النص المفهرس

صفحات 41-60

يوسف عليه السلام
إِلَتِنَّ﴾ [يوسف: ٣١].
أي: لما سمعت بتشنيعهن عليها أحبت
أن تبسط عذرها عندهن وتبين أن هذا الفتى
لیس کما حسین، ولتوقعهن فیما وقعت فيه.
فأرسلت إليهن فجمعتهن في منزلها،
﴿وَأَعْتَدَتْ لَمُنَّ مُتَكَنًا﴾ أي: أعدت لهن
مجلسًا للطعام، وما یتکئن علیه من النمارق
والوسائد، وكان في جملة ما أتت به
وأحضرته في تلك الضيافة طعام يحتاج أن
يقطع بالسكاكين كالأترج ونحوه، ﴿وَءَاتَتْ
كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكْيِنًا وَقَالَتِ أَخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ أي:
وأمرته بالخروج عليهن في تلك الحال،
فخرج وهو في غاية الجمال وقد أعطي شطر
الحسن (١).
﴿فَمَّا رَأَيْنَهُ: أَكْبُرْنَهُوَقَفَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَشَ
لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلُكَرِيمٌ﴾ أي: فلما
رأينه أعظمنه وأجللنه وهبنه، وما ظنن أن
یکون مثل هذا في بني آدم، وبهرهن حسنه
حتی اشتغلن عن أنفسهن، وجعلن یحززن
في أيديهن بتلك السكاكين ولا يشعرن
بالجراح.
﴿وَقُلْنَ حَشَ لِلَّهِ﴾ أي: معاذ الله ﴿مَا هَذَا
بَشَرًّا إِنْ هَذَآ إِلََّ مَلَكُ كَرِيمٌ﴾(٢).
فلما حصل من النسوة ما حصل من
(١) انظر جامع البيان، الطبري ١٦ /٦٨، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٢ /٦١٩، تيسير
الکریم الرحمن، ص ٣٩٧.
(٢) انظر: قصص الأنبياء، ابن کثیر، ص ٣٢٤.
الإعجاب بيوسف والانبهار به تقوى موقف
امرأة العزيز فأقرت بمرادوته أمامهن،
وازدادت إصرارًا على يوسف عليه السلام
وهددته بالسجن والصغار إن لم يقبل،
وتمالأ معها النسوة عليه وأشرن عليه بطاعتها
﴿ قَالَتْ فَذَ لِكُنَّالَّذِى لُمْتُنَِّ فِيَّةٍ وَلَقَدْ رَوَدَتُهُ عَنْ
نَّفْسِهِ- فَأَسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢]. أي: امتنع،
﴿وَلَيْنِ لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُ، لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ
الصَّغِرِينَ﴾ تقول: لئن لم يطاوعني على ما
أدعوه إليه ليحبسن وليكونًا من أهل الصغار
والذلة(٣).
فعند ذلك أبى أشد الإباء، واستعاذ من
شرهن و کیدهن، ودعا فقال في دعائه لرب
العالمين: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا
يَدْعُونَنِيِ إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣]. أي قال: يا رب،
الحبس في السجن أحب إلي مما يدعونني
إليه من معصيتك ويراودني عليه من
الفاحشة (٤).
((وهذا يدل على أن النسوة جعلن يشرن
على يوسف في مطاوعة سيدته، فاستحب
السجن والعذاب الدنيوي على لذة حاضرة
توجب العذاب الشديد»(٥).
قال: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّ كَيْدَهُنَّ﴾ أي:
تعصمني من المعصية ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَ﴾ أي:
(٣) انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٢٤،
جامع البيان، الطبري ١٦ / ٨٦.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٨٦/١٦.
(٥) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٩٧.
www. modoee.com
١٢٣

حرف الياء
مِّنَ
أمل إلیھن، ﴿وآگنُ﴾ إن صبوت إلیھن
اَلْتَهِلِينَ﴾ من الذين جهلوا حقك وخالفوا
أمرك ونهيك(١).
فاستجاب له دعاءه ولطف به وعصمه
عن الوقوع في الزنى، ولهذا قال تعالى:
﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [يوسف: ٣٤].
أي: ﴿السَّمِيئُ﴾ لدعاء یوسف حین
دعاه بصرف كيد النسوة عنه، ودعاء كل
داع من خلقه ﴿العَلِيمُ﴾ بمطلبه وحاجته،
وما يصلحه، ويحاجة جميع خلقه وما
يصلحهم(٢).
ثالثًا: براءته ونفي التهمة عنه:
لما تمالا النسوة على يوسف عليه السلام
وأمرنه بطاعة امرأة العزيز لجأ إلى الله في
دفع السوء عنه وفضل السجن على المعصية
في موقف يدل على عفة عظيمة ونفس كبيرة
ومعدن أصيل: ﴿قَالَ رَبِّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ
مِمَّا يَدْعُونَنِىّ إِلَيْهٌ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ
إِلَتِنَّ وَأَكْنُ مِنَ الْجَهِلِينَ()﴾ [يوسف: ٣٣].
قال ابن كثير: ((وهذا في غاية مقامات
الكمال: أنه مع شبابه وجماله وكماله تدعوه
سیدته، وهي امرأة عزيز مصر، وهي مع هذا
في غاية الجمال والمال والرياسة، ويمتنع
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٨٩/١٦، تيسير
الکریم الرحمن، ص ٣٩٧.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٦ / ٩٠.
من ذلك، ويختار السجن على ذلك، خوفًا
من الله ورجاء ثوابه)) (٣).
ولما اشتهر ال وصار الناس فيها بين عاذر
ولائم وقادح قرر العزيز ومن معه سجنه
عليه السلام، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّبَدَالَمْ﴾
[يوسف: ٣٥]. أي: ظهر لهم من الرأي ﴿مِّنْ
بَعْدٍ مَا رَأَوْ اْلْآَيَتِ﴾ وهي الأدلة الدالة على
براءته ﴿لَيَسْجُنُنَّهُحَتَِّينٍ ﴾ أي: إلى مدةِ؛
وذلك لينقطع بذلك الخبر ويتناساه الناس،
فإن الشيء إذا شاع لم یزل یذكر ويشاع مع
وجود أسبابه، فإذا عدمت أسبابه نسي، فرأوا
أن هذا مصلحة لهم، فأدخلوه في السجن؛
وليظهروا أنه راودها عن نفسها فسجن
بسببها، فسجنوه ظلمًا وعدوانًا، وكان هذا
مما قدر الله له، ومن جملة ما عصمه به؛ فإنه
(٤)
أبعد له عن معاشرتهم ومخالطتهم
.
وبعد مدة قضاها في السجن يقدر الله
تعالى رؤيا منامية يراها الملك ويعجز
الجميع عن تعبيرها إلا يوسف عليه السلام،
فلما عبرها أعجب به الملك وأمر بإخراجه
من السجن، فامتنع يوسف عليه السلام
عن الخروج حتى تتبين براءته التامة مما
نسب إليه، فلما تقرر ذلك خرج وهو نقي
العرض، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ اثْنُونِ
يٌِّ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾ [يوسف: ٥٠]. أي:
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦٢٠.
(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٩٧،
قصص الأنبياء، ابن کثیر، ص ٣٢٦.
١٢٤
جوية
لِلْعُرآن الكَرِيْمِ

