النص المفهرس

صفحات 21-40

يوسف عليه السلام
يصدق أبناءه حينما جاءوا عشاءً ييكون قائلا: ﴿بَلَّ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرً فَصَبْرٌ
وزعموا أنه أكله الذئب، ولطخوا قميصه جميلٌ﴾ [يوسف: ٨٣].
بالدم المکذوب، ولم یرج هذا الصنيع علیه،
بل قال لهم معرضًا عن كلامهم إلى ما وقع
في نفسه من تمالئهم عليه: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ
أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف: ١٨].
ثم لجأ إلى الله في کشف محنته وتحلي
بالصبر الجميل وردد قائلًا: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ
وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَاتَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨].
أي: فسأصبر صبرًا جميلًا على هذا الأمر
الذي قد اتفقتم عليه، حتى يفرجه الله بعونه
ولطفه (١)، تمامًا كما قال تعالى﴿ يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ أُسْتَعِنُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةُّ إِنَّ اللَّهَ مَعَ
الصَّبِينَ ()﴾ [البقرة: ١٥٣].
وقد اشتد حزنه العميق على فقد يوسف
عليه السلام، ثم ازداد به الأمر شدة، حين
صار الفراق بينه وبين ابنه الثاني شقيق
یوسف، فجدد الحزن الجدید الحزن القديم،
حتى ذهب بصره أو كاد؛ من الحزن وكثرة
البكاء كما قال جل وعلا: ﴿وَأَضَّتْ عَيْنَاءُ
مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤](٢).
ولكنه عليه السلام لم يفقد الأمل في
اللقاء بيوسف مجددًا، بل كان عنده يقين
بذلك؛ ولهذا لما جاءه أولاده بخبر فقد
أخيهم الآخر -شقيق يوسف- خاطبهم
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦١٢.
(٢) انظر تيسير الكريم الرحمن، ص ٤١١، وفتح
القدير، الشوكاني ٥٧/٣.
ثم ترجى من الله أن يرد عليه أولاده
الثلاثة: يوسف وأخوه الشقيق، وأخوهم
الكبير الذي أقام بديار مصر ينتظر أمر الله
فيه إما أن يرضى عنه أبوه فيأمره بالرجوع
إليه، وإما أن يقدر الله له المجيء وحده،
أو مع أخيه؛ ولهذا قال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى
بِهِمْ جميعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ اَلْحَكِيمُ﴾
[يوسف: ٨٣].
أي: ﴿الْعَلِيمُ﴾ بحالي ﴿الْحَكِيمُ﴾
في أفعاله وقضائه وقدره (٣).
هكذا قالها يعقوب عليه السلام بكل
یقین وحسن ظن بالله.
ثم أعرض عن بنيه كما قال تعالى:
﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ وذلك لما جاؤوا من غير
أخيهم وأخبروه الخبر، وقد ساء ظنه
بهم ولم يصدق قولهم، وجعل يتفجع
ويتأسف ﴿وَقَالَ يَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ يا
حزناه على يوسف، والأسف أشد الحزن
﴿وَأَيَضَتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾
[يوسف: ٨٤].
أي: ممتلئ القلب من الحزن الشديد (٤)،
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٣٣/٢،
تیسیر الکریم الرحمن، ص ٤٠٣.
(٤) انظر تيسير الكريم الرحمن، ص ٤٠٤، معالم
التنزيل، البغوي ٥٠٩/٢، المحرر الوجيز،
ابن عطية ٢٧١/٣.
www. modoee.com
١٠٣

حرف الياء
فلما رأی بنوه ما يقاسيه من الوجد وألم
الفراق ﴿قَالُواْ﴾ له على وجه الرحمة له
والرأفة به والحرص عليه: ﴿قَاَللَّهِ تَفْتَؤُأ
تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي: لا تزال تذكر
يوسف ﴿حَّ تَكُونَ حَرَضًا﴾ مشرفًا على
الهلاك لطول مرضك ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ
الْهَلِكِينَ﴾ [يوسف: ٨٥].
أي: الموتی، یقولون: لا تزال تتذكره
حتى ينحل جسدك وتضعف قوتك أو
تهلك، فلو رفقت بنفسك کان آولی بك
(١)
فأجابهم يعقوب عليه السلام بقوله:
﴿إِنَّمَا أَشْكُوْ بَنِّى وَحُزْنِيِّ إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ
﴾ [يوسف: ٨٦].
اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ )
يقول لهم: ﴿إِنَّمَآ أَشْكُواْ بَنِى﴾ أي: ما
أبث من الكلام ﴿وَحُزْنِ﴾ الذي في قلبي
﴿إِلَى اللَّهِ ﴾ وحده، لا إلیكم ولا إلى غيركم
من الخلق، فقولوا ما شئتم ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ
اللّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من أنه سيردهم علي
وپقر عيني بالاجتماع بهم، وأعلم أن رؤيا
يوسف لابد أن تقع، ولابد أن أسجد له أنا
وأنتم حسب ما رأى (٢).
ثم أمر أولاده بالذهاب للبحث والتفتيش
عن يوسف عليه السلام وعدم اليأس
والقنوط من ذلك؛ فإن اليأس ليس من صفة
(١) انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٤٦،
تفسير الجلالين، ص ٣١٦.
(٢) انظر تيسير الكريم الرحمن، ص ٤٠٤،
قصص الأنبياء، ابن کثیر، ص ٣٤٦.
المؤمن ﴿يَبَفِنَّ أَذْهَبُواْ فَحَتَسُواْ مِن يُوسُفَ
وَأَخِيهِ﴾ أي: اطلبوا خبرهما، واستقصوا،
﴿وَلَا تَأْئَسُواْ مِن رَّوْعِ اللهِ﴾ أي: رحمته؛ فإن
الرجاء يوجب للعبد السعي والاجتهاد فيما
رجاه، والإياس يوجب له التثاقل والتباطؤ،
وأولى ما رجا العباد فضل الله وإحسانه
ورحمته وروحه ﴿إِنَّهُ لَا يَأْيِّئَسُ مِنْ زَّوْجِ اللَّهِ
إِلَّا الْقَوْمُ اَلْكَفِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].
فإنهم لكفرهم يستبعدون رحمته،
ورحمته بعیدة منهم، فلا تتشبهوا بالكافرين،
و دل هذا على أنه بحسب إيمان العبد یکون
رجاؤه لرحمة الله (٣). فلم يخيب الله ظنه
بل حقق له ما رجاه.
ثالثًا: اجتماع الشمل:
وبعد طول فراق -امتد لعدة سنين قيل:
ثمانين سنة. وقيل: أربعین. وقيل غير ذلك،
وهي لا تقصر (٤) عن خمسة عشر عامًا-
يجتمع الشمل، ويحقق الله الرجاء، ويجمع
الله بين يعقوب وابنه يوسف عليهما السلام.
لما جاء إخوة يوسف في المرة الأخيرة
لشراء الطعام من مصر وتعرف عليهم يوسف
عليه السلام، أعطاهم قميصه وأمرهم أن
یضعوه على عيني أبیه فإنه يرجع إليه بصره،
بإذن الله، قال: ﴿أَذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَذَا
(٣) تيسير الكريم الرحمن، ص ٤٠٤، وتفسير
الجلالين، ص ٣١٦.
(٤) انظر تيسير الكريم الرحمن، ص ٤١١.
صَوَسُوعَدُ النَّفْسِي
القرآن الكريمِ
١٠٤

