
البعث والنشور بعد الموت، أدلة حسية
ملموسة في الأرض والسماء، كتاب الله
المنظور، تأتي آيات القرآن الكريم -الکتاب
المسطور- لتعبر عنها بأبلغ بيان وأحسنه
وتقرها، أدلة جعلها الله لكل ناظر فيها
الفوز والنجاة، ومن هذه الأدلة الحسية التي
يشير إليها القران الكريم: الأرض اليابسة
القاحلة الميتة، ومنها أيضًا: النبات وغيرها
التي تأتي في مقام الاستدلال ومحاججة
الكافرين ومنكري البعث على أن الله تعالى
هو الخالق وحده لهذا الكون العظيم القادر
على إفنائه، وهو وحده القادر على إعادة
الخلق بعد مماتهم في اليوم الآخر بعد فناء
الدنیا وزوالها، قال تعالى على لسان سيدنا
نوح عليه السلام وهو يدعو قومه إلى معرفة
أمر البعث فيقول: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَّكُم مِّنَ الْأَرْضِ بَبَاتًا
ثُمَّ يُعِيذُكُمْ فِيهَا وَيُمْرِيُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح:
١٧
١٧-١٨].
ومن آيات الاستدلال بالأدلة الحسية:
الأرض الميتة اليابسة التي لا نبات فيها
وذلك في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن
كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَقْنَكُم مِّنْ تُرَابٍ
ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ أُخَلَقَةٍ
وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِ الْأَرْحَامِ مَا
نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَبَّى ثُمَّ نُخْرِحُكُمْ ◌ِفْلًا ثُمَّ
لِتَبْلُغُواْ أَشُنَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُوَلَّا
وَمِنْكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا
يَعْلَمَ مِنْ بَعْدٍ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً
فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَلَّةَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ
مِن كُلِّ زَوْجِ بَهِيج ٥ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ لْتُّ
وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْقَ وَّهُ, عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ
السَّاعَةَ مَاتِيَّةٌ لََّ رَيْبَ فِيَهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي
الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٥-٧].
فهذا مثل ضربه الله تعالى بإحياء الأرض
بالنبات بعد إنزال المطر عليها كدليل آخر
على قدرته تعالى على إحياء الموتى، فكما
يحيي سبحانه الأرض الميتة التي لا نبت
فيها ولا ماء يحيي الله تعالى الموتى عند
البعث، فجعل الله سبحانه وتعالى إحياء
الأرض بعد موتها نظير إحياء الأموات،
وإخراج النبات منها نظير إخراجهم من
القبور، ودل بالنظیر علی نظيره، وجعل ذلك
آية ودليلًا على خمسة مطالب:
أحدها: وجود الصانع وأنه الحق المبين،
وذلك يستلزم إثبات صفات كماله وقدرته
وإرادته وحياته وعلمه وحكمته ورحمته
وأفعاله.
الثاني: أنه يحصي الموتى.
الثالث: عموم قدرته على كل شيء.
الرابع: إتيان الساعة، وأنها لا ريب فيها.
الخامس: أنه يخرج الموتى من القبور
كما أخرج النبات من الأرض(١).
(١) انظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن
١٨٤
جَوَسُولَةُ التقنية
الْقُرآن الكَرِيْمِ
اليوم الآخر
ارتقاءٌ في الاستدلال على الإحياء بعد
الموت بقياس التمثيل؛ لأنه استدلالٌ بحالةٍ
مشاهدةٍ، فلذلك افتتح بفعل الرؤية، بخلاف
الاستدلال بخلق الإنسان؛ فإن مبدأه غير
مشاهدٍ، فقيل في شأنه: ﴿فَإِنَّا خَقْنَكُم مِّن
تُرَابٍ﴾. ومحل الاستدلال من قوله تعالى:
﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيَّهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ﴾، فهو
مناسبٌ لقوله في الاستدلال الأول: ﴿فَإِنَّا
خَلَقْنگُم مِّن تُرَابٍ﴾، فهمود الأرض بمنزلة
موت الإنسان واهتزازها وإنباتها بعد ذلك
يماثل الإحياء بعد الموت))(١).
ومن الآيات التي تبين قدرة الله تعالى
على البعث وتدلل عليه قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ
الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ فَنُثِيُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِ السَّمَآءِ
كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ، كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ
مِنْ خِلَلِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ= إِذَا
هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ
عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ ﴾ فَأَنْظُرْ إِلَى ءَاثَرِ
رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاْ إِنَّ
ذَلِكَ لَمُحِى الْمَوْقَىَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾
[الروم: ٤٨ - ٥٠].
وفي هذه الآيات يربط القرآن الكريم
حقيقة الحياة الدنيوية لبعض مخلوقات الله
وبين النشأة الأخرى، موضحًا ذلك على
القيم، ٣٠١/٨.
