النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الَّتَيْ عناصر الموضوع مفهوم اليتيم ٣٦٦ اليتيم في الاستعمال القرآني ٣٦٧ الألفاظ ذات الصلة ٣٦٨ اليتم والقدر ٣٦٩ يتم النبى صلى الله عليه وسلم ٣٧٨ الإحسان إلى اليتيم ٣٨٩ مال اليتيم ٣٩٩ نكاح يتامى النساء ٤٠٢ حقوق اليتيم على المجتمع والدولة ٤٠٦ اليتامى بين القرآن والقوانين الدولية المُجَلَّدَ الخَامِّن، وَالثّلاثُونْ ٣٨١ حرف الياء مفهوم اليتيم أولًا: المعنى اللغوي: الیتیم لغة هو: الذي مات أبوه حتی یبلغ، فإذا بلغ زال عنه اسم اليتيم (١). قال أبو السعادات ابن الأثير: ((قد تكرر في الحديث ذكر (اليتم، واليتيم، واليتيمة، والأيتام، واليتامى) وما تصرف منه، واليتيم في الناس: فقد الصبي أباه قبل البلوغ، وفي الدواب: فقد الأم، وأصل اليتم بالضم والفتح: الانفراد، وقيل: الغفلة، وقد يتم الصبي، بالكسر، بيتم فهو یتیم، والأنثی یتیمة، وجمعها: أپتام، ویتامی، وقد يجمع اليتيم على يتامى، كأسير وأسارى، وإذا بلغا زال عنهما اسم اليتم حقيقة، وقد يطلق عليهما مجازًا بعد البلوغ، كما كانوا يسمون النبي صلى الله عليه وسلم وهو كبير: يتيم أبي طالب؛ لأنه رباه بعد موت أبيه))(٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: اليتيم اصطلاحًا: الصغير الذي فقد أباه وهو دون سن البلوغ حقيقة (٣). وهذا الاسم يزول عن اليتيم بمجرد البلوغ، ولا يطلق عليه بعد البلوغ إلا باعتبار ما کان(٤). ولم يعتبر الشرع من فقد أمه يتيمًا إنما قصر صفة اليتم على من فقد أباه؛ لأن الأب هو الذي يعول الصغير ويرعی شؤونه ویقوم بتأدیبه وتعليمه(٥). (١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٤/ ٢٤١، مقاييس اللغة، ابن فارس ١٥٤/٦، لسان العرب، ابن منظور ٦٤٥/١٢، تاج العروس، الزبيدي ١٣٤/٣٤. (٢) النهاية في غريب الحديث والأثر ٢٩١/٥. (٣) انظر: المفردات ص ٨٨٩، الكشاف، الزمخشري ١/ ٤٦٣، مفاتيح الغيب، الرازي ٥٨٧/٣، لباب التأويل، الخازن ١/ ٥٨، أحكام القرآن، الجصاص ٨٥/٣. (٤) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ٣/ ٨٥، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص٣٤٦. (٥) انظر: أحكام القرآن ٨٥/٣، مفاتيح الغيب، الرازي ٣/ ٥٨٧، لباب التأويل، الخازن ٥٨/١. ٣٦٦ القرآن الكريمِ اليتم اليتيم في الاستعمال القرآني وردت (اليتيم) في القرآن الكريم (٢٣) مرة (١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال ﴿وَيُطْعِمُونَ أَلَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَتِمًا وَأَسِيرًا ٨ الإفراد ٨ [الإنسان: ٨] ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ يَتِيْمَيْنِ فِى الْمَدِينَةِ التثنية ١ [الكهف: ٨٢] الجمع ١٤ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْبَتَىَّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَُّمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] واليتم في أصله بمعنى الانفراد، وورد اليتيم في الاستعمال القرآني بمعناه الشرعي المعروف، وهو: من فقد أباه قبل بلوغ الحنث ذكرًا كان أو أنثى (٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٧٧٠، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الياء ص ١٤٥٣. (٢) انظر: عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ٤/ ٣٥٠-٣٥١، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٣٨٠/٥. www. modoee.com ٣٦٧ حرف الياء الألفاظ ذات الصلة اللقيط: ١ اللقيط لغة وهو: ما يلقط، أي: يرفع من الأرض، وقد غلب على الصبي المنبوذ وهو: الصبي الذي تلقيه أمه في الطريق(١). اللقيط اصطلاحًا: هو اسم لمولود طرحه أهله؛ خوفًا من الفقر أو احترازًا عن تهمة الزنا، وكذلك كل صبي، أو مجنون، ضائع، لا کافل له(٢). الصلة بين اللقيط واليتيم: اللقيط قد يكون يتيمًا حقيقةً وقد لا يكون، أما حكمًا فهو كذلك؛ لأنه فقد معيله وراعيه، ويمكن أن يقاس عليه الأطفال الذين لهم آباء أحياء ولكنهم في حكم الأموات، فهؤلاء يحتاجون للرعاية والعطف والحنان، ويكون لهم حكم الأيتام من حيث الكفالة والرعاية والحنان(٣). (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٩٢/٧. (٢) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ١٩٣، أنيس الفقهاء، القونوي ص ٦٧، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٢٩١، معجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم، السيوطي ص ٥٥. (٣) انظر: حقوق اليتيم في الفقه الإسلامي، تسنيم استيتي ص ١٥. ٣٦٨ القرآن الكريم اليتم اليتم والقدر إن من قدر الله تعالى على الصبي الصغير الذي يموت والده أن يعيش وحيدًا ضعيفًا، بغير أب يقوم بحفظه ورعايته والنفقة عليه، فيعيش الطفل اليتيم منكسر القلب، متألم الضمير، يخشى من الأيام، ومن عدم قدرته على مصارعة تقلبات الحياة. كما أن من له أطفال صغار قد يخشی من القدر بأن يفاجئه الموت فيضيع أولاده الصغار، وربما يجد اليتيم من أقاربه من لا يقوم برعايته والإحسان إليه، بل ربما من یأکل ماله إن كان له مال. وكذلك على المجتمع الذي فيه أيتام صغار أن يقدروا المصيبة والكارثة التي حلت بهذا الصغير، من فقده للكافل له، والقائم بشؤونه فيعملوا من أجل جبر مصاب هذا الصغير بكل الوسائل التي من شأنها التخفيف من مصابه والأخذ بيده؛ لأن يصبح فردًا فاعلًا في المجتمع، ويمكن الحديث في هذا المبحث عن اليتيم والقدر من ثلاث زوايا: أولًا: اليتيم والقدر: أن موت الأقارب أو أحد الوالدين وخاصة الأب له تأثيرات شديدة على الطفل، فيشعر الطفل المميز بالأسى والحزن العميق، ويصل به الأمر إلى الشعور بالیأس والإحباط، أو قد يصل به الأمر إلى الرغبة في الانتقام ويكون حزنه بمستوى سنه واعتقاده، ومدى ارتباطه بوالديه، ويؤثر عليه الموت سلبًا، ويظهر ذلك جليًّا إما بشعور كبير بالنقص لضعف الموارد، وعدم تلبية الرغبات، وإما بالإفراط بالتدليل لتعويضه عمن فقد، وبالتالي تدمير حياة الطفل واضطراب وضعه