يوسف عليه السلام
فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِىِ يَأْتِ بَصِيًا﴾ [يوسف: ٩٣].
قال السعدي: لأن کل داء یداوی بضده،
فهذا القميص لما كان فيه أثر ريح يوسف،
الذي أودع قلب أبيه من الحزن والشوق ما
الله به علیم أراد أن یشمه فترجع إليه روحه،
وتتراجع إليه نفسه، ويرجع إليه بصره، ولله
في ذلك حکم وأسرار، لا يطلع عليها العباد،
وقد اطلع يوسف من ذلك على هذا الأمر
(١).
قال ابن كثير: وهذا من خوارق العادات
ودلائل النبوات وأكبر المعجزات (٢).
وأمرهم أيضًا أن يأتوا بأهلهم أجمعين
إلى ديار مص؛ ليجتمع الشمل بعد الفرقة،
ويزول عنهم ضنك الرزق قال: ﴿وَأَتُوني
بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣].
وحصلت معجزة أخرى وهي إيصال
الله تعالى ريح يوسف عليه السلام لأبيه
من مكان بعيد، فما أن خرجت العير
-القافلة - من أرض مصر مقبلة إلى أرض
فلسطين حتى شم يعقوب عليه السلام
ربح القميص، ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيْرُ قَالَ
أَبُهُمْ إِنِّ لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاً أَنْ
تُفَيِّدُونِ ﴾ [يوسف: ٩٤].
أي: تسخرون مني، وتقولون إنما قلت
هذا من الفند، وهو الخرف وكبر السن،
(١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٤٠٥.
(٢) قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٤٩.
فوقع ما ظنه بهم ﴿قَالُواْتَاللَّهِإِنَّكَ لَفِىِ ضَلَلِكَ
اَلْقَدِيمِ ﴾ [يوسف: ٩٥].
أي: في حبك القديم ليوسف (٣)، قال
قتادة: ((أي: من حب يوسف لا تنساه، قالوا
لوالدهم كلمةً غليظةً لم يكن ينبغي لهم أن
يقولوها لوالدهم، ولا لنبي الله صلى الله
علیه وسلم» (٤).
﴿فَلَمَّا أَنْ جَآءَ الْبَشِيرُ﴾ وهو المبشر
برسالة يوسف ﴿أَلْقَنْهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَأَرْتَدَّ
بَصِيرًا﴾ أي: بمجرد ما جاء ألقى القميص
على وجه يعقوب فرجع من فوره بصيرًا
بعدما کان ضریرًا، فقال لبنیه عند ذلك: ﴿اَلَم
أَقُل لَكُمْ إِّ أَعْلَمُ مِنَ اَللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[يوسف: ٩٦].
أي: أعلم أن الله سيجمع شملي بيوسف؛
لأن رؤیا یوسف کانت صادقة، وکان الله قد
قضى أن أَخِرَّ أنا وأنتم له سجودًا، فكنت
موقنًا بقضائه، ولا تعلمون أنتم من ذلك ما
أعلمه (٥).
هنا شعر الأبناء بالحرج من جراء ما
اقترفوا ﴿قَالُوْيَتَأَ بَنَا أُسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآَ إِنَّا كُنَّا
خَطِعِينَ (١٧)
﴾ [يوسف: ٩٧].
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦٣٦،
تيسير الكريم الرحمن، ص ٤٠٥.
(٤) جامع البيان، الطبري ١٦ / ٢٥٧، تفسير القرآن
العظيم، ابن كثير ٦٣٦/٢.
(٥) انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٥٠،
جامع البيان، الطبري ٢٥٨/١٦- ٢٦٠.
www. modoee.com
١٠٥

حرف الياء
فعفا عنهم و ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ الأمة السلام تحية أهل الجنة))(٣) ﴿وَقَالَ
لما رأى سجودهم له: ﴿يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ
رُمْيَىَ مِن قَبْلُ﴾ حين رأيت أحد عشر
كوكبًا والشمس والقمر لي ساجدين، فهذا
وقوعها الذي آلت إليه ووصلت ﴿قَدْ جَعَلَهَا
رَّحَقًا﴾ فلم یجعلها أضغاث أحلام، بل
تحققت و وقعت کما رأيتها (٤).
لَكُمْ رَبَِّّ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
[يوسف: ٩٨].
وقد قيل: إنه أخر الاستغفار لهم إلى
وقت السحر الفاضل؛ ليكون أتم للاستغفار،
وأقرب للإجابة (١).
فارتحل يعقوب عليه السلام ومن معه
إلى مصر ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ مَاوَى
إليهِ أبويهِ﴾ وهما أبوه وأمه على الصحيح،
أي: ضمهما إلیه، واختصهما بقربه، وأبدى
لهما من البر والإكرام والتبجيل والإعظام
شيئًا عظيمًا ﴿وَقَالَ﴾ لجميع أهله: ﴿أَدْخُلُواْ
مِصْرَ إِن شَآءَ اللَّهُ هَامِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩] من
جميع المكاره والمخاوف(٢).
ثم رد الفضل في ذلك كله إلى الله وأنه
هو الذي حفظه ونجاه وجمع شمله به بهم
بعد طول فراق ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِىِّ إِذْ أَخْرَجَنِى
مِنَ السِّجْنِ وَجَهَ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدٍ أَنْ تَّزَغَ
الشَّيْطَانُ بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَنَّ إِنَّ رَبِ لَطِيفٌ لِّمَا
يَشَاءُ إِنَّهُ, هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ١٠٠].
ومن أدبه مع والديه واحترامه لهما لم
يجلسهما على الأرض ويجلس هو على
سرير الملك بل أجلسهما معه ﴿ وَرَفَعَ أَبَّوَيْهِ
عَلَى الْعَرْشِ﴾ وهو سرير الملك ﴿وَخَرُّوالَّهُ.
سُجَّدًا﴾ أي: أبوه، وأمه وإخوته، وقد
كان ذلك جائزًا في شريعتهم لكنه منع في
شريعتنا.
قال ابن عطية: ((وأجمع المفسرون أن
ذلك السجود- على أي هيئة كان- فإنما
كان تحية لا عبادة، قال قتادة: هذه كانت
تحية الملوك عندهم، وأعطى الله هذه
(١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٤٠٥.
(٢) المصدر السابق.
(٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣/ ٢٨١.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، ص ٤٠٥.
١٠٦
جوببيو
القرآن الكريمِ

يوسف عليه السلام
يوسف عليه السلام وإخوته
يقول الله تعالى عن يوسف وإخوته:
﴿ لَقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَبِهِ»،َأَنتُ لِّلِسَّآيِلِينَ
[يوسف: ٧].
٧
أي: عبر ومواعظ، لكل من سأل عنها
بلسان الحال أو بلسان المقال؛ فإن السائلين
هم الذين ينتفعون بالآيات والعبر، وأما
المعرضون فلا ينتفعون بالآيات، ولا
بالقصص والبينات (١).
وعن سبب نزولها قال أبو حيان الأندلسي:
وسبب نزولها أن كفار مكة أمرتهم اليهود
أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم
عن السبب الذي أحل بني إسرائيل بمصر
فنزلت. وقيل: سببه تسلية الرسول صلى الله
علیه وسلم عما كان يفعل به قومه بما فعل
إخوة يوسف به. وقيل: سألت اليهود رسول
الله صلى الله عليه وسلم أن يحدثهم أمر
يعقوب وولده، وشأن یوسف. وقال سعد
بن أبي وقاص: أنزل القرآن فتلاه عليهم
زمانًا فقالوا: یا رسول الله لو قصصت علينا،
فنزلت (٢). ويمكن إجمال القول عن يوسف
عليه السلام مع إخوته فيما يلي:
١. عددهم.
كان ليعقوب عليه السلام من البنين
اثنا عشر ولدًا ذكرًا، وإليهم تنسب أسباط
(١) المصدر السابق ص ٣٩٤.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان ٦/ ٢٣٤.
بني إسرائيل كلهم، وكان أشرفهم وأجلهم
يوسف عليه السلام (٣)، وقد جاءت الإشارة
إليهم في آية الرؤيا حين قال: ﴿إِنِّ رَأَيْتُ أَحَدَ
عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: ٤].
وقد كان أحدهما شقيقا ليوسف والبقية
إخوته لأبيه كما يشير إلى ذلك قولهم
المذكور في الآية: ﴿إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ
أَحَبُّ إِلَى أَبِنَامِنَّا﴾ [يوسف: ٨].
فقولهم ﴿وَأَخُوهُ﴾ أي: شقيقه، وإلا
فكلهم إخوة (٤).
٢. أسماؤهم.
لم يرد ذكر أسمائهم في شيء من القرآن
أو صحیح السنة سوی يوسف عليه السلام،
وقد اشتهر عند المؤرخين والمفسرين بأن
أخاه الشقيق يقال له: (بنيامين) وقد جاء
في حديث مرفوع ذكر أسمائهم لكنه لم
یصح(٥).
٣. القول بنبوتهم.
اختلف العلماء في نبوة إخوة يوسف عليه
السلام: فذهبت طائفة إلى أنهم كانوا أنبياء،
وأنهم هم أسباط بني إسرائيل المذكورون
في القرآن في قوله تعالى: ﴿قُولُوَاَ ءَامَنَا
بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ
(٣) قصص الأنبياء، ابن کثیر ص ٣٠٩.
(٤) انظر تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٩٤.
(٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦١٠،
الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة،
الشوكاني ص ٤٦٣.
www. modoee.com
١٠٧

