النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
اليَقَيْنُ
١٠٠
عناصر الموضوع
مفهوم اليقين
٨
اليقين في الاستعمال القرآني
٩
الألفاظ ذات الصلة
١٠
مكانة اليقين
١٢
مقامات اليقين
١٤
أسباب حصول اليقين
١٩
ثمرات اليقين
٢٩
المُجَلَّدَ السَّادِس وَالثّلاثُنْ

حرف الياء
مفهوم اليقين
أولًا: المعنى اللغوي:
((الياء والقاف والنون: اليقن واليقين: زوال الشك. يقال يقنت، واستيقنت، وأيقنت))(١).
اليقين: العلم وزوال الشك. يقال منه: يقنت الأمريقنا، وأيقنت، واستيقنت، وتيقنت، كله
بمعنّى، وأنا على يقين منه، وإنما صارت الياء واوًا في قولك: موقنٌ؛ للضمة قبلها، وقد أيقن
يوقن إيقانًا، فهو موقنٌ، وإذا صغرته رددته إلى الأصل وقلت: مبيقنٌ، وربما عبروا عن الظن
باليقين، وباليقين عن الظن، فاليقين: نقيض الشك، والعلم نقيض الجهل، تقول: علمته يقينًا،
وأنا على يقين منه(٢). واليقنة من الناس: يقال رجل يقنة، والهاء للمبالغة، ورجل ميقان:
يصدق ما يقال له، وهي ميقانة (٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
تعددت تعريفات العلماء لليقين وهي على النحو التالي:
اعتقاد الشيء بأنه كذا مع اعتقاد أنه لا يمكن إلا كذا، مطابقًا للواقع غير ممكن الزوال
والقيد (٤).
وقيل: ((هو إيقان العلم بنفي الشك والشبهة عنه بالاستدلال.
وقيل: هو سکون النفس مع إثبات الحكم.
وقيل: الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع.
وقيل: عبارة عن العلم المستقر في القلب؛ لثبوته من سبب متعين له بحيث لا يقبل
الانهدام»(٥).
وقيل: العلم الحاصل عن نظرٍ واستدلالٍ (٦).
ولعل هذه التعريفات متقاربة في أداء المعنى المراد لليقين، وخلاصتها الاعتقاد الجازم
والعلم الثابت في القلب، مع نفي الشك والشبهة عنه، وهذا معناه في اللغة.
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٦/ ١٥٧.
(٢) انظر: الصحاح، الجوهري، ٢٢١٩/٦، لسان العرب، ابن منظور، ٤٥٧/١٣.
(٣) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢ / ١٠٦٦.
(٤) انظر: التعريفات، الجرجاني، ص٢٥٩، تاج العروس، الزبيدي، ٣٠٠/٣٦.
(٥) الكليات، الكفوي، ١/ ٩٨٠.
(٦) المصباح المنير، الفيومي، ٢/ ٦٨١.
٨
جوسي
القرآن الكريم

اليقين
اليقين في الاستعمال القرآني
وردت مادة (يقن) في القرآن الكريم (٢٨) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١
﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّ﴾ [النمل: ١٤]
الفعل المضارع
١٣
﴿وَيَخِرَةِ هُمْ يُوقُونَ ﴾ [البقرة: ٤]
اسم الفاعل
٦
﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
[الأنعام: ٧٥]
٧٥
الصفة المشبهة
٨
وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِينُ
* [الحجر: ٩٩]
٩٩
وجاءت كلمة اليقين في الاستعمال القرآني على خمسة أوجه(٢):
الأول: التصديق: ومنه قوله تعالى: ﴿وَآَخِرَقَ هُمْيُقُونَ﴾ [البقرة: ٤]. أي: بالبعث يصدقون.
الثاني: الصدق: ومنه قوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبَلٍ بِنَّبَلِ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢]. أي: بخبر
صدق.
الثالث: المشاهدة والعيان: ومنه قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَوْتَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ
[التكاثر:٥]. أي: علم العيان.
الرابع: الموت: ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِينُ (
﴾ [الحجر: ٩٩].
٩٩
يعني: الموت.
الخامس: العلم المتيقن: ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧]. أي: وما
قتلوه علمًا.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٧٤٨-٧٤٩.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدمغاني ص ٤٧٨، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ٦٣٥، ٦٣٦،
الوجوه والنظائر، أبو هلال العسكري ص ٥١٠.
www. modoee.com
٩

حرف الياء
الألفاظ ذات الصلة
العلم:
١
العلم لغةً:
العين واللام والميم أصل صحيح واحد، يدل على أثرٍ بالشيء يتميز به عن غيره، من ذلك
العلامة، وهي معروفة، والعَلَمُ: الراية، والجمع: أعلام، والعِلْمُ: نقيض الجهل، وتعلمت
الشيء: أخذته، وتعلمت، أي: علمت(١).
العلم اصطلاحًا:
الاعتقاد الراجح المانع من النقيض.
وقيل: إدراك الشيء بحقيقته(٢).
الصلة بين العلم واليقين:
إن العلم هو اعتقاد الشيء على ما هو به على سبيل الثقة، واليقين: هو سكون النفس وثلج
الصدر بما علم، ولهذا لا يجوز أن يوصف الله تعالى باليقين(٣).
وقيل: اليقين: لا شك فيه، فهو استقرار العلم الذى لا يحول ولا ينقلب ولا يتغير فى
القلب، والعلم يعارضه الشكوك، وهو على درجات، فمن أعلى درجات العلم، ومن أكملها،
وأرفعها، وأقواها، وأثبتها درجة اليقين (٤).
الظن:
٢
الظّنُّ لغةً:
الظاء والنون أصل صحيح يدل على معنيين مختلفين: يقين وشكٍّ، فأما اليقين فقول
القائل: ظَتَنْتُ ظنًّا، أي: أيقنت، والأصل الآخر: الشكّ، يقال: ظننت الشيء، إذا لم يتيقنه،
ومن ذلك الظنة: التهمة. والجمع: الظنن (٥).
الظَّنُّ اصطلاحًا:
قال الأصفهاني: ((اسم لما يحصل عن أمارة، ومتى قويت أدت إلى العلم، ومتى ضعفت
(١) معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، ١٠٩/٤، مجمل اللغة، ابن فارس، ٦٢٤/١.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني، ٥٠٨/١.
(٣) الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري، ١/ ٨١.
(٤) بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٥/ ٣٩٧ بتصرف.
(٥) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٤٦٢/٣، الصحاح، الجوهري، ٢١٦٠/٦.
١٠
جوببيو
القرآن الكريمِ