يوسف عليه السلام
رسول الملك ﴿قَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَيْكَ﴾ يعني
الملك، ﴿فَسْئَلَهُ مَا بَالُ النَّسْوَةِ الَّتِى قَطَّعْنَ
أيدِيهُنَّ﴾ أي: اسأله ما شأنهن وقصتهن،
﴿إِنَّرَبِ يِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ يقول: إن الله تعالى
ذكره ذو علم بکیدهن، لا يخفى عليه ذلك
کله. وقيل: إن معنى ذلك: إن سيدي العزيز
زوج المرأة التي راودتني عن نفسي ذو علم
ببراءتي مما اقترفتني به من السوء(١).
فرجع الرسول إلى الملك من عند
يوسف برسالته، فدعا الملك النسوة اللاتي
قطعن أيديهن وامرأة العزيز فقال لهن: ﴿مَا
خَطْبَكُنَ﴾ [يوسف: ٥١]. أي: ما شأنكن
وخبركن ﴿إِذْ رَوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَفْسِهِ ﴾
يعني: يوم الضيافة، فهل رأیتن منه ما یریب؟
فلما سئلن عن ذلك برأنه، و﴿قُلْنَ حَشَ
لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ أي: لا قليل ولا
كثير، يقلن: حاش لله أن يكون يوسف
متهما، والله ما علمنا عليه من سوءٍ، فعند
ذلك ﴿قَالَتِ أَمْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْفَنَّ حَصْحَصَ الحَقّ﴾
أي: ظهر وتبين ووضح، والحق أحق أن يتبع
﴿أَنَاْ رَوَدَتّهُ, عَن نَّفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِقِينَ﴾
أي: فيما قاله من تبرئة نفسه ونسبة المراودة
إليها(٢).
(١) انظر جامع البيان، الطبري ١٦/ ١٣٧، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦٢٠.
(٢) انظر جامع البيان، الطبري ١٣٨/١٦، قصص
الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٣٤، فتح القدير،
الشوكاني ٤١/٣.
ثم قالت: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِى لَمْ أَخُنَّهُ يِلْغَيْبٍ ﴾
[يوسف: ٥٢].
تقول: إنما اعترفت بهذا ليعلم زوجي أني
لم أخنه في نفس الأمر، وإنما كان مراودةً لم
يقع معها فعل فاحشةٍ (٣).
قيل: ويحتمل أن مرادها بذلك يوسف
عليه السلام، والمعنى: ليعلم يوسف أني لم
أخنه في غيبته بالكذب علیه (٤).
﴿وَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ الْخَيِنِينَ﴾ فإن كل
خائن لا بد أن تعود خيانته ومكره على
نفسه، ولا بد أن يتبين أمره.
﴿وَمَآ أُبَرُِّ نَفْسِىَّ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالشُّوَءِ
إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّ إِنَّ رَبِّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾
[يوسف: ٥٣].
تقول المرأة: ولست أبرئ نفسي، فإن
النفس تتحدث وتتمنى؛ ولهذا راودته لأنها
أمارة بالسوء، ﴿إلَّامَا رَحِمرَې﴾ أي: إلا من
عصمه الله تعالى، ﴿إِنَّرَبِ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي:
غفور لمن تاب وأناب،
بقبول توبته
وتوفيقه للأعمال الصالحة (٥)
هذا هو الصواب أن هذا من قول امرأة
العزيز، لا من قول يوسف، فإن السياق
في كلامها، ويوسف إذ ذاك في السجن لم
يحضر (٦).
(٣) قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٣٤.
(٤) زاد المسير ٤٤٨/٢.
(٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٢٦/٢.
(٦) تيسير الكريم الرحمن، ص ٤٠٠.
www. modoee.com
١٢٥

حرف الياء
قال الحافظ ابن كثير: وهذا القول هو
الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة
ومعاني الكلام(١).
أما القول بأن هذا من كلام يوسف عليه
السلام فإن السیاق یأباه لعدة أمور:
أولها: أن الكلام لا يزال في سياق كلام
امرأة العزيز.
وثانيها: أن يوسف عليه السلام لا يزال
في السجن لم يخرج منه بعد كما يفيده
السياق إذ قال بعد هذا ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ آثْنُونِ
بلدة﴾ [يوسف: ٥٤].
وثالثها: أن المقام مقام براءة له وقد
ظهرت براءته وحصل مطلوبه فليس مناسبا
أن يقول ﴿وَمَا أَبَرُِّ نَفْسِىّ﴾ [يوسف: ٥٣]،
ولكل مقام مقال.
ويمكن إجمال بطلان ما يخالف براءته
في ثلاثة محاور:
١. بطلان الإسرائيليات الواردة في ذلك.
لقد جاءت عدد من الروايات تصف
يوسف عليه السلام بأنه عزم على فعل
الفاحشة حتى جلس من المرأة مجلس
الرجل من المرأة لولا أمور رآها صرفته عن
ذلك، وهذه من الإسرائليات لا يلتفت إليها؛
لأنها ليس فيها خبر واحد صحيح عن نبينا
المعصوم صلى الله عليه وسلم، ولأنها لا
تلیق بمقام الأنبياء، ولأنه لو وصل إلى هذه
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٢٦/٢.
الدرجه لما أثنی الله علیه كل هذا الثناء.
قال الحافظ ابن كثير: وأكثر أقوال
المفسرين هاهنا متلقَّى من كتب أهل
الكتاب، فالإعراض عنه أولى بنا، والذي
یجب أن يعتقد: أن الله تعالی عصمه وبراه،
ونزهه عن الفاحشة وحماه عنها وصانه منها،
ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ
السُّوَّهَ وَالْفَحْشَآءُ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾
[يوسف: ٢٤](٢).
قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: والآثار
الواردة في ذلك على قسمين: قسمٌ لم يثبت
نقله عمن نقل عنه بسند صحيح، وهذا لا
إشکال في سقوطه. وقسمُ ثبت عن بعض
من ذکر ولکنه ملتقی عن الإسرائیلیات،ولم
یرفع منه قليلٌ ولا کثیرٌ إلیه صلى الله عليه
وسلم، فلا يجوز التجرؤ على القول في
نبي الله يوسف اعتمادًا على مثل هذه
الروايات (٣).
٢. دلائل وشواهد براءته.
منها:
أن الله تعالى قال: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ
عَنْهُ السُّوَّهَ وَالْفَحْشَاءُ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا
اَلْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] فأخبر أنه
صرف عنه السوء والفحشاء، وهذا
يدل على أنه لم يصدر منه سوءٌ ولا
(٢) قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٢١.
(٣) أضواء البيان، الشنقيطي ٢١٤/٢، بإيجاز.
١٢٦
جَوَسُولَةُ التَّقِينَ
القرآن الكريمِ

يوسف عليه السلام
فحشاء(١).
ما قاله الشنقيطي في أضواء البيان(٢):
((إن القرآن العظيم بين براءته عليه
الصلاة والسلام من الوقوع فيما لا
ينبغي حيث بين شهادة كل من له
تعلقٌ بالمسألة ببراءته، وشهادة الله
له بذلك واعتراف إبلیس به.أما الذین
لهم تعلقٌ بتلك الواقعة فهم: يوسف،
والمرأة، وزوجها، والنسوة، والشهود.
أما جزم يوسف بأنه بريءٌ من تلك
المعصية فذكره تعالى في قوله: ﴿هِىَ
رَوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى﴾ [يوسف: ٢٦]. وقوله:
﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيّ
إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣]. وأما اعتراف المرأة
بذلك ففي قولها: ﴿اَلْكَنَ حَصْحَصَ اَلْحَقُّ
أَنَا رَوَدَتُّهُ عَن نَّفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِقِينَ﴾
[يوسف: ٥١]. وأما اعتراف زوج المرأة
ففي قوله: ﴿قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنّ
يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ
إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ )
هَذَا وَأَسْتَغْفِرِى لِذَنْبِكِّ إِنَّكِ كُنتِ
[يوسف: ٢٨-
مِنَ الْخَاطِئِينَ
٢٩]. وأما اعتراف الشهود بذلك ففي
قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ
إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ
وَهُوَ مِنَ الْكَذِبِينَ﴾ [يوسف: ٢٦]. وأما
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٩٦/١٠.
(٢) أضواء البيان، الشنقيطي ٢٠٧/٢.
شهادة الله جل وعلا ببراءته ففي
قوله: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوَءَ
وَالْفَحْشَاءُ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾
[يوسف: ٢٤]. وأما إقرار إبليس بطهارة
يوسف ونزاهته ففي قوله تعالى: ﴿ قَالَ
فَبِعِزَّيِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ إِلَّا عِبَادَكَ
مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ [ص: ٨٢-٨٣]،
فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين،
ولا شك أن يوسف من المخلصين
كما صرح تعالى به في قوله: ﴿إِنَّهُ
مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤].
فظهرت دلالة القرآن من جهاتٍ متعددةٍ
على براءته مما لا ينبغي)).
٣. معنى الهم الوارد في الآية.
الآية هي قوله تعالى: ﴿وَهَمَّ بِهَالَوْلًا أَن
رَّمَا بُرْهَنَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤].
ولأهل العلم في المعنى المراد بالهم
قولان معتبران:
الأول: أن يوسف عليه السلام لم يقع منه
همُّ أصلًا، بل هو منفيٌ عنه لوجود البرهان.
وهو اختيار أبي حيان (٣).
قال الشنقيطي: هذا الوجه الذي اختاره
أبو حيان وغيره هو أجرى الأقوال على
قواعد اللغة العربية؛ لأن الغالب في القرآن
وفي كلام العرب أن الجواب المحذوف
يذكر قبله ما يدل عليه، كقوله: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا
(٣) انظر البحر المحيط، أبو حيان ٢٥٨/٦.
www. modoee.com
١٢٧