حرف الياء
وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ ﴾ [البقرة: ١٣٦].
وقوله تعالى: ﴿﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا
أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيْنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَاً
إِلَى إِبْرَهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ
وَالْأَسْبَاطِ ﴾ [النساء: ١٦٣].
فقد عطفهم الله على يعقوب عليه السلام
وأخبر أنه أوحى إليهم، وأما ما حصل منهم
تجاه أخیهم فقد كان قبل نبوتهم، وقد تابوا
منه فتاب الله عليهم وأوحى إليهم بعد
ذلك(١).
وذهب فريق إلى أن إخوة يوسف عليه
السلام لم یکونوا أنبياء؛ لعدم ورود دلیل
صريح على ذلك؛ ولأن ما قاموا به نحو
أخيهم لا يتناسب مع مقام النبوة.
قال الحافظ ابن كثير: ((وقد ذهب طائفةٌ
من العلماء إلى أنه لم یکن فیھم نبيّ غيره،
وباقي إخوته لم يوح إليهم، وظاهر ما ذکر
من فعالهم ومقالهم في هذه القصة يدل على
هذا القول، ومن استدل على نبوتهم بقوله:
﴿ قُولُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى
إِثْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْطَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾
[البقرة: ١٣٦] وزعم أن هؤلاء هم الأسباط
فليس استدلاله بقويٍّ؛ لأن المراد بالأسباط
شعوب بني إسرائيل وما كان يوجد فيهم
من الأنبياء الذين ينزل عليهم الوحي من
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، ص ٤٠٨،
الرسل والرسالات، الأشقر، ص ١٩.
جوسيق
القرآن الكريمِ
السماء ، وما يؤيد أن يوسف عليه السلام
هو المختص من بين إخوته بالرسالة والنبوة
أنه ما نص علی واحدٍ من إخوته سواه، فدل
على ما ذكرناه))(٢).
قال القرطبي تعليقًا على تآمرهم عليه:
وفي هذا ما يدل على أن إخوة يوسف ما
كانوا أنبياء لا أولًا ولا آخرًا؛ لأن الأنبياء لا
يدبرون في قتل مسلم، بل كانوا مسلمين،
فارتکبوا معصیةً ثم تابوا(٣).
قال أبو محمد ابن حزم: ((إخوة يوسف
عليه السلام لم يكونوا أنبياء، ولا جاء قط
في أنهم أنبياء نص: لا من قرآن، ولا من سنة
صحیحة، ولا من إجماع، ولا من قول أحد
من الصحابة رضي الله عنهم، وأما يوسف
صلى الله عليه وسلم فرسول الله بنص
القرآن.
قال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ جَآءَ كُمْ يُوسُفُ
مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَتِ فَا زِلْتُمْ فِ شٍَّّ مِمَّا جَآءَ كُم
بٌِّ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ
بَعْدِهِ، رَسُولًا﴾ [غافر: ٣٤].
وأما إخوته فأفعالهم تشهد أنهم لم
يكونوا متورعين عن العظائم فكيف أن
يكونوا أنبياء؟! ولكن الرسولين أباهم
وأخاهم قد استغفرا لهم، وأسقطا التثريب
(٢) قصص الأنبياء، ابن كثير ص ٣٠٩.
وانظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٦١١/٢،٢٤٧/١.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ١٣٣.
١٠٨

يوسف عليه السلام
عنهم؛ ولقول الله تعالى حاكيًا عن الرسول من هذا.
أخيهم عليه السلام أنه قال لهم: ﴿أَنْتُمْ
شَرٌّ مَّكَانًا﴾ [يوسف: ٧٧].
ولا يجوز البتة أن يقوله لنبي من الأنبياء،
نعم ولا لقوم صالحين، إذ توقير الأنبياء
فرض على جميع الناس؛ لأن الصالحين
لیسوا شرا مكانا وقد عق ابن نوح أباه أکثر
مما عق به أخوة يوسف أباهم إلا أن إخوة
يوسف لم يكفروا، ولا يحل لمسلم أن
يدخل في الأنبياء من لم يأت نص ولا
إجماع أو نقل كافة بصحة نبوته.
فإن ذكروا في ذلك ماروي عن بعض
الصحابة رضي الله عنهم وهو زيد بن أرقم:
إنما مات إبراهیم ابن رسول الله صلى الله
عليه وسلم؛ لأنه لا نبي بعد رسول الله صلى
الله عليه وسلم وأولاد الأنبياء أنبياء، فهذه
غفلة شديدة وزلة عالم من وجوه:
أولها: أنه دعوی لا دلیل علی صحتها.
وثانيها: أنه لو كان ما ذكر لأمكن أن
ینبأ إبراهيم في المهد کما نیء عیسی عليه
السلام، وکما أوتي يحيي الحكم صبيًّا،
فعلی هذا القول لعل إبراهیم کان نبيًّا، وقد
عاش عامين غير شهرين، وحاشا لله من
هذا.
وثالثها: أن ولد نوح كان كافرًا بنص
القرآن، فلو كان أولاد الأنبياء أنبياء لكان
هذا الكافر المسخوط عليه نبيًّا، وحاشا لله
ورابعها: لو كان ذلك لوجب ولابد أن
تکون اليهود کلهم أنبياء إلی الیوم، بل جمیع
أهل الأرض أنبياء؛ لأنه يلزم أن يكون الكل
من ولد آدم لصلبه أنبياء؛ لأن أباهم نبي
وأولاده أنبياء أيضًا؛ لأن آباءهم أنبياء وهم
أولاد أنبياء، وهكذا أبدًا حتى يبلغ الأمر
إلينا))(١).
٤. تآمرهم علیه.
لما رأی إخوة يوسف حب أبيه له وميله
إليه وإلى أخيه-شقيقه- دب الحسد في
قلوبهم، وزين لهم الشيطان الانتقام منه،
فتآمروا عليه، وعزموا على التفريق بينه وبين
أبيه، ونفذوا ما عزموا عليه، وأبعدوه عن
والده، وجروا عليه وعلى والده محن عظيمة
امتدت لسنوات طوال.
قال تعالى حاكيًا ما حصل منهم:
لَقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَبِهِ:مَايَنْتُ لِلِسَّآيِلِينَ
إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِنَا مِنَّا وَنَحْنُ
عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ٧-٨].
أي: جماعة، يقولون: فكنا نحن أحق
بالمحبة من هذین.
﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِىِ ضَلَلٍ مُبِينٍ ﴾ [يوسف: ٨] أي:
لفي خطأ بين؛ بتقديمه حبهما علينا(٢).
(١) الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم،
٠٨/٤
(٢) قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣١٢، تيسير
الکریم الرحمن، ص ٣٩٤.
www. modoee.com
١٠٩