(١) التحرير والتنوير ٢٠٣/١٧.
قال ابن عاشور رحمه الله: ((وهذا طريقة الناس في معرفتهم لنشأة هذه الحياة،
أي: كما أحيا الله الأرض الميتة بالماء،
كذلك يحيي الموتى من قبورهم تصوير
لكيفية انبعاث الحياة في الأبدان المودعة
في القبور، بحال انبعاث الحياة في النبات
المودعة في الأرض، بما يطرأ عليهما من
أحوال مختلفة من حياة وموت بطريقة
متعاقبة.
ومن آيات الاستدلال أيضًا قوله تعالى:
﴿وَ مِنْ ءَايَتِهِ: أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا
عَلَيَّهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتَّ إِنَّ الَّذِىّ أَحْيَاهَا لَمُحِي
اٌلْمَوْقَ إِنَّهُ, عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩].
آية يؤثرها التعبير القرآني بأسلوب
الخطاب، وهو خطاب عام، والمعنى: ومن
العلامات الواضحة والدلالات القاطعة على
وجوده، وعلى البعث وأنه يحيي الموتى هذه
الصورة المحسوسة. وأدخل المخاطب في
جو الآية؛ ليباشر رؤية هذا المشهد المليء
بالحركة بعد السكون، فالإنسان المنكر
للبعث يرى في كل زمان ومكان الأرض
﴿اَلْأَرْضَ خَشِعَةٌ﴾ هكذا على سبيل استعارة
الخشوع -وهو (التذلل) - لحال الأرض إذ
كانت مقحطة یابسة لا نبات عليها.
وقد أوثرت هذه الاستعارة في هذه
الآية، في حين وصفت الأرض في سورة
الحج بأنها هامدة في قوله تعالى: ﴿وَتَرَی
الْأَرْضَ هَامِدَةٌ فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ
www. modoee.com
١٨٥
حرف الياء
وَرَبَتْ﴾، وهي صفات إنسانية أضفاها
التعبير القرآني على الأرض، فأخرجها بهذه
الصورة الموحية المؤثرة، والصفتان تعبران
عن معنى واحد، وهو ما يظهر على الأرض
من آثار الجدب وفقدان معالم الحياة.
ويتناسب اختيار الصفتين مع هدف
الآيات في عرض قدرته تعالى على إحياء
الأرض وهو إثبات البعث والنشور وإحياء
الموتى، فكما أن الأرض ﴿خَشِعَةً﴾
و ﴿مَامِدَةٌ ﴾ لا حیاة فیھا ولا روح قبل نزول
الماءعليها، كذلك ﴿المَونَ﴾ هامدون، و كما
تستجيب الأرض الميتة وتهتز وتربو وتدب
الحياة فيها بسبب الماء النازل، كذلك فإن
الله الذي أحياها لمحيي الموتى، فالآيتان
ذات دلالة شاملة من خلال اقترانهما بالسماء
والأرض، وبذلك تحقق شمول العبرة لكل
كائن على الأرض، وتتحقق نعمة الهداية،
فضلًا عن أن حيوية الصورة قائمة بتجددها
واستمرارها؛ لأن إنزال الماء على الأرض
عملية مكررة مع الزمان والمكان، فهي
قائمة ما دامت السموات والأرض، شاهدة
على قدرته تعالى، يعتبر بها جيل بعد جيل،
ولابد من ملاحظة التناسب والانسجام بين
الفكرة المراد إثباتها وبين الاستعارتين، فهو
تناسب وتألیف محکم(١).
(١) انظر: الاستعارة في القرآن الكريم، أحمد
فتحي رمضان، ص ١٤٢ و ٢٢٣ -٢٢٤.
ونظير هذه الآيات قوله تعالى: ﴿وَهُوَ
الَّذِى يُرْسِلُ الرَّحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ.
حَّةٍ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالَا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ مَّيْتٍ
فَأَنزَلْنَا بِهِ اَلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ الثَّمَزَتِّ
كَذَلِكَ تُخْرِجُ الْمَوْقَ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
[الأعراف: ٥٧].
وفي هذه الآيات السابقة استدلال بتبدل
أحوال الأرض والنباتات من موت إلی حیاة،
وسلب خاصية النشوء والنماء في بعض
النباتات فتهمد وتتفتت ثم تسقى بالماء
فتعود إليها تلك الخاصية، فلو كان مستحيلًا
إعادة الحياة إلى الإنسان مرة أخرى لما
عادت الحياة إلى النباتات المختلفة بعد
موتها؛ لأن المشابهة واضحة في القدرة
الإلهية في إعادة الحياتين سيرتهما الأولى.