اليقين
جدًّا لم يتجاوز حدَّ التوهم))(١)، وقال الجرجاني: ((هو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض،
ويستعمل في اليقين والشكِّ، وقيل: الظنُّ: أحد طرفي الشكِّ بصفة الرجحان))(٢).
الصلة بين اليقين والظنِّ:
اليقين: قطعيٌّ لا ظنَّ ولا شك فيه، لذلك لا يوجد طرفان ليتم الترجيح بينهما، الظنُّ: فيه
شك، ويتطلب رجحان أحد طرفي التجوز.
الشك:
٣
الشكُّ لغةً:
الشين والكاف أصل واحد مشتق بعضه من بعض، وهو يدل على التداخل، والشكُّ الذي
هو خلاف اليقين، إنما سمي بذلك؛ لأنَّ الشاكَّ كأنه شكَّ له الأمران في مشكٍّ واحد، وهو لا
يتيقن واحدًا منهما، فمن ذلك اشتقاق الشكُّ(٣).
الشكّ اصطلاحًا:
هو اعتدال النقيضين عند الإنسان وتساويهما، وذلك قد يكون لوجود أمارتين متساويتين
عند النقيضين، أو لعدم الأمارة فيهما (٤). وقال الجرجاني رحمه الله: ((الشكُّ هو التردد بين
النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشادٌّ، وقيل: الشُّ ما استوى طرفاه، وهو
الوقوف بين الشيئين لا يميل القلب إلى أحدهما، فإذا ترجح أحدهما ولم يطرح الآخر فهو
ظنٌّ، فإذا طرحه فهو غالب الظن وهو بمنزلة اليقين)) (٥).
الصلة بين اليقين والشكِّ:
اليقين: مؤكد الاختيار فلا تردد ولا حيرة في أخذه، والشكُّ: فيه تردد بين الأشياء لا
یعرف أيهما أصحّ من الآخر.
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥٣٩.
(٢) التعريفات، الجرجاني ص ١٤٤.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ١٧٣/٣.
(٤) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٦٥.
(٥) التعريفات ص ١٦٨.
www. modoee.com

حرف الياء
مكانة اليقين
يقول العلماء في بيان مكانة اليقين ومنزلته: اليقين من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد،
وفيه تَفَاضَلَ العارفون وتنافس المتنافسون، وإليه شَمَّرَ العاملون، وعمل القوم إنما كان علیه،
وإشارتهم كلها إليه.
ويقول سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه: ((اليقين الإيمان كله))، ويقول الإمام ابن تيمية
رحمه الله: ((بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين))، وقال رحمه الله: ((الصبر نصف الإيمان
واليقين الإيمان كله)) ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله: ((ومن منازل ﴿إِنَّكَ نَعْبُهُ وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] منزلة اليقين))(١).
وخصَّ تعالى أهل اليقين بانتفاعهم بالآيات والبراهين، قال -وهو أصدق القائلین -:
﴿وَفِ اْأَرْضِ ءَايَتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾ [الذاريات: ٢٠].
وخصَّ أهل اليقين بالهدى والفلاح من بين العالمين فقال: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَّ أَنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ
مِن قَبْلِكَ وَيَخْرَةِ هُمْيُوقُونَ ﴿ أُوْلَكَ عَلَى هُدَى ◌ِّن رَِّهِمْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٤ - ٥].
وأخبر عن أهل النار بأنهم لم يكونوا من أهل اليقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ
فِيَهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا السَّاعَةُ إِن نَظُنُّ إِلَّا لَنَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية ٣٢].
فاليقين روح أعمال القلوب التى هى أرواح أعمال الجوارح، وهو حقيقة الصديقية،
وقطب رحى هذا الشأن الذى عليه مداره.
قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه عبد الله بن مسعودٍ عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: (لا تُرْضِيَنَّ أحدًا بسخط الله. ولا تحمدنَّ أحدًا على فضل الله، ولا تذمنَّ أحدًا
على ما لم يؤتك الله. فإن رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريصٍ، ولا يرده عنك كراهية
كارهٍ. وإن الله بعدله وقسطه جعل الروح والفرح في الرضا واليقين، وجعل الهمَّ والحزن في
الشكِّ والسخط)(٢).
واليقين قرين التوكل، ولهذا فسر التوكل بقوة اليقين. والصواب أن التوكل ثمرة اليقين
(١) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٣٩٥/٥، مدارج السالكين، ابن القيم ٣٧٤/٢.
(٢) الحديث: أخرجه الطبراني في الكبير، ٢١٥/١٠.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧١/٤: أخرجه الطبراني في الكبير، وفيه خالد بن يزيد العمري، واتهم
بالوضع.
وأخرجه، من طريق أخرى، أبو نعيم في الحلية، ١٠٦/٥، والبيهقي في شعب الإيمان، ٢٢١/١.
وفيه: عطية العوفي وهو ضعيف، ومحمد بن مروان السدي وهو متروك الحديث.
مَوَسُولَة
القرآن الكريم
١٢

اليقين
ونتيجته، ولهذا حسن اقتران الهدی به، قال
تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُِّينِ ﴾
[النمل: ٧٩].
فالحقُّ هو اليقين.
وقالت رسل الله: ﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَ كُلَ
عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَنَنَا سُبُلَنَا﴾ [إبراهيم: ١٢].
فمتی وصل الیقین إلى القلب امتلأ نورًا
وإشراقًا، وانتفى عنه كلُّ ريبٍ وشكٌّ وسخط
وغمِّ وهمٍّ، وامتلأ محبة لله وخوفًا منه ورضًا
به، وشكرًا له، وتو کلا علیه، وإنابةً إلیه، فهو
مادة جميع المقامات، والحامل له. فاليقين
لا یساکن قلبًا فیه سکونٌ إلی غیر الله. وقال
ذو النون: اليقين يدعو إلى قصر الأمل،
وقصر الأمل يدعو إلى الزهد، والزهد يورث
الحكمة، وهى تورث النظر فى العواقب.
وثلاثةٌ من أعلام اليقين: قلة مخالطة
الناس فى العشرة؛ وترك المدح لهم فى
العطية؛ والتنزه عن ذمهم عند المنع.
وثلاثةٌ من أعلامه أيضًا: النظر إليه فی کلٍ
شيء؛ والرجوع إليه فى كلِّ أمر؛ والاستعانة
به فی کلُّ حال.
وقال ابن عطاءٍ رحمه الله: ((على قدر
قربهم من التقوى أدركوا من اليقين. وأصل
التقوى مباينة المنهى عنه، فعلى مفارقتهم
النفس وصلوا إلى اليقين)).
ويقول الإمام علي: ((أيها الناس، سلوا
الله اليقين، وارغبوا إليه في العافية؛ فإنَّ أجل
النعمة العافية، وخير مادام في القلب اليقين،
والمغبون من غبن دينه، والمغبوط من غبط
يقينه))(١).
ولهذا خطب أبو بكر رضي الله عنه قال:
(قام رسول الله صلی الله عليه وسلم مقامي
هذا عام الأول، وبكى أبو بكر، فقال أبو بكر:
سلوا الله المعافاة - أو قال: العافية -. فلم
یؤت أحد قطَّ بعد الیقین أفضل من العافية أو
المعافاة. علیکم بالصدق، فإنه مع البرِّ وهما
في الجنة، وإياكم والكذب فإنه مع الفجور
وهما في النار، ولا تحاسدوا ولا تباغضوا
ولا تقاطعوا ولا تدابروا، وكونوا كما أمركم
الله تعالى)(٢).
ولذلك جعل اليقين معينًا على قبول
الدعاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص
رضي الله عنهما؛ أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: (القلوب أوعية وبعضها
أوعى من بعض، فإذا سألتم الله عزَّ وجلَّ
أيها الناس فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة،
فإن الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب
غافل)(٣).
(١) بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٣٩٦/٥،
مدارج السالكين، ابن القيم ٣٧٥/٢.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، ١٨٤/١،
رقم ٥.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٦٦٥٤.
وحسنه الهيثمي في مجمع الزوائد،
الترغيب
١٤٨/١٠، والمنذري في
والترهيب، ٢/ ٤٩١، رقم ٤٩٢.
www. modoee.com
١٣