حرف الياء
وليس مراد أولاد يعقوب الضلال في في ﴿غَيَبَتِ الْجُبِّ ﴾ وهو أسفله، والغيابة:
كل ما غاب عنك، أو غيب شيئًا عنك،
والجب: الركية التي لم تطو، فإذا طويت
فهي بئر، وسميت جبًا؛ لأنها قطعت في
الأرض قطعًا (٣) ﴿يَلْنَفِظُهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾
أي: المارة من المسافرين، فتستريحوا بهذا،
الدين؛ إذ لو أرادوا ذلك لكانوا كفارًا، وإنما
مرادهم أن أباهم -في زعمهم- في ذهابٍ
عن وجه التدبير، في إيثار اثنين على عشرةٍ
مع استوائهم في الانتساب إليه؛ ولأن العشرة
أكثر نفعًا له (١).
ثم اشتوروا فيما بينهم في قتل يوسف أو ولا حاجة إلى قتله ﴿إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ﴾ أي:
إبعاده إلى أرضٍ لا يرجع منها؛ ليخلو لهم إن كنتم عازمين على ما تقولون (٤).
وجه أبيهم أي: لتتمحض محبته لهم.
قالوا: ﴿اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ أَطْرَحُوهُ أَرْضًا يَضْلُ
لَكُمْ وَجْهُ أَبِكُمْ وَتَكُونُواْ مِنْ بَعْدِهِ، قَوْمًا صَلِحِينَ
[يوسف: ٩].
٩
ذنبکم، فقدموا العزم على التوبة قبل صدور
الذنب منهم تسهيلًا لفعله(٢).
فلما تمالأوا على ذلك وتوافقوا عليه
﴿ قَالَ قَابِلٌ مِنْهُمْ لَا نَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِ
غَيَبَتِ الْجُبِّ يَلْتَفِظُهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنْتُمْ
فَعِلينَ
﴾ [يوسف: ١٠].
١٠
أي: يقول أحد إخوة يوسف الذين
أرادوا قتله أو تبعيده ﴿لَا نَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ فإن
قتله أعظم إثما وأشنع، والمقصود يحصل
بإبعاده عن أبيه من غير قتل، ولكن توصلوا
إلى إبعاده بأن تلقوه وأشار عليهم بأن يلقوه
(١) انظر الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٣١/٩، أضواء البيان، الشنقيطي ٢/ ٢٠٣.
(٢) انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣١٢،
تیسیر الکریم الرحمن، ص ٣٩٤.
(٧) قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣١٣.
١١٠
القرآن الكريمِ
قال السعدي: ((وهذا القائل أحسنهم رأيًا
في يوسف، فإن بعض الشر أهون من بعض،
والضرر الخفيف يدفع به الضرر الثقيل (٥)).
قال ابن كثير: ((ولم يكن لهم سبيلٌ إلى
أي: تتوبون إلى الله، وتستغفرون من بعد قتله؛ لأن الله تعالى كان يريد منه أمرًا لا بد
من إمضائه وإتمامه: من الإيحاء إليه بالنبوة،
ومن التمكين له ببلاد مصر والحكم بها،
فصرفهم الله عنه بمقالة أخيه فيه (٦)).
وقد صدق رحمه الله.
لما تواطؤوا على أخذه وطرحه في
البئر كما أشار عليهم أخوهم، جاؤوا إلى
أبيهم وطلبوا منه أن يرسله معهم، وأظهروا
له أنھم یریدون أن یرعی معهم، وأن يلعب
وینبسط، وقد أضمروا له ما الله به عليمٌ (٧)،
(٣) انظر زاد المسير، ابن الجوزي ٤١٦/٢،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ١٣٢.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦١١.
(٥) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٩٤.
(٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦١١.

يوسف عليه السلام
قَالُواْ يَتَأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَئِنَا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ، إِنَّا إِذَا أَخَسِرُونَ ﴾ [يوسف: ١٤].
لَنَصِحُونَ ﴾ [يوسف: ١١].
فلما نفوا عن أنفسهم التهمة المانعة من
عدم إرساله معهم، ذكروا له من مصلحة
يوسف وأنسه الذي يحبه أبوه له ما يقتضي
أن يسمح بإرساله معهم، فقالوا: ﴿أَرْسِلَهُ
مَعَنَاغَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: ١٢].
أي: يتنزه في البرية ويستأنس.
(٢)﴾ [يوسف: ١٢]
﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ
أي: سنراعيه ونحفظه من أذى يريده.
فأجابهم والدهم ﴿ قَالَ إِ لَيَحْزُنُنِى أَنْ
تَذْهَبُواْ بِهِ، وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ
عَنْهُ غَفِلُونَ ﴾ [يوسف: ١٣].
یقول لهم: إن مجرد ذهابکم به يحزنني
ويشق علي؛ لأنني لا أقدر على فراقه، ولو
مدة پسیرة، فهذا مانع من إرساله و مانع ثان
وهو أني ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّعْبُ وَأَنْتُمْ
عَنْهُ غَفِلُونَ﴾ أي: في حال غفلتكم عنه
وانشغالكم في لعبكم، لأنه صغير لا يمتنع
من الذئب (١).
((وإنما ذكر يعقوب عليه السلام أن
ذهابهم به يحزنه؛ ليصرفهم عن الإلحاح
في طلب الخروج به؛ لأن شأن الابن البار
أن يتقي ما يحزن أباه، فأبوا إلا المراجعة (٢).
قالوا: ﴿لَبِنْ أَكَلَهُ الذِّثْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةُ
(١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٩٤.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٠/١٢.
يقولون: لئن عدا عليه الذئب فأكله من
بيننا وغلبنا عليه، أو اشتغلنا عنه حتى وقع
هذا ونحن جماعةٌ إنا إذا لعاجزون هالكون،
لا خير فينا ولا نفع يرجى منا(٣).
فلما مهدوا لأبيهم الأسباب الداعية
لإرساله، وعدم الموانع، سمح حينئذ
بإرساله معهم، فذهبوا به وبلغوا المكان
الذي فيه الجب ونفذوا مهمتهم وألقوه في
البئر، ولكن الله تعالى لطف به حيث حفظه
من الضرر فلم يصطدم بجدرانها فيهلك أو
يغرق في مائها فيموت، بل إن الله أمنه من
الخوف حيث أوحى إليه في تلك الحال
الحرجة تطييبًا لقلبه، وتثبيتًا له وبشره ((أنه
لابد لك من فرجٍ ومخرجٍ من هذه الشدة
التي أنت فيها، وسينصرك الله عليهم،
ويعليك ويرفع درجتك، ولتخبرن إخوتك
بصنيعهم هذا في حالٍ أنت فيها عزيزٌ، وهم
محتاجون إليك خائفون منك)» (٤)
٠
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ، وَأَجْمَعُواْ أَنْ
يَجْعَلُوهُ فِى غَيَبَتِ الْمُبِ﴾ [يوسف:١٥].
أي: في قعره.
﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ﴾ وفي المراد بالوحي
(٣) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٩٤، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٢ / ٦١٢.
(٤) انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣١٤،
تیسیر الکریم الرحمن، ص ٣٩٤.
www. modoee.com
١١١

حرف الياء
قولان (١):
أحدهما: أنه إلهام.
والثاني: أنه وحي حقيقة.
﴿لَتُنَتَنَّهُمِ ◌ِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾ أي: لتخبرن
إخوتك بفعلهم هذا الذي فعلوه بك.
أي: على أخيهم؛ ولهذا قال بعض
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُونَ﴾ وفي المراد بهذه الآية السلف: لا يغرنك بكاء المتظلم فرب ظالم
وهو باك! وذكر بكاء إخوة يوسف وقد
﴿وَجَآءُ وَ أَبَاهُمْ عِشَآءُ ﴾، أي: في ظلمة الليل؛
ليكون أمشى لغدرهم لا لعذرهم (٤).
قولان:
أحدهما: وهم لا يشعرون بإيحاء الله
إليك.
والثاني: وهم لا يشعرون أنك يوسف
وقت إخبارك لهم،، وذلك إخبارٌ بما وقع
بعد سنين مما حكي في هذه السورة (٢).
وهذا هو الراجح؛ لأن الله جل وعلا
صرح في هذه السورة الكريمة بأنه أنجز
ذلك الوعد في قوله: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا
فَعَلْتُمُ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَهِلُونَ )
قَالُواْ أَوِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُّ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ﴾
[يوسف: ٨٩-٩٠].
وصرح بعدم شعورهم بأنه يوسف
في قوله: ﴿وَجَاءُ إِخْوَةٌ يُوسُفَ فَدَ خَلُواْ
عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكُرُونَ (٥)
[يوسف: ٥٨](٣).
فلما ألقوه في البئر ورجعوا عنه، أخذوا يوسف(٥).
(١) زاد المسير، ابن الجوزي ٤١٩/٢.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥/ ٥٧٥، زاد
المسير، ابن الجوزي ٤١٩/٢، التحرير
والتنوير ٢٣٤/١٢.
(٣) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٢/ ٢٠٤.
قميصه فلطخوه بشئ من دم، ورجعوا إلى
أبيهم عشاءً وهم ييكون، ويظهرون الأسف
والجزع على يوسف ﴿وَجَاءُ وَ أَبَاهُمْ عِشَآءُ
يَبْكُونَ ﴾ [يوسف: ١٦].
قالوا: متعذرين بعذر كاذب ﴿يَأَبَانًا إِنَّا
ذَهَبْنَا نَسْتَیِقٌ﴾ [يوسف: ١٧].
إما على الأقدام، أو بالرمي والنضال.
﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَعِنَا﴾ أي:
ثيابنا وأمتعتنا.
﴿ فَأَڪلَهُ الذّئبُ﴾ أي: في حال غیبتنا
عنه في استباقنا، وهذا الذي كان قد خاف
منه علیه، لكنهم أخذوا من فمه هذه الكلمة،
وجعلوها عذرهم فیما فعلوه.
﴿وَمَآ أَنْتَ پِمُؤْمِنِ لنا﴾ أي بمصدقٍ لنا.
﴿وَلَوْكُنَّاصَدِقِينَ﴾ أي: ولو كنا
عندك من أهل الثقة والصدق ما صدقتنا ولا
تهمتنا في هذه القضية؛ لشدة محبتك في
﴿وَجَهُو عَلَى قَبِصِهِ، بِدَمٍ كَذِبٍ﴾
(٤) قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣١٥.
(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٤٨/٩، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٦١٢/٢.
١١٢
جوسين
القرآن الكريم

