النص المفهرس

صفحات 21-34

اليسر
على من أراد الصلاة أن يتطهر لها قبل الله له أن يمسح على الخفين والجوربين
أربعًا وعشرين ساعة (يوم وليلة) ولكن إذا
کان مسافرًا فإنه رخّص له أن يمسح اثنين
وسبعين ساعة (ثلاثة أيام بلياليها).
الدخول فيها، ومع ذلك فإنَّ من يُسْرِ الإسلام
أنه يسهل ويخفف أو يعفي من هذه الطهارة،
فَشَرَعَ الله تعالی التیمم، وهو العدول عن
الماء إلى ضربة أو ضربتين على تراب أو
ما صعد على وجه الأرض، وذلك في عدة
حالات، منها:
حالة العجز عن استعمال الماء لمرض
وغيره، ومنها: حالة فقدان الماء. وقد رخّصَ
الله سبحانه وتعالى لمن لم يجد الماء أن
يتيمم ولو لم يجد الماء عشرين سنة، فإذا
وجد الماء فإنه يلزم أن يتوضأ بالماء.
قال الله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ
لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجْ وَلَكِن يُرِيدُ
لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦].
وقد سبق أنَّ نفيَ الحرج من مرادفات
اليسر، وهنا في آية التيمم ينفي الله تعالى
أن یکون جعل في الدین أدنی حرج، ومن
اليسر في الطهارة أنه أباح المسح على
الخفين، والجوارب، وذلك بأن يتوضأ
للیدین و الوجه، ويمسح على الرأس، فإذا
وصل إلى الرجلين فإنه يمسح عليهما إذا
كان لابسًا خفين أو جوربين، وذلك للمشقة
التي يجدها لابس الخفين والجوربين،
وخفف الله سبحانه وتعالى على الناس
كلَّ بحسبه، فالذي يقيم في بلده رخّصَ
أخرج البخاري ومسلم من حديث
المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه قال:
کنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر
فأهويت لأنزع خفيه فقال: (دعهما فإني
أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما)(١).
٢. اليسر في الصلاة.
قال الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ
الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّتْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ
اُلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].
وقال جل وعلا: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفٍ
النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَّيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ
السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤].
فهذان آیتان ذکر الله تعالی أنه فرض علی
الناس الصلاة فقط في طرفي النهار وزلفًا
من الليل، يعني: وباقي الأوقات لمعاشهم
وراحتهم.
قال الشنقيطي رحمه الله: ((فأشار
بقوله: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وهو زوالها عن
كبد السماء على التحقيق إلى صلاة الظهر
والعصر وأشار بقوله: ﴿إِلَى غَسَقِ الَّْلِ﴾
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، ١/ ٦٢،
رقم ٢٠٦، كتاب الوضوء، باب إذا أدخل
رجليه وهما طاهرتان، ومسلم في صحيحه،
٢٢٨/١، رقم ٢٧٤، كتاب الطهارة.
www. modoee.com
٤٢٩

حرف الياء
وهو ظلامه إلى صلاة المغرب والعشاء،
وأشار بقوله: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ﴾ إلى صلاة
الصبح، وعبر عنها بالقرآن بمعنى القراءة؛
لأنها ركن فيها، من التعبير عن الشيء باسم
بعضه»(١).
وتظهر سماحة الإسلام ويسره في
الصلاة من عدة أوجه، منها:
أصل تشريعها.
حيث شُرِعَتْ خمسون صلاة في اليوم
والليلة، ثم خففت حتى صارت خمسًا،
ولكن أداؤها خمس وأجرها خمسون.
ففي حديث أنس بن مالك رضي الله
عنه أنه قال: (مررت [ليلة المعراج ]على
موسى فقال: ما فرض الله لك على أمتك؟
قلت: فرض خمسين صلاة، قال: فارجع
إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعت
فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى قلت:
وضع شطرها، فقال: راجع ربك فإن أمتك
لا تطیق، فراجعت، فوضع شطرها، فرجعت
إلیه فقال: ارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق
ذلك، فراجعته فقال: هي خمس، [يعني في
الأداء]. وهي خمسون [يعني في الأجر]لا
يبدل القول لديَّ(٢).
(١) أضواء البيان ١/ ٢٨٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، ٩٨/١، رقم
٣٤٩، كتاب الصلاة، باب كيف فرضت
الصلاة في الإسراء، ومسلم في صحيحه،
١٤/١، رقم ١٦٣، كتاب الإيمان.