حرف الياء
ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن
نسأل المولى جلَّ وعلا الیقین، وأن یھون به
علینا مصائب الدنيا والآخرة، فعن ابن عمر
رضي الله عنهما قال: قلما كان رسول الله
صلی الله علیه وسلم يقوم من مجلس حتى
يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه: (اللهم
اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين
معاصیك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك،
ومن اليقين ما تهون به علينا مصيبات الدنيا،
ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا)
الحديث (١).
وقد حكى الإمام الحسن البصري رحمه
الله عن لقمان في وصيته لابنه رضي الله
عنهما: ((يا بني العمل لا يستطاع إلا باليقين،
ومن يضعف يقينه يضعف عمله))(٢).
والخلاصة: أن لليقين مكانة كبيرة
فاليقين هو لب الدين ومقصوده الأعظم.
ویزید العبد خضوعًا واستكانة لمولاه. كما
يضع صاحبه دائمًا في موضع الإخلاص
والصدق. ضابط قوي يرقب العلاقة بين
المسلم وربه، ويجعلها تلتزم خط السلامة
والأمان حتى يصل إلى دار الرضوان(٣).
(١) أخرجه الترمذي في سننه، ٥٢٨/٥، رقم
٣٥٠٢.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٢١٥/١،
رقم ٢١٤٨.
(٢) انظر: اليقين، ابن أبي الدنيا ص ٤٥.
(٣) موسوعة نضرة النعيم ٨/ ٣٧٣٠. باختصار.
مقامات اليقين
المتأمل في القرآن يجد أن لليقين ثلاثة
مقامات تحدث عنها القرآن في موضعين،
وقبل بيانها نوضح تلك المقامات بالمثال
التالي:
إذا أخبرك شخص ما بأن عنده عسلًا
وأنت لا تشُّ فى صدقه، ثم أراك إياه
فازددت يقينا، ثم ذقت منه، فالأول علم
يقين، والثانى عين يقينٍ؛ والثالث حق یقین.
فِعِلَمُنا الآن بالجنة والنار علم يقينٍ،
فإذا أزلفت الجنة فى الموقف وشاهدها
الخلائق، وبرزت الجحيم وعاينها الخلائق،
فذلك عين اليقين، فإذا دخل أهل الجنة الجنة
وأهل النار النار فذلك هو حق اليقين (٤).
وأسمى أنواع اليقين هو (حق اليقين)،
وقبلها (عين اليقين)، وقبل (عين اليقين):
(علم اليقين).
فاليقين علم إذا جاء عن إخبار من تثق به،
وعين يقين إذا كان الأمر قد شوهد مشاهدة
العين، وحق يقين هو أن تدخل في حقيقة
الشيء(٥).
وهذه الدرجة لا ينالها فى هذا العالم إلا
الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم-، فإن
نبينا صلى الله عليه وسلم رأى بعينه الجنة
والنار، وموسى عليه السلام سمع كلام
(٤) مدارج السالكين ٢/ ٣٧٨.
(٥) تفسير الشعراوي ١ / ٥٥٦.
١٤
جوبيبو
القرآن الكريم

اليقين
الله إلیه بلا واسطة وكلمه تكلیمًا، وتجلَّی
للجبل وموسی ینظر فجعله دگًا هشيمًا،
فحصل لهما حق الیقین، وهو ذوق ما أخبر
به الرسول من حقائق الإيمان المتعلقة
بالقلوب، وأن القلب إذا باشرها وذاقها
صارت فى حقه حق یقین.
وأما فى أمور الآخرة والمعاد، ورؤية
الله جهرةً عیانًا، وسماع كلامه حقيقة بلا
واسطة، فحظ المؤمن منه فى هذه الدار
الإیمان به. وعلم الیقین وحق الیقین یتأخر
إلى وقت اللقاء بالنسبة لنا (١).
يوضح الحق سبحانه وتعالى تلكم
المقامات فيقول جلَّ شأنه في سورة التكاثر
مبينًا المقامين الأولين: ﴿الْهَنْكُمُ التَّكَافُرُ
حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ
٣
عِلْمَ الْيَفِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ
لَتَّرَوُنَّهَا عَيْنَ اَلْيَقِينِ ، ثُمَّ لَتُسْتَلُنَّ يَؤْمَيِذٍ
عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ١-٨].
ينعي الحق سبحانه وتعالى على هؤلاء
الذين شغلهم كثرة المال والعدد عن طاعة
ربهم، وعما ينجيهم من سخطه عليهم.
فقد كان يقول هؤلاء: نحن أكثر من بني
فلان، ونحن أعد من بني فلان، وهم کلّ یوم
يتساقطون إلى آخرهم، والله ما زالوا كذلك
حتى صاروا من أهل القبور كلهم.
(١) مدارج السالكين، ابن القيم ٢/ ٣٨٠.
فالمراد بالتكاثر: التبارى في الكثرة
والتباهي بها، وأن يقول هؤلاء: نحن أكثر،
وهؤلاء: نحن أكثر (٢).
ثم حذرهم وتوعدهم أنهم لا ينبغي لهم
أن يلهيم التكاثر بالأموال، وكثرة العدد عن
طاعة ربهم؛ لأنهم سوف يعلمون إذا زاروا
المقابر ما يلقون - إذا هم قاموا بزيارتها- من
مکروه اشتغالهم عن طاعة ربهم بالتكاثر.
يعني: حتى صرتم إلى المقابر فدفنتم
فيها، وفي هذا دليل على صحة القول
بعذاب القبر؛ لأن الله تعالى ذكره، قد أخبر
عن هؤلاء القوم الذين ألهاهم التكاثر، أنهم
سيعلمون ما يلقون إذا هم زاروا القبور
وعیداً منه لهم وتهددًا(٣).
وجعل الغاية زيارة المقابر دون الموت؛
إيذانا بأنهم غير مستبقين ولا مستقرين
في القبور، وأنهم فيها بمنزلة الزائرين،
يحضرونها مرة ثم يظعنون عنها، كما كانوا
في الدنيا كذلك زائرين لها، غير مستقرين
فيها، ودار القرار هي الجنة أو النار (٤).
(٢) الكشاف ٤/ ٧٩١.
(٣) جامع البيان ٢٤/ ٥٨٠ بتصرف.
(٤) التفسير القيم ١ / ٥٧٥.
ولم يعين سبحانه المتكاثر به، بل ترك ذكره،
إما لأن المذموم هو نفس التكاثر بالشيء،
لا المتكاثر به. كما يقال: شغلك اللعب
واللهو، ولم يذكر ما يلعب ويلهو به، وإما
إرادة الإطلاق، وهو كل ما تكاثر به العبد غيره
من أسباب الدنيا، من مال أو جاه أو عبيد. أو
إماء أو بناء، أو غراس، أو علم لا يبتغى به
www. modoee.com
١٥