يوسف عليه السلام
[يوسف: ١٨] أي: مكذوبٍ مفتعلٍ؛ ولهذا لم
يرج هذا الصنيع على نبي الله يعقوب.
بل قال لهم معرضًا عن كلامهم إلى ما بالسيارة إليه كما قال: ﴿وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌ﴾
وقع في نفسه من تمالئهم عليه: ﴿قَالَ بَّ
أي: مسافرون وهم قافلة ترید مصر.
سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف: ١٨].
أي: زينت لكم أنفسكم أمرًا قبيحا في
التفريق بيني وبينه؛ لأنه رأى من القرائن
والأحوال ومن رؤيا يوسف التي قصها عليه
ما دله على ما قال.
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا
تَصِفُونَ﴾ أي: فسأصبر صبرًا جميلًا على
هذا الأمر الذي قد اتفقتم عليه، حتى يفرجه
الله بعونه ولطفه.
﴿وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَاتَصِفُونَ﴾ أي: على
ما تذكرون من الكذب والمحال (١).
قال ابن عاشور: وإنما فوض يعقوب
عليه السلام الأمر إلى الله ولم يسع للكشف
عن مصير يوسف عليه السلام؛ لأنه علم
تعذر ذلك عليه لكبر سنه؛ ولأنه لا عضد
له یستعین به علی أبنائه أولئك. وقد صاروا
هم الساعين في البعد بينه وبين يوسف
عليه السلام، فأيس من استطاعة الكشف
عن یوسف بدونهم، ألا تری أنه لما وجد
منهم فرصةً قال لهم: ﴿أَذْهَبُواْ فَتَحَتَسُواْ مِنْ
يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٧](٢).
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦١٣/٢،
تیسیر الکریم الرحمن، ص ٣٩٥.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٠/١٢.
لما ألقي يوسف عليه السلام في البئر
وترك لمصيره، كان من لطف الله به أن جاء
[يوسف: ١٩].
﴿فَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ﴾ والوارد الذي يرد
الماء يستقي للقوم.
﴿فَأَدَلَ دَلْوَهُ﴾ أرسل دلوه في البئر
ليملأه، والدلو معروف: وهو ما يستخرج
به الماء من البئر، فتعلق فيه يوسف فأخرجه
واستبشر به.
وقال: ﴿نُشرى﴾ أي: يا بشراي.
﴿هَذَا غُلَمْ وَأَسَرُّوهُ يِضَعَةٌ﴾ أي: وأسره
الواردون من بقية السيارة وقالوا: اشتريناه
وتبضعناه من أصحاب الماء مخافة أن
يشاركوهم فيه إذا علموا خبره (٣).
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: هو
عالمٌ بما يفعله إخوته ومشتروه، وهو قادرٌ
على تغيير ذلك ودفعه ومع هذا لا يغيره
تعالى؛ لما له في ذلك من الحكمة العظيمة
والقدر السابق والرحمة بأهل مصر (٤).
وقال أيضًا: وفي هذا تعريضٌ لرسوله
محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإعلامه له
بأنني عالمٌ بأذى قومك، وأنا قادرٌ على
(٣) انظر الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٩/ ١٥٢، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٦١٤/٢.
(٤) قصص الأنبياء، ابن کثیر، ص ٣١٥.
www. modoee.com
١١٣

حرف الياء
الإنكار عليهم، ولكني سأملي لهم، ثم أجعل أُشْتَرَنُهُ مِن مِّصْرَ لِأَمْرَأَنِهِ- أَكْرِمِى مَثْوَنُهُ﴾
[يوسف: ٢١].
لك العاقبة والحكم عليهم، كما جعلت
ليوسف الحكم والعاقبة على إخوته (١).
﴿وَشَرَوْهُ﴾ أي: باعه السيارة.
﴿بِثَمَنِ بَخْسٍ﴾ أي: قليلِ ناقص.
فسره بقوله: ﴿دَرَهِمَ مَعْدُوْدَةٍ وَكَانُواْ
فِيهِ مِنَ الزَّهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠] أي: ممن
یرغب عما في يده فيبیعه بأقل ثمن؛ لأنهم
التقطوه، والملتقط للشيء متهاونٌ به لا يبالي
بما باعه؛ ولأنهم خافوا أن يظهر له مستحقٌ
فینزعه من يدهم؛ ولذلك باعوه بأوكس
الأثمان (٢).
هذا هو القول الأول في هذه الآية وأن
الذين شروه -بمعنى باعوه- بمصر هم
السيارة وأن إخوته ألقوه وانصرفوا، وهو
اختيار أبي حيان والشوكاني وابن عاشور
(٣)
وغيرهم (٣).
وهو الظاهر؛ لدلالة ظاهر السياق عليه؛
حیث إن الله ذکر ذلك بعد ذكره لرجوع
إخوة يوسف إلى أبيهم، ثم ذكر بعدهم
مجيئ السيارة، وبعده قال: ﴿وَشَرَوْهُ﴾
ثم بين من اشتراه منهم فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِى
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦١٤.
(٢) انر: البحر المحيط، أبو حيان ٢٥٤/٦،
مفاتیح الغیب، الرازي ١٨/ ٤٣٤.
(٣) انظر البحر المحيط، أبو حيان ٦/ ٢٥٣، فتح
القدير، الشوكاني ١٦/٣، التحرير والتنوير
٢٤٤/١٢.
ولم يشر القرآن إلى رجوع إخوة يوسف
مرة أخرى إلى البئر.
وذهب كثير من المفسرين إلى أن الضمير
في ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَعَةً﴾ وفي ﴿ وَشَرَوْهُ﴾ عائد
على إخوة يوسف، وأنهم لما استشعروا
بأخذ السيارة له لحقوهم، وقالوا هذا غلامنا
أبق منا ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَعَةً﴾ يعني: أن إخوة
يوسف أسروا شأنه، وكتموا أن يكون أخاهم
وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته،
واختار البيع.
﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أي: باعه
إخوته للسيارة بثمنٍ دونٍ قليلٍ، وكانوا مع
ذلك فیه من الزاهدین، أي: ليس لهم رغبة
فيه، بل لو سألوه بلا شيءٍ لأجابوا؛ لأنه
لم يكن لهم قصد إلا تغييبه وإبعاده عن
أبيه. واختار هذا القول ابن كثير والطبري
والسعدي وغيرهم (٤).
وقد خاض بعض المفسرين في عدد هذه
الدراهم، لكنه لا طائل من وراء ذلك، قال
ابن جرير الطبري: «والصواب من القول في
ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنهم
باعوه بدراهم معدودة ولم يحد مبلغ ذلك
بوزن ولا عدد، ولا وضع عليه دلالة في
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦١٤،
جامع البيان، الطبري ١٦/١٦، تيسير الكريم
الرحمن، ص ٣٩٥.
جوُوحَرَ النَّفْتَـ
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
١١٤

