النص المفهرس

صفحات 21-26

يونس عليه السلام
الحوت أن هذا تسبيح دواب الأرض، فسبح
وهو في بطن الحوت، فسمعت الملائكة
تسبيحه فقالوا: ربنا إنا نسمع صوتًا ضعيفًا
بأرض غربة، فقال -تبارك وتعالى -: ذلك
عبدي يونس عصاني، فحبسته في بطن
الحوت في البحر، قالوا: العبد الصالح الذي
کان یصعد إليك منه في كلّ يوم وليلة عمل
صالح؟ قال: نعم، فشفعوا له عند ذلك، فأمر
الحوت فقذفه في الساحل کما قال الله تبارك
وتعالى: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾﴾(١).
فيرشدنا الله تعالى إلى أن كثرة التسبيح
ليست مزيةً ليونس عليه السلام وحده،
فنجاه الله تعالى من كربه، بل هو طريق
لنجاة المؤمنين جميعًا عند حلول الشدائد
بهم، ووقوعهم فيها، حيث قال تعالى:
فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ وَغَجَيْنَهُ مِنَ الْغَرِّ وَكَذَلِكَ
تُشُچِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨].
وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه
وسلم عن ابن عباس رضي الله عنه: (تعرف
إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)(٢).
(١) أخرجه البزار في مسنده، رقم ٨٢٢٧،
٠٣٤/١٥
قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن
النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ إلا من
هذا الوجه بهذا الإسناد.
(٢) أخرجه الحاكم في مستدركه، رقم ٦٣٠٣،
كتاب معرفة الصحابة رضي الله عنهم،
باب ذكر عبد الله بن عباس رضي الله عنه،
٦٢٣/٣، والطبراني في المعجم الكبير، رقم
٠٢٢٣/١١،١١٥٦٠
وبعد مكث يونس عليه السلام في بطن
الحوت المدة التي حددها الله تعالى له، ولم
يعلمنا بها، مما أدى إلى اختلاف المفسرين
في تحدیدها، فبعد ذلك أمر الله عز وجل
الحوت ليقذف يونس عليه السلام من بطنه
بالعراء، وهي منطقة خالية من كل شيء، من
الإنس، والشجر والنبات، فكان عليه السلام
وقت نبذه من بطن الحوت سقيمًا بسبب
حبسه في بطن الحوت فترة من الزمن أدت
إلى مرضه، وهَزْلِ جسمه ونحولِهِ، فقيل:
کان قد بلي لحمه، ورق عظمه، ولم يبق له
قوة.
فبعد الضرر الذي أصابه، كان من لطف
الله عز وجل به أن أنبت له شجرة من يقطين،
حيث إنها سريعة النمو، فأصبحت كالعريش
فیستظل بورقها، فيمتنع عنه حَرُّ الصیف وبرد
الشتاء، ویأکل من ثمارها حتى اشتد عوده
عليه السلام، ورجع كما كان. واليقطين هو
القرع أو الدباء، وقد ثبت أن النبي صلى الله
عليه وسلم كان يحب الدباء(٣).
ورجح المراغي أنه شجرة الموز؛ لأن
أوراقها أعرض (٤).
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
١،٢٩٦١ / ٥٦٩.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٠/ ٢٠٠، رقم
١٢٨١١.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٢/ ٨٨٤، رقم ٤٩٢٠.
(٤) انظر: نظم الدرر، ٢٣/ ٨٢.
www. modoee.com
٢٣٩