حرف الياء
إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤].
أي: إن كنتم مسلمين فتوكلوا عليه.
وكقوله: ﴿قُلّ هَاتُواْ بُرْهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ
صَدِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤].
أي: إن کنتم صادقین فهاتوا برهانکم،
وعلى هذا القول: فمعنى الآية: لولا أن رأى
برهان ربه لهم بها.
ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿إِن كَادَتْ
لَتُبْدِى بِهِ، لَوْلًاٌ أَنْ رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾
[القصص: ١٠].
أي: لولا أن ربطنا على قلبها لكادت
تبدي به ))(١).
وهذا القول هو الذي يترجح عندي؛ لأن
ظاهر السياق يؤيده، والثناء الوارد من الله
في حق یوسف یؤكده.
القول الثاني:أن المراد بهمه بهاخطرات
حديث النفس التي لا يؤاخذ العبد عليها،
بل يؤجر العبد على تركها؛ لأنه تركها خوفا
من الله تعالى،كما في الحديث: (ومن هم
بسيئةٍ فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنةً
كاملةً)(٢).
وكما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَيِّهِ.
(١) أضواء البيان، الشنقيطي ٢/ ٢٠٧.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٦٤٩١،
كتاب الرقاق، باب من هم بحسنة أو سيئة،
ومسلم في صحيحه، رقم ١٣١، كتاب
الإيمان، باب إذا هم العبد بحسنة كتبت وإذا
هم بسيئة لم تكتب، من حديث ابن عباس،
رضي الله عنهما.
وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَى ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى
١)﴾ [النازعات: ٤٠-٤١].
فكان يوسف عليه السلام ممن خاف
مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (٣).
(٣) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٠/ ٢٩٧،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦١٧.
مَوَالَرُ النَّفْسَيْ
القرآن الكريم
١٢٨

يوسف عليه السلام
يوسف عليه السلام في السجن
أولًا: سبب دخوله السجن:
لم يقترف يوسف عليه السلام جرما
يستحق أن يسجن بسببه بل سجن ظلما
وعدوانًا؛ وذلك أن امرأة العزيز لما راودته
عن نفسه فأبى هددته بالسجن إن لم يوافق
عل طلبها ويرضى باقتراف الفاحشة، فاختار
السجن على فعل الفاحشة؛ فقرروا سجنه
عليه السلام، كما قال تعالى ﴿ثُمَّ بَدَا لَمْ مِنْ
بَعْدِ مَا رَواْ الْآَيَتِ لَيَسْجُنُنَّهُحتَّىحِينٍ
[يوسف: ٣٥].
أي: إلى مدةٍ؛ كتمانًا للقصة ألا تشيع
في العامة، وليظهروا أنه راودها عن نفسها
فسجن بسببها، فسجنوه ظلما وعدوانًا، و کان
هذا مما قدر الله له، ومن جملة ما عصمه به؛
فإنه أبعد له عن معاشرتهم ومخالطتهم (١).
وفي هذا دلالة على أنه ليس كل من
سجن فهو متهم، بل قد يسجن البريء ظلمًا
وعدوانًا كما حصل ليوسف عليه السلام.
ثانيًا: حاله في السجن:
قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنْ بَعْدِ مَا
رَأَوْ اُلْآَيَتِ لَيَسْجُنُنَّهُ، حَتَّى حِينٍ ﴾
[يوسف: ٣٥]. أي: إلى مدةٍ.
(١) انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٢٦،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٨٦/٩،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦٨/١٢.
وقال ﴿فَلَبِثَ فِ السِّجْنِ يِضْعَ سِنِينَ﴾
[يوسف: ٤٢].
والبضع: هو ما بين الثلاث إلى التسع (٢)،
ولهذا قيل: إنه لبث سبع سنين (٣)، والله
أعلم.
المهم أن يوسف عليه السلام مكث في
السجن عدة سنوات، والسجن ليوم واحد
صعب فکیف بسنین!
ومع أنه سجن ظلمًا، ومكث في السجن
عدة سنين لكنه ظلَّ صابرًا ثابتًا على مبدئه
حتى عندما طلب منه الخروج من السجن
من قبل الملك امتنع عن الخروج وتأنى
حتی ثبتت براءته، وقد وردت السنة بمدحه
على ذلك، والتنبيه على فضله وصبره، كما
في الحديث: (لو لبثت في السجن ما لبث
یوسف لأجبت الداعي)(٤).
وعرف يوسف عليه السلام بين السجناء
بحسن التعامل حتى صاروا يقولون:
إنَّا
نَّرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦].
ويخاطبونه بقولهم: ﴿يُوسُفُ أَيُهَا
الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف: ٤٦].
قال الحافظ ابن كثير: «كان يوسف،
(٢) قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٢٨، مختار
الصحاح، الرازي، ص ٣٥.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٩٩.
(٤) سبق تخريجه.
وانظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٦٢٥/٢.
www. modoee.com
١٢٩

حرف الياء
عليه السلام، قد اشتهر في السجن بالجود
والأمانة وصدق الحديث، وحسن السمت
وكثرة العبادة، صلوات الله عليه وسلامه،
ومعرفة التعبير والإحسان إلى أهل السجن
وعيادة مرضاهم والقیام بحقوقهم» (١).
الملك فنسي، ثم عاد ليسأله عن تعبير رؤیا
الملك بعد بضع سنین عبرها له يوسف عليه
السلام، من غير تعنيفٍ له في نسيانه ما وصاه
به، ومن غير اشتراطٍ للخروج قبل ذلك (٢).
وعرف يوسف عليه السلام في السجن،
بتعبير الرؤى وجرى له في ذلك موقفان
سجلهما القرآن:
الأول: تعبيره لرؤيا الفتيين الذين كانا معه
في السجن.
والثاني: تعبيره لرؤيا الملك، وقد مضى
تفصيل ما يتعلق بهاتين الحادثين في مبحث
يوسف وتعبير الرؤى.
وقد مارس يوسف عليه السلام الدعوة
إلى الله وهو داخل السجن وذلك أنه لما
دخل السجن، دخل معه السجن فتيان ((ومن
فطنته عليه السلام أنه لما رأى فيهما قابلية
لدعوته، حیث ظنا فيه الظنّ الحسن وقالا له:
﴿إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦].
وأتياه ليعبر لهما رؤياهما؛ رأى ذلك
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦٢١.
(٢) المصدر السابق ٦٢٤/٢.
فرصة فانتهزها، فدعاهما إلى الله تعالى قبل
أن يعبر رؤياهما ليكون أنجح لمقصوده،
وأقرب لحصول مطلوبه، وبين لهما أولًا أنَّ
الذي أوصله إلى الحال التي رأياه فيها من
الكمال والعلم، إيمانه وتوحيده، وتركه ملة
ولما أوصى السجين أن يذكره عند من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وهذا دعاء
لهما بالحال، ثم دعاهما بالمقال، وبين فساد
الشرك وبرهن عليه، وحقيقة التوحيد وبرهن
عليه))(٣).
فقال: ﴿لَا يَأْتِكُمَا طَعَامٌ تُرْزَ قَائِ: إِلَّ ◌َتَأْتُكُمَا
بِتَأْوِيلِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَّكُمَا ذَلِكُمَامِمَّاعَلَّمَنِرَبِّ﴾
[يوسف: ٣٧]. يقول لهما: إنَّ هذا من تعليم
الله إياي، لأني مؤمنٌ به موحدٌ له.
﴿إِّ تَرَكْتُ مِنَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾
يقول: إني برئت من ملة من لا يصدق بالله،
ویقر بوحدانيته.
﴿وَهُمْ بِالْآَخِرَوِّهُمْ كَفِرُونَ ﴾ يقول: وهم
مع تركهم الإيمان بوحدانية الله، لا يقرون
بالمعاد والبعث، ولا بثواب ولا عقاب.
﴿وَأَتَبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىّ إِبْزَهِيمَ وَإِسْحَقَ
وَيَعْقُوبَ﴾ يقول: هجرت طريق الكفر
والشرك وسلكت طريق هؤلاء المرسلين،
صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهكذا
يكون حال من سلك طريق الهدى، واتبع
المرسلين، وأعرض عن طريق الظالمين فإنه
يهدي قلبه ويعلمه ما لم یکن یعلمه، ويجعله
(٣) تيسير الكريم الرحمن، ص ٤١٠.
١٣٠
جوبيع
القرآن الكريم