يوسف عليه السلام
كتاب ولا خبر من الرسول صلى الله عليه
وسلم وليس في العلم بمبلغ وزن ذلك فائدة
تقع في دين، ولا في الجهل به دخول ضر
فیه، والإيمان بظاهر التنزیل فرضٌ، وما عداه
فموضوعٌ عنا تكلف علمه (١).
٥. اتهامهم له بالسرقة.
ومما نال يوسف أيضًا من إخوته
اتهامهم له بالسرقة زورًا وبهتانًا، حين
قالوا لما رأوا الصواع قد أخرج من متاع
أخيهم: ﴿إِن یسرق﴾ هذا الأخ، فليس هذا
غريبا منه ﴿فَقَدْ سَرَفَ أَخْ لَّهُهُ مِن قَبْلُ﴾
[يوسف: ٧٧]. يعنون: يوسف عليه السلام،
وهذا مجرد اتهام، قال الحسن: كذبوا عليه
فيما نسبوه إليه(٢).
وقال الشوكانى: ((فما هذه الكذبة بأول
كذباتهم»(٣).
وفي هذا من الغض عليهما ما فيه؛ ولهذا
قال: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِ نَفْسِهِ، وَلَمْ يُبْدِهَا
لَهُوَّ قَالَ أَنْتُمْ شَرِّ مَّكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا
تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ٧٧].
أي: لم يقابلهم على ما قالوه بما يكرهون،
بل كظم الغيظ، وأسر الأمر في نفسه.
و﴿قَالَ﴾ في نفسه: ﴿أَنْتُمْ شَرّ
مَكَانًا﴾ حیث ذممتمونا بما أنتم على أشر
(١) جامع البيان، الطبري ١٦/١٦.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٩/ ٤٦٠، زاد المسير، ابن الجوزي ٤٦٠/٢.
(٣) فتح القدير، الشوكاني ٣/ ٥٤.
منه.
وفي معناها قولان:
أحدهما: أنتم شرٌّ صنیعًا من يوسف لما
أقدمتم علیه من ظلم أخیکم وعقوق أبیکم.
والثاني: شرٌ منزلة عند الله (٤).
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ منا، من
وصفنا بالسرقة، يعلم الله أنا براء منها (٥).
٦. عفوه عنهم.
ضرب يوسف عليه السلام أروع الأمثلة
في العفو والصفح حتى صار مثالًا یحتذى
به وذلك حين عفا عن إخوته وسامحهم،
بالرغم من ما قاموا به تجاهه، وقد كان في
موقف قوة وكان قادرًا على الانتقام لكنه لم
يفعل.
لما صار يوسف عليه السلام في الملك
وعلى خزائن الأرض، وجاء إخوته يطلبون
الميرة وعرفهم بنفسه، قالوا مندهشين
متعجبين - وقد ترددوا إليه مرارًا عديدةً
وهم لا يعرفون أنه هو- ﴿أَوِنَّكَ لَأَنْتَ
يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِىّ قَدْ مَنَّ
اَللَّهُ عَلَيْنَاْ إِنَّهُ: مَن يَتَّقِّ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا
يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: ٩٠].
يعني: أنا يوسف الذي صنعتم معه ما
صنعتم، وسلف من أمركم فيه ما فرطتم.
وقوله: ﴿وَھَذآ آَخِی﴾ تأكيدٌ لما قال،
(٤) زاد المسير، ابن الجوزي ٢/ ٤٦٠.
(٥) تيسير الكريم الرحمن، ص ٤٠٢.
www. modoee.com
١١٥

حرف الياء
وتنبية على ما كانوا أضمروا لهما من الحسد،
وعملوا في أمرهما من الاحتيال.
ولهذا قال: ﴿قَدْ مَنَ اَللَّهُ عَلَيْنَا﴾ أي:
بإحسانه إلينا وجمعه بيننا بعد التفرقة وإيوائه
لنا، وذلك بسبب الصبر والتقوى.
﴿إِنَّهُ، مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ أي: يتقِ فعل
ما حرم الله ويصبر على الآلام والمصائب،
وعلى الأوامر بامتثالها ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا
يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ فإن هذا من
الإحسان، والله لا يضيع أجر من أحسن
عملا (١).
لم يخطر ببالهم ما صار إليه يوسف عليه
السلام من المكانة والعظمة، فلهذا شعروا
بالحرج واللوم وقالوا معترفين له بالفضل:
﴿تَأَللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا
لَخَطِينَ ﴾﴾ [يوسف: ٩١].
يقسمون له بأن الله فضلك علينا وأعطاك
ما لم يعطنا، ونحن كنا خاطئين في إساءتنا
إليك وما قمنا به تجاهك، فعفا عنهم
وسامحهم ﴿ قَالَ لَا تَقْرِيبَ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمَ﴾
[يوسف: ٩٢].
يقول: لا تأنيب عليكم اليوم ولا عتب
علیکم علی ما کان منکم بعد يومكم هذا،
ثم زادهم على ذلك بأن دعا لهم بالمغفرة
فقال:
﴿يَغْفِرُ اَللَّهُ لَكُمّ وَهُوَ أَرْحَمُ
الرَّحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢] (٢).
(١) انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٤٨،
تیسیر الکریم الرحمن، ص ٤٠٥.
(٢) انظر: قصص الأنبياء، ابن کثیر، ص ٣٣٦.
وهذا نهاية الإحسان الذي لا يتأتى إلا
من خواص الخلق وخيار المصطفين (٣).
ولم يكتف بذلك بل قام بإيوائهم هم
وجميع أفراد الأسرة حيث أمرهم أن يأتوا
بأهلهم أجمعين، فلما دخلوا عليه وحيوه
بالسجود خاطبهم بأسلوب تجنب فيه أي
عبارة تجرح مشاعرهم؛ مما يدل على صدر
كبير، وأن عفوه لم يكن باللسان فقط بل
كان باللسان والجنان والفعال؛ حيث قال
﴿يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُوْیَلَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَارَبِ
حَقًّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِىّ إِذْ أَخْرَجَنِ مِنَ السِّجْنِ وَجَلّة
بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِ
وَبَيْنَ إِخْوَبِّ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ
الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [يوسف: ١٠٠].
يقول السعدي رحمه الله: وهذا من لطفه
وحسن خطابه عليه السلام، حيث ذكر حاله
في السجن، ولم يذكر حاله في الجب، لتمام
عفوه عن إخوته، وأنه لا يذكر ذلك الذنب،
وأن إتيانكم من البادية من إحسان الله إلي،
فلم يقل: جاء بكم من الجوع والنصب، ولا
قال: ((أحسن بكم)) بل قال: ﴿أَحْسَنَ بِّ﴾
جعل الإحسان عائدا إلیه، ثم قال:﴿مِنْ
بَعْدِ أَن تَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَقٍ﴾ فلم
يقل: ((نزغ الشيطان إخوتي)) بل كأن الذنب
والجهل، صدر من الطرفين (٤).
(٣) تيسير الكريم الرحمن، ص ٤٠٤.
(٤) المصدر السابق، ص ٣٤٩.
١١٦
جوسين
الْقُرآن الكَرِيمِ

يوسف عليه السلام
يوسف عليه السلام وامرأة العزيز
أولًا: قصة مجيئه إلى مصر:
لما تآمر إخوة يوسف عليه وألقوه في البئر
جاءت سيارة- أي: مسافرون- فأخرجوه
منها وأخذوه معهم، فلما وصلوا بلاد مصر
وَشَرَوْهُ
باعوه بثمن زهيد، كما قال تعالى
◌ِثَمَنْ تَخْسِ دَرَهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ
الزَّهِدِينَ ﴾ [يوسف: ٢٠].
وكان من لطف الله تعالى به أنه لم يقع
في يد رجل من عامة الناس يهينه ويتعبه
بالخدمة، بل هيأ الله له أن يشتريه عزيز مصر
وأن ينشأ في قصره عزيزًا مكرمًا، كما قال
تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِى أَشْتَرَنُهُ مِن مِصْرَ لِأَمْرَأَيِ.
أَكْرِمِ مَثْوَنُهُ﴾ [يوسف: ٢١].
أي: أحسني إليه، وأكرمي موضع
إقامته(١).
﴿عَسَىَّ أَنْ يَنفَعَنَا﴾ أي: يكفينا بعض
المهمات إذا بلغ.
﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ أي: نتبناه؛ ولعل ذلك
أنه لم یکن لهما ولد (٢).
((وإنما قال ذلك لحسن تفرسه في ملامح
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨/١٥، أيسر
التفاسير، الجزائري ٢/ ٦٠١.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٩/ ١٦٠، جامع البيان، الطبري ١٩/١٥،
تیسیر الکریم الرحمن، ص ٣٩٥.
يوسف عليه السلام المؤذنة بالكمال (٣)).
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي
الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٢١].
يقول عز وجل: وكما أنقذنا يوسف من
أيدي إخوته وقد هموا بقتله وأخرجناه من
الجب بعد أن ألقي فيه كذلك مكنا له في
الأرض، أي: عطفنا عليه قلب الملك الذي
اشتراه حتى تمكن من الأمر والنهي في البلد
وصار على خزائنها (٤).
﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيِلِ اَلْأَحَادِيثِ﴾ تأويل
الرؤيا وغيره.
﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ يفعل ما يشاء لا
يغلبه شيءٌ ولا یرد علیه حکمه رائٌ.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
أي: لا يعلمون أن الأمر كذلك، إذ لو
علموا لفوضوا أمرهم إلیه وتو کلوا علیه ولم
يحاولوا معصیته بالخروج عن طاعته (٥).
وبقي يوسف عليه السلام هناك حتى
بلغ أشده كما قال تعالى ﴿ وَلَنَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ؟
[يوسف: ٢٢] أي: كمال قوته البدنية
والعقلية (٦).
﴿ءَاتَيْنَهُ حُكْمًا﴾ قيل: النبوة، أو الحكم
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٦/١٢.
(٤) انظر جامع البيان، الطبري ٢٠/١٥.
(٥) انظر معالم التنزيل، البغوي ٤٨٣/٢، قصص
الأنبياء، ابن كثير، ص ٣١٨، أيسر التفاسير،
الجزائري ٢/ ٦٠٣.
(٦) أيسر التفاسير، الجزائري ٢/ ٦٠١.
www. modoee.com
١١٧