ولهذا لفت القرآن الكريم أنظار
المنكرين إلى التبصر في الموجودات
الحسية واستنتاج العظات والعبر منها؛ ليعود
للنفس إيمانها فتسعد بالطمأنينة والاستقرار،
وقد تقدمت المشابهة بين إعادة الحياة إلى
النبات بالمطر وإعادة بناء الأجساد وإنباتها
بالمطر الذي يجعله الله عند البعث وهو
مطر كمني الرجال فتنبت منه الأجساد.
ولهذا يقول تعالى: ﴿وَإِن تَمْجَبْ فَعَجَبٌ
قَوْلهُمْ﴾ [الرعد: ٥].
إشارة إلى أن العجب يكون من إنكارهم
لا من البعث ومعناه: إن كان لك عجب
١٨٦
جوسيق
القرآن الكريم
اليوم الآخر
من شيء فمن إنكارهم البعث، فاعجب؛ للحياة، فإذا أوقدت به النار دبت فيه الحركة
لأن العجب ما ندر وجوده وخفي سببه،
ولیس البعث مما ندر، وهم يشاهدون إحياء
الأرض بعد موتها، واكتساء الأشجار بعد
عريها، وعود النهار بعد زواله، والليل بعد
ذهابه، وإخراج الحي من الميت والميت من
الحي، ولا مما خفي سببه فإن الله سبحانه
هو الفاعل لذلك والمخترع له والقادر عليه
وحكمته إظهار ما استتر عن خلقه من تدبیره،
وما النشأة الثانية بأعجب من الأولى.
ومن طرق الاستدلال التي تبين قدرة الله
تعالی علی البعث وتدلل علیه بدلیل واقعي
حسي: (إخراج النار من الشجر الأخضر)
في قوله تعالى: ﴿أَوْلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْتَهُ
مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيٌ مُّبِينٌ ) وَضَرَّبَ
لَنَا مَثَلاً وَنَسِىَ خَلْقَةُ، قَالَ مَن يُحْىِ الْعِظَمَ وَهِىَ
رَمِيمٌ ﴿﴿ قُلْ يُحْبِيهَا الَّذِىّ أَشَأَهَا أَوْلَ مَرَّةٌ
وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ
مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِنْهُ تُوقِّدُونَ
ج أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِدٍ
عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمَّ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّقُ الْعَلِيمُ
إِنَّمَآ أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ,كُنْ
٨١
فَيَكُونُ ﴿ فَسُبْحَنَ الَّذِى بِيَدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ
شَىْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٧٧ - ٨٣].
واضطرب، وهذه آثار الحياة، فمن قدر على
هذا قادر على إحياء الموتى، وقد ذكر الله
تعالی هذا الدلیل في موضع آخر في معرض
الاستدلال على ألوهية الله وربوبیة، وإثبات
البعث والحساب، ومحاججة منكريه،
وإبطال اعتقادهم الفاسد في سورة الواقعة،
فبعد أن أكد سبحانه البعث إجمالًا في
معرض الرد على الكافرين في قوله تعالى:
﴿وَكَانُواْ يَقُولُونَ أَيِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَمًا
أَِنَّا لَمَبْعُوتُونَ ﴿ أَوَءَابَاؤُنَا اُلْأَوَّلُونَ ﴿ قُلْ
إِنَّ الْأَوَِّينَ وَالْآَخِرِينَ ، لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَتِ
﴾ [الواقعة: ٤٧ -٥٠].
يوم مَعَلَوم
يرجع السياق لإثبات البعث بمحاججتهم
بما يرونه بأعينهم من أدلةٍ وبراهين ثابتةٍ فيبدأ
سبحانه بقوله: ﴿فَحْنُ خَلَقْنَكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ ﴾
[الواقعة: ٥٧].