حرف الياء
مرتين؛ لأن العرب إذا أرادت التغليظ في
التخويف والتهدید کرروا الكلمة مرتین.
ولذلك کان النبي يقول: فيما يرويه عنه
مطرفٍ، عن أبيه، قال: (أتيت النبي صلى الله
عليه وسلم وهو يقرأ: ﴿أَلَهَنْكُمُ التَّكَائِرُ﴾،
قال: (يقول ابن آدم: مالي، مالي، قال:
وهل لك، يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت
فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت
فأمضيت؟)(١).
وعن أنس بن مالك، عن أبي بن كعب،
قال: (كنا نرى أن هذا الحديث من القرآن:
(لو أن لابن آدم وادیین من مال لتمنی واديا
ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ثم
يتوب الله علی من تاب) حتى نزلت هذه
السورة: ﴿اَلْهَنْكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ إلى آخرها (٢).
ثم يرشد هؤلاء إلى ما ينبغي التحلي به
فقال: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اَلْيَقِينِ﴾ يعني:
فما هكذا ينبغي أن تفعلوا، أن يلهيكم
التكاثر أيها الناس، - لو تعلمون أيها الناس
علما يقينا-، أن الله باعثكم يوم القيامة من
وجه الله، أو عمل لا يقربه إلى الله. فكل هذا
من التكاثر الملهي عن الله والدار الآخرة.
٥٧٦/١.
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد
والرقائق، رقم ٢٩٥٨.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة،
باب لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثًا، رقم
١٠٤٨.
وكرر قوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ بعد مماتكم من قبوركم ما ألهاكم التكاثر
عن طاعة الله ربكم، ولسارعتم إلی عبادته،
والانتهاء إلى أمره ونهيه، ورفض الدنيا
إشفاقا على أنفسكم من عقوبته. وهذا هو
المقام الأول مقام علم اليقين وذلك بإيقان
أنّ البعث والموت حق.
فعلم اليقين: هو العلم الذي يصل به
صاحبه إلى حدِّ الضروريات، التي لا يشك
ولا یماري في صحتها وثبوتها. ولو وصلت
حقيقة هذا العلم إلى القلب وباشرته لما
ألهاه شيء عن موجبه، ولترتب أثره عليه.
فإنَّ مجرد العلم بقبح الشيء وسوء
عواقبه قد لا یکفي في تر که. فإذا صار له علم
اليقين كان اقتضاء هذا العلم لتركه أشد. فإذا
صار عین یقین، کجملة المشاهدات، كان
تخلف موجبه عنه أندر شيء(٣).
ثم يبين الحقُّ سبحانه وتعالى المقام
الثاني وهو عين اليقين: والمقصود به يقين
المشاهدة والرؤية، وهو ما استغنى به صاحبه
عن الدليل؛ لأنه يراه رأي العين، ويشير إليه
قوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ا ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا
عَيْنَ اَلْيَقِينِ﴾ فيبين الحق سبحانه وتعالى
للمشركين في هاتين الآيتين ما أنذرهم
منه وأوعدهم به من رؤية جنهم عيانًا يوم
القيامة، أي: لترون أيها المشركون جهنم يوم
(٣) التفسير القيم ١/ ٥٧٧.
مَوَسوبر التقنية
القرآن الكريم
١٦

اليقين
القيامة، ثم لترونها عيانًا لا تغيبون عنها (١).
قال صاحب زاد المسير: ((لترونها عين
اليقين، أي: مشاهدة، فكان المراد بـ (عين
اليقين) نفسه؛ لأن عين الشيء: ذاته)) (٢).
فالمراد بالأولى المعرفة وبالثانية
الإبصار، وإنما كرر الرؤية لتأكيد الوعيد،
فالمراد بعين اليقين: الرؤية التي هي نفس
اليقين، حيث إن علم المشاهدة أعلى مراتب
الیقین(٣).
فقوله: ﴿ ثُمَّلَتَرَوُنَّهَاعَيْنَ الْبَقِينِ ﴾ هذا
مصدر مؤكد، كأنه قيل: رؤية اليقين نفيًا
لتوهم المجاز في الرؤية الأول(٤).
وفائدة تخصيص الرؤية الثانية باليقين؟
قلنا: لأنهم في المرة الأولى رأوا لهبًا لا
غير، وفي المرة الثانية رأوا نفس الحفرة
وكيفية السقوط فيها وما فيها من الحيوانات
المؤذية، ولا شكَّ أن هذه الرؤية أجلى،
والحكمة في النقل من العلم الأخفى إلى
الأجلى التقريع على ترك النظر؛ لأنهم كانوا
يقتصرون على الظنِّ ولا يطلبون الزيادة (٥).
أما المقام الثالث والأخير وهو مقام حقِّ
اليقين: وهو مقام المباشرة والوجدان، هو
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٨١/٢٤،
الكشاف، الزمخشري ٤/ ٧٩٢.
(٢) زاد المسير ٤ /٤٨٦.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٤ / ٤٦٥، أنوار التنزيل، البيضاوي ٣٣٤/٥.
(٤) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٤٨١/٢٠.
(٥) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٢/ ٢٧٣.
مباشرة الشيء بذوقه والإحساس به، وقد
جاء ذكره في سورة الواقعة في قوله تعالى:
﴿وَمَّ إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ اُلْضَّآلِينَ ، فَزْلٌ
مِنْ حَمِيمٍ (٢) وَتَصْلِيَّةُ بَِيٍ إِنَّ هَذَا لَوْ حَقٌ
أَلْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٢ - ٩٥].
فالحقُّ يقول لنا: إن هذا الذي أخبرتكم به
أيها الناس من الخبر عن المقربين وأصحاب
اليمين، وعن المكذبين الضالين، وما إليه
صائرة أمورهم ﴿لَمُوْ حَقُ اليقينِ﴾ أي: لهو
الحق من الخبر اليقين لا شك فيه.
وعن قتادة إنَّ الله تعالى ليس تاركًا أحدًا
من خلقه حتى يوقفه على اليقين من هذا
القرآن. فأمَّا المؤمن فأيقن في الدنيا، فنفعه
ذلك يوم القيامة. وأما الكافر، فأيقن يوم
القيامة حين لا ينفعه (٦).
يعني: وأمَّا إن كان - هذا المتوفى- ﴿مِنَ
اٌلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: بآيات الله ﴿الضَّالِينَ﴾ أي:
الجائرين عن سبيله. ﴿فَقُلٌ مِّنْ حِيمٍ﴾ أي:
ماء انتهى حره. فهو شرابه يعني: من ماء قد
بلغ أقصى درجات الحرارة.
وعبر عن المکان الذي ينزل فيه بالنزل،
على سبيل التهكم؛ إذ النزل في الأصل يطلق
علی ما یقدم للضیف على سبيل التکریم.
﴿وَتَصْلِيَةُ صَيْرٍ﴾ أي: وجزاؤه أيضًا
إحراق بالنار، يعني: إدخال في نار جهنم
التي تشوی جسده وتحرقه.
(٦) جامع البيان ١٦٣/٢٣.
www. modoee.com
١٧