حرف الياء
بين الناس، أوالإصابة في القول.
﴿وَعِلْمًا﴾ قيل: الفقه. وقيل: علم
الرؤيا (١) وقد آتاه الله ذلك كله من النبوة
والحكمة والعلم.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْرِى المُحْسِنِينَ ﴾ يقول تعالى
ذكره: وكما جزيت يوسف فآتيته بطاعته
إياي الحكم والعلم، ومكنته في الأرض،
واستنقذته من أيدي إخوته الذين أرادوا
قتله، كذلك نجزي من أحسن في عمله،
فأطاعني في أمري، وانتهى عما نهیته عنه من
(٢)
معاصي (٢).
ثانيًا: قصة المراودة:
من أعظم الفتن والمحن التي مر بها
يوسف عليه السلام فتنة المرأة، وهي من
الفتن التي لا يقوى على دفعها إلا الأقوياء
من أهل الإيمان والمروءات.
قال السعدي: ((هذه المحنة العظيمة
أعظم على يوسف من محنة إخوته، وصبره
عليها أعظم أجرا؛ لأنه صبر اختيار مع وجود
الدواعي الكثيرة لوقوع الفعل، فقدم محبة
الله عليها، وأما محنته بإخوته فصبره صبر
اضطرار، بمنزلة الأمراض والمكاره التي
تصيب العبد بغير اختياره وليس له ملجأ إلا
الصبر عليها طائعا أو كارها))(٣).
(١) زاد المسير، ابن الجوزي ٤٢٥/٢.
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٤/١٥.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٩٦.
وذلك أن يوسف عليه الصلاة والسلام
بقي مكرمًا في بيت العزيز، حتى بلغ أشده،
وقدكان في غاية الجمال ففتنت به امرأة
العزيز فتنةً شديدة وهمت بفعل الفاحشة معه
وروادته عن نفسه وأخذت بكل الأسباب
ولكن الله عصمه.
يقول تعالى: ﴿وَرَوَدَتْهُ أَلَِّ هُوَ فِي بَيْتِهَا
عَن نَّفْسِهِ، وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَبَ﴾ [يوسف: ٢٣].
أي: حاولته علی نفسه، ودعته إليها
((وأصل المراودة الإرادة والطلب برفقٍ
ولينٍ))(٤)، وغلقت عليه الأبواب، ودعته
إلى نفسها، ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ أي: هلم
وأقبل وتعال، فامتنع من ذلك أشد الامتناع.
و﴿قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ﴾ أي: أعوذ بالله
وأستجير به من فعل هذا القبيح الذي
دعوتني إليه؛ لأنه مما يسخط الله ويبعد
منه؛ ولأنه خيانة في حق سيدي الذي أكرم
مثواي.
﴿إِنَّهُ رَبِّ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ﴾ يعني زوجها
صاحب المنزل بمعنى سيدي، وكانوا
يطلقون ((الرب)) على السيد والكبير، أي:
إن بعلك أحسن إلي وأكرم مقامي عنده
وانتمنني، فلا يليق بي أن أقابله بالفاحشة
في أهله، وهذا من أعظم الظلم، والظالم
لا يفلح، ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ؟
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ١٦٢.
١١٨
مُوسُو ◌َة النفسية
القرآن الكريم

يوسف عليه السلام
[يوسف: ٢٣](١).
((أشار إلى أن إجابتها لما راودته ظلمٌ؛ لأن
فيها ظلم کلیهما نفسه بارتكاب معصية مما
اتفقت الأديان على أنها كبيرةٌ، وظلم سيده
الذي آمنه علی بیته وآمنها علی نفسها»(٢).
فمع أنه غلامها، وتحت تدبيرها،
والمسكن واحد، يتيسر إيقاع الأمر المكروه
من غير إشعار أحد ولا إحساس بشر، ومع
أنها ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَبَ﴾ وصار المحل
خاليا، وهما آمنان من دخول أحد عليهما،
وقد دعته هي إلى نفسها ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ
لَكَ﴾، ومع هذا فهو غريب، لا يحتشم
مثله ما يحتشمه إذا كان في وطنه وبين
معارفه، وهو أسير تحت يدها، وهي سيدته،
وفيها من الجمال ما يدعو إلى ما هنالك،
وهو شاب عزب، لكنه امتنع وصبر عن
معصية الله مع وجود الداعي القوي فيه (٣).
وللحافظ ابن كثير كلام متين في التعليق
على هذه الآية حيث يقول(٤): ((يذكر تعالى
ما كان من مراودة امرأة العزيز ليوسف عليه
السلام عن نفسه و طلبها منه ما لا يليق بحاله
ومقامه، وهي في غاية الجمال والمال
والمنصب والشباب، وكيف غلقت الأبواب
عليها وعليه، وتهيأت له وتصنعت، ولبست
أحسن ثيابها وأفخر لباسها، وهي مع هذا
كله امرأة الوزير، وهذا كله مع أن يوسف
علیه السلام شابٌ بديع الجمال والبهاء، إلا
أنه نبيٌّ من سلالة الأنبياء، فعصمه ربه عن
الفحشاء، وحماه عن مکر النساء، فهو سید
السادة النجباء، السبعة الأتقياء، المذكورين
في الصحيحين عن خاتم الأنبياء في قوله
عليه الصلاة والسلام من رب الأرض
والسماء: (سبعةٌ يظلهم الله في ظله يوم لا
ظل إلا ظله، ومنهم: (ورجلٌ دعته امرأةٌ ذات
منصب وجمالٍ فقال: إني أخاف الله)(٥).
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾
[يوسف: ٢٤] أي: عزمت عليه في أن يواقعها
یوسف.
﴿وَهَمّ ◌ِهَا لَوْلَا أَنْ رَّمَا بُرْهَنَ رَبِّهِ﴾ أي:
لولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها، ولكن لأنه
رأی برهان ربه فلم یقع منه هم أصلا، أو أن
المراد بهم يوسف بها
خاطرٌ قلبي صرفه عنه
وازع التقوى (٦).
والبرهان الذي رآه يوسف هو ما آتاه الله
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦١٦/٢،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٦٣/٩،
١٦٥، تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٩٦.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥٢/١٢.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٩٦.
(٤) قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٢٠.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٦٦٠،
كتاب صلاة الجماعة، باب من جلس في
المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد،
ومسلم في صحيحه، رقم ١٠٣١، كتاب
الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة.
(٦) انظر أضواء البيان، الشنقيطي ٢/ ٢٠٧.
www. modoee.com
١١٩