يوسف عليه السلام
إمامًا يقتدى به في الخير، وداعيًا إلى سبيل تنفع ولا تضر، ولا تعطي ولا تمنع، وهي
الرشاد (١).
﴿ما كانلنا﴾ أي: ما ينبغي ولا يليق
بنا ﴿أَن نُشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَىْءٌ﴾ بل نفرد الله
بالتوحيد، ونخلص له الدين والعبادة،
﴿ذَلِكَ مِن فَضَّلِ اَللَّهِ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٣٨].
أي: بأن هدانا لهذا، ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ بأن
أرسلنا إليهم دعاةً إلى توحيده وطاعته،
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ أي:
لا يعرفون نعمة الله علیھم بإرسال الرسل
إليهم، بل ﴿بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِكُفْرًا وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ
دَارَ الْبَوَارِ ﴾ [إبراهيم: ٢٨](٢).
ثم صرح لهما بالدعوة، فدعاهما إلى
التوحيد وذم عبادة ما سوى الله عزوجل،
وصغر أمر الاوثان وحقرها، وضعف أمرها
فقال: ﴿يَصَحِ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ٣٩].
أي: يا ساكني السجن، ((وجعلهما صاحبيه
لطول مقامهما فيه، كقولك: أصحاب الجنة،
وأصحاب النار))(٣).
﴿وَأَرْيَابٌ مُتَغَرِقُونَ خَيْرٌ أَمِ اَللَّهُ الْوَاحِدُ
الْقَهَّارُ ﴾ أي: أرباب عاجزة ضعيفة لا
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٢٢/٢،
قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٢٦، جامع
البيان، الطبري ١٠١/١٦.
(٢) انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٢٧،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٢٢/٢.
تیسیر الکریم الرحمن، ص ٣٩٨.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ١٩٢،
جامع البيان، الطبري ١٠٤/١٦.
متفرقة ما بين أشجار وأحجار وأموات،
وغير ذلك من أنواع المعبودات التي يتخذها
المشركون، أتلك ﴿خَيْرٌ أَمِ اَللهُ ﴾ الذي له
صفات الكمال، ﴿اَلْوَحِدُ﴾ في ذاته وصفاته
وأفعاله فلا شريك له في شيء من ذلك.
﴿اَلْقَهَّارُ﴾ الذي انقادت الأشياء لقهره
وسلطانه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن؛
ومن المعلوم أن من هذا شأنه ووصفه خير
من الآلهة المتفرقة التي هي مجرد أسماء، لا
كمال لها ولا أفعال لدیھا.
ولهذا قال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ إِلَّ
أَسْمَآءُ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءَابَآ ؤُكُم مَّا أَنزَلَ
اَللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ [يوسف: ٤٠].
بين لهما أن التي يعبدونها ويسمونها
آلهةً، إنما هو جهل منهم، وتسميةٌ من تلقاء
أنفسهم، تلقاها خلفهم عن سلفھم، ولیس
لذلك مستندٌ من عند الله.
ولهذا قال: ﴿مَّ أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾
أي: حجةٍ ولا برهانٍ، بل أنزل الله السلطان
بالنهي عن عبادتها وبيان بطلانها؛ لأن
الحكم لله وحده، فهو الذي يأمر وينهى،
ويشرع الشرائع، ويسن الأحكام.
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلََّ لِلَّهِ﴾ وقد أمر عباده قاطبةً
ألا يعبدوا إلا إياه، ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوَأَ إِلَّ إِيَّاهُ ﴾
أي: وحده لا شريك له، ﴿ذَلِكَ الذِينُ الْقَيِّمُ
أي: المستقيم، يقول: هذا الذي أدعوكم إليه
www. modoee.com
١٣١

حرف الياء
من توحيد الله، وإخلاص العمل له، هو
الدين المستقيم، الذي أمر الله به وأنزل به ثالثًا: سبب خروجه من السجن:
الحجة والبرهان.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
يقول: ولكن أهل الشرك بالله يجهلون
ذلك، فلا يعلمون حقيقته؛ لذلك فهم لا
يهتدون إليه مع وضوحه وظهوره؛ وإلا فإن
الفرق بين عبادة الله وحده لا شريك له،
وبين الشرك به، أظهر الأشياء وأبينها؛ ولكن
لعدم العلم من أکثر الناس بذلك، حصل
منهم ما حصل من الشرك (١).
وكانت دعوته لهما في هذا الحال في
غاية الكمال؛ لأن نفوسهما معظمةٌ له،
منبعثةٌ على تلقي ما يقول بالقبول، فناسب أن
يدعوهما إلى ما هو الأنفع لهما مما سألا عنه
وطلبا منه. ثم لما قام بما وجب عليه وأرشد
إلى ما أرشد إليه، عبر لهما ما رأيا(٢).
قال السعدي: ((فيوسف عليه السلام
دعا صاحبي السجن لعبادة الله وحده،
وإخلاص الدين له، فيحتمل أنهما استجابا
وانقادا، فتمت عليهما النعمة، ويحتمل أنهما
لم يزالا على شركهما، فقامت عليهما بذلك
(١) قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٢٧، تيسير
الكريم الرحمن، ص ٣٩٨، تفسير القرآن
العظيم، ابن كثير ٢/ ٦٢٢، ٦٢٣، جامع
البيان، الطبري ١٦ /١٠٥.
(٢) قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٢٨.
الحجة (٣))
لما ظن يوسف عليه السلام، نجاة أحد
الفتيين الذين كانا معه في السجن -وهو
الساقي- أوصاه بأن یذکر أمره للملك.
وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُنَاجٍ مِّنْهُمَا أَذْكُرْني
عِندَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢].
يعني: اذكر أمري وما أنا فيه من السجن
بغير جرم عند ربك -أي سيدك: وهو
الملك-، لعله يرق لي، فيخرجني مما أنا
فيه، فنسي ذلك الموصی أن یذکر مولاه
بذلك، وكان من جملة مكايد الشيطان، لئلا
يطلع نبي الله من السجن.
ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَنِسَةُ الشَّيْطَانُ
ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ أي: فأنسى الشيطان ذلك
الناجي ذكر الله تعالى، وذکر ما یقرب إليه،
ومن جملة ذلك نسيانه ذكر يوسف الذي
يستحق أن يجازى بأتم الإحسان، أو المعنى:
أنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف لربه،
أي لسيده، وفيه حذفٌ، أي أنساه الشيطان
ذكره لربه، ﴿فَلَبِثَ ﴾ يوسف ﴿فِ السِّجْنِ
يُضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢](٤).
هذا هو الصواب أن الضمير في قوله:
﴿فَأَنْسَنَةُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ عائدٌ
(٣) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٩٨.
(٤) انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٢٨،
جامع البيان، الطبري ١١٥/١٦.
١٣٢
فَضْو
جَوَبُورَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ

يوسف عليه السلام
علی یوسف علیه السلام فقول ضعيف (١)؛
إذ لا سلطان للشيطان على أنبياء الله وعباده
المخلصين كما قال: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ
الْمُخْلَصِينَ ﴾ [ص: ٨٣].
على الناجي، وأما القول بأن الضمير عائدٌ العجيبة، التي تأويلها يتناول جميع الأمة،
ليكون تأويلها على يد يوسف، فيظهر من
فضله، ویبین من علمه ما يكون له رفعة في
الدارين، ومن التقادير المناسبة أن الملك
الذي ترجع إليه أمور الرعية هو الذي
رآها، لارتباط مصالحها به)) (٣)، حيث قال:
ويوسف عليه السلام من المخلصين، كما
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾
[يوسف: ٢٤].
﴿إِ أَرَى سَبْعَ بَقَرَتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ
عِجَافٌ ﴾ [يوسف: ٤٣].
وكقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ، سُلْطَانُ عَلَى
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَيْهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
[النحل: ٩٩].
٩٩
وأما ما جاء على لسان بعض الأنبياء من
نسبة ما أصابهم إلى الشيطان كقول أيوب
عليه السلام: ﴿أَنّ مَسَّنِىَ الشَّيْطَنُ بِنُصْرٍ
وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١].
فإنما هو من باب الأدب مع الله تعالى
في عدم نسبة الشر إليه، ثم إن ما ذكره أيوب
علیه السلام حتى وإن حمل على ظاهره فهو
حديث عن التسبب في الأذى البدني وهو
يختلف عن التسلط على القلب واللسان(٢).
والله أعلم.
لما أراد الله تعالى أن يخرج يوسف
عليه السلام من السجن، قدر سببًا لإخراجه
وارتفاع شأنه وإعلاء قدره، وهو رؤيا
الملك، حيث «أرى الله الملك تلك الرؤيا
(١) انظر: قصص الأنبياء، ابن کثیر، ص ٣٢٨.
(٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٢٣٩/٤.
ثم سأل قومه عنها فعجزوا جميعًا عن
تعبیرها، فعند ذلك أرسل إلى يوسف عليه
السلام وهو في السجن فعبرها كأحسن ما
يكون التعبير.
هكذا عجزوا عن تعبيرها ليقع تعبيرها
من يوسف عليه السلام بعد عجزهم عنها
فتکون له المكانة بینھم.
قال الحافظ بن كثير: «هذه الرؤيا من
ملك مصر مما قدر الله تعالى أنها كانت
سببًا لخروج يوسف عليه السلام، من
السجن معززًا مكرمًا، وذلك أن الملك رأی
هذه الرؤيا، فهالته وتعجب من أمرها، وما
يكون تفسيرها، فجمع الكهنة وكبراء دولته
وأمراءه وقصَّ عليهم ما رأى، وسألهم عن
تأويلها، فلم یعرفوا ذلك، واعتذروا إليه بأن
هذه ﴿أَضْغَاتُ أَعْلَمٍ﴾ [يوسف: ٤٤].
أي: أخلاطٌ اقتضت رؤياك هذه ﴿وَمَا
فَحْنُ بِتَأْوِيلِ آلْأَحْلَمِ بِعَلِينَ﴾ [يوسف: ٤٤].
(٣) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٩٩.
www. modoee.com
١٣٣

حرف الياء
أي: ولو كانت رؤيا صحيحةً من أخلاطٍ، أعجبه عرف فضل يوسف عليه السلام،
وكمال علمه، وتمام عقله، فأمر بإحضاره
إليه؛ ليكون من جملة خاصته ﴿وَقَالَ الْلُ
أَثْنُنِي بِهِ﴾ [يوسف: ٥٠].
لما كان لنا معرفة بتأویلها، وهو تعبيرها)»(١).
قال السعدي: وهذا أيضًا من لطف الله
بيوسف عليه السلام؛ فإنه لو عبرها ابتداء
-قبل أن يعرضها على الملأ من قومه
وعلمائھم، فيعجزوا عنھا - لم یکن لها ذلك
الموقع، ولكن لما عرضها عليهم فعجزوا
عن الجواب، وكان الملك مهتمًا لها غاية
الاهتمام، فعبرها يوسف عليه السلام وقعت
عندهم موقعًا عظيمًا، وهذا نظير إظهار الله
فضل آدم على الملائكة بالعلم، بعد أن
سألهم فلم يعلموا، ثم سأل آدم، فعلمهم
أسماء كلِّ شيء، فحصل بذلك زيادة فضله.
وكما يظهر فضل أفضل خلقه محمد
صلى الله عليه وسلم في القيامة؛ أن يلهم
الله الخلق أن يتشفعوا بآدم، ثم بنوح، ثم
إبراهیم، ثم موسی، ثم عیسی علیھم السلام،
فیعتذرون عنها، ثم يأتون محمدًا صلی الله
عليه وسلم فيقول: ((أنا لها أنا لها)) فيشفع في
جميع الخلق، وينال ذلك المقام المحمود،
الذي يغبطه به الأولون والآخرون.
فسبحان من خفيت ألطافه، ودقت في
إيصاله البر والإحسان، إلى خواص أصفيائه
وأوليائه (٢)
لما رجعوا إلى الملك بتعبير رؤياه بما
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٢٤/٢.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٩٩.
جَبُور
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
فلمَّا جاءه الرسول بذلك، امتنع من
الخروج وأحبَّ أن لا يخرج حتى يتبين لكلِّ
أحدٍ أنه حبس ظلمًا وعدوانًا، وأنه بريء
الساحة مما نسبوه إليه زورًا وبهتانًا (٣).
﴿فَلَمَّا جَآءَهُ الرَّسُولُ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَيِّكَ﴾
يعني: الملِك، ﴿فَسْئَلَهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّتِى
قَطَّعْنَ أَيَدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّ يِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾، فجمع
الملك النسوة وسألهن فاعترفن جميعًا
ببراءته حتى امرأة العزيز.
فلما ظهرت للملك وللناس براءة
يوسف عليه السلام ونزاهة عرضه مما نسب
إليه، ازدادت مكانته في عين الملك فأرسل
إليه وأخرجه من السجن، وعزم أن يجعله
من خاصته ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ أَتْنُونِي بِهِ- أَسْتَخْلِصْهُ
لِنَفْسِى﴾ [يوسف: ٥٤].
أي: أجعله من خاصتي وأهل مشورتي،
فأتوه به مكرمًا محترمًا، ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾ أي:
فلما کلم یوسف الملك أعجبه كلامه، وزاد
موقعه عنده، ورأى من حسن منطقه ما صدق
به الخبر؛ إذ المرء مخبوءٌ تحت لسانه(٤)، أو
(٣) انظر: قصص الأنبياء، ابن کثیر، ص ٣٣٤.
(٤) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٥٥/٣،
فتح القدير، الشوكاني ٤٢/٣، تيسير الكريم
الرحمن، ص ٤٠١.
١٣٤

يوسف عليه السلام
فلما كلم الملك يوسف عليه السلام وعرف
براءته وعظم أمانته، قال له: ﴿إِنَّكَ اَلْيَوْمَ لَدَيْنَا
مَكِينُ﴾ [يوسف: ٥٤]. أي: ذو مكانةٍ ومنزلةٍ
﴿أَمِينٌ﴾ أي: مؤتمنٌ على كلِّ شيءٍ(١).
هكذا خرج يوسف عليه السلام من
السجن عزيزًا مكرمًا مبرءًا بل ممكنًا، وهكذا
عاقبة الصبر على البلاء.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٦ / ١٤٧، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦٢٦، البحر
المحيط، أبو حيان ٦/ ٢٩١.
يوسف عليه السلام في الملك
أولًا: توليه الملك:
لما عبر نبي الله يوسف عليه السلام رؤيا
الملك عظمت مكانته عند الملك، ولما
ظهرت براءة عرضه، ونزاهة ساحته مما
نسبوه إليه، ازدادت مكانته عليه السلام في
عين الملك أكثر، ولذلك قال: ﴿آثُوني پِه
أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِ﴾ [يوسف: ٥٤].
أي: أجعله من خاصتي، ومن أكابر
دولتي، ومن أعیان حاشيتي.
قَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾ وسمع مقاله وتبین حاله
﴿قَالَ إِنَّكَ اَلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِيْنُ أَمِينٌ﴾ أي: ذو
مكانةٍ وأمانةٍ (٢).
فَهِمَ يوسف عليه السلام من الملك
أنه عزم على تصريفه والاستعانة بنظره في
الملك، فبادر الملكَ ف﴿قَالَ أَجْعَلْنِى عَلَ
خَزَآبِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥].
أي: ولني عليها، وخزائن لفظ عام
لجميع ما تختزنه المملكة من طعام ومال
وغيره، ﴿إِنِّ حَفِيظُ عَلِيمٌ﴾ أي: حفيظ لما
استودعتني، علیم بما وليتني(٣).
وفي هذا دليلٌ على جواز طلب الولاية
لمن علم من نفسه الأمانة والكفاءة (٤).
(٢) قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٣٤.
(٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٥٦/٣،
جامع البيان، الطبري ١٤٩/١٦.
(٤) قصص الأنبياء، ابن کثیر، ص ٣٣٥.
www. modoee.com
١٣٥