* مشروعية الجمع والقصر فيها.
وذلك أثناء السفر أو المطر أو المرض،
مراعاة للظروف التي يمر بها الإنسان في
هذه الحالات من قلة في الماء أو البرد أو
خوف من الطريق أو زيادة في المرض،
لذلك جعل الإسلام فيه الصلاة بشكل آخر
يتناسب مع هذه الظروف، فأجاز له الجمع
والقصر، حيث قصرت الصلوات الرباعية
إلی ركعتين فقط.
عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى
عنه قال: (سافر رسول الله صلى الله عليه
وسلم من مكة والمدينة لا يخاف إلا الله
يقصر الصلاة)(٣).
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه
قال: (أقام رسول الله صلی الله عليه وسلم
بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة) (٤).
في حال الخوف.
فإنّ وضع الصلاة و کیفیتها يتغير في حالة
الخوف في الحرب أو هجوم سبعٍ أو سيل
أو نحوه، ويسهل أمرها وتقصر، لما في ذلك
من مصلحة على المسلمين وحماية لهم من
عدوهم الذين قد يغدرون بهم أثناء الصلاة،
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٥٥/١، رقم
٣٣٣٤.
(٤) أخرجه أحمد فى مسنده، ٢٩٥/٣، رقم
١٤١٧٢، وأبو داود في سننه، ١١/٢، رقم
١٢٣٥.
وصححه الألباني في الإرواء، ٢٣/٣، رقم
٥٧٤.
٤٣٠
جوسيس
القرآن الكريم

اليسر
وتسمى هذه الصلاة بصلاة الخوف، قال
تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ
أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ
١٠١
كَفَرُواْ إِنَّ الْكَفِرِينَ كَانُوْ لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا
[النساء: ١٠١]. ثم ذكرت في الآية الآتية كيفية
أداء هذه الصلاة على دفعتين (١).
· إمكانية أدائها على كلِّ حال في كلِّ
مكان وزمان بما يتناسب مع وضع
المصلي.
إنَّ من يسر الإسلام أنه شرع للمصلي أنْ
يصلي على أي بقعة طاهرة من الأرض، فقال
عليه الصلاة والسلام: (وجعلت لي الأرض
مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته
الصلاة فليصل)(٢).
ويمكنه أن يصلي جالسًا أو مستلقيًا على
ظهره أو جنبه، فإن استطاع أن يرفع بیدیه
وإلا يكفي أن يشير ويومئ برأسه، بل إذا لم
يستطع الإيماء، فإنه يومئ بعينيه. قال عليه
الصلاة والسلام: (صلِّ قائمًا فإن لم تستطع
فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب)، (٣)
(١) انظر: اليسر والسماحة، فالح ص ٢٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، ١/ ٩٥، رقم
٤٣٨، كتاب الصلاة، باب قول النبي صلى
الله عليه وسلم: (جعلت لي الأرض مسجدًا
وطهورًا)، ومسلم في صحيحه، ٣٧٠/١،
رقم ٥٢١، كتاب المساجد ومواضع الصلاة.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، ٢ / ٦٠، رقم
١١١٧، أبواب تقصير الصلاة، باب إذا لم
يطق قاعدا صلى على جنب.
فالقيام في الصلاة والقعود فيها ركنان من
أركان الصلاة أي من الأصول والواجبات،
ولكن إذا لم تسمح ظروف المصلي لمرض
أو نحوه من أنواع العجز، فإن الله تعالى
خفف عنه بأن يصلي على الحال التي تناسبه.
٤ تخفيف الصلاة وعدم الإطالة فيها.
لأن صلاة الجماعة تجمع بين الصغير
والكبير والمريض، وذي الحاجة، فكان
الرسول عليه الصلاة والسلام يحذر أصحابه
من التطويل في الصلاة، وقد قال عليه الصلاة
والسلام: (إذا أمَّ أحدكم الناس فليخفف؛
فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف
والمريض، فإذا صلى وحده فليصل كيف
شاء)(٤)، وفي حديث أبي هريرة رضي الله
عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إني
لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها فأسمع
بكاء الصبي فأنجوز في صلاتي، كراهية أن
أشق على أمه)(٥).
إسقاط الصلاة على الحائض والنفساء
حال نفاسهما، دون أن تقضي بعد
الطهر.