حرف الياء
تعالى من العلم الدال على تحريم ما حرمه لرسالة الله تعالى(٥).
الله(١).
وقد قيلت في ذلك البرهان أقوال كثيرة
((ولا حجة قاطعةٌ على تعيين شيءٍ من ذلك،
فالصواب أن يطلق كما قال الله تعالى))(٢).
والرؤية هنا علميةٌ؛ لأن البرهان من
المعاني التي لا ترى بالبصر (٣).
ولذلك أخبر الله تعالی عن عصمته له
عن الفاحشة وأثنى عليه فقال: ﴿كَذَلِكَ
◌ِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوْهَ وَاَلْفَحْشَاءُ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا
الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤].
أي: کما أريناه برهانًا صرفه عما كان فيه
كذلك نقيه السوء والفحشاء في جميع أموره
﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الذي
اصطفاهم الله واجتباهم (٤).
وقد قرئت (المخلصين) بقراءتين
متواترتين: فقرئت بكسر اللام، وتأويلها:
الذين أخلصوا طاعة الله.
وقرئت بفتح اللام، وتأويلها: الذين
أخلصهم الله لرسالته، وقد كان يوسف
صلى الله عليه وسلم بهاتين الصفتين، لأنه
كان مخلصًا في طاعة الله تعالى، مستخلصًا
(١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٢٥٧/٦،
تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٩٦.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦١٦/٢،
جامع البيان، الطبري ١٦ /٤٩.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥٢/١٢.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦١٨/٢.
ولما امتنع من إجابة طلبها بعد المراودة
الشديدة ذهب ليهرب عنها ويبادر إلى
الخروج من الباب ليتخلص من الفتنة،
فبادرت إليه ولحقته في أثناء ذلك،، وتعلقت
بثوبه، فشقت قميصه من دبر، يعني: شقته
من خلف لا من قدام؛ لأن یوسف کان هو
الهارب وكانت هي الطالبة.
قال تعالى: ﴿وَأَسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَّدَتْ
قَمِيصَهُ, مِن دُبُرٍ﴾ [يوسف: ٢٥] أي: من
ورائه.
فلما وصلا إلى الباب في تلك الحال
﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا أَلْبَابِ﴾ أي: وجدا
زوجها لدى الباب، فعند ذلك خرجت
مما هي فيه بمكرها وكيدها، وقالت
لزوجها متصلةً وقاذفةً يوسف بدائها:
﴿قَالَتْ مَا جَزَّآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ أي:
فاحشةً، ﴿إِلَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي:
يحبس، أو يعذاب عذابًا مؤلما بالضرب
ونحوه(٦).
فدافع يوسف عليه السلام عن نفسه
ونفى التهمة عنه وقال: ﴿مِىَ رَوَدَتْنِى عَن
نَفّسِى﴾، فمن الله في تلك اللحظة تبرئة لنبيه
(٥) انظر الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٩/ ٠١٧٠
(٦) انظر جامع البيان، الطبري ١٦ / ٥٠، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٦١٨/٢، تيسير
الكريم الرحمن، ص ٣٩٦.
١٢٠
جوبيه
القرآن الكريم

يوسف عليه السلام
بشاهد من أهل بيتها یشهد بقرینة من وجدت
معه فهو الصادق.
قال تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْأَهْلِهَا﴾
أي: من قرابتها، أو من من خاصة الملك،
وسمي الحكم بينهما شهادةً لما يحتاج فيه
من التثبت والتأمل(١).
وقد اختلفوا في هذا الشاهد: هل هو
صغيرٌ أو كبيرٌ، على قولين لعلماء السلف(٢):
القول الأول: أنه كان رجلاً لا صبيا في
المهد: قال أبو جعفر النحاس: ((والأشبه
بالمعنی - والله أعلم- أن يكون رجلًا عاقلاً
حكيمًا شاوره الملك فجاء بهذه الدلالة،
ولو كان طفلًا لكانت شهادته ليوسف صلى
الله عليه وسلم تغني عن أن يأتي بدليلٍ من
العادة، لأن كلام الطفل آيةٌ معجزةً، فكادت
أوضح من الاستدلال بالعادة، وليس هذا
بمخالفٍ للحديث (تكلم أربعةٌ وهم صغارٌ)
منهم صاحب یوسف، یکون المعنی: صغیرًا
لیس یشیخٍ)» (٣).
القول الثاني: أنه كان صبيًّا في المهد؛
لحديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما، عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تكلم
أربعةٌ وهم صغارٌ: ابن ماشطة فرعون،
وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٢٣/٣.
(٢) انظر زاد المسير، ابن الجوزي ٤٣٣/٢،
أضواء البيان، الشنقيطي ٢١٧/٢.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ١٧٤.
)(٤)
ابن مريم)
جاء الشاهد بقرينة من وجدت معه فهو
الصادق، فقال: ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّمِن
قُبُلٍ﴾ أي: من قدامه ﴿فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ
الگذِپینَ﴾ لأن ذلك يدل على أنه هو المقبل
عليها المراود لها، وأنها أرادت أن تدفعه
عنها فشقت قميصه من هذا الجانب.
﴿وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ، قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ
لأن ذلك يدل على
٢١
وَهُوَ مِنَ الصَّدِقِينَ
هروبه منها، وأنها هي التي طلبته فشقت
قميصه من هذا الجانب، و کذلك كان.
ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُ قُدَّ
مِن دُبُرٍ﴾ [يوسف: ٢٨].
عرف زوجها بذلك صدق يوسف
وبراءته، وأنها هي الكاذبة فيما قذفته ورمته
به.
فلما تحقق من ذلك ﴿قَالَ إِنَّهُمِن
ڪَيْدِكُنَّ﴾ أي: إن هذا البهت الذي رميت
به هذا الشاب هو من جملة کیدکن، والکید.
المكر والحيلة (٥)
٠
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٢٨٢١،
والطبراني في المعجم الكبير، رقم ١٢٢٧٩،
والطبري في تفسيره، ٥٤/١٦ وغيرهم من
طريق عطاء بن السائب.
قال ابن كثير في تفسيره ٢٤/٣: إسنادٌ لا بأس
به.
وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند
٢٥٣/٣.
(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٩/ ١٧٥، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
www. modoee.com
١٢١

حرف الياء
﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾؛ لعظم فتنتهن
واحتيالهن في التخلص من ورطتهن. وهل
أعظم من هذا الكيد، الذي برأت به نفسها
مما أرادت وفعلت، ورمت به نبي الله
يوسف عليه السلام(١).
ثم إن سيدها لما تحقق الأمر قال ليوسف
علیه السلام آمرًا له بكتمان ما وقع: ﴿ يُوسُفُ
أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩].
أي: اترك الكلام في هذا الأمر واضرب
عنه صفحًا، فلا تذكره لأحدٍ؛ لأن کتمان مثل
هذه الأمور هو الأليق والأحسن.
ثم قال لامرأته ﴿وَأَسْتَغْفِرِى لِذَنْبِكِ﴾
[يوسف: ٢٩]. أي: من هذا الذي وقع منك،
﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ اْخَاطِئِينَ﴾ ((ولم يقل
من الخاطئات تغليبًا للمذكر، والمعنى:
تَّمَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ
من القوم الخاطئين، مثل:
كَفِرِينَ﴾ [النمل: ٤٣]. ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَئِنِينَ﴾
[التحريم: ١٢]))(٢).
فأمر یوسف بالإعراض، وهي بالاستغفار
والتوبة، وأهل مصر وإن كانوا يعبدون
الأصنام إلا أنهم يعلمون أن الذي يغفر
الذنوب ويؤاخذ بها هو الله وحده لا شريك
٦١٩/٢، قصص الأنبياء، ابن كثير، ص
٣٢١.
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٧٥/٩، تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٩٦.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ١٧٥.
جوسيس
القرآن الكريمِ
له في ذلك کحال کثیر من المشرکین(٣).
انتشر الخبر وشاع فى المدينة، وتحدث
به النسوة فجعلن یلمنها على ما أقدمت عليه
كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِ الْمَدِينَةِ أَمْرَاتُ
الْعَزِيزِتُرَوِدُ فَتَنْهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ [يوسف: ٣٠].
أي: تحاول غلامها عن نفسه، وتدعوه
إلى نفسها، هذا أمر مستقبح، هي امرأة كبيرة
القدر، وزوجها کبیر القدر، ومع هذا لم تزل
تراود فتاها الذي تحت يدها وفي خدمتها
عن نفسه، ومع هذا فإن حبه قد بلغ من قلبها
مبلغًا عظيمًا !!
﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ﴾ أي: وصل حبه إلى
شغاف قلبها، وهو باطنه وسویداؤه، أو هو
غلافه فدخل تحته حتى غلب على قلبها،
وهذا أعظم ما يكون من الحب.
ولهذا قلن: ﴿إِنَّا لَهَا فِ ضَلَلِ تُبِينٍ ﴾
أي: قلن: إنا لنرى امرأة العزيز في مراودتها
فتاها عن نفسه وغلبة حبه عليها لفي خطأ من
الفعل وجور عن قصد السبيل (٤).
وقيل: كان هذا القول منهن مكرًا ليس
المقصود به مجرد اللوم لها والقدح فیھا،
وإنما أردن أن يتوصلن بهذا الكلام إلى رؤية
يوسف الذي فتنت به امرأة العزيز، ولهذا
سماه مكرًا، فقال: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِمِنَ أَرْسَلَتْ
(٣) انظر: قصص الأنبياء، ابن کثیر، ص ٣٢٢،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦١٩/٢.
(٤) انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٢٣،
تیسیر الکریم الرحمن، ص ٣٩٧.
١٢٢