بشكل عام. ويعتبر موت الأب - خاصة- خسارة للطفل، ويختلف حجم هذه الخسارة باختلاف السن والإدراك والفهم والذكاء والجنس، مع العلم بأن المحيطين بالطفل قد يكون لهم أكبر الأثر في التخفيف من هذا الشعور(١)، وهناك بعض الأعراض التي تظهر على الطفل بسبب موت أحد أحبته منها: الأعراض الحياتية: ومنها: فقدان الشهية والنشاط، سوء التغذية، ذبول الجسم، التوتر، اصفرار البشرة الكآبة، القلق وعدم النوم، التعرض للإصابة بالأمراض. والأعراض الذهنية والنفسية: والموت له تأثير على ذهن الطفل وذكائه وإمكانية حدوث انخفاض مستوى الذكاء، وهبوط المستوى الدراسي، وتغير في الرؤية والأهداف، ويصاب الطفل بالسلوك (١) انظر: دور الأب في التربية، علي القائمي ص ٣١١، حل مشكلة الأيتام ضمن تعاليم الإسلام، فايزة أحمد يوسف ص٣-٤. www. modoee.com ٣٦٩ حرف الياء غير المتزن، والاختلال النفسي، وظهور الحسنة التي ترفق به، والرعاية الكاملة التي ترفع من مستواه، والمعونة التامة التي تسد أعراض أخرى: كقضم الأظافر ومص الإبهام والتبول اللاإرادي والحسد والخوف والخجل والشعور بعقدة الحقارة والكذب والإحساس بالقلق إلى غير ذلك (١). جوعته، فلا شك أن هذا الیتیم سیدرج نحو الانحراف، ويخطو شيئًا فشيئًا نحو الإجرام، بل سيصبح في المستقبل أداة هدم وتخريب لكيان الأمة، وتمزيقًا لوحدتها وإشاعة الفوضى والانحلال بین أبنائها»(٣). والأعراض العاطفية وأهمها: الاضطراب، والشعور بانعدام الأمن، الهيجان الشديد، والحساسية المفرطة، وسرعة الغضب، والانطواء على النفس والشعور بالكآبة، والعنف والعدوان. والأعراض السلوكية: ويظهر ذلك من خلال: عدم الانسجام مع المحيطين به وأفراد أسرته، والعصيان والتمرد، والاضطراب في التعامل والعلاقات، والتكبر والرياء لكي يلفت أنظار الآخرين ويكسب دعمهم، وربما إهمال النظافة وعدم الاهتمام بالشكل والمظهر (٢). يقول عبد الله ناصح علوان: ((ومن العوامل الأساسية في انحراف الولد: مصيبة اليتم التي تعتري الصغار وهم في زهرة العمر، ومقتبل الحياة، وهذا اليتيم الذي مات أبوه وهو صغير، إذا لم يجد اليد الحانية التي تحنو إليه، والقلب الرحيم الذي يعطف عليه، وإذا لم يجد من الأوصياء المعاملة (١) انظر: حل مشكلة الأيتام ضمن تعاليم الإسلام، فايزة أحمد يوسف ص٣-٤. (٢) انظر: دور الأب في التربية، علي القائمي ص ٣١١. ثانيًا: القدر والأب الذي يخشى الموت: يجب على من له صغار وذرية ضعاف پخشی من ضياعهم بعد موته، أن يعمل على تأمين حياة هؤلاء الصغار بوسائل إلهية، تؤدي إلى حفظ حياة الصغار والضعفاء من الذرية، وهذه الوسائل هي: ١. تقوى الله تعالى والقول السديد. إن تقوى الله تعالى والقول السديد من وسائل التأمين على حياة الصغار والضعفاء من الذرية بعد موت الأب، مما يؤدي إلى عدم الخوف من القدر عليهم. قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْتَرَّكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَفًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواْ اللَّهَ وَلَيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا ﴾ [النساء: ٩]. فالخطاب في الآية جاء مُذكِّرًا الأحياء بالذي هم صائرون إليه هم وأموالهم، عارضًا عليهم في هذا الموقف ما يهز (٣) تربية الأولاد في الإسلام، عبدالله ناصح علوان ص١٣٦. جُوَسُورَةَ النَّقْتَّ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٣٧٠ اليتيم مشاعرهم، ويثير أشجانهم أنهم سيموتون، أقرباء الموصي لسرهم أن يوصي لهم، وهو قول مقسم مولى ابن عباس، وسليمان بن المعتمر، وسعيد بن جبير. كما مات هذا الميت الذي تقاسموا تركته، أو تقاسمها ورثته، وهم یشهدون، وأنهم سيتركون من بعدهم أطفالهم، الذين سینضمون إلی موکب الأيتام، كما ترك هذا الميت أطفاله، فانضموا إلى جماعة الأيتام، ممن مات آباؤهم قبله، فهؤلاء عليهم أن پرعوا حق الله وليخشوه فى هؤلاء الیتامی الذین فی أیدیھم، ولیصونوهم ویصونوا أموالهم، ولیعاملوهم کما یرجون أن يعامل أبناؤهم من بعدهم(١). وقد ذكر المفسرون في معنى الآية أربعة بعده، وأحب أن یکف الله عنهم الأذى بعد أقوال: أحدها: أن معناه: وليحذر الذين يحضرون ميتًا يوصي في ماله أن يأمروه بتفریق ماله وصیة فیمن لا يرثه، ولکن ليأمروه أن يبقى ماله لولده، كما لو كان هو الموصي لآثر أن يبقي ماله لولده، وأن لا يدعهم عالة مع ضعفهم وعجزهم عن التصرف والاحتيال، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنه ومجاهد، والسدي(٢). والثاني: أن معناه: وليخش الذين يحضرون الموصي وهو يوصي أن ينهوه عن الوصية لأقربائه، وأن يأمروه بإمساك ماله والتحفظ به لولده، وهم لو كانوا من (١) انظر: التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٢/ ٧٠٧. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٧/ ١٩. والثالث: أن ذلك أمر من الله تعالى لولاة الأيتام، أن يلوهم بالإحسان إليهم في أنفسهم وأموالهم، كما يحبون أن يكون ولاة أولادهم الصغار من بعدهم في الإحسان إليهم، لو ماتوا وتركوا أولادهم يتامى صغارًا، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنه (٣). والرابع: أن من خشي على ذريته من موته، فليتق الله وليقل قولًا سديداً، وهو قول أبي بشر بن الديلمي(٤). وقال الإمام الرازي: ((يحتمل أن تكون الآية خطابًا لمن قرب أجله، ويكون المقصود نهيه عن تكثير الوصية؛ لئلا تبقى ورثته ضائعين جائعين بعد موته، ثم إن كانت هذه الآية إنما نزلت قبل تقدير الوصية بالثلث كان المراد منها أن لا يجعل التركة مستغرقة بالوصية، وإن كانت نزلت بعد تقدير الوصية بالثلث، كان المراد منها أن يوصي أيضًا بالثلث بل ينقص إذا خاف على (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٧/ ٢٢، مفاتيح الغيب، الرازي ٩/ ٥٠٥. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/٧، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١٧/٢، النكت والعيون، الماوردي ١/ ٤٥٧. www. modoee.com ٣٧١ حرف الياء ويحتمل أن الأمر بالتقوى والقول السديد يكون على عمومه في الوصية، وفي اليتامى، وفي جميع الأقوال، كما قال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا ٧٠ يُصْلِعْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمّ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا )﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. ذريته، والمروي عن كثير من الصحابة أنهم وصوا بالقليل لأجل ذلك، وكانوا يقولون: الخمس أفضل من الربع، والربع أفضل من الثلث، وخبر سعد يدل عليه، وهو قوله صلی الله عليه وسلم عن عامر بن سعد، عن أبیه، قال: (عادني رسول الله صلی الله علیه وسلم في حجة الوداع من وجع أشفيت منه قال الإمام ابن عاشور: ((والسديد: الذي يوافق السداد، والسداد: الصواب والحق، فشمل القول السديد: الأقوال الواجبة والأقوال الصالحة النافعة مثل: ابتداء السلام وقول المؤمن للمؤمن الذي يحبه: على الموت، فقلت: يا رسول الله، بلغني ما تری من الوجع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: (لا)، قال: قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: (لا، الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة إني أحبك، ويشمل القول السديد: ما هو تعبير عن إرشاد من أقوال الأنبياء والعلماء یتکففون الناس))»(١)(٢) . والحكماء، وما هو تبليغ لإرشاد غيره من مأثور أقوال الأنبياء والعلماء، فقراءة القرآن على الناس من القول السديد، ورواية حديث الرسول صلى الله عليه وسلم من القول السديد»(٤). والقول السديد الذي تدعو إليه الآية هو: القول العدل والصواب الذي يحمل النصح والتوجيه والتسديد لليتامى، وإعدادهم إعدادا صالحًا للحياة تمامًا، كما يفعل الأب مع أبنائه، وإلا فهو قول غیر سدید، وخيانة للأمانة التي اؤتمن الأوصياء عليها في حق اليتامى(٣). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٢٧٤٤، ٣/٤ كتاب الوصايا، باب الوصية بالثلث، ومسلم في صحيحه، رقم ١٢٥٠/٣،١٦٢٨ كتاب الهبات، باب الوصية بالثلث. (٢) مفاتيح الغيب ٩/ ٥٠٥. (٣) انظر: تفسير السمعاني ٤٠٠/١، تفسير الراغب الأصفهاني ١١١٤/٣، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٥١/٥، تفسير ٢. العمل الصالح. إن العمل الصالح من وسائل التأمين الإلهي على حياة الصغار والضعفاء التي دل عليها قوله تعالى: ﴿وَأَمَّ الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ، كَذْ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَلِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا القرآن العظيم، ابن كثير ١٩٥/٢، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٦٥. (٤) انظر: التحرير والتنوير ١٢٢/٢٢. ٣٧٢ جوب القرآن الكريمِ اليتم وَيَسْتَخْرِحَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَّ وَمَا فَعَلْنُهُ. عَنْ أَمْرِىَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَالَمْ تَسْطِعِ غَلَيْهِ صَبْرًا ﴾﴾ [الكهف: ٨٢]. فقد بين القرآن الكريم أن الله تعالى يبعث من يقوم بحقوق اليتامى إن كان آباؤهم صالحين، كما بعث الرجل الصالح في استخراج کنز الیتیمین، فهذا قدر الله في ذلك، فينبغي على من يكون صالحًا أن لا یحزن بعد أن عرف قدر الله تعالی، وقد ذکر المفسرون في معنى الكنز المذكور في الآية إليها!))(٣). أقوال هي: أحدها: صحف علم وحكم، قال ابن عباس رضي الله عنه، وسعيد بن جبير، ومجاهد والحسن: «كان لوحًا من ذهب مكتوبًا فیه: عجبًا لمن أيقن بالموت كيف يفرح! عجبًا لمن أيقن بالقدر کیف یغضب! عجبًا لمن أيقن بالرزق كيف يتعب! عجبًا لمن أیقن بالحساب کیف یغفل! عجبًا لمن أیقن بزوال الدنیا وتقلبها بأهلها کیف یطمئن إليها! لا إله إلا الله محمد رسول الله)»(١). وروی الحاکم عن ابن عباس رضي الله عنه: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُكَنْ لَّهُمَا ﴾ قال: ((ما كان ذهبا ولا فضة، كان صحفًا علمًا)) (٢). (١) انظر: لباب التأويل، الخازن ١٧٤/٣. (٢) أخرجه الحاكم في المستدرك، رقم ٣٣٩٦، ٤٠٠/٢ قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ولم يتعقبه الذهبي. وروى البيهقي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قول الله عز وجل: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْ لَّهُمَا﴾ قال: «كان لوح من ذهب مکتوب فیه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، عجبا لمن یذکر أن الموت حق كيف يفرح! وعجبا لمن يذكر أن النار حق كيف يضحك! وعجبا لمن يذكر أن القدر حق کیف یحزن! وعجبا لمن يرى الدنيا وتصرفها بأهلها حالا بعد حال کیف یطمئن وفي مجمع الزوائد عن أبي ذر رضي الله عنه رفعه قال: «الكنز الذي ذكر الله في كتابه لوح من ذهب مصمت، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم نصب! وعجبت لمن ذکر النار ثم ضحك! وعجبت لمن ذکر الموت ثم غفل! لا إله إلا الله محمد رسول الله)»(٤). وهذا قول أكثر المفسرين في تفسير الآية بدليل أنه قال: ﴿وَكَانَ أَبُوُهُمَا صَلِحًا ﴾ والرجل الصالح يكون كنزه العلم لا المال؛ إذ أن كنز المال لا يليق بالصلاح بدليل قوله تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم (٣) شعب الإيمان، البيهقي رقم ٣٨٦/١،٢٠٩. (٤) مجمع الزوائد، الهيثمي، رقم ١١١٥١، ٥٣/٧. قال الهيثمي: أخرجه البزار من طريق بشر بن المنذر عن الحارث بن عبد الله اليحصبي، ولم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات. www. modoee.com ٣٧٣ حرف الياء بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [التوبة: ٣٤](١). الثاني: أن الكنز مال مذخور من ذهب وسائل تأمين حياة اليتامى، فلا يخش الرجل وفضة، قاله عكرمة وقتادة. وقال الزجاج: المعروف في اللغة أن الكنز إذا أفرد فمعناه المال المدفون (٢). ورجح هذا القول الإمام الرازي بقوله: ((اختلفوا في هذا الكنز فقيل: إنه كان مالًا، وهذا هو الصحيح لوجهين، الأول: أن المفهوم من