وهذا يسر ولطف على المرأة، حيث
تعاني في فترة الحيض والنفاس آلامًا ودماء،
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، ٣٤١/١، رقم
٤٦٧، كتاب الصلاة.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، ١٨١/١، رقم
٧٠٧، كتاب الصلاة، باب من أخف الصلاة
عند بكاء الصبي.
www. modoee.com
٤٣١

حرف الياء
يصعب معها أداء الصلاة، وقد تطول هذه
المدة فيشق القضاء، فجاءت الرحمة الربانية
على المرأة بهذا التيسير، ولم يطلب منها
قضاء تلك الصلوات الفائتة عنها بعد ذلك.
٤ مشروعية سجود السهو لجبر الخلل
الذي يحصل في الصلاة، ولم تطلب
إعادتها.
كلّ هذا اليسر وهذه السماحة جاءت
في الركن الثاني من أركان الإسلام بعد
الشهادتين وهي الصلاة التي هي أعظم
الأعمال العملية، وفي هذا شاهد کبیر ودلیل
ناصع على يسر هذا الدين وسماحته في
العبادات(١). والله تعالى أعلم.
٣. اليسر في الزكاة.
إنَّ الله سبحانه وتعالى لما طلب من
الأغنياء جزءًا يسيرًا من أموالهم يعطونه
للفقراء لم یکن ذلك على وجه یضر بالأغنياء
ولا لتبديد أموالهم، ولا بالطريقة التي يفعلها
أهل الضرائب، وإنما كان ذلك بطريقة سهلة
وميسرة ومريحة للغني والفقير معًا.
﴿َّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ
كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَائِلَ فِى كُلٍ سُنْبُلَةِ
مِّأتَةُ حَبَّةُ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعُ
عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١].
وقال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِى يُعْرِضُ اَللَّهَ قَّنًا
حَسَنًا فَيُضَّهِفَهُ لَهُ، وَلَّهُوَأَجْرٌّ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١].
(١) انظر: اليسر والسماحة، فالح ص ٣٠.
قال ابن سعدي: ((وتأمل هذا الحثَّ
اللطيف على النفقة، وأن المنفق قد أقرض
الله المليء الكريم، ووعده المضاعفة
الكثيرة، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ
أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ
سَنَائِلَ فِ كُلِّ سُتْبُلَةٍ مِّأْئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَعِفُ لِمَن
يَشَآءُ وَاللَّهُ وَسِئُ عَلِيمٌ﴾)).
ولما كان المانع الأکبر من الإنفاق خوف
الإملاق، أخبر تعالى أنَّ الغنى والفقر بيد
الله، وأنه يقبض الرزق على من يشاء،
ويبسطه على من يشاء، فلا يتأخر من يريد
الإنفاق خوف الفقر، ولا يظن أنه ضائع، بل
مرجع العباد كلهم إلى الله، فيجد المنفقون
والعاملون أجرهم عنده مدخرًا، أحوج ما
یکونون إلیه، ویکون له من الوقع العظیم ما
لا یمکن التعبیر عنه(٢).
ولا شكَّ أنَّ تضعيف المال والأجر
للمتصدق أنه من تيسير الله تعالى له،
وكذلك تطهيره وتنميته كما سبق، كما في
قول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً
تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِِّهِم بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ
سَكَنُ لَُّمْ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣].
﴿فَأَمَّاً
وقد سبق ذكر قول الله تعالى:
مَنْ أَعْطَى وَأَنَّقَى ٥ وَصَدَّقَ بِالْحُْفَ
أفسنيسره.
٦
لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٧].
قال ابن سعدي رحمه الله: أي: نسهل
(٢) تيسير الكريم الرحمن ص ٩٥٢.
٤٣٢
جَوَسُولَة النفسية
القرآن الكريمِ

اليسر
عليه أمره، ونجعله ميسرًا له كلَّ خير، ميسرًا ثالثًا: أنه لم يجعل الله تعالى دفع الزكاة
له ترك كلِّ شرِّ، لأنه أتى بأسباب التيسير، إلا مرة واحدة في السنة، وذلك بعد أن يحول
عليه الحول.
فيسر الله له ذلك.