حرف الياء
إن هذا -أي: المذكور الذي قصصناه القيامة، هذا علم يقين وعين يقين، يأتي بعد
عليك- أيها الرسول الكريم- من أحوال ذلك حق اليقين في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّآ إن
كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِينَ ﴾ فَزْلٌ مِّنْ حَمِيمٍ
﴿ وَتَصْلِيَةُ بٍَِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾
[الواقعة: ٩٢ - ٩٥].
الفرق الثلاثة وعواقبهم لهو ﴿حَقُّ الْقِينِ﴾
أي: حقيقة الأمر، وجلية الحال، لا لبس فيه
ولا ارتياب(١).
فقوله: ﴿حَقُّ أَلْيَقِينِ﴾ من إضافة الصفة
إلى الموصوف، أي: لهو اليقين الحق .. أو
هو من إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف
اللفظین، كما في قوله تعالى: ﴿حلِ آڵوِيدِ﴾
[ق: ١٦]؛ إذ الحبل هو الوريد، والقصد من
مثل هذا التركيب التأكيد(٢).
وقد اشتمل هذا التذييل على أربعة
مؤكدات وهي: (إن)، ولا م الابتداء، وضمير
الفصل، وإضافة شبه المترادفين(٣).
خلاصة القول: إن في قوله تعالى:
﴿اَلْهَنْكُمُ الْتَّكَثِّرُ ، حَتَّى زُرْتُمُ الْمَغَابِرَ
كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
﴿ كَّا لَوْتَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَفِينِ ن لََّوُنَّ
اْجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ١ - ٦].
المرحلة الأولى: وهي أن يأتينا علم
اليقين من الله سبحانه وتعالى، ثم تأتي
المرحلة الثانية في قوله تبارك وتعالى:
﴿ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اَلْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٧].
أي: أنتم ستشاهدون جهنم بأعینکم یوم
(١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ١٣٥/٩،
التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ١٤ / ١٩٠.
(٢) التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ١٤ / ١٩٠.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٥٠/٢٧
والمؤمن عافاه الله من أن يعاين النار
كحق يقين، إنه سيراها وهو يمر على
الصراط، ولكن الكافر هو الذي سيصلاها
حقيقة يقين (٤).
(٤) تفسير الشعراوي ١/ ٥٥٦.
١٨
مَوْسُو ◌َرُ النَّقُتِبَ
القرآن الكريم

اليقين
أسباب حصول اليقين
المتدبر لآيات القرآن الكريم يتبين له أن
القرآن قد بين ثلاثة أسباب تؤدي لحصول
اليقين نوردها فيما يلي:
أولًا: الإيمان:
لا شك أن اليقين الحقيقي الثابت الذي
لا يتزعزع بزمانٍ ولا مكانٍ ولا حالٍ ينبع من
معين الإيمان بالله ورسوله وبقضاءه وقدره
واليوم الآخر، فهناك تلازم بين الإيمان
واليقين، فالأول سبب في تحقق الثاني.
يقول تعالى في أول سورة البقرة في بيان
مايتصف به المتقون من الإيمان وما أثمره
عنه هذا الإيمان فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ مِّ
أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَلَفِرَوَ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:
٤].
فهم يؤمنون ويصدقون بما جاء به
الرسول من الله عز وجل وما جاء به من
قبله من المرسلين، لا يفرقون بينهم، ولا
يجحدون ما جاؤوهم به من عند ربهم،
فوصف الله جل ثناؤه المؤمنين بما أنزل إلى
نبیه سيدنا محمد صلی الله عليه وسلم وما
أنزل إلى من قبله من المرسلين بإيقانهم من
أمر الآخرة، فهو إيقان بما كان المشركون
به جاحدين: من البعث والنشور والثواب
والعقاب والحساب والميزان، وغير ذلك
مما أعد الله لخلقه يوم القيامة.
وقدم الإيمان بما أنزل عليه على الإيمان
بما أنزل على الذين من قبله مع أن الترتيب
يقتضى العكس؛ لأن إيمانهم بمن قبله لا
قيمة له إلا إذا آمنوا بمحمد صلى الله عليه
وسلم (١).
قال صاحب اللباب: ((فصل فيما استحق
به المؤمنون المدح: قال ابن الخطيب: إنه
تعالی مدحهم علی کونھم متيقنین بالآخرة،
ومعلوم أنه لا يمدح المرء بتيقن وجود
الآخرة فقط، بل لا يستحق المدح إلا إذا
تيقن وجود الآخرة مع ما فيها من الحساب
والسؤال وإدخال المؤمنين الجنة والكافرين
النار))(٢).
فأخبر عز وجل عن حال هؤلاء المؤمنين
أنهم على يقين، ليسوا على الظن والشك
كأولئك المشركين الذين قالوا: ﴿إِن نَظُنُّ إِلَّا
ظَنَّا وَمَا غَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾﴾ [الجاثية: ٣٢].
فهذا اليقين نابع من الإيمان الحقيقي.
فالتأكيد بكلمة (هم) هو تصوير لليقين
بصورة الجملة الاسمية، والجملة الاسمية
تدل على بقاء اليقين واستمراره بحيث لا
يضطرب ولا يتزعزع ولا ينسى ذلك اليوم
أبدًا (٣).
فاليقين بالآخرة هو مفرق الطريق بين
من يعيش بين جدران الحس المغلقة (يعني
(١) التفسير الوسيط، طنطاوي ١ / ٤٦.
(٢) اللباب في علوم الكتاب ١/ ٣٠٢.
(٣) زهرة التفاسير، أبو زهرة ١/ ١١٢.
www. modoee.com
١٩

حرف الياء
بدون الإيمان)، وبين من يعيش في الوجود
المديد الرحيب. بين من يشعر أن حياته
على الأرض هي كل ما له في هذا الوجود،
وبين من يشعر أن حياته على الأرض ابتلاء
يمهد للجزاء، وأن الحياة الحقيقية إنما هي
هنالك، وراء هذا الحيز الصغير المحدود
«وهذا لا ينتج إلا عن الإيمان وما يتبعه من
يقين بوعد الله وحسابه))(١).
وهذا ما أكده القرآن مرة أخرى في بیان
ما يتصف به المؤمنون وما أثمره عنه هذا
الإيمان فقال تعالى ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ
وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ يِالْأَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾
[النمل: ٣].
فهولاء المؤمنون بالمعاد إلى الله
بعد الممات يوقنون، فيذلون في طاعة
الله، رجاء جزيل ثوابه، وخوف عظيم
عقابه، ولیسوا کالذین یکذبون بالبعث ولا
يبالون، أحسنوا أم أساؤوا، أطاعوا أم عصوا؛
لأنهم إن أحسنوا لم یرجوا ثوابا، وإن أساؤوا
لم يخافوا عقابا (٢)، ولا يتأتي ذلك كله إلا
بالإيمان.
كأنه قيل: وهؤلاء الذين يؤمنون
ويعملون الصالحات من إقامة الصلاة وإيتاء
الزكاة هم الموقنون بالآخرة، ويدل عليه أنه
عقد جملة اسمية، وكرر فيها المبتدأ الذي
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤١/١. بتصرف.
(٢) جامع البيان، الطبري ١٩/ ٤٢٦.
هو (هم) حتى صار معناه: وما يوقن بالآخرة
حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان
والعمل الصالح؛ لأن خوف العاقبة يحملهم
على تحمل المشاق.
فلقوة هذه الخصلة الكريمة للمؤمنين
وكونها لب الإيمان أكدها الله تعالی بعدة
مؤكدات: أولها بتقديم الجار والمجرور،
وثانيها بالجملة الإسمية، وذكر ضمير
الفصل مرتين في صدر الجملة وآخرها(٣).
وهذا ما أكده مرة أخرى بنفس الآية في
سورة لقمان فقال تعالى: ﴿أَلَّذِينَ يُقِيمُونَ
الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾
[لقمان: ٤].
ولذلك عندما حاول المشركون إظهار
تحسرهم وندمهم - يوم لا ينفع الندم- لعدم
یقینهم بوعد الله وحسابه الذي أخبرهم به
النبي صلی الله عليه وسلم فكذبوا وتكبروا
-وذلك بعكس المؤمنين- وتمنوا الرجوع
إلى الحياة الدنيا؛ ليكونوا من المؤمنين الذين
یکونون من أصحاب اليقين، ولكن هيهات
فقد فات الأوان، والقرآن الكريم يصور ذلك
فيقول: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ تَاكِسُواْ
رُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَاً أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا
فَأَرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:
١٢].
فقوله: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَأَرْجِعْنَا
(٣) زهرة التفاسير ٥٤٣٠/١٠. بتصرف.
٢٠
جَنُور
القرآن الكريمِ