حرف الياء
فقد ((طلب يوسف عليه السلام ذلك [يوسف: ٥٧](٣).
ليتوصل به إلى نشر العدل ورفع الظلم،
ودعوة أهل مصر إلى الإيمان))(١).
أما ما ورد من النهي عن طلب الولاية
فيستثنى منه من حسن مقصده، وعلم من
نفسه الأمانة والكفاءة، وعلم أنه لا أحد يقوم فلا تيأسن، فالله ملك يوسفًا
مقامه في العدل والإصلاح (٢).
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَگنًا لِيُوسُفَ فِ
اُلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ﴾ [يوسف: ٥٦].
أي: بمثل هذه الأسباب والتدابير مكنا
ليوسف في أرض مصر يتبوأ منها أي ينزل
حيث يشاء يتقلب فيها أخذًا وعطاء وإنشاء
وتعمیرًا لأنه أصبح وزيرًا مطلق التصرف.
﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ﴾ أي: من
نشاء رحمته من عبادنا، ﴿وَلَا تُضِيعُ أَجْرَ
الْمُحْسِنِينَ﴾ وهذا وعد من الله تعالى
لأهل الإحسان بتوفیتهم أجورهم، ويوسف
عليه السلام ممن شاء الله رحمتهم كما هو
من أهل الإحسان الذین یوفیهم الله تعالى
أجورهم في الدنيا والآخرة، وأخبر تعالى أن
أجر الآخرة خیر للذين آمنوا وكانوا يتقون،
ترغيبا في الإيمان والتقوى إذ بهما تنال
ولاية الله تعالى عز وجل؛ إذ أولياؤه هم
المؤمنون المتقون، ولذلك قال: ﴿وَلَأَجْرُ
اْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ
٥٧
(١) فتح القدير ٤٢/٣- ٤٣.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢١٥/٩.
وهكذا صار يوسف عليه السلام ملكًا
بعد أن كان سجينًا، وقد قال بعضهم(٤):
وراء مضيق الخوف متسع الأمن
وأول مفروح به غاية الحزن
خزائنه بعد الخلاص من السجن
ثانيًا: مجيء إخوته إلیه:
لما تولى يوسف عليه السلام خزائن
الأرض، دبرها أحسن تدبير، فلما دخلت
السنون المجدبة، وسرى الجدب، حتى
وصل إلى فلسطين، التي يقيم فيها يعقوب
وبنوه، أرسل يعقوب بنيه لأجل الميرة-أي
الطعام - إلى مصر.
قال تعالى: ﴿وَجَلَهُ إِخْوَةٌ يُوسُفَ
فَدَ خَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ (
٥٨
[يوسف: ٥٨].
أي: لما دخلوا عليه عرفهم؛ لأنه
فارقهم وهم رجالٌ، ولم يعرفوه؛ لطول
العهد، ومفارقته إياهم في سن الحداثة،
أولاعتقادهم أنه قد هلك، ولأنهم لم يخطر
بيالهم ما صار إليه يوسف عليه السلام من
المكانة والعظمة (٥).
(٣) أيسر التفاسير، الجزائري ٢/ ٦٢٤.
(٤) انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٣٧،
والجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ٢٢٠.
(٥) انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٣٧،
والبحر المحيط، أبو حيان ٢٩٢/٦، وتيسير
١٣٦
حَوْنُوبَةُ النَّفِ
القرآن الكريم

يوسف عليه السلام
﴿وَلَّمَّا جَهَزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ [يوسف: ٥٩]. بها، ﴿وَقَالَ لِفِنْيَنِهِ﴾ [يوسف: ٦٢]. أي:
أي: كال لهم كما كان يكيل لغيرهم، وكان غلمانه الذين في خدمته: ﴿أَجْعَلُواْ بِضَحَنَهُمْ
فِي رِحَالِمْ﴾ أي: في أمتعتهم من حيث لا
يشعرون، ثم علل فقال: ﴿لَعَلَّهُرْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا
أَنْقَلَبُوْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ بَرْجِعُونَ﴾.
من تدبیره الحسن أنه لا یکیل لكل واحد أکثر
من حمل بعير، وكان قد سألهم عن حالهم،
فأخبروه أن لهم أخّا عند أبيه، فـ﴿قَالَ آئْنُونِي
فإنهم إذا عرفوا ذلك وعلموا أنهم أخذوا
الطعام بلا ثمنٍ، وأن ما دفعوه عوضًا عنه
قد رجع إليهم، وتفضل به من وصلوا إليه
عليهم نشطوا إلى العود إليه، ولا سيما مع
ما هم فيه من الجدب الشديد والحاجة إلى
الطعام، فإن ذلك من أعظم ما يدعوهم إلى
الرجوع (٢).
يَخْ لَّكُمْ مِنْ أَبِيَكُمْ﴾ أي: إذا قدمتم من العام
المقبل فأتوني به معكم، ثم رغبهم في
الإتيان به فقال: ﴿أَلَاتَرَوْنَ أَنْ أُوْ فِيِ الْكَيْلَ وَأَنَّا
خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ في الضيافة والإكرام، وبعد
أن رغبهم من أجل أن يأتوه به رهبهم إن لم
يفعلوا ذلك فقال: ﴿فَإِن لَّْ تَأْتُونِ بِ، فَلَاَكَيْلَ
[يوسف: ٦٠].
٦٠
لَكُمْ عِندِى وَلَا نَقْرَبُونِ (
أي: إن لم تقدموا به معكم في المرة
الثانیة، فليس لکم عندي میرٌ، ولا تقربوا
داري وبلادي بعد ذلك.
ثم أمر فتيانه أن يضعوا بضاعتهم -وهي
التي وصلوا بها من بلادهم ليشتروا بها
الطعام- في أمتعتهم من حيث لا يشعرون
الكريم الرحمن، ص ٤٠١.
(١) انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٣٨،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٢٨/٢.
ثم يذكر تعالى ما كان من أمرهم بعد
رجوعهم إلى أبيهم فيقول: ﴿فَلَمَّا رَجَمُواْ
إَِّ أَبِهِمْ قَالُواْ يَأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَبْلُ﴾
[يوسف: ٦٣]. أي: بعد عامنا هذا إن لم ترسل
قَالُواْ سَنُزَوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ [يوسف: ٦١].
أي: سنجتهد في مجيئه معنا وإتیانه إليك
بكل ممكن، دل هذا على أن يعقوب عليه
السلام کان مولعًا به لا یصبر عنه، وكان
یتسلی به بعد يوسف، فلذلك احتاج إلى
أمرتنا به(١).
معنا أخانا، ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَّكْتَلْ
وقرأ بعضهم (يكتل) بالياء (٣): أي يكتل
أخونا، ثم التزموا له بحفظه، فقالوا: ﴿ وَإِنَّا
لَهُ لَحَفِظُونَ﴾ من أن يعرض له ما يكره،
مراودة في بعثه معهم ﴿وَإِنَّا لَفَعِلُونَ﴾ لما وهذا كما قالوا له في يوسف: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا
غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ (
[يوسف: ١٢].
ولهذا قال لهم: ﴿مَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤٦/٣، تيسير
الكريم الرحمن، ص ٤٠١، قصص الأنبياء،
ابن کثیر، ص ٣٣٩.
(٣) تحبير التيسير، ابن الجزري، ص ٤١٥.
www. modoee.com
١٣٧