لفظ الكنز هو المال، والثاني: أن قوله: ﴿وَيَسْتَخْرِهَا گَنزَهُمَا ﴾ يدل على أن ذلك الكنز هو المال)»(٣). قال الإمام ابن كثير معلقًا على هذين القولين المذكورين في تفسير الكنز المذكور في الآية: «وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة، وورد به الحدیث المتقدم وإن صح لا ينافي قول عكرمة أنه كان مالًا؛ لأنهم ذكروا أنه کان لوحًا من ذهب، وفيه مال جزيل أكثر ما زادوا أنه كان مودعًا فيه علم، وهو حكم ومواعظ، والله أعلم»(٤). (١) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ١٦٢/٣، الكشف والبيان، الثعلبي ١٨٨/٦، لباب التأويل، الخازن ١٧٤/٣، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٢/ ٥٤٨، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٦٧/٥. (٢) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ١٨٨/٦، لباب التأويل، الخازن ١٧٤/٣، اللباب في علوم الكتاب ٥٤٨/١٢، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٦٧/٥. (٣) مفاتيح الغيب ٤٩٢/٢١. (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٦٨/٥. وعلى كل حال فإن صلاح الآباء من الصالح من قدر الله تعالى إذا ترك ذرية ضعافًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ يدل على أن صلاح الآباء يفيد العناية بأحوال الأبناء (٥). قال ابن عباس رضي الله عنه: ((حفظا بصلاح أبيهما، وقيل: کان بينهما وبین الأب الصالح سبعة آباء، قال محمد بن المنكدر: «إن الله سبحانه وتعالى يحفظ بصلاح العبد ولده وولد ولده وعشيرته وأهل دويرات حوله، فلا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم، وقال سعيد بن المسيب: إني لأصلي فأذكر ولدي فأزيد في صلاتي))(٦). وفي الآية دلالة على أن صلاح الآباء يفيد العناية بالأبناء، وأن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشمل برکة عبادته لهم في الدنيا والآخرة بشفاعته فيهم، ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة، لتقر عینه بهم، كما جاء في القرآن ووردت به السنة (٧). ٣. الدعاء بحفظ الذرية. وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿رَبَّنآ إِنّ (٥) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢١/ ٤٩٢، أنوار التنزيل، البيضاوي ٢٩٠/٣. (٦) انظر: لباب التأويل، الخازن ١٧٤/٣. (٧) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٣٣٦/٣، الكشاف، الزمخشري ٢/ ٧٤٢، روح المعاني، الألوسي ٣٣٦/٨، تفسير القرآن العظیم، ابن كثير ١٦٨/٥. ٣٧٤ القرآن الكريمِ اليتم أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِ بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْئِكَ اَلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِىٌ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ [إبراهيم: ٣٧]. لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا ذَكَرِنَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِ مِن لَُّنْكَ ذُرِيَّةٌ لَيِّبَةٌ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَدِّ ﴾ [آل عمران: ٣٨]. وقد بين الله تعالى أن على الإنسان أن يدعو إذا بلغ أربعين سنة بأن يصلح الله له في ذريته. قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بَوَلِدَيْهِ إِحْسَنَّاً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهَا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ، وَفِصَلُهُ. تَثُونَ شَهْرَأْ حٌَّ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلِّى أَنْعَمْتَ عَلَّ وَعَلَى وَلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَلُهُ وَأَصْلِحْ لِ فِي ذُرِّيَّقٌّ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الأحقاف: ١٥]. ١٥ والمعنى: أي اجعل الصلاح ساريًا في ذريتي راسخًا فيهم، وعبر بهافى﴾ في قوله: ﴿وَأَصْلِحْ لِى فِ ذُرِّيَّقِىَ﴾ ليفيد سريان الصلاح فيهم وكونهم كالظرف له لتمكنه فيهم، وإلا فكان الظاهر وأصلح لي ذريتي(١). (١) روح المعاني، الألوسي ١٧٦/١٣، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤ /٤٤٢، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٥٩/٧، محاسن التأويل، القاسمي ٤٤٥/٨، التفسير الوسيط، طنطاوي ١٣ / ١٩٢. وقد روى أبو داود في سننه عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم أن يقولوا في التشهد: (اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاکرین لنعمتك مثنین بها عليك قابلیها وأتممها علينا)(٢). ويدل على أن الدعاء من وسائل تأمين حياة اليتامى ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد على ولده، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم) وفي رواية: (ودعوة الوالد لولده)(٣). (٢) أخرجه أبو داود في سننه، رقم ٩٦٩، ١/ ٢٥٤، كتاب الصلاة، باب التشهد. وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري رقم ٦٣٠، ص ٢٣٥. (٣) أخرجه أبو داود في سننه، رقم ١٥٣٦، ٨٩/٢، كتاب الصلاة، باب الدعاء بظهر الغيب، وابن ماجه في سننه، رقم ٣٨٦٢، ٢/ ١٢٧٠، كتاب الدعاء، باب دعوة الوالد ودعوة المظلوم، والترمذي في سننه، رقم ١٩٠٥، ٤ /٣١٤، أبواب البر والصلة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في دعوة الوالدين. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٥٨٢/١،٣٠٣١. www. modoee.com ٣٧٥ حرف الياء ثالثًا: اليتيم والقدر والمجتمع: إن المصيبة التي حلت بالصبي الصغير هي من قدر الله تعالى الذي لا مفر منه؛ ولهذا اهتمت الشرائع السماوية باليتيم، وبحسن رعايته والمحافظة عليه وعلى حقوقه، ورغبت في إحاطته بالرعاية النفسية والاجتماعية، والتلطف به، وإشعاره بالمودة والرحمة، وجاء في القرآن الكريم أن الله تعالى أخذ الميثاق على بني إسرائيل بالإحسان إلى اليتيم: ﴿وَإِذْأَ خَذْنَا مِيثَقَ بَنِىّ إِسْرَّهِ يَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى الْقُرْبَى وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنْتُم مُّعْرِضُونَ ﴾ [البقرة: ٨٣]. وتوضح الآية أنه من جملة بنود الميثاق الإحسان بالیتیم. ومنطلق الشرائع السماوية في الاهتمام باليتيم: هو أن هؤلاء الصغار الأبرياء الذين شاءت الحكمة الإلهية أن يختطف الموت اليد الكفيلة والراعية لهم، فتعوضهم بأيد أخرى محسنة تحوطهم بكل معنى الرعاية والمحبة، فجعلت الرحمة والعناية من جملة القواعد التي يتركز عليها دين الله القويم. والشريعة الإسلامية هي الأكثر رعاية وعناية باليتيم، والأكثر حرصًا على حماية حقوقه، بل لا يوجد كتاب سماوي اهتم باليتيم وحذر من المساس بحقوقه وتوعد على إيذائه كالقرآن الكريم. والسبب في ذلك أن المجتمع الجاهلي کان مجتمعًا ظالمًا یهضم فيه حقوق الضعفاء والنساء والعجزة القاصرين؛ بسبب طبيعة المجتمع القائمة على الغزو والغصب، فقد كان الضعيف عرضة للعدوان واغتصاب الحقوق، فکیف بالیتیم الذي لا حامي له؟! وهو غرض لكل طامع وخبيث. ولأن الإنسان عندما يكون شابا فذاتيته تكون هي الموجودة، لكن كلما تقدم الإنسان في السن تقدمت ذاتية أولاده عنده، ويحرم نفسه ليعطي أولاده، وعندما يرى أن عياله ما زالوا ضعافًا، وجاءت له مقدمات الموت، فهو يحزن على مفارقة هؤلاء الضعاف، فيوضح الحق لكل عبد طريق الأمان: إنك تستطيع وأنت موجود أن تعطي للضعاف قوة، قوة مستمدة من الالتحام بمنهج الله وخاصة رعاية ما تحت يدك من يتامى، بذلك تؤمن حياة أولادك من بعدك وتموت وأنت مطمئن عليهم(١). ولأن الله يريد من خلقه أن يستقبلوا قدر الله فيمن يحبون وفي من يحتاجون إليهم برضا، فإذا كان الطفل صغيرًا یری أباه يسعى في شأنه ويقدم له كل جميل في الحياة وبعد ذلك يموت، فإن كان هذا الصغير قد رأى (١) انظر: تفسير الشعراوي ٤/ ٢٠٢١. ٣٧٦ القرآن الكريم اليتم واحدًا مات أبوه، وكفله المجتمع الإيماني يرعى أيتامك، فإن جاء الموت أو لم يأت فلا تشغل نفسك به، لكن إذا رأى الإنسان الذي یعیش في کفالة عوضته عن أب واحد بآباء إيمانيين متعددين، فإذا مات والد هذا الطفل فإنه يستقبل قدر الله وخَطْبِهِ بدون فزع. يتيمًا مضيعًا، فهو يعض على أسباب الحياة ويريد أن يأتي بالدنيا كلها لولده، ونقول لمثل هذا الأب: اعمل لابنك بأن تضع ما تريد أن تدخره له في يد الله؛ لأنَّ الذي خلق آمنُ مِنَ المخلوق (٢). فالذي يجعل الناس تستقبل الخطوب بالفزع والجزع والهلع أنهم يرون أن الطفل إذا ما مات أبوه وصار يتيمًا فإنه يضيع، ويقول الطفل لنفسه: إنَّ أبي عندما يموت سأصیر مضیعًا، لکنٍ لو أن المجتمع حمي حق الیتیم، وصار کلّ مؤمن آبا لليتيم، و کلّ مؤمنة أمًّا للیتیم، لاختلف الأمر، فإذا ما نزل قضاء الله في أبيه، فإنه يستقبل القضاء برضا وتسليم(١). ويقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَفًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواْ اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا [النساء: ٩]. ٩ إنَّ علیهم بالإحسان إلى اليتيم، فلو رأى الواحد منا يتيمًا يكرم في بيئة إيوائية إيمانية لما شغل نفسه، ولما خاف أن يموت ويترك ولدًا صغيرًا، بل يقول الإنسان لنفسه: إنَّ المجتمع فيه خير كثير، وبذلك يستقبل الإنسان قدر الله بنفس راضية، ولا يؤرق نفسه؛ لأنك إن رأيت المجتمع الإيماني قد رعى أيتام غيرك، فستكون على ثقة من أنه (١) انظر: المصدر السابق ٤ /٢٠٢١. وحقيقة التشريع الإلهي الحكيم منذ أربعة عشر قرنًا، تأتي فوق كلٌّ ما تتطلع إليه آمال الحضارات الإنسانية كلها، فاهتمام الشخص باليتامى الصغار الذين خاف عليهم من قبله من الضياع يؤدي إلى أن يأتي من يحفظ أولاده الصغار من بعده ،كذلك مما يحقق كمال التكامل الاجتماعي بأبهى معانيه، المنوه عنه في الآية الكريمة: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَّكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَفَا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواْ اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا ﴾ [النساء: ٩]. فجعل کافل الیتیم اليوم، إنما يعمل حتى يكفل أيتامه فيما بعد لو ترك ذرية ضعافًا، كما يحبون أن يعامل غيرهم أيتامهم من بعدهم(٣). وصارت قضية اليتم والضعف والفقر بهذا القدر قضية إسلامية عظيمة من حيث إنها أوسع أبواب رحمة الله تعالى وأعظم (٢) انظر: المصدر السابق ٤ /٢٠٢١. (٣) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٥٦٩/٨. www. modoee.com ٣٧٧ حرف الياء فضائل العبادة، وأرجاها ولا أعظمها من إعانة اليتيم والضعيف والأرملة والمسكين، والنبي صلى الله عليه وسلم جعل قضية اليتيم شريعة وبابًا واسعًا من أبواب العبادة في هذا الدين، من هنا نقول: النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بأن نتحمل البلاء، وأمرنا أن نشكر الله على النعم. وبهذا القدر النصر والرزق، فقد روى مصعب بن سعد، قال: رأى سعد رضي الله عنه أنَّ له فضلًا على من دونه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائکم)(١). وبهذا القدر لين للقلوب وإدراك للحاجات، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل يشكو قسوة قلبه قال: (أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك ارحم اليتيم، وامسح رأسه، وأطعمه من طعامك يلن قلبك وتدرك حاجتك)(٢). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٢٨٩٦، ٣٦/٤، كتاب الجهاد والسير، باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب. (٢) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٩٠١٨، ٥٥٨/١٤. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب رقم ٣٤١/٢،٢٥٤٤. يتم النبي صلى الله عليه وسلم لقد شاء الله عز وجل أن ينشأ الرسول صلى الله عليه وسلم يتيمًا بعيدًا عن تربية أبيه وأمه وجده؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فقد أبویه، وهو صغير؛ لأن أباه توفي وهو حمل، وقيل: بعد ولادته بشهرین، وتوفیت أمه، وهو ابن ست سنين، وكفله جده عبد المطلب، ثم مات جده، وهو ابن ثمان سنین، ثم کفله عمه أبو طالب، وقضى معظم فترة طفولته الأولى ببادية بني سعد بعيداً عن أسرته كلها(٣). ولقد مَنَّ الله تعالى على نبيه بنعمة الإيواء من اليتم، قال سبحانه: حَدْكَ يَتِمَا فَشَاوَى ( ﴾ [الضحى: ٦]. أي: يتيمًا ليس له أبٌّ يرحمه، ولا أمّ ترأمه، أي: تحبه وتحنو وتعطف عليه، فجعل لك مأوی، تأوي إليه عند عمك أبي طالب، فكفلك(٤). وبعبارة أخرى: ألم يجدك يتيمًا صغيرًا فقيرًا ضعيفًا حين مات أبواك، ولم يخلفالك مالًا، ولا مأوی، فجعل لك ماوی تأوي إليه، ومنزلًا تنزله، وضمك إلى عمك أبي طالب (٣) انظر: جوامع السيرة، ابن حزم ص ٦، الروض الأنف، السهيلي ١١٨/٢. (٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٠/ ٩٦، فتح القدير، الشوكاني ٥٥٨/٥. ٣٧٨ جوبيه القرآن الكريم اليتم حتى أحسن تربيتك، وكفاك المؤونة(١)، فهو لك ماوی لتربيتك، وقَيِّمًا یحنو عليك ويكفلك، ثم جعلك مأوى الأيتام بعد أن كنت يتيمًا، وكفيل الأنام بعد أن كنت مکفولًا، تذکیرًا بنعمه علیه(٢). وعن مجاهد في معنى الآية: ألم يجدك واحدا في شرفك لا نظير لك، فآواك الله بأصحاب يحفظونك ويحوطونك، فجعل يتيمًا من قولهم: درة يتيمة، وهو بعيد جدًّا(٣). قالت الدكتورة عائشة بنت الشاطىء: ((وأمام هذا التتبع، لا نملك إلا أن نستبعد تفسير اليتم بغير ذاك الذي في القرآن، وقد ولد محمد يتيمًا، ثم تضاعف يتمه بموت أمه وجده، لكنه تعالى نجاه من آثار اليتم التي هي بشواهد من آيات الكتاب الكريم: الدع والقهر، والانكسار والجور، مما كان مظنة أن يكسر نفسه، فذلك هو قوله تعالى: ﴿أَمْ يَجِدْكَ يَتِيِمًا فَشَاوَى ﴾ [الضحى: ٦]. ترشيحا بهذا الإيواء الإلهي - غير المقيد (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٤٨٧، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٣٩/٥، الكشف والبيان، الثعلبي ٢٢٥/١٠. (٢) النكت والعيون الماوردي ٢٩٣/٦. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٤٨٧، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٣٩/٥، الكشف والبيان، الثعلبي ٢٢٥/١٠، المفردات، الراغب ص ٨٨٩، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٣٨٠/٥. بمتعلق - إلى ما بعده من نعمة الهداية بعد حيرة وضلال، وتهيئة لحمل الرسالة الکبری»(٤). الحكمة من يتم النبي صلى الله عليه وسلم: إن في یتمه صلى الله عليه وسلم حكمًا كبيرة وكثيرة، منها على سبيل المثال: ١. من أبرز الحكم أن لا يكون للمبطلين سبيل إلى إدخال الريبة في قلوب اليتامى، ولعل في يتمه صلى الله عليه وسلم أسوة للأيتام في كل زمان ومکان؛ ليعرفوا أن الیتم لیس نقمة، بل تكريمًا لليتامى فقد شاء الله تعالى أن یکون نبيه ومصطفاه محمد بن عبد الله صلی الله عليه وسلم یتیمًا. ٢. تقوية عزيمته على فضيلة التوكل على مولاه سبحانه، فإذا حزبه أمر لا یقول: أبي ولا أمي ولكن يقول: ربي الله تعالی. ٣. أن يكرم اليتامى في شخصه، فإن الطفل من أطفال المسلمين إذا نشأ يتيمًا ورأى الأطفال ينعمون بآبائهم، فإن سلوته في أن الرسول صلى الله عليه وسلم نشأ یتیمًا، ومن هنا یهون علیه یتمه ما دام فيه شبه بالنبي صلى الله عليه وسلم (٥). (٤) التفسير البياني للقرآن الكريم ١/ ٤٣. (٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٠١/٣٠، أضواء البيان، الشنقيطي ٥٥٩/٨، التفسير www. modoee.com ٣٧٩ حرف الياء ٤. حتی لا یکون لأحد كائن من كان فضل عليه فيما هو فيه من نعمة؛ لأن فضله مستمد من الله تعالى مباشرة، وليس من إنسان؛ ولذلك قيل لمحمد بن جعفر الصادق: لم أوتم النبي صلى الله عليه وسلم من أبويه؟ فقال: لئلا يكون لمخلوق علیه حق. ٥. الوصية بالیتامی؛ لأنه نشأ یتیمًا وقاسی آلام اليتم، والحكمة في یتم النبي صلى الله علیه وسلم أن یعرف قدر الأیتام، فيقوم بأمرهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله علیه وسلم: (کافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة) وأشار مالك بالسبابة والوسطى (١). والناظر في ابتلاءاته صلی الله عليه وسلم بالیتم بفقد أبویه، يجد أن فيه تعلیمًا وتوجیھًا لأولئك الأيتام من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة؛ بأن يحتمل أولئك ابتلاء اليتم ويصبروا عليه، وأن يتذكروا أنهم لیسوا هم الأیتام فقط، فقد كان خير الناس وسيد ولد آدم محمد صلی الله عليه وسلم یتیمًا. وفي تذكر هذا والنظر فيه ما يخفف القرآني للقرآن، الخطيب ١٦٠٨/١٦. (١) أخرجه مسلم في صحيحه، رقم ٢٩٨٣، ٢٢٨٧/٤، كتاب الزهد والرقائق، باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم. الآلام الكثيرة التي يجدها اليتيم في حياته، وما تجده أم اليتامى التي تقوم عليهم في حياتها قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِمًا فَشَاوَى [الضحى: ٦]. إن يتم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا اليتم الذي كان مركبًا ومتعددًا ومتواصلًا، وکان مقصودًا من رب العالمين، لأنه حلقة مهمة في سبیل إعداد النبي صلى الله عليه وسلم للرسالة، وكل الأحداث والحوادث التي مر بها رسول الله صلى الله علیه وسلم، أو التي مرت به منذ ولادته إلى بعثته كانت جميعًا تصب في خانة إعداده لذلك النبأ العظيم. هذا اليتم بعد أن رأى ألمه صلى الله علیه وسلم أصبحت له باليتم قاعدة أساسية فطرية جبلية في سجاياه، من حيث تعامله مع الضعفاء والمساكين والأيتام والأرامل والمذنبين وأهل الخطايا، وما من نبي عليه السلام تعامل مع الخطائين والضعفاء كما تعامل معهم صلى الله عليه وسلم بشهادة الله عز وجل في قوله: ﴿فَِّمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمَّ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُواْ مِنْ حَوْلِكٌ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمِّيِّ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ اَلْمُتَوَكِّلِينَ ! (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. ٣٨٠ مُؤْشَوَالَرُ الْبَسِير القرآن الكريمِ اليتيم الإحسان إلى اليتيم في هذا العنوان سيتم الحديث عن الحث على الإحسان إلى اليتامى، وعن مخالطة اليتامى، والتحذير من الإساءة إليهم وذلك فيما يلي: أولًا: الحث على الإحسان إلى اليتامى: إن الله تعالى جعل الإحسان إلى اليتيم من بنود المواثيق والعهود التي أخذها الله تعالى على الأمم والشعوب، وألزمهم بها، وحرم عليهم نقضها، فقال في بني إسرائيل: ﴿وَإِذْأَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنكُمْ وَأَنْتُم مُعْرِضُونَ ﴾ [البقرة: ٨٣]. والآية تشير إلى أن الإحسان حق لليتامى، وليس تفضلا من الناس لأمر الله تعالى بذلك، والإحسان هو فعل ما ينبغي أن يفعل من الخير، والإحسان أعم من الإنعام، والإحسان فوق العدل وذاك أن العدل أن يعطي ما عليه ويأخذ ماله، أما الإحسان فإنه يعطي أكثر مما عليه، ويأخذ أقل مما له. فتحري العدل لليتيم واجب، وتحري الإحسان ثواب وتطوع، ولكن في هذه الآية الإحسان إلى اليتيم واجب كوجوب العدل معه كما قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُومُواْ لِلْيَتَّمَى بِالْقِسْطِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ، عَلِيمًا ﴾ [النساء: ١٢٧]. والقسط أن يعطي كل ذي حق منهم حقه، ذكرًا كان أو أنثى، الصغير منهم بمنزلة الکبیر، قال ابن عباس رضي الله عنه: یرید بالعدل في مهورهن وفي مواريثهن (١). قال الشنقيطي في قوله تعالى: ﴿وآن تَقُومُواْ لِلْيَتَى بِالْقِسْطُّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اُللَّهَ كَانَ بِهِ، عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٢٧]. ((القسط: العدل، ولم يبين هنا هذا القسط الذي أمر به لليتامى، ولكنه أشار له في مواضع أخر كقوله: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَئِبِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]. وقوله: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَُّمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. ﴿فَمَّا الْغِيَ فَلَا نَقْهَرْ ﴾ وقوله: [الضحى: ٩]. وقوله: ﴿وَءَاتَ الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى﴾ [البقرة: ١٧٧]. ونحو ذلك من الآيات، فكل ذلك فيه القيام بالقسط لليتامى)) » (٢) والإحسان إلى الیتامی یعم كل إحسان (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٩/ ٢٦٥، التفسير الوسيط، الواحدي ٢/ ١٢٤. (٢) أضواء البيان ٣١٦/١. www. modoee.com ٣٨١ حرف الياء قولي وفعلي مما هو إحسان إليهم، وفيه والاحتياط لهم. النهي عن الإساءة إليهم، وللإحسان ضدان: الإساءة، وهي أعظم جرمًا، وترك الإحسان بدون إساءة، وهذا محرم، لكن لا یجب أن يلحق بالأول، وكذا يقال في صلة الأقارب واليتامى والمساكين(١). والإحسان إلي الیتیم یکون کما یحسن الرجل لوالديه ولذي القربى منه، فقد أمر الله تعالى بذلك وقرنه مع الإحسان للوالدين ولذي القربى. قال تعالى: ﴿﴿ وَأَعْبُدُواْ اللّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَلَنَا وَبِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَنَمَى وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنَِّ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًاً فَخُورًا ﴾ [النساء: ٣٦]. وأمر تعالی کذلك بالإحسان إليهم كما يحسن الرجل لأخيه في حال المخالطة. ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَلِّ قال تعالى: قُلْ إِصْلَحُ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحَّ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمَّ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. وأمر سبحانه تعالى أن ينزلهم الرجل منزلة أولاده في الخشية عليهم من الضياع (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥٨٣/١، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٧. قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَّكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَفًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهُ وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا ﴾ [النساء: ٩](٢). فالإحسان إلى اليتيم بحسن تربيته وحفظ حقوقه من الضياع، والسر في هذا أن اليتيم لا يجد في الغالب من تبعثه العاطفة على تربيته والقيام بشئونه وحفظ أمواله، والأم وإن وجدت تكون في الغالب عاجزة عن تنشئته وتربيته التربية المثلى، إلى أن الأيتام أعضاء في جسم الأمة، فإذا فسددت أخلاقهم وساءت أحوالهم، تسرب الفساد إلى الأمة جمعاء؛ إذ يصبحون قدوة سيئة بين نشئها، فيدب فيها الفساد ويتطرق إليها الانحلال، وتأخذ في الفناء(٣). كما ربط الله تعالى بين الإحسان إلى اليتيم وبين الأمر بتوحيده. ( وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ قال تعالى: بِ شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْبَ وَاُلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصََّاحِبِ بِالْجَتْبِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٦﴾ [النساء: ٣٦]. وفي هذا دليل على أن عقيدة الأمة لا تكون كاملة وتحت عيونهم يتيم قد أهملوه (٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٨/ ٥٦٧. (٣) انظر: نظم الدرر، البقاعي ١٥٧/١، محاسن التأويل، القاسمي ٣٤٢/١. ٣٨٢ جَوَبُورُ القرآن الكريمِ اليتيم وحرموه العطف والحنان، وهذا التصرف لا يكون الإ حين نقص العقيدة وضعف الإيمان، وذلك يؤدي إلى نشر الأنانية في الأمة، ويجعل كل فرد يهتم بمصالحه الشخصية دون النظر إلى حقوق الآخرين، فلا يوجد دين عند أمة أساءت معاملة اليتيم وأخذت حقوقه وقهرت قلبه وفؤاده (١). کما أمر الله بالإحسان إلى اليتيم في قربان ماله، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْمَالَ اَلْيَنِيِمِ إِلَّا بِالَِّى هِىَ أَحْسَنُ حَّى يَبْلُغَ أَشُدٌَّ وَأَوْفُواْ اُلْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاْ وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبٌ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْ فُواْ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١٥٢]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَّنِيمِ إِلَّا يَِّ هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ اْلْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: ٣٤](٢). قال عن ابن عباس رضي الله عنه: «یرید: إن كنت وصيًّا فأصلحت ماله، وقمت لله في ضيعته أكلت بالمعروف إن احتجت إلیه، وإن كنت غنيًّا عنه فَعُفَّ عن أكله. وقال الزجاج التي هي أحسن: هو حفظ ماله عليه، (١) آداب معاملة اليتيم، محمد مجاهد طبل، وإبراهيم بن محمد ص ١٤ . (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥٨٣/١، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٦١/٢، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٧٨ . وتثميره بما يوجد السبيل إليه))(٣). وقال السمعاني في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَقِبِ إِلَّا بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ((معناه: إلا بالعفة التي هي أحسن، واختلفوا في معناه على أقاويل: أحدها: أن القربان بالأحسن هو حفظ الأصول، وتثمير الفروع، والآخر: أن القربان بالأحسن هو التجارة في ماله، وهذا قريب من الأول، والقول الثالث: أن القربان بالأحسن هو أن لا يخالط مال اليتيم بمال نفسه» (٤). ومن أفضل الإحسان إلى اليتيم إطعامه والإنفاق علیه. قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ اَلَّعَامَ عَلَى حُبِّهِه مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴾ [الإنسان: ٨]. فقد بين الله تعالى أن من صفات الأبرار إطعام اليتيم، كما تشير الآية إلى أن إطعام اليتيم من واجب المواساة، قال الإمام الرازي: ((إنه تعالى ذكر أصناف من تجب مواساتهم، وهم ثلاثة أحدهم: المسكين وهو العاجز عن الاكتساب بنفسه، والثاني: الیتیم وهو الذي مات كاسبه فیبقی عاجزًا عن الكسب لصغره مع أنه مات كسبه، والثالث: الأسير وهو المأخوذ من قومه المملوكة رقبته الذي لا يملك لنفسه نصرًا ولا حيلة، وهؤلاء الذين ذكرهم الله تعالى هاهنا هم (٣) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢٣٨/٣، التفسير الوسيط، الواحدي ٢/ ٣٣٧. (٤) تفسير السمعاني ٢٣٩/٣. www. modoee.com ٣٨٣ حرف الياء الذين ذكرهم في قوله: ((﴿فَلَ أَقْنَحَمَ اٌلْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَئِكَ مَا الْعَقَبَةُ ، فَقُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَدٌ فِ يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِمَاذَا مَقْرَبَةٍ ) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ﴾ [البلد: ١١- ١٦](١). كما أن الإنفاق عليهم من خير ما ينفقه المنفق، قال تعالى: ﴿ يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونٌّ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَ لِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْتَ وَالْسَلِكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمُ (١)﴾ [البقرة: ٢١٥](٢). قال الواحدي: ((إن الإنفاق في هذه الآية لا يراد به الصدقة عند الموت، إنما يراد به النفع في الدنيا، والإيثار بما يتقرب به الإنسان إلی الله تعالى، فأخبر الله تعالی أن من قصد ذلك ينبغي له أن يبر بذلك المذكورين في هذه الآية))(٣). ﴿﴿ لَيْسَ وأن ذلك من البر قال تعالى: أَلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ اَلْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِلَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّيْئِنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى ◌ُبِهِ، ذَوِى الْقُرْفَ وَالْيَتَعَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِلِينَ وَفِ الْرِقَّابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَّى الزَّكَوَةَ وَاَلْمُوقُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُوّاً وَالصَّبِينَ فِى الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ أَلْبَأْسُِ (١) انظر: مفاتيح الغيب ٧٤٧/٣٠. (٢) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤١٦/٢، أضواء البيان ٨/ ٥٦٧. (٣) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٣١٨/١. أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ (١﴾ [البقرة: ١٧٧]. والمراد بالبر في اليتامى هو معاملتهم بالإحسان، وبفعل الواجبات والمندوبات وجميع الطاعات الظاهرة والباطنة، وكل ما يتقرب به إلى الله من الإيمان به وصالح الأعمال؛ لأن الیتامی لا کاسب لھم، ولیس لهم قوة يستغنون بها، وهذا من رحمته تعالى بالعباد، الدالة على أنه تعالى أرحم بهم من الوالد بولده، فالله قد أوصى العباد، وفرض عليهم في أموالهم الإحسان إلى من فقد آباؤهم؛ ليصيروا كمن لم يفقد والديه؛ ولأن الجزاء من جنس العمل فمن رحم يتيم غیره، رحم يتيمه (٤). ثانيًا: مخالطة اليتامى: بين الله تعالى حكم مخالطة اليتيم، بقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ اَلْيَتَنِّيّ قُلْ إِصْلَاحٌ ◌َُّمْ خَيْرٌّ وَإِن تُّخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَتُكُمْ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحَّ وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. وكان أهل الجاهلية قد اعتادوا الانتفاع بأموال اليتامى، وربما تزوجوا باليتيمة طمعًا في مالها، أو يزوجها من ابن له؛ لئلا يخرج مالها من يده، ثم إن الله تعالى أنزل قوله: (٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧/٤، نظم الدرر، البقاعي ٢ /٥٣، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٣. ٣٨٤ جوبيه القرآن الكريم