اليقين
نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ حكاية لما دابة تكلمهم، وانظر إلى هذه الإهانة وهذا
التوبيخ: أنتم لم تسمعوا كلام أمثالكم من
البشر، ولم تفهموا من يخاطبكم بلغتكم،
فاسمعوا الآن من الأدنى، وافهموا عنها،
وفسروا قولها. لكن ماذا ستقول الدابة لهم؟
وما نوع كلامها؟(٢).
يقولونه في هذا الموقف العصيب. أي:
يقولون بذلة وندم: یا ربنا، نحن الآن نبصر
مصيرنا، ونسمع قولك ونندم على ما كنا فيه
من كفر وضلال، فارجعنا إلى الدنيا لكي
نعمل عملا صالحًا، إنا موقنون الآن بأن ما
جاءنا به رسولك هو الحق، وأن البعث حق،
وأن الجزاء حق، وأن الجنة حق، وأن النار
حق. ولكن هذا الإيقان والاعتراف منهم
قد جاء في غير أوانه، ولذا لا يقبله سبحانه
منهم، ولذا عقب سبحانه على ما قالوه
بقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَنَيْنَا كُلَّ نَفْسِ هُدَنهَا﴾
أي: ولو شئنا أن نؤتى كل نفس رشدها
وهداها وتوفيقها إلى الإيمان لفعلنا؛ لأن
إرادتنا نافذة، وقدرتنا لا يعجزها شيء (١)،
فلأجل عدم اليقين يكون العقاب والجزاء
من الله كما سبق.
وتشير الآية التالية إلى ما فعله الله بهؤلاء
المشركين نتيجة لعدم إيقانهم فقال: ﴿وَإِذَا
وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَحْنَا لَهُمْ دَآبَةً مِّنَ الْأَرْضِ
تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُواْ بِشَايَدِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾
[النمل: ٨٢].
يعني: فما دام هؤلاء المشركون لم
يسمعوا للآيات ولم يقبلوها ولم يلتفتوا إلى
منهج الله وصموا عنه آذانهم فلم يسمعوا
كلام أمثالهم من البشر فسوف نخرج لهم
(١) التفسير الوسيط، طنطاوي ١٤٩/١١.
وجملة: ﴿أَنَّالنَّاسَ كَانُواْ بِتَايَدِّنَا لَا يُوقِنُونَ﴾
تحليل لإظهار هذا الخارق للعادة، حيث لم
يوقن المشركون بآيات القرآن، فجعل ذلك
إلجاء لهم حين لا ينفعهم(٣).
ثانيًا: التفكر:
إن التفكر والتأمل والتدبر في الكون وما
أوجده الله فيه من مخلوقات وأشياء عديدة
ومتنوعة بعقل مجرد يوصل لا محالة إلى
اليقين بالوهية وربوبية الخالق الموجد الحق
سبحانه وتعالى، ولقد كانت قضية إعمال
العقل والتفكر من وسائل الأنبياء لدعوة
أقوامهم إلى الإيمان وتحقيق اليقين، ونجد
ذلك واضحًا في حديث موسى إلى فرعون،
يسأل فرعون موسى عن هذا الإله الذي
يدعو الناس إليه وهو منهم ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا
رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴿ قَالَ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
وَمَا بَيِّنَّهُمَاْ إِن كُمُ قُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٤]
إنه خالقهما.
(٢) تفسير الشعراوي ١٠٨٥١/١٧. بتصرف
یسیر.
(٣) التحرير والتنوير ٣٩/٢٠.
www. modoee.com
٢١

حرف الياء
قال أهل المعاني: أي كما توقنون هذه ذليلون. إن كانت لكم قلوب موقنة وأبصار
نافذة(٣).
الأشياء التي تعاينونها فأيقنوا أن إله الخلق
هو الله عز وجل، لأن خالق هذه الأشياء لا
یمکن أن یکون إنسانا أو جانًّا؛ بل خالقهما
المدبر القادر المقتدر وهو الله(١).
وبتعبير آخر: إن كنتم موقنين بإسناد
هذه المحسوسات إلى موجود واجب
الوجود، فاعرفوا أنه لا يمكن تعريفه إلا
بما ذكرته؛ لأنكم لما سلمتم انتهاء هذه
المحسوسات إلى الواجب لذاته ثبت أن
الواجب لذاته فرد مطلق، وثبت أن الفرد
المطلق لا یمکن تعريفه إلا بآثاره، وثبت
أن تلك الآثار لابد وأن تكون أظهر آثاره
وأبعدها عن الخفاء، وما ذاك إلا السموات
والأرض وما بينهما، فإن أيقنتم بذلك لزمكم
أن تقطعوا بأنه لا جواب عن ذلك السؤال إلا
هذا الجواب (٢).
فيه وإلهه لا شريك له هو الله الذي خلق
الأشياء كلها، العالم العلوي وما فيه من
الكواكب الثوابت والسيارات النيرات،
والعالم السفلي وما فيه من بحار وقفار،
وجبال وأشجار، وحیوان ونبات و ثمار، وما
بين ذلك من الهواء والطيور، وما يحتوي
عليه الجو، الجميع عبيد له خاضعون
(١) معالم التنزيل ٦/ ١١١ بتصرف.
(٢) مفاتيح الغيب ٤٩٩/٢٤.
جوبيه
القرآن الكريمِ
معنى قوله: ﴿إِنكُ مُوقِنِينَ﴾ إن كان
يرجى منكم الإيقان الذي يؤدى إليه النظر
الصحیح نفعکم هذا الجواب، وإلا لم ينفع.
أو إن كنتم موقنين بشيء قط فهذا أولى ما
توقنون به؛ لظهوره وإنارة دليله (٤).
وكأن القرآن يقول لنا: إذا نظرتم فيما
حولكم واستخدمتم عقولكم ستصلون
إلى النتيجة الحتمية وبأعلى الطمأنينة أن
الخالق المدبر هو الله وهذا هو الیقین حقًّا
﴿رَبِّ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَاْ إِن كُنتُم
تُوقِنِينَ﴾ [الدخان: ٧].
ولقد استخدمت القوى العقلية وأساليب
الفكر والمنطق لبناء اليقين وتدعيمه أيضًا
من خلال الحديث عن السماوات والأرض
مرة أخرى ولكن في مخاطبة مشر کی قریش،
فخالق جميع ذلك ومالكه والمتصرف ولكن حينما تنغلق العقول وتقفل القلوب لا
يكون للكلام المنطقي أثر في تحقيق هذا
اليقين.
يقول تعالى: ﴿أَمَّ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِشَىْءٍ أَمْ هُمُ
الْخَلِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥].
قال ابن عباس: ((من غير ربِّ خالق)».
والمعنى: أم خلقوا من غير شيء خلقهم
فوجدوا بلا خالق وذلك مما لا يجوز أن
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٣٨/٦
بتصرف يسير.
(٤) الكشاف ٣١٤/٣.
٢٢