﴿وَأَمَّا مَنْ بَحِلَ﴾ بما أمر به، فترك الإنفاق
الواجب والمستحبَّ، ولم تسمح نفسه
بأداء ما وجب لله، ﴿وَأَسْتَغْفَى﴾ عن الله،
فترك عبوديته جانبًا، ولم ير نفسه مفتقرة
غاية الافتقار إلى ربها، الذي لا نجاة لها ولا
فوز ولا فلاح، إلا بأن يكون هو محبوبها
١)
ومعبودها، الذي تقصده وتتوجه إليه
ومن أبرز مواضيع تيسير الزكاة:
أولًا: أنها لم تأت على جميع الممتلكات
والعقارات والأموال، وإنما اقتصرت
على بعض الأصناف مثل: بهيمة الأنعام،
والأثمان، والزروع، وعروض التجارة.
ثانيًا: أنه يشترط في الأصناف التي تجب
فيها الزكاة أن تبلغ النصاب، وهي في الفضة
مائتي درهم، وفي الذهب عشرين مثقالا،
وسائمة الإبل عن خمس، و البقر عن ثلاثین،
والغنم عن أربعين، والحبوب والزروع
والثمار عن خمسة أوسق.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(لیس فیما دون خمس ذود صدقة من الإبل،
ولیس فیما دون خمس أواقٍ صدقة، ولیس
فيما دون خمسة أوسق صدقة)(٢).
(١) المصدر السابق ص ٩٢٦.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، ١٤٩/١،
رقم ١٤٤٧، كتاب الزكاة، باب زكاة الورق،
رابعًا: أنَّ مقدار المال الواجب دفعه
للزكاة قليل جدًّا بالنسبة للمال الذي يوجب
فیہ الزکاة، بحیث لا يؤثر فیہ کثیرًا، ولا يتأثر
بذلك صاحبه.والله أعلم.
٤. يسر الصيام.
قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ
أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَتٍ
مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ
فَلْيَصُمّْةٌ وَمَن كَانَ مَرِيضَّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ
فَعِدَّةٌ مِّنْ أَنَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ
وَلَا يُرِدُ بِكُمُ الْمُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ
وَلِتُكَبِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَاهَدَنَكُمْ وَلَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ ﴾[البقرة: ١٨٥].
قال أبو جعفر الطبري رحمه الله تعالى:
يعني تعالى ذكره بذلك: يريد الله بكم، أيها
المؤمنون - بترخيصه لكم في حال مرضكم
وسفركم في الإفطار، وقضاء عدة أيام أخر
من الأيام التي أفطرتموها بعد إقامتكم وبعد
برئكم من مرضكم - التخفيف عليكم،
والتسهيل عليكم، لعلمه بمشقة ذلك علیکم
في هذه الأحوال ولا یرید بکم العسر یقول:
ولا يريد بكم الشدة والمشقة عليكم،
ومسلم في صحيحه، ٢/ ٦٧٤، رقم ٩٧٩،
كتاب الزكاة.
www. modoee.com
٤٣٣

حرف الياء
فیکلفکم صوم الشهر في هذه الأحوال، مع
علمه شدة ذلك علیکم، وثقل حمله علیکم
لو حملكم صومه(١).
إِنَّ الله سبحانه وتعالى أراد من تشريعاته
التخفيف على للناس، وعدم إحراجهم، وأنه
سبحانه وتعالى لم يشرع لهم إلا ما ينفعهم
في الدنيا أو في الآخرة، وغالبًا ما يكون النفع
فيهما، فكان مما شرعه الله تعالى لعباده
فريضة الصوم، وهو الإمساك عن الأكل
والشرب، وشهوة الفرج من طلوع الفجر
إلى غروب الشمس مدة شهر كامل ثلاثين
يومًا، أو تسعة وعشرين يومًا.
وذلك في كلِّ سنة في شهر رمضان،
وهذه الفريضة الربانية التي طلبها الله من
العباد ظهرت فيها سماحة الإسلام جلية في
أحوال عدة، ومن ذلك:
الصغیر: فإن الله تعالی لم یوجب على
الصغير الذي لم يبلغ أي شيء من
العبادات، ومن ذلك فريضة الصيام،
فإنه أسقط الصيام عن المريض حتى
يبلغ.