حرف الياء
وقد استشكل على بعض المفسرين
الجمع بين آيتين في ظاهرهما التعارض،
وهما: الآية في هذا الموضع ﴿فَبَذْنَهُ
بِالْعَرَآءِ وَهُوَسَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥].
والآية الأخرى: ﴿لَنُذَّ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْهُومٌ﴾
[القلم: ٤٩].
فالآية الأولى تثبت النبذ، والأخرى تدُّ
على أنه لم ينبذ. وجواب هذا الاستشكال:
أن ﴿فَلَوْلًا﴾ في الآية الثانیة ترجع إلى الذم،
فيصبح المعنى: لولا نعمة من ربه، ﴿لَنُذَ
بِالْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾، ولكن تداركته نعمة الله
عز وجل فنبذ بالعراء وهو غير مذموم(١).
ثم امتن الله سبحانه وتعالى على يونس
علیه السلام بعد شفائه منً عظيمة أخرى،
وهي إرساله إلى مائة ألف من الناس، أو
يزيدون عنها، وهم القوم الذين غادرهم
کفارًا، فلم یصبر على دعوتهم، وأخبره أنه
سوف يجدهم مؤمنین.
ولما وصل إليهم، أحسنوا استقباله،
وآمنوا به واتبعوه، فصار إيمانهم في ميزان
حسناته عليه السلام؛ لأنه هو الذي دعاهم
إلى توحيد الله جل جلاله، وبلغ دعوة الله
تعالى فيهم، ومتعهم الله تعالى في الحياة
الدنيا بألوان النعيم إلى أن انقضت آجالهم
التي قدرها الله تعالى عليهم (٢).
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ٧/ ٦١.
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ٧/ ٦٠، فتح
القدير، الشوكاني، ٤ /٤٧٢، إرشاد العقل
وكان بين المفسرين اختلافٌ في القوم
الذين أرسل إليهم يونس عليه السلام الوارد
ذكرهم في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِائَةٍ
أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧].
على ثلاثة أقوال:
الأول: أن إرسال يونس عليه السلام كان
إلى أهل نينوى الذي كان قبل التقام الحوت
له، وذكره في هذه الآيات بعد التقام الحوت
له، فیراد به التقدیم، ویکون معنی (الواو)
الجمع من غير ترتيب.
الثاني: أن إرسال يونس عليه السلام كان
بعد التقام الحوت له، وعلى هذا التقدير
يجوز أن يكون يونس عليه السلام قد أرسل
إلی قوم آخرین غیر القوم الأول.
الثالث: يجوز أن يكون يونس عليه
السلام قد أرسل إلى القوم الأولين مرة
أخرى بشريعة فآمنوا بها (٣).
وحريٌّ بالذكر هنا أن نشير إلى أن امتناع
هضم بطن الحوت ليونس عليه السلام هو
أمرٌّ خارقٌ للعادة، وهذا ما يعرف بإعجاز
الصرفة، بمعنى: أن الله تعالى صرف بطن
الحوت عن طبيعته، وهي الهضم ليونس
عليه السلام، وهذا الإعجاز بالصرفة جائز
في المعجزات المادية التي وقعت مع
الأنبياء السابقين، كما حصل في صرف
السليم، أبو السعود، ٢٠٥/٧، تيسير الكريم
الرحمن، السعدي، ص ٧٠٧.
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٣٥٨/٢٦.
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّ
الْقُرآن الكَرِيمِ
٢٤٠

يونس عليه السلام
النار عن إحراق إبراهيم عليه السلام، وكذا
صرف السكين عن ذبح إسماعيل عليه
السلام، وصرف الماء عن خاصية السيولة
لإنجاء موسى عليه السلام ومن معه من بني
إسرائيل، وكذا صرف زكريا عليه السلام عن
الكلام بغير إرادته. أما القول بالصرفة كوجه
من وجوه إعجاز القرآن الكريم، فهو قولٌ
غير مقبول؛ لأن إعجازه متمثلٌ في بلاغته
وبيانه، لا في صرف الناس عنه كما قال
النظام والجاحظ وغيرهما من المعتزلة.
الدروس المستفادة من قصة يونس
إِنَّ قصة يونس عليه السلام من القصص
القرآني الحق الذي قصَّهُ الله تعالى على نبيه
محمد صلی الله علیه وسلم، حيث قال:
﴿نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَاً
إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ،
لَمِنَ الْفَفِلِينَ﴾ [يوسف: ٣].
وهي تحمل الكثير من الهدايات والعبر
والمواعظ، ومن ذلك ما يأتي:
١. إنَّ الوحي جنس واحد، فمن آمن بنبوة
من النبوات، أو آمن بنبي من الأنبياء،
فيجب عليه الإيمان بباقي النبوات
والأنبياء.
٢. تتمثل مهمة الأنبياء جميعًا في التبشير
والإنذار، وإنَّ الحكمة من إرسالهم
هي هداية الناس إلى الحقِّ، والخير
والطريق المستقيم.
٣. وجوب اتباع هدي الأنبياء المتفق عليه
أو القدر المشترك فيما بينهم، وهو
أصل التوحيد، ووجوب إفراد الله
تعالى وحده بالعبادة، و کذلك الأخلاق
والفضائل، وجميع الصفات الحميدة،
والخصال النبيلة.
٤. إنَّ الله عز وجل لما خلق الخلق،
جعل فيهم کوامن الخير والشرّ، فهم
مستعدون لنجدي: الإيمان والكفر،
www. modoee.com
٢٤١