وهذه الحقيقة لا ينكرها مشركو العرب،
فهم كانوا يؤمنون بأن الله تعالى هو الخالق،
فخاطبهم تقريعًا لهم بأن من خلقهم أول مرةٍ
سيعيدهم إلى الحياة بعد الموت، وهذا ما
يدل عليه حذف مفعول الفعل ﴿تُصَدِّقُونَ﴾
أي: بالبعث والحساب. ثم تأتي الآيات لتعقد
حوارًا مع الكافرين لمحاججتهم عن طريق
الاستفهام؛ لبيان عظمة الله تعالى وقدرته
فهذه الآيات تدلل على البعث عن طريق
الشجر المقطوع لإيقاد النار، فالشجر إذا
في هذا الکون وصولًا إلی تقریعھم وإثبات
قطع وأصبح حطبًا يكون ميتًا وليس فيه أثر البعث وذلك في قوله تعالى: ﴿أَفَرََّيْتُم مَّا
www. modoee.com
١٨٧
حرف الياء
تُمْنُونَ ) (ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ: أَمْ نَحْنُ الْخَلِقُونَ
أَعَلَى
نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (
أَنْ تُبَدِّلَ أَمْثَلَكُمْ وَنُنَشِئَكُمْ فِمَا لَا تَعْلَمُونَ
وَلَقَدْ عَلِيْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ
أَقْرََّيْتُم مَّا تَخُرُونَ آ ءَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ: أَمْ فَحْنُ
الزَّرِعُونَ { لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَهُ حُطَمًا فَظَلْتُمْ
تَفَكَّهُونَ ﴿ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ( بَلْ نَحْنُ مَحْرُوُمُونَ)
أَفَرَّهَ يْتُمُ الْمَآءَ الَّذِىِ تَشْرَبُونَ ( ءَأَنْتُمْ أَنْزَ لْتُمُوهُ مِنَ
اَلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ) لَوْنَشَاءُ جَعَلْنَهُ أُجَاجًا
فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ﴿ أَفَرَءَ يْتُمُ النَّارَ أَلَتِى تُوُرُونَ (
ءَأَنْتُمْ أَنشَأَتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ ) فَحْنُ
جَعَلْنَهَا تَذْكِرَةً وَمَتَعًا لِلْمُقْوِينَ ) فَسَبِّحْ يِأَسْمٍ
رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٨ - ٧٤].
ويلاحظ على الآيات أنها أدرجت ضمن
منظومةٍ قرآنيةٍ تميزت بوحدة الموضوع
والسیاق والأسلوب، حتى إنها تمخضت عن
قاعدة أسلوبية في أدب الحوار والاستدلال،
الاستدلال على قدرة الله تعالى على
الخلق، والتصديق بحقيقة البعث، ولقد أتى
الاستدلال بالنعم وفق تسلسل منطقي؛ إذ
ابتدأ بذکر المتنعم بالنعم نفسه وهو الإنسان،
فقدم بذكر خلقه، وأعطاه الأهمية والأولوية،
ثم ذكر النعم المسخرة له(١).
ومن الأدلة على إمكانية البعث وطرق
الاستدلال الواقعية الحسية عليه: (ظاهرة
(١) انظر: آيات الأنواء الجوية في القرآن، أحمد
عامر سلطان، ص ١٢١ .
النوم واليقظة) باعتبارهما نموذجًا متكررًا
للموت والحياة للإنسان؛ لأن النوم هو في
الحقيقة موت أصغر؛ إذ إن كلّ منهما عبارة
عن انسحاب من الحياة وتوقف الأعضاء
عن أداء مهامها، على درجات متفاوتة
بينهما، واليقظة شبيهة بالبعث؛ إذ إن كلّا
منهما يعني عودة الأعضاء إلى أداء وظائفها
مع اختلاف بينهما في الدرجة.
وجاء هذا الاستدلال في مواضع من
القرآن الكريم منها قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ
يَتَوَنَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى
مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ أَلَّتِى قَضَى عَلَيْهَا أَلْمَوْتَ
وَبُرْسِلُ الْأَخْرَى إِلَى أَجَلِ مُسَمَّىَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ
لَبَاتِ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢].
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَتَوَنَّكُم
بِأَلَيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّيَبْعَثُكُمْ
فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمَّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ
ثُمَّ يُنِّئَّكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٢) وَهُوَ الْقَاهِرُ
فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَلّةَ
أَحَدَكُمُ الْمَوْثُ تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرُِّطُونَ﴾
[الأنعام: ٦٠ - ٦٢].
آيات وإن كانت خبرًا من الله تعالى
عن قدرته وعلمه، فإن فيها احتجاجًا على
المشرکین به الذین کانوا ینکرون قدرته على
إحيائهم بعد مماتهم، وبعثهم بعد فنائهم (٢).
فدلت بذلك على إمكان البعث والحشر؛
(٢) انظر: جامع البيان ١١/ ٤٠٦.
١٨٨
جوبيين
القرآن الكريمِ
اليوم الآخر
لأن النشأة الثانية منزلتها بعد الأولى كمنزلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم يقول:
اليقظة بعد النوم في أن من قدر على أحدهما باسمك رب وضعت جنبي وبك أرفعه،
فهو قادر على الأخرى، ولذلك ناسب إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها
فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)(٢).
تذييل الآية بقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢].
أي: في معرفة حقيقة ما بين الموت
والحياة واليقظة والنوم من المناسبة، فإذا
جهلنا حقيقة النوم وكيفية حصوله رغم
بساطته ورغم تعاقبه والتصاقه بحالنا، فمن
باب أولى ألا ندرك سر الإحياء وحقيقته،
فكم في الكون أشياء لا يدرك العبد -على
بساطتها- حقائقها لما أودع الله فيها من
الأسرار والكوامن ما يقف الإنسان عندها
مستسلمًا مستضعفًا نفسه مستصغرًا تفكيره
مؤمنًا موقنًا، مع ما في ذلك من منافاة
الإيمان بالغيب(١).