المسافر والمريض: رخص الله سبحانه
وتعالى للمسافر والمريض أن يفطرا
في نهار رمضان، ثم يقضيا ذلك اليوم
إذا رجعا إلى بلديهما واستقر حالهما،
وذلك مراعاة لذلك المسافر والمريض
وتخفيفا عليهما. وقد سبق في الآية
قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًّا أَوْ
عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾
الحائض والنفساء: إن الله سبحانه
وتعالى لما علم ضعف هاتين المرأتين
أسقط عنهما الصوم حال الحيض
وحال النفاس، وتظهر سماحة الإسلام
في مراعاة حال هاتين المرأتين حين
أظهر الطبُّ الحديث أنَّ المرأة حال
الحيض تمر بحالة ضعف شديدة
جسدية ونفسية، كما أنَّ حال النفساء
لا يخفى على أحد أضف إلى مراعاة
صغيرها الذي يحتاج إليها ولا تستطيع
كفايته لو كانت صائمة. فالمشروع في
حقهما أنهن يفطرن ويقضين من أيام
أخر.
الحامل والمرضع: فإنَّ الله تعالى
أسقط عنهنَّ الصوم إذا خافتا على
نفسيهما وعلى ولديهما أبيح لهما الفطر
وعليهما القضاء. ويختلف الحكم هنا
بأنهما إذا خافتا على ولديهما القضاء،
والإطعام عن كلِّ يوم مسكينًا.
* العاجز عن الصوم: لكبر أو مرض لا
یرجی برؤه، فإن الله تعالی رخص لهما
أن یفطرا ويطعما عن كل يوم مسكينا،
ولا یقضیان.
ويلاحظ أن الصيام المسقط عن
(١) جامع البيان ٣/ ٤٧٥.
جوسين
القرآن الكريمِ
٤٣٤

اليسر
الحائض والنفساء، والمريض يقضي حال أَمِنْتُمْ فَنَ تَمَنَّعَ بِلْعُمْرَةِ إِلَى الْحَّ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ اْهَدْيِّ
فَ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَثَةٍ أَيَّامٍ فِي ◌َلْتَجِ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ
تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ، حَاضِرِى
اَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
اٌلْعِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
زوال العذر بخلاف الصلاة فإنها لا تقضى
بالنسبة للحائض والنفساء، وذلك رفعًا
للحرج، فإن الصلاة تکرر خمس مرات في
اليوم، فالحائض إذا اجتمع لها حوالي عشرة
أيام تزيد أو تقل، فإنه يشق عليها القضاء،
والنفساء یشق علیھا أکثر بخلاف الصيام،
فإنه بالنسبة للحائض يتراوح بين خمسة
أيام وخمسة عشر يوما أو يوم أو يومين،
فإنه يمكن قضاؤه دون مشقة، وأما بالنسبة
للنفساء فأقصى ما يصل ثلاثون يوما وهذا
أيضًا يمكن أداؤه؛ لأنه لا يزاحمه صيام
آخر، بخلاف الصلاة فإنها في كلِّ يوم حتى
في وقت قضاء الفائتة، يكون أداء الحاضرة.
٥. الیسر في الحج.
لما كان السفر إلى بيت الله الحرام
لأجل الحج،یحتاج إلى قوة بدنية، وقوة
مالية، فإنَّ الله تعالی علم ضعف كثير من
عباده في هاتين القوتين أظهر الله يسره
وسماحته فخفف عنهم في هذه الفريضة،
فقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حُِ اُلْبَيْتِ
مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَبِىُّ عَنِ
اَلْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧].
وقال جل وعلا: ﴿وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَاَلْعُمْرَةَ لِلَّهِ
فَإِنْ أُحْصِرْ تُمْ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ وَلَا تَخْلِقُواْرُءُ وسَكٍُ
حَّ ◌َُّغَ الْهَدِىُّ ◌َحِلَّهُ، فَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِ= أَذَّى
مِن رَأْسِهِ، فَفِذْيَةٌ مِنِ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ نُكٍّ فَإِذَا
فقد ذكر في الآيتين الأولى التيسير في
أصل الحج، والثانية التيسير في أعمال
الحج، وتتمثل جوانب التيسير فيما يلي:
أولًا: أنَّ الحج، وهو قصد بيت الله
الحرام، لا يجب إلا مرة في العمر، فيسر
الإسلام في هذه الفريضة ظاهرة، كما
أوضحته الآية.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
(خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال: أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج
فحجوا، فقال رجل: أُكلُّ عام یا رسول الله؟
فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله
صلی الله عليه وسلم: (لو قلت نعم لوجبت
ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم؛
فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم
واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء
فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء
فدعوه)(١).
ورسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو
الرؤوف الرحيم بالأمة، خاف أن يفرض
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، ٢/ ٩٧٥، رقم
١٣٣٧، كتاب الحج.
www. modoee.com
٤٣٥

حرف الياء
على أمته كل عام، فلا يستطيعوه.
ثانيًا: أنَّ الحَجَّ يسقط عن من لم يستطيع،
فمن فقد قوة البدن أو قوة المال فلا يجب
عليه الحج بل يسقط عنه.
ثالثًا: التخيير بين المناسك الثلاثة:
التمتع، والقران، والإفراد. فأيُّ نسك من هذه
الأنساك أهلَّ بها الحاُ قبلها الله تعالی منه،
وكذلك: التخيير في الترتيب بين الأعمال
الثلاثة يوم العيد، الرمي والحلق والطواف،
وهذا فيه تیسیر على الحاج الذي يعاني من
زحمة الناس والمواصلات والأسفار.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: (قال
رجل للنبي صلى الله عليه وسلم زرت قبل
أن أرمي، قال: لا حرج. قال آخر: حلقت
قبل أن أذبح قال: لا حرج. قال آخر: ذبحت
قبل أن أرمي، قال: لا حرج)(١).
وكلّ خلل في واجبات الحجِّ من غير
قصد یجبر بفدية، وحجه صحيح إذا كان
القصور من هذا الوجه فقط، ولم يكن من
الأركان الأربعة، وهي الإحرام، والطواف
والسعي، والوقوف بعرفة.
رابعًا: من اليسر في هذا الركن المبارك،
أنَّ الله تعالى جعله سببًا لمغفرة الذنوب
والخطايا، وقد وعد الرسول صلى الله عليه
وسلم الحاجَّ بالجنة وأنه يرجع من حجه
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، ٢١٤/٢، رقم
١٧٣٥، كتاب الحج، باب إذا رمى بعد ما
أمسى أو حلق قبل أن يرمي.
کیوم ولدته أمه، خاليًا من الذنوب، صفحته
بيضاء ناصعة خالية من السيئات والذنوب.
قال عليه الصلاة والسلام: (من حجَّ هذا
البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته
أمه)(٢).
وقد جعله الله تعالى من الأعمال
الفاضلة التي تلي الإيمان بالله والجهاد في
سبيله، فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم:
أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: (إيمان بالله
ورسوله). قيل: ثم ماذا؟. قال: (ثم جهاد
في سبيل الله). قيل: ثم ماذا؟ قال: (حجّ
مبرور)(٣)(٤)
٠
ثالثًا: اليسر في المعاملات:
أمر الله تعالى عباده بالتعامل باليسر في
عدة آيات، بعضها بلفظ اليسر أو ما تصرف
منه، وبعضها بلفظ يرادف اليسر.
قال الله تعالى في اليسر في معاملة
الوالدين وخفض الجناح عندهما: ﴿وَقَضَى
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، ١٦٤/٢،
رقم ١٥٢١، كتاب الحج، باب إذا رمى بعد
ما أمسى أو حلق قبل أن يرمي، ومسلم في
صحيحه، ٩٨٣/٢، رقم ١٣٥٠، كتاب
الحج.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، ١٦٤/٢،
رقم ١٥١٩، كتاب الحج، باب فضل الحج
المبرور، ومسلم في صحيحه، ٨٨/١، رقم
٨٣، كتاب الإيمان.
(٤) انظر: كتاب اليسر والسماحة، فالح ص ٢٥-
٢٦.
٤٣٦
جوب
القرآن الكريمِ

اليسر
رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوْاْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاْ إِمَّا (أمك) قال: ثم من؟ قال: (أمك) قال: ثم
من؟ قال: (أبوك)(٢).
يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَهُمَا
فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أَنَّ وَلَا نَنْهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا
كَرِيمًا (٢) وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِ مِنَ
الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ أَرْحَمْهُمَا كَا رَبََّانِ صَغِيرًا﴾
[الإسراء: ٢٤].
في هذه الآية يأمر الله تعالى عباده
بعبادته، ثم ثنی ببر الوالدين، ثم بين كيفية
برهما، وبین أدنی ما يسيء إليهما تنبيهًا على
الأعلى.
قال الله تعالى بعد هذه الآية: ﴿وَإِمَّا
تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ أَبْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِن رَِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ
قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨].
قال ابن بادیس رحمه الله تعالى: ((إن
أعرضت عنهم فلا تعطهم؛ لأنك لم تجد
ما تعطيهم- وهي