حرف الياء
فمشيئة الله تعالى وحكمته متعلقة
بأفعال العباد، وتقع مشيئة الله سبحانه
وتعالى وفق أفعال العباد التي علمها
أزلًا.
٥. إنَّ الناس جميعهم فريقان: منهم من
حكم الله تعالى له بخاتمة الإيمان،
ومنهم من حكم عليه بخاتمة الكفر،
فكلُّ ما قضاه الله عز وجل وقدره واقعٌ
لا محالة.
٦. بین الله تعالى أنَّ تأخير الموعود به من
العذاب، لا يقدح في صحة الوعيد به،
بدليل أن الله عز وجل أخر العذاب عن
قوم يونس، ولم يوقعه بهم؛ لأنهم تابوا
وآمنوا.
٧. الحضُّ على الإيمان الصادق، والعمل
الصالح، وفعل الخيرات في حال
الرخاء والسعة قبل الإحاطة بالعذاب،
فهذا وقتٌ لن يقبل فیه الإیمان ولو کان
صادقًا. وقد جاء في الأثر: (من استطاع
أن تكون له خبيئةٌ من عمل صالح
فليفعل)(١)، فيجب على العبد المسلم
أن يجتهد في العبادة ما أمكنه ذلك
وقت الرخاء والصحة والعافية بصورةٍ
(١) أخرجه أحمد بن حنبل في الزهد، رقم ٧٨٢،
ص ٢٦٩، وأبو داود في الزهد، رقم ١١٢،
١٢٢/١.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
رقم ٣٩٨/٥،٢٣١٣.
مستورة عن أعين الناس، ويدخر هذه
الأعمال الصالحة لتنفعه في يوم کرب
وفاقة.
٨. كُلِّفَ يونس عليه السلام بالرسالة قبل
حادثة التقام الحوت إياه، بدليل قوله
تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الصافات:
١٣٩ - ١٤٠]. أي: إنه كان من المرسلين
حينما هرب إلى الفلك المشحون.
٩. لا يصح لنبيٍّ أنْ يترك البلد الذي أمره
الله عز وجل بتبليغ الدعوة إلى أهله إلا
بإذنٍ منه جل جلاله. قال العلماء: «إنما
قيل ليونس: أبق عن العبودية؛ لأنه
خرج بغير أمر الله عز وجل، مستترًا
من الناس، وإنما العبودية: ترك الهوى،
وبذل النفس عند أمور الله عز وجل،
فلما آثر هواه، لزمه اسم الآبق»(٢).
١٠. القرعة جائزة شرعًا، وملزمة الأثر
كالقسمة؛ لقوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ
مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١].
(لكن المستقر في شريعتنا أنه لا يجوز
الاقتراع على إلقاء آدمي في البحر،
وإنما تطبق عليه الحدود والتعزيرات
على مقدار جنايته، وإنما كان ذلك في
يونس وزمانه مقدمة لتحقيق برهانه،
(٢) التفسير المنير، وهبة الزحيلي، ١٤٢/٢٣.
٢٤٢
جوبيبو
القرآن الكريمِ