اليقين
يكون؛ لأن تعلق الخلق بالخالق من ضرورة
الاسم، فإن أنكروا الخالق لم يجز أن
يوجدوا بلا خالق ﴿أَمَّهُمُ الْخَلِقُونَ﴾ أي:
لأنفسهم، وذلك في البطلان أشد؛ لأن ما
لا وجود له کیف یخلق؟ فإذا بطل الوجهان
قامت الحجة عليهم بأن لهم خالقا، فليؤمنوا
به ولیوحدوه ولیعبدوه. وقيل: في معنى
الآية: أخلقوا باطلا فلا يحاسبون ولا
يؤمرون ولا ينهون، أم هم الخالقون - أي:
لأنفسهم- فلا یجب علیهم لله أمر؟
﴿أَمْ خَلَقُواْ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الطور:
٣٦] يعني: أخلقوا السماوات والأرض
فیکونوا هم الخالقين، وليس الأمر كذلك.
﴿بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] أي: بالحق،
وهو توحيد الله تعالى وقدرته على البعث
وأن الله تعالى هو خالقهم وخالق السموات
والأرض فليؤمنوا به وليوقنوا أنه ربهم
وخالقهم(١).
وکأنه قيل لهم: ألا يتدبرون في الآيات
فيعلموا خالقهم وخالق السموات والأرض
ویصلوا بذلك إلی الیقین؟ ولو أيقنوا ذلك
لما أعرضوا عن عبادته.
نظرة ينظر بها المؤمن فى هذا الوجود یری
آیات دالة على قدرة الله وعلمه وحكمته ..
فالكون كله فى نظر المؤمن بالله كتاب
(١) لباب التأويل ٢٠١/٤. بتصرف
مفتوح، يقرأ فى صفحاته آيات تحدث عن
جلال الله، وعظمته، و کماله .. وفی کل
شیء له آية تدل على أنه الواحد.
أما غير المؤمن فلا يرى فيما يرى من
هذا الوجود إلا أشباحا تتحرك، وکائنات
تظهر وتختفى .. وقد ینھر بما یری، ویفتن
بما یملأ عینیه من جمال، ولکنه یظل حیث
هو فى تعامله مع كائنات الوجود وعوالمه،
دون أن يصله شىء من هذا بخالق الكون
ومبدعه!(٢).
ولهذا يري الحق سبحانه وتعالى إبراهيم
ملكوت السماوات والأرض؛ ليصل إلى
مرحلة تأكيد اليقين لديه، قال: ﴿ وَكَذَلِكَ
نُرِىَّ إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ
مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥].
فلما اهتدى سيدنا إبراهيم إلى أن عبادة
الأصنام ضلال مبين، فسيريه الله ملكوت
السموات والأرض ما دام قد اهتدى إلى أن
هناك إلهًا حقًّا، فالإله الحق يبين له أسرار
الكون؛ لیتفکر فیها والتي تجعله يزداد يقينًا
وإيمانًا(٣).
قال المهايمي في الآية: ((﴿وَكَذَلِكَ نُرِىّ
فهذا عرض عام للوجود كله، ففى كل إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ ليعلم
أن شيئًا من روحانيات الأفلاك والكواكب
والمشايخ والشياطين لا يصلح للإلهية،
(٢) التفسير القرآني للقرآن ٢٢١/١٣.
(٣) تفسير الشعراوي بتصرف ٣٧٣٩/٦.
www. modoee.com
٢٣

حرف الياء
ولیکون من الموقنین بالتوحيد بالاستدلال
بالأدلة الكثيرة.
وقيل: وليكون علة لمقدر هو عبارة
عن المذكور. أي: وليكون من الموقنين
بالتوحيد فعلنا ما فعلنا من الإراءة والتبصير
بآيات السماوات والأرض»(١).
وإنما قال: ﴿زُرِىّ إِبْرَاهِيمَ﴾ بصيغة
المضارع، مع أن الظاهر أن يقول: (أریناه)؛
لاستحضار صورة الحال الماضية التي
كانت تتجدد وتتكرر بتجدد رؤية آياته تعالی
في ذلك الملكوت العظيم(٢).
وهاهنا دقيقة عقلية، وهي أن نور جلال
الله تعالى لائح غير منقطع ولا زائلٌ البتة،
والأرواح البشرية لا تصير محرومة عن تلك
الأنوار إلا لأجل حجاب، وذلك الحجاب
لیس إلا الاشتغال بغير الله تعالی، فإذا كان
الأمر كذلك فبقدر ما يزول ذلك الحجاب
يحصل هذا التجلي (٣).
ولئن كانت الآيتان السابقتان قد جعلتا
التفكر في كل من السماوات والأرض
وسيلة وسببًا من أسباب اليقين إلا أن القرآن
في موضع آخر ذكر أن الأرض بما حوته وما
أودعه الله فيها وحدها من أشياء وخيرات
لِلْمُوقِنِينَ ﴾ [الذاريات: ٢٠].
(١) محاسن التأويل ٤٠٠/٤.
(٢) الوسيط، سيد طنطاوي ١٠٩/٥.
(٣) مفاتيح الغيب ٣٥/١٣.
ففي الأرض آياتٌ تدل على الصانع
وقدرته وحكمته وتدبيره لمن يتدبر ویتفکر
ويعقل، حيث هي مدحوة كالبساط لما
فوقها كما قال: ﴿اَلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ
مَهْدًا﴾ [طه: ٥٣].
وفيها المسالك والفجاج للمتقلبين فيها
والماشين في مناكبها، وهي مجزأة، فمن
سهل وجبل وبر وبحر، وقطع متجاورات،
من صلبة ورخوة وعذاة وسبخة، وهي
كالطروقة تلقح بألوان النبات وأنواع
الأشجار بالثمار المختلفة الألوان والطعوم
والروائح تسقى بماء واحد ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا
عَلَى بَعْضِ فِ اْأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤].
وكلها موافقة لحوائج ساكنيها ومنافعهم
ومصالحهم في صحتهم واعتلالهم، وما
فيها من العيون المتفجرة والمعادن المفتنة
والدواب المنبئة في برها وبحرها المختلفة
الصور والأشكال والأفعال: من الوحشي
والإنسى والهوام، وغير ذلك للموقنين
الموحدين الذين سلكوا الطريق السوي
البرهاني الموصل إلى المعرفة، فهم نظارون
بعيون باصرة وأفهام نافذة، كلما رأوا آية
عرفوا وجه تأملها، فازدادوا إيمانا مع
تكون من أسباب اليقين ﴿وَفِ الْأَرْضِ ءَايَتُ إيمانهم وإيقانا إلى إيقانهم (٤).
وإذا خرجنا من دائرة السماوات
والأرض ونظرنا إلى الإنسان خلقًا وإيجادًا
(٤) الكشاف ٣٩٩/٤. بتصرف يسير.
جَوَسُور
القرآن الكريمِ
٢٤