ومثل هذا الاستدلال جاءت آيات
کریمات أخرى. والنبي صلی الله علیه وسلم
حول بمنهجه الإصلاحي هذه الحقيقة إلى
أمر واقعي يستشعره المرء المسلم كل يوم
صباحًا ومساءً،- فيتذكر الموت والبعث
ولا يغفل عنهما البتة، بقوله صلى الله عليه
وسلم آمرًا صحابته رضي الله عنهم فيما
رواه البخاري عن أبي هريرة: (إذا أوى
أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة
(١) انظر: منهج القرآن في إثبات عقيدة البعث بعد
الموت، منظور بن محمد رمضان ص٩٢.
وعن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم
کان إذا أخذ مضجعه قال: (اللهم باسمك
أحيا، وباسمك أموت) وإذا استيقظ قال:
(الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا، وإليه
النشور)(٣).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٦٣٢٠،
كتاب الدعوات، باب التعوذ والقراءة قبل
النوم، ٨/ ٧٠.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، رقم ٢٧١١،
كتاب الذكر والدعاء، باب ما يقول عند النوم
وأخذ المضجع، ٤ /٢٠٨٣.
www. modoee.com
١٨٩
حرف الياء
أبرز أحداث اليوم الآخر
أولًا : أحداث کونیة:
١. تصدع الكون وتبديله.
فصل القرآن الكريم في مشاهد اضطراب
النظام الكوني وتداعيه في اليوم الآخر،
فعرض المشاهد الأولى له وشخصها بكل
دقةٍ للسامع تشخيصًا بينًا دقيقًا، وصور حال
الأرض والسموات حينها، وكيف تتبدل
صورتهما وتتغير عما هي عليه في الحياة
الدنيا.
قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ
وَالسَّمَوَتُّ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ اَلْقَّهَّارِ ﴾ [إبراهيم:
٤٨].
وذکر ما يحل بالکون من خراب ودمارٍ
وتغيرٍ لمعالمه، وسنحاول جهد الإمكان
عرض هذه المشاهد بحسب وقوعها
وترتيبها الزمني، وإن كانت بعض هذه
المشاهد متداخلةً فيما بينها، ومن أولى
المشاهد التي تحصل ما جاء في قوله تعالى:
﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ل لَسَ لِوَقْعِهَا كَاذِبَةٌ )
خَافِضَةٌ رَّفِعَةُ ، إِذَا رُبحَّتِ الْأَرْضُ رَجَّا ))
وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَشَّا فَكَانَتْ هَبَآءُ مُنْبَثًّاً
وَكُنْتُمْ أَزْوَجَا ثَلَاثَةٌ ﴾ [الواقعة: ١ -٧].
فهذه آياتٌ تصور حال الكون، وما
يجري فيه من تغيرٍ واضطرابٍ عند قيام
الساعة، صورةٌ كلها تهويلٌ وتفخيمٌ لهذا
اليوم، والتهويل يتجلى من المطلع، إذ يبدأ
بـ﴿إِذَا﴾ الشرطية؛ لشد ذهن السامع إلى ما
بعدها مع حذف جوابها، وفي هذا الحذف
تحقيقٌ لدلالة التهويل والتفخيم؛ إذ يترك
لخياله ونفسه أن یذهبا في تخيله وتصوره کل
مذهبٍ، وكأن هذا الجواب لا تحيط بوصفه
الألفاظ والعبارات. ويبين سبحانه ما يحل
على الأرض من دمارٍ عند وقوعها، فيقول
مكررًا: ﴿إِذَا﴾ لزيادة التهويل والتفخيم في:
﴿إِذَا رُخَّتِ اَلْأَرْضُ رَبَّا وَبُسَّتِ الْجِبَالُ
بَسَّا فَكَانَتْ هَبَآء ◌ُثبتاً﴾، فالأرض سترج
حتی تتهدم الجبال الرواسي وتكون أثرًا بعد
عينٍ، أي: أصبحت الجبال بعد هذا البس
كالغبار المنثور المتطاير، تشبيهٌ زاد من
تهويل هذا اليوم وفظاعته، وللدلالة على
تحقق هذا الأمر بالرج والبس أكدت الأفعال
بمصادرها في قوله تعالى: ﴿إِذَارُخَّتِ الْأَرْضُ
رَجَّا﴾، ﴿ وَبُسَّتِ الْجِمَالُ بَشًا﴾(١).
وهذا التحريك والتسيير للجبال جاء
مرافقًا لمشهد اضطراب السماء وتموجها
في موضع آخر في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ
السَّمَكُ مَوْرَاً ل وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الطور:
٩ - ١٠].
مشهدٌ يصور السماء وهي تتموج
وتضطرب، والجبال تتحرك من مكانها
وتسير؛ لتئول إلى هباءٍ منبثٍ. وفي موضعٍ
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨٤/٢٧.
مَوَسُولَة النَّهِم
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
١٩٠
اليوم الآخر
آخر نجد تشبيه الجبال الرواسي بعد هذا تصوير حال السماء والأرض، ويلاحظ أن
الرج والبس بالصوف المنفوش في قوله أكثرها بدأ بـ ﴿إِذَا﴾ الشرطية مع حذف
﴿وَتَكُونُ اَلْجِبَالُ كَأَلْمِهْنِ
تعالى:
الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥].
جوابها للاهتمام بما بعدها، وشد ذهن
السامع إليها، مع تقدیم المسند إليه بعدها،
فالجبال تصبح كالصوف المتناثر هنا هذا التقديم الذي يحدث تهويلًا قد لا نجده
وهناك، صورةٌ تشبيهيةٌ تبين هشاشة الجبال
وتفتتها يوم القيامة حتى تغدو كالصوف
المتناثر المتطاير. ومشهد نسف الجبال
وبيان حالها تكرر في القرآن الكريم في أكثر
من موضع.
في تأخيره، ويهز المتلقي ويلفته إلى أمرٍ
غريبٍ لم يحصل مثله في الدنيا، فالسماء
لم يسبق لها أن انفطرت أو انشقت، ولا
الكواكب اندثرت أو انكدرت، ولا البحار
سجرت أو فجرت، وغيرها من الأحداث
الغريبة غير المألوفة(٢).
وفي موضعٍ آخر نقرأ آياتٍ كريماتٍ
تصف ضعف وهوان الدنيا التي ما إن ينفخ
في الصور حتى تذهب زينتها وتنتهي،
وتهدم معالمها وذلك فى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا
نُفِخَ فِ الصُّورِ نَفْحَةٌ وَحِدَةٌ ﴿ وَحُلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ
فَذَكَّنَا دَّلَّةً وَحِدَةٌ ﴿ فَيُؤْمَيِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١)
وَأَنْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِىَ يَوْمِذٍ وَاهِيَةٌ ﴾ [الحاقة: ١٣-
١٦ ].
آیات کریماتٌ تنقل مشاهد الیوم الآخر
وترکز على تصوير أحداثه لا ذکر محدثه،
حتى ليخيل للمرء أن هذه الأشياء منقادة
انقيادًا إلى سرعة الاستجابة للفعل، فتنخلع
الأفئدة وترتعد الفرائص من هول ما يحدث
آنذاك ترهيبًا وتخويفًا(١).
وتتنوع مشاهد الاضطراب الكوني في
(١) انظر: التوجيه البلاغي للقراءات القرآنية،
أحمد محمد سعد، ص٢٦٥.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ
﴿ وَأَذِنَتْ لِرَتِهَا وَحُقَّتْ لُ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ)
وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ، وَأَذِنَتْ لِرَبِهَا وَحُقَّتْ﴾
[الانشقاق: ١- ٥].
وبالأسلوب نفسه نجد أن مشهد الخراب
يأتي على الكواكب والبحار في قوله تعالى:
﴿إِذَا السَّمَآءُ أَنْفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ أَثَرَتْ
ث وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِرَتْ﴾ [الانفطار: ١-٣].
ويتوسع القرآن في بيان مشاهد التغير
والخراب في الكون في قوله تعالى: ﴿إِذَا
الشَّمْسُ كُوْرَتْ ) وَإِذَا النُّجُومُ أَنْكَدَرَتْ ، وَإِذَا
اْجِبَالُ سُيِّرَتْ ، وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِلَتْ ل وَإِذَا
اُلْوُجُوشُ حُشِرَتْ ل وَإِذَا أَلْبِحَارُ سُخِرَتْ ®
وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ل وَإِذَا الْمَوْءُردَةُ سُئِلَتْ ن)
(٢) انظر: التقديم والتأخير في القرآن الكريم،
حميد أحمد عيسى العامري، ص ٨٢.
www. modoee.com
١٩١
حرف الياء
بِأَتِ ذَنْبٍ قُئِلَتْ ل وَإِذَا الشُُّفُ نُشِرَتْ ل وَإِذَا
السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِرَتْ وَإِذَا الْجَنَّةُ
أَزْلِفَتْ عَلِمَتْ نَفْسُ مَّا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير:
١-١٤].
فهذه آياتٌ تصور ما يحل بالكون من
اضطرابٍ وتحولٍ يمس كل أركانه، ذلك
التغير العنيف المتمثل في طمس الأنوار،
واندثار النجوم، وتسيير الجبال، وتفجير
البحار وغيرها من صور الخراب الذي شمل
كل شيءٍ في الأرض والسماء.
وتتغير الألفاظ ويبقى الأسلوب نفسه
في عرض مشاهد الاضطراب في هذا
النظام في قوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَتِ عُرْهَا)
فَالْعَصِفَتِ عَصْفًا وَالنَّشِرَتِ نَشْرً ا فَالْفَرِقَتِ
فَرْقًا فَالْمُلْقِيَتِ ذِكْرًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا )
٥
إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَفِعُ ، فَإِذَا اُلتُّجُومُ ظُمِسَتْ
وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ ل وَإِذَا اِبَالُ نُِّفَتْ وَإِذَا
الرُّسُلُ أُفِنَتْ الِأَتِ يَوْمٍ أُخْلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ)
وَمَآ أَدْرَكَ مَا يَوْمُ اَلْفَصْلِ ) وَيَلْ يَوَمَيٍِ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
[المرسلات: ١- ١٥].
فالآيات تصور مشهد الاضطراب في
النظام الكوني، المتمثل في تلك الحركة
العنيفة التي تجتاح كل شيءٍ، وتثير كل
شيءٍ، فتطمس النجوم، وتنشق السماء،
وتنسف الجبال، فتتلاشى الثوابت، ويحل
الروع محل الأمن في الأرض، والصخب
محل السكون.
٢. النفخ في الصور.
من مشاهد الأحداث الكونية النفخ
بالصور فيكون البعث والنشور بعدها.
والصور قرن كالبوق، يأمر الله تعالى
إسرافيل عليه السلام أن ينفخ فيه النفخة
الأولى وهي نفخة الصعق، فيصعق من في
السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله،
ثم يأمره أن ينفخ النفخة الثانية وهي نفخة
البعث، فإذا الخلائق قيام ينظرون، ويمثل
البعث والنشور أول مراحل اليوم الآخر.
وقد تنوعت مشاهد البعث في التعبير
القرآني فبينت مشهد النفخ في الصور
ومشهد بعث الناس من قبورهم استعدادًا
لحسابهم، مع وصف حال الناس وهم
يستقبلون النداء والتركيز على حال الكافرين
حينئذٍ، والنفخ في الصور هو أول مراحل
اليوم الآخر، والصور هو الناقور كما سماه
الله تعالى في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِ النَّاقُرِ﴾
[المدثر: ٨].
ومما جاء في بيانه قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِى
الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ
إِلَّا مَن شَآءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨].
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِ فَفَِعَ
مَن فِي السَّمَوَتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ اللّهُ
وَكُلُّ أَتَوْهُ دَِّخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧].
وهذه هي النفخة الأولى التي تقضي على
الخلائق كلها إلا ما شاء الله تعالى فبعد أن
مَوسُوْـ
القرآن الكريمِ
١٩٢
اليوم الآخر
يأمر الله تعالى الملك إسرافيل عليه السلام فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣ - ١٤].
بالنفخ الأول في الصور فينفخ فيه، فعندها
پھلك جمیع الناس والجن والحيوانات على
وجه الأرض، وبذلك تجمع الأرض وتضم
في طياتها وفي بطنها وعلى ظهرها جميع
أحيائها أمواتًا لا حي فیھم.
وقد عبر القرآن الكريم عن هذه النفخة
المهولة بأكثر من تعبير ووصف منها النفخة
في قوله تعالى: ﴿فَإِذَاتُفِخَ فِ الصُّورِ نَفْخَةٌ وَحِدَةٌ ﴾
[الحاقة: ١٣].
ومنها الصيحة في قوله تعالى: ﴿مَا
يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةٌ وَجِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ
يَخْصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩].
جُفُ
ومنها الراجفة في قوله تعالى:
الرَّحِفَةُ ) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٦-٧].
والزجرة في قوله: ﴿فَإِنَّا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ﴾
[النازعات: ١٣].
ثم تأتي بعدها النفخة الثانية بعدما يشاء
الله بذلك بعد الأربعين، ويصف فيه الحق
تعالى بعث الناس ونشورهم عند سماع
النفخ في الصور في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِی
الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ بَنِلُونَ
قَالُواْ يَوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا
وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ
إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ
لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥١ - ٥٣].
وقوله تعالى: ﴿فَإنَّا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ
١٣
وغيرها. فما هي إلا نفخة واحدة والكل
واقف: ﴿وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم: ٢١].