حرف الياء
إِلَّ كَمَآ أَمِنِتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ﴾
[يوسف: ٦٤].
أي: هل أنتم صانعون به إلا كما صنعتم
بأخيه من قبل، تغيبونه عني، وتحولون
بيني وبينه؟ وقد تقدم منكم التزام، أكثر
من هذا في حفظ يوسف، ومع هذا لم تفوا
بما عقدتم من التأكيد، فلا أثق بالتزامكم
وحفظكم، وإنما أثق بالله تعالی.
﴿فَاللَّهُ خَيْرٌّ حَفِظًا﴾ وقرأ بعضهم:
(حِفْظًا)(١)، أي: خيرٌ حفظًا منكم، فإن
حفظه الله سلم وإن لم يحفظه لم يسلم.
﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّچِينَ﴾ أي: يعلم حالي،
وأرجو أن يرحمني، فيحفظه ويرده علي،
وكأنه في هذا الكلام قد لان لإرساله
معهم(٢).
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا فَتَحُواْمَتَعَهُمْ وَجَدُوا
بِضَعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ٦٥]. فلما
وجدوها في متاعهم ﴿قَالُوا يَآبَانَامَا نَبْغِی﴾
أي: ماذا نريد؟ وأي شيء نطلب بعد هذا
الإكرام الجمیل، حیث وفی لنا الكيل، ورد
علينا بضاعتنا على الوجه الحسن؟ ﴿هَذِهِ،
بِضَعَثُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي: نجلب
لهم الطعام ﴿ وَتَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾
بإرساله معنا، فإنه يكيل لكل واحد حمل
(١) المصدر السابق.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٢٩/٢،
قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٤٠، تیسیر
الكريم الرحمن، ص ٤٠١.
بعير ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ أي: سهلٌ على
الملك إعطاؤه (٣).
ف﴿ قَالَ﴾ لهم يعقوب عليه السلام:
﴿لَنْ أُرْسِلَهُ, مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًاً مِّنَ
اللَّهِ﴾
[يوسف: ٦٦]. أي: تحلفون بالعهود
والمواثيق، ﴿لَأْثُتَّى بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾
أي: إلا أن یأتیکم أمر لا قبل لكم به، ولا
تقدرون على دفعه، ﴿فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ
قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِلٌ﴾ أي: شهيد علي
وعليكم (٤).
ولما أرادوا السفر إلى مصر حملته
العاطفة الأبوية والرحمة الإيمانية على أن
أمرهم أن لا يدخلوا المدينة من بابٍ واحدٍ،
ولكن ليدخلوا من أبواب متفرقةٍ، ﴿وَقَالَ
يَبَنِىَّ لَا تَدْخُلُواْ مِنْ بَابٍ وَحِدٍ وَأَدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَبِ
مُتَفَرِقَةٍ﴾ [يوسف: ٦٧].
وذلك أنه خاف عليهم العين، لكثرتهم
وبهاء منظرهم، لكونهم أبناء رجل واحد؛
وهذا سبب، وإلا فالأمر كله بيده الله.
ولذلك قال: ﴿وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مِّنَ اللَّهِ
مِن شَىْءٍ ﴾ أي: هذا الاحتراز لا يرد قدر الله
وقضاءه؛ فإن الله إذا أراد شيئًا لا يخالف ولا
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٢٩/٢،
تيسير الكريم الرحمن، ص ٤٠٢، البحر
المحيط، أبو حيان ٦/ ٢٩٦.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٢٩/٢،
تيسير الكريم الرحمن، ص ٤٠٢، أيسر
التفاسير، الجزائري ٦٢٨/٢.
١٣٨
مُؤْش ◌َرُ النَّفسيد
جوسين
القرآن الكريمِ

يوسف عليه السلام
يمانع.
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ القضاء قضاؤه،
والأمر أمره، فما قضاه وحكم به لا بد أن
يقع، ﴿عَلَيْهِ تَوگَّتُ﴾ أي: اعتمدت على الله،
لا على ما وصيتكم به من السبب، ﴿وَعَليْهِ
فَلْيَتَوََّّلِ الْمُنَوَڪِلُونَ﴾ فإنه بالتوكل يحصل
کل مطلوب، ويندفع كل مرهوب(١).
قال تعالى: ﴿وَلَمَّادَ خَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ
أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ
شَىْءٍ إِلَّا حَاجَةٌ فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَمُهَا﴾
[يوسف: ٦٨].
قالوا: هي دفع إصابة العین لھم، ولیس
هذا قصورًا في علمه، فإنه من الرسل الكرام
والعلماء الربانيين.
ولهذا قال عنه: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ﴾ أي:
لصاحب علم عظيم ﴿لِمَا عَلَّمْنَهُ﴾ أي:
لتعليمنا إياه،
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَعْلَمُونَ﴾ عواقب الأمور ودقائق الأشياء(٢).
ثم یذکر تعالی ما كان من أمر إخوة يوسف
لما قدموا عليه ومعهم أخوه - شقيقه- وما
کان من إیوائه إلیه، وإخباره له سرّا عنهم بأنه
أخوه، وأمره بکتم ذلك عنهم، وسلاه عما
(١) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ٦٢٨/٢،
قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٤٠، تيسير
الكريم الرحمن، ص ٤٠٢، تفسير القرآن
العظيم، ابن كثير ٢/ ٦٣٠.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، ص ٤٠٢، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦٣٠.
كان منهم من الإساءة إليه، فيقول:
ـَا
دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَىّ إِلَيْهِ أَخَاةً قَالَ إِنِّ
أَنَاْ أَخُوَكَ فَلَا تَبْتَيِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
﴾ [يوسف: ٦٩].
أي: لا تحزن على الأعمال الماضية التي
عملوها، فإن العاقبة خير لنا(٣).
ثم احتال على أخذه منهم وتر که إياه عنده
دونهم، وذلك أنه لما جهزهم وكال لكل
واحد من إخوته، ومن جملتهم أخوه هذا،
أمر فتیانه بوضع سقايته، في متاع أخيه خفية
- من حيث لا يشعر أحدٌ - ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُم
بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ [يوسف: ٧٠]. وهي
الإناء الذي كان يشرب فيه الملك ويكيل به
الطعام ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾. ثم لما تحركت
القافلة ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنَّ ﴾ أي: نادى منادٍ بينهم
قائلًا: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ أي: يا أهل القافلة،
﴿إِنَّكُمْ لَسَرِقُونَ﴾.
قال تعالى إخبارًا عنهم: ﴿ قَالُوا وَأَقْبَلُواْ
عَلَيْهِم مَّاذَا تَّفْقِدُونَ ﴾ [يوسف: ٧١].
ولم يقولوا: ((ما الذي سرقنا)) لجزمهم
بأنهم براء من السرقة ﴿قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَّاعَ
الْمَلِكِ﴾﴾ [يوسف: ٧٢].
أي: صاعه الذي يكيل به، ﴿وَلِمَنْ جَآءَ
بِهِ حِلُ بَعِيرٍ﴾ أي: أجرة له على وجدانه
وهذا من باب الجعالة، والبعير هو الجمل
(٣) انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٤٠،
تيسير الكريم الرحمن، ص ٤٠٢، فتح القدير
٥٠/٣.
www. modoee.com
١٣٩

حرف الياء
﴿وَأَنَا بِهِ، زَعِيمٌ﴾ أي: كفيل، وهذا من [يوسف: ٧٥](٢).
باب الضمان والكفالة (١).
فأقبلوا على من اتهمهم بذلك ﴿ قَالُواْ
تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِ اَلْأَرْضِ﴾
[يوسف: ٧٣]. بجميع أنواع المعاصي، ﴿وَمَا
كُنَّا سَرِقِينَ﴾ يقولون: أنتم تعلمون منا
خلاف ما رميتمونا به من السرقة، فليست
سجايانا تقتضي هذه الصفة، فإن السرقة
من أكبر أنواع الفساد في الأرض، وإنما
أقسموا على علمهم أنهم ليسوا مفسدين
ولا سارقين، لأنهم عرفوا أنهم سبروا من
أحوالهم ما یدلهم علی عفتهم وورعهم، وأن
هذا الأمر لا يقع منهم بعلم من اتهموهم،
وهذا أبلغ في نفي التهمة، من أن لو قالوا:
(تالله لم نفسد في الأرض ولم نسرق)).
قَالُواْ فَمَا جَزَّؤُهُ: إِن كُنتُمْ كَذِبِينَ
﴾ [يوسف: ٧٤]. أي: ما عقوبة السارق،
إن کان فیکم ووجدناه بینکم.
﴿قَالُوْ جَّؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِ رَحْلِهِ ﴾
[يوسف: ٧٥]. أي: الموجود في رحله ﴿فَهُوَ
جزؤه, ﴾ بأن یتملكه صاحب السرقة، وكان
هذا في دينهم أن السارق إذا ثبتت عليه
السرقة كان ملكا لصاحب المال المسروق،
ولهذا قالوا: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِى الَِّينَ﴾
(١) انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٤٠،
٣٤٢، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٦٣٠/٢.
وهذا هو الذي أراد يوسف، عليه
السلام؛ ولهذا بدأ بأوعيتهم قبل وعاء
أخيه، أي: فتشها قبله، توریةً، كما قال الله
تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعَتِهِمْ قَبْلَ وِعَِّ أَخِيهِ﴾
[يوسف: ٧٦].
ليكون ذلك أبعد للتهمة وأبلغ في الحيلة.
ثُمَّ أَسْتَخْرَجَهَا مِن ◌ِعَاءِ أَخِيهِ﴾ فأخذه
منهم بحكم اعترافهم والتزامهم، وإلزامًا
لهم بما يعتقدونه.
ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا
لِيُوسُفَ﴾ أي: يسرنا له هذا الكيد، الذي
توصل به إلى أمر غير مذموم.
﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِ دِينِ اَلْمَلِكِ إِلَّآَ
أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ أي: لم يكن له أخذه في
حكم ملك مصر؛ لأنه ليس من دينه أن
يتملك السارق، وإنما له عندهم جزاء اخر،
فكان قولهم هذا: بمشيئة الله وتدبيره، وقد
كان يوسف عليه السلام يعلم ذلك من
شريعتهم؛ ولهذا مدحه تعالى فقال: ﴿نَرْفَعُ
دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾ بالعلم النافع وغيره، كما
رفعنا درجات يوسف، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى
عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ فكل عالم، فوقه من هو
أعلم منه حتى ينتهي العلم إلى عالم الغيب
والشهادة (٣)
(٢) قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٤٢، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٠٣.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦٣١،
١٤٠
مُوَسُولَةُ النفسية
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