اليقين
وما يبثه الحق من دابة تدب على الأرض من الباب انتقاله من سن إلى سن آخر ومن حال
إلى حال(٢).
غير جنس البشر يصل بالإنسان إلى تحقيق
الیقین.
وفي ذلك يقول تعالى: ﴿ وَفِ خَلَّقِكُتْوَمَا
يَبْتُّ مِنْ دَابَّةٍ مَايَّتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجائية: ٤].
وفي خلقكم أي: من تراب ثم من نطفة
إلى أن يتكامل خلق الإنسان، وإليه الإشارة
بقوله تعالى: ﴿وَاللّهُ خَلَقَكُمْ مِّنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِن
تُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا
تَضَعُ إِلَّ بِعِلْمِهٍ، وَمَايُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ
عُمُرِهِ إِلَّ فِىِ كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [فاطر:
١١].
وقوله: ﴿هُوَ أَلَّذِى خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ
ثُمَّ مِن تُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلَا ثُمَّ
لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخَاً
وَمِنْكُمْ مَّن يُنَوَّ مِنْ قَبْلُ وَلِنَبْلُغُوْ أَجَلًا مُسَنَّىَ
وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [غافر: ٦٧].
وقوله: ﴿وَمَايُثُ مِن دابة﴾ أي: وما يفرق
في الأرض من جميع ما خلق على اختلاف
ذلك في الخلق والصور آياتٌ تدل على
وحدانيته(١).
ووجه دلالتها على وجود الإله القادر
المختار أن الأجسام متساوية، فاختصاص
كل واحد من الأعضاء بكونه المعين وصفته
المعينة وشكله المعين لا بد وأن يكون
بتخصيص القادر المختار، ويدخل في هذا
(١) زاد المسير ٤ / ٩٦.
وإذا وسعنا الدائرة ونظرنا في قوله:
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَتِ لَعَلَّكُمْ بِقَّهِ رَبِّكُمْ
تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: ٢].
لوجدنا أن التدبير والتفصيل متجدد
متكرر بتجدد تعلق القدرة بالمقدورات.
وهذا التدبير المحكم والتفصيل لكل الآيات
يصل بالإنسان من خلال التفكير إلى اليقين
والإيمان الحقيقي.
وتدبير الأمر: تصريفه على أحسن
الوجوه وأحكمها وأكملها. والآيات:
جمع آية. والمراد بها هنا: ما يشمل الآيات
القرآنية، والبراهين الكونية الدالة على
وحدانيته وقدرته سبحانه.
أي: إنه سبحانه يقضي ويقدر ويتصرف
في أمر خلقه على أكمل الوجوه من تدبيره
لأمور خلقه ومن تفصيله للآيات لعلكم
عن طريق التأمل والتفكير فيما خلق توقنون
بلقائه، وتعتقدون أن من قدر على إيجاد هذه
المخلوقات العظيمة لا يعجزه أن يعيدكم
إلى الحياة بعد موتكم لكي يحاسبكم على
أعمالكم(٣).
فالنظر في تفصيله الآيات وتدبيره للأمور
يوصل إلى اليقين، فقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ
(٢) مفاتيح الغيب ٢٧/ ٦٧٠.
(٣) الوسيط، سيد طنطاوي باختصار ٧/ ٤٤٠.
www. modoee.com
٢٥

حرف الياء
رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ لكي تتفكروا فيها وتتحققوا ثالثًا: تدبر القرآن:
كمال قدرته فتعلموا أن من قدر على خلق
هذه الأشياء وتدبيرها قدر على الإعادة
والجزاء(١).
يعني أنه تعالى يبين الآيات الدالة على
وحدانيته و کمال قدرته لکي توقنوا وتصدقوا
بلقائه والمصير إليه بعد الموت؛ لأن من قدر
على إيجاد الإنسان بعد عدمه قادر على
إيجاده وإحيائه بعد موته، واليقين صفة من
صفات العلم، وهو فوق المعرفة والدراية،
وهو سكون الفهم مع ثبات الحكم وزوال
الشك(٢).
جملة القول: إن القرآن ينبه ويوقظ العقل
إلى التفكر والتدبر لكي يصل إلى اليقين
والحقيقة عن اقتناع كامل، ولا أن يكون
مجرد مقلد يتبع ما يقال له دون أن يصل
إلى اليقين، وأن يلغي العقل والفكر ليكون
حبيس التقليد والجمود كما فعل مشركو
قريش أو قوم سيدنا إبراهيم وكل من على
شاكلتهم. غير أن إعمال العقل والتفكير
يكون بأصول الشرع وقواعده، وإلا يصل
بالإنسان إلى الإلحاد كما راح إلى ذلك
الفلاسفة الماديون.
(١) البيضاوي ٣/ ١٨٠.
(٢) لباب التأويل ٤/٣.
◌َضوَى
جَوَسُو ◌َرُ النفسية
القرآن الكريمِ
ویشیر القرآن إلى ذلك من خلال سورة
المدثر فيقول تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَعْصَبَ النَّارِ إِلَّا
مَكَةُ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِيَأْ وَلَا يَرْنَابَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾ [المدثر: ٣١].
ففي هذه الآية الكريمة رد على المشركين
الذین سخروا من النبي صلى الله عليه وسلم
عندما عرفوا منه أن على سقر تسعة عشر
ملكا يتولون أمرها(٣).
قال الإمام ابن كثير: ((يقول الله تعالى:
﴿وَمَا جَعَلْنَا أَعْصَبَ النَّارِ﴾ أي: خزانها
مکېگهً﴾ أي: غلاظا شدادا. وذلك رد على
مشركي قريش حين ذكر عدد الخزنة فقال
أبو جهل: يا معشر قريش، أما يستطيع كل
عشرة منكم لواحد منهم فتغلبونهم؟ فقال
الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَعْجَبَ النَّارِ إِلََّ مَلَبِكَةَ﴾
أي: شديدو الخلق لا يقاومون ولا يغالبون.
وقد قيل: إن أبا الأشد -واسمه: كلدة
بن أسيد بن خلف- قال: يا معشر قريش،
اكفوني منهم اثنين وأنا أكفيكم سبعة عشر.
إعجاباً منه بنفسه، وكان قد بلغ من القوة-
فيما يزعمون- أنه كان يقف على جلد البقرة
ويجاذبه عشرة؛ لينتزعوه من تحت قدميه،
فيتمزق الجلد، ولا يتزحزح عنه)) (٤).
(٣) التفسير الوسيط ١٨٣/١٥.
(٤) ابن أبي حاتم ٣٣٨٤/١٠. تفسير القرآن
٢٦