يونس عليه السلام
وزيادة في إیمانه))(١).
١١. دلَّ قوله تعالى: ﴿فَلْنَفَمَهُ أَلْحُوتُ وَهُوَ
[الصافات: ١٤٢] على أن يونس
علیه السلام أتی بما یلام علیه، وأنه كان
يستحق اللوم من الله تعالى؛ لأنه غادر
قومه بدون إذنه؛ لذلك أصابته القرعة
لثقل السفينة من حمولتها.
١٢. وردت روايات كثيرة في كتب التفسير
تحدد المدة الزمنية التي مكثها يونس
عليه السلام في بطن الحوت، فلو كان
في التحدید فائدة لأخبرنا الله عز وجل
بها، ولكن الثابت الذي أخبرنا الله
تعالى به هو إبقاء يونس عليه السلام في
بطن الحوت حيًّا، ولم يهضمه الحوت
کسائر الأطعمة، وهذه في حد ذاتها
معجزة من الله تعالی.
١٣. ذكر الله سبحانه وتعالى لنا السبب
الذي من أجله نجى يونس عليه
السلام، وهو التسبيح، فإن يونس عليه
السلام كان من قبل ملازمًا لذكر الله
تعالی، وتسبيحه، وتحمیده، وتمجيده.
فالتسبيح سببٌ في رفع البلاء، كما أن
يونس عليه السلام أعلن توبته الصادقة
عندما قال: ﴿لَّاَ إِلَّهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ
إِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
١٤. كان من لطف الله عز وجل وتمام نعمته
تعالى على يونس عليه السلام بعد أن
قذفه الحوت في العراء، وهو في حالة
من الضعف والنحول، أن أنبت عليه
شجرة اليقطين، يأكل من ثمارها،
ويستظل بأوراقها.
ثلاث مرات، فألقوه في البحر؛ تخفيفًا ١٥. وكان أيضًا من تمام نعمته عز وجل
على يونس عليه السلام أن اجتباه مرة
أخرى، واصطفاه وكلفه بالرسالة إلى
أناس يزيد عددهم على مائة ألف،
فيؤمنوا به، ويكون إيمانهم في ميزان
حسنات يونس عليه السلام.
١٦. تبين قصة يونس عليه السلام مدى إنعام
الله تعالى وفضله عليه، كما أنعم على
إخوته من الأنبياء والرسل قبله وبعده،
وأنه أجاب دعاءه بعد ما حلَّ به من
کرب وشدة، وصبر على ما ابتلي به.
١٧ . بدأ يونس عليه السلام بالتوحيد:
لآ
إِلَّهَ إِلَّ أَنْتَ﴾، ثم بالتنزيه والتسبيح:
﴿سُبْحَنَكَ﴾، ثم بالاستغفار
والإقرار بالذنب: ﴿إنّ كُنتُ مِنَ
القَّْلِينَ﴾، وهذا يعلمنا التأدب مع
الله جل جلاله حتى في الدعاء، ولا
يبدأ أحدٌ منا شكواه مباشرة قبل الثناء
علی الله تعالى، وتنزيهه من كل عيب
ونقص، فهذا أدعى إلى قبول الدعاء
وإجابته.
(١) المصدر السابق.
www. modoee.com
٢٤٣

حرف الياء
١٨. إنَّ استغاثة يونس عليه السلام بالله ٢٤. لا ينبغي للداعية أن يتساهل في أمر
الدعوة، فربما يوسوس له الشيطان،
ويقول له: إنّ مهمتك هي التبليغ فقط،
وليست لك النتائج، فيضعف هذا
الداعية شيئًا فشيئًا حتى يترك حقل
الدعوة.
عز وجل، ولجوءه إليه وقت الشدة
والكرب، وإنجاءه عز وجل من مصيبته
لیس خاصًا به وحده، وإنما يشمل كل
مؤمن ومؤمنة إذا استغاثا بالله تعالى،
وطلبا رحمته ومغفرته، فإنه يخلصهما
مما ألمّ بهما.
١٩. وجوب الصبر على أقدار الله عز وجل
وأقضيته، فلا ينبغي للمؤمن التعجل
والتضجر والغضب، كما فعل يونس
عليه السلام، ثم تاب وندم على ما كان
منه، فقبل الله تعالی توبته، بل واصطفاه
وشرفه بالرسالة مرة أخرى.
٢٠. الصبر على البلاء وعدم الشكوى
لغير الله تعالى من صفات المؤمنين
الصادقين.
٢١. وجوب الإكثار من ذكر الله جل جلاله،
وتعظیم شأنه، فمن أقبل على الله تعالى
في السراء، أعانه وأخذ بيده في الضراء.
٢٢. إن الله عز وجل يحفظ أولياءه من
الخطر، ويهيئ لذلك الأسباب، كما
فعل مع يونس عليه السلام عندما
حفظه في بطن الحوت، وتحت شجرة
اليقطين.
٢٣. إنَّ العبد إذا تاب توبةً صادقةً نصوحًا،
وفي الوقت المسموح بها الذي تقبل
فیه، قبلها الله تعالى، وفرج عنه کربه.
موضوعات ذات صلة:
الابتلاء، البحر، النبوة
٢٤٤
جَوَسُـ
القرآن الكريمِ