فبعد النفخ الثاني في الصور تعود
الأرواح إلى أجسادها، ويحيا الناس،
ويخرجون من قبورهم ويقومون لله رب
العالمين للحشر والحساب. هذه النفخة
الشديدة على الكافرين -كما سيأتي بيانه-
والذي عبر عنه القرآن بـ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِى النَّاقُورِ
فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمُ عَسِبُ ل عَلَى الْكَفِرِينَ غيّرُ
يَسِير
[المدثر: ٨ -١٠].
(والنقر في الناقور هو ما يعبر عنه في
مواضع أخرى بالنفخ في الصور، ولكن
التعبير هنا أشد إيحاءً بشدة الصوت ورنینه؛
كأنه نقرٌ يصوت ويدوي، والصوت الذي
ينقر الآذان أشد وقعًا من الصوت الذي
تسمعه الآذان، ومن ثم يصف اليوم بأنه
عسير على الكافرين))(١).
٣. الإنبات من القبور.
بعد أن بينا فيما سبق المراحل التي تسبق
الإنبات من القبور، والتي تتمثل في تداعي
الكون والنفخ في الصور، تطالعنا آيات
کریمات تبین الکیفیة التي يخرج بها الناس
من قبورهم لأرض المحشر؛ لاستقبال
حسابهم بعد النفخة الثانية، وقد ذکر ذلك
في عدد من الآيات المباركات متخذًا من
(١) في ظلال القرآن ٦/ ٣٧٥٥.
www. modoee.com
١٩٣
حرف الياء
ويخرجون حفاة عراةً غرلا خائفين
أَنْسَرُهُ تَرْمَتُهُمْ فِلَّةٌ ﴾ [القلم: ٤٣].
ـةً
ـخَـ
التشبيه والاستعارة أدوات في التعبير عن مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ
ذلك، راسمًا لنا صورة مادية تتجسد فيها
عناصر الدهشة والإسراع والذهول من
وهذا ينبئ أنهم يخرجون من القبور في
کرب شدید وهول عظیم مفزع.
هول ما يرون. والناظر في أغلب المواضع
التي ذكرت فيها هذه الكيفية يجد أن التعبير
القرآني يركز في أكثرها على الكافرين
ومنکري البعث.
قال تعالى واصفًا هذا الخروج: ﴿وَنُفِخَ
فِ الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَبْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ
يَنْسِلُونَ ﴿ قَالُواْ يَنْوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنًا
هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾
[يس: ٥١ -٥٢].
من قبورهم کما ینبت البقل کما روي عن
أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول
الله صلی الله عليه وسلم: (ما بين النفختين
أربعون) قال: أربعون يومًا؟ قال: (أبيت)،
قال: أربعون شهرًا؟ قال: (أبيت)، قال:
أربعون سنةً؟ قال: (أبيت)، قال: (ثم ينزل
الله من السماء ماءً، فینبتون کما ینبت البقل،
ليس من الإنسان شيءٌ إلا يبلى، إلا عظمًا
واحدًا، وهو عجب الذنب، ومنه يركب
الخلق يوم القيامة)(١).
وينقسم الناس إلى صنفين: صنف يقول:
﴿مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ وصنف يقول: ﴿هَذَا
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٤٩٣٥،
كتاب التفسير، باب (يم ينفخ في الصور)،
٦/ ١٦٥.
وقد تناولت آياتٌ عديدةٌ من القرآن
الكريم أحوال الناس وطريقة بعثهم،
وصورهم، حركاتهم وقسماتهم بكل
دقةٍ تتناسب مع هول ذلك اليوم وشدته،
تلك الحركات الدالة على الهول والفزع
والاندهاش مما رأوه من اضطراباتٍ كونيةٍ،
وأهوالٍ حلت بالأرض وبهم بعد البعث،
فبعد النفخة الثانية يخرج الناس وينبتون راسمةً صورهم بدقةٍ مما يجعل المتلقي
وكأنه يعيشها، مركزةً على مشاهد الكافرين
من انكسار أبصارهم وخشوعها ذلًا وهوانّ،
وحركاتهم التي تثير الفزع والتخوف،
ومقابلتهم بأحوال المؤمنين آنذاك في بعض
المواضع.
ومن آيات القرآن في بيان الخروج من
القبور قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَ عَنْهُمُ يَوْمَ يَدْعُ
الدَّاعِ إِلَى شَىْءٍ نُّكُرٍ آ خُشَّعًا أَبْصَرُهْ
يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَبْدَاثِ كَنَّهُمْ جَرَدْ مُنَّشِرُ
مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعَ يَقُولُ اَلْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُّ عَيْرٌ﴾
[القمر: ٦-٨].
فالآيات تصور مشهد بعث الكافرين
المنکرین للآخرة من قبورهم وعليهم ثياب
الذل والهوان، مسرعين إلى الداعي رغم
جوُوبَةُ النَّقْتَبـ
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
١٩٤