يوسف عليه السلام
قال ابن كثير: ((وإنما فعل ما فعل عن أمر البرئ، ولم يقل ((من سرق)) كل هذا تحرز
من الكذب(٢).
الله له في ذلك؛ لأنه يترتب على هذا الأمر
مصلحةٌ عظيمةٌ بعد ذلك: من قدوم أبيه
وقومه علیه ووفودهم إليه)»(١).
فلما عاينوا استخراج الصواع من حمل
أخيهم ﴿قَالُواْ إِن يَسْرِقْ﴾ [يوسف: ٧٧]
هذا الأخ، فليس هذا غريبا منه، ﴿فَقَدْ
سَرَفَ أَخْ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ يعنون: يوسف
عليه السلام، وهذا مجرد اتهام، ومقصودهم
تبرئة أنفسهم وأن هذا وأخاه قد يصدر منهما
ما يصدر من السرقة، وهما ليسا شقيقين لنا،
وفي هذا من الغض عليهما ما فيه.
ولهذا قال: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِ نَفْسِهِ،
وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمَّ قَالَ أَنْتُمْ شَرُّ مَّكَانٌ وَاللَّهُ
أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ٧٧].
شيخًا کبیرًا﴾ [يوسف:٧٨] أي: وإنه لا يصبر
عنه، وسيشق عليه فراقه، ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا
مَكَانَهُ﴾ أي: بدله، يكون عندك عوضًا
عنه، ﴿إِنَّا نَرَنكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ فأحسن
إلينا وإلى أبينا بذلك.
﴿قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ أَنْ تَأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا
مَتَعَنَا عِندَهُ: إِنَّ إِذَا أَظَلِمُونَ
٧٩
[يوسف: ٧٩] أي: إن أطلقنا المتهم وأخذنا
قصص الأنبياء، ابن کثیر، ص ٣٤٢.
(١) قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٤٣.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْتَيْكَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ
◌َيًا﴾ [يوسف: ٨٠]. أي: لما يئسوا من
تخلیص أخیھم، الذي قد التزموا لأبيهم برده
إليه، وعاهدوه على ذلك، ﴿خَلَصُواْ ﴾ أي:
انفردوا عن الناس ﴿نَجِيًّا﴾ يتناجون فيما
بينهم، فـ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ
أَكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ قَّوْئِقًا مِّنَ اللَّهِ﴾ لتردنه
إليه، ﴿وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطَّتُمْ فِ يُوسُفَ﴾
[يوسف: ٨٠].
يقول: لقد أخلفتم عهده، وفرطتم فيه
کما فرطتم في أخیه یوسف من قبله، فلم يبق
لي وجهٌ أقابله به ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ أي:
لا أزال مقيمًا هاهنا ﴿حَتَّ يَأْذَنَ لِّأَبِّ﴾ في
القدوم عليه راضيًا عني، ﴿أَوْ يَحْكُمُ اَللَّهُلِىِ﴾
أجابهم سرًا لا جهرًا، حلمًا وصفحًا
وعفوا، فقالوا: ﴿يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُو أَبًا بأن يمكنني من أخذ أخي، ورده إلى أبي
﴿وَهُوَ خَيْرُ اَلْحَكِمِينَ﴾ لأن أحكامه لا تجري
إلا على ما يوافق الحق، ويطابق الصواب.
ثم أمر إخوانه أن يخبروا أباهم بصورة ما
وقع، حتی یکون عذرًا لهم عنده، حیث قال:
﴿أَرْجِعُواْ إِلَى أَبِكُمْ فَقُولُواْ يَتَأَنَّ إِنَّ أَبْنَكَ
سَرَقَ﴾ [يوسف: ٨١]. أي: أخبروه بما رأيتم
من الأمر في ظاهر المشاهدة ﴿وَمَا شَهِدْنَآ
إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَفِظِينَ﴾
(٢) انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٤٣،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٠٢،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦٣٢.
www. modoee.com
١٤١

حرف الياء
أي: لو كنا نعلم الغيب لما حرصنا وبذلنا
المجهود في ذهابه معنا، ولما أعطيناك
عهودنا ومواثيقنا، فلم نظن أن الأمر سيبلغ
ما بلغ، ﴿ وَسْئَلِ﴾ إن شككت في قولنا
﴿الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِى أَقْلْنَا فِيهَا﴾
فقد اطلعوا على ما أخبرناك به، ﴿وَإِنَّا
لَصَدِقُونَ﴾ [يوسف: ٨٢] فيما أخبرناك
به،لم نکذب ولم نغیر ولم نبدل، بل هذا
الواقع (١).
فلما رجعوا إلى أبيهم وأخبروه بهذا
الخبر، اشتد حزنه حتى ابيضت عيناه،
واتهمهم أيضًا في هذه القضية، كما اتهمهم
في الأولى، وقال لهم كما قال لهم حين
جاءوا علی قمیص یوسف بدم كذبٍ:
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًّاً فَصَبِّرٌ
جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ٨٣].
فَلَمَا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَتَأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا
وَأَهْلَنَا الشُّرُّ﴾ [يوسف: ٨٨] أي: من الجدب
وضيق الحال وقلة الطعام، ﴿وَجِئْنَا بِضَعَةٍ
مُرْجَةٍ﴾ أي: رديئة مدفوعة، لا يقبل مثلها
منا إلا أن تتجاوز عنا، ﴿فَأَوْفٍ لَنَا الْكَيْلَ
أي: أعطنا بهذا الثمن القليل ما كنت تعطينا
قبل ذلك، ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ بقبولها على
إِنَّ
رداءتها، وقیل برد أخينا إلينا
يجزى
ـلَّهَ
الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ أي: يثيبهم على إحسانهم
ويجزيهم به خيرًا(٣).
فلما رأى ماهم فيه من الحال وما أصابهم
من الجهد والضيق، وتذكر أباه وما هو فيه
من الحزن لفقد ولديه، عند ذلك أخذته رقٌ
ورأفةٌ ورحمةٌ، فتعرف إليهم وخاطبهم قائلا
لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾
[يوسف: ٨٩] إذ فرقتم بينهما وصنعتم ما
صنعتم ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ يعني: في
حال جهلكم بعاقبة ما تفعلون بيوسف،
وهذا نوع اعتذار لهم بجهلهم أو توبيخ لهم
ثم ترجى من الله أن يرد إليه أولاده إذ فعلوا فعل الجاهلين، مع أنه لا ينبغي ولا
يليق منهم (٤).
أي: لیس الأمر کما ذکرتم، لم يسرق فإنه
ليس سجية له ولا خلقه وإنما ﴿سَوَّلَتْ لَكُمْ
أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ (٢).
الثلاثة، وأمرهم بالرجوع والبحث عن
یوسف وأخیه وعدم اليأس من رحمة الله.
قال ابن كثير: والظاهر - والله أعلم -أن
وامتثل الأبناء أمر الوالد ورجعوا إلى يوسف، عليه السلام، إنما تعرف إليهم
يوسف عليه السلام.
(١) قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٤٤، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٠٣، فتح
القدير، الشوكاني ٥٥/٣.
(٢) المصادر السابقة.
(٣) انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٤٨،
أيسر التفاسير، الجزائري، ص ٦٤١/٢،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦٣٤.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤٤/١٦، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٠٤.
١٤٢
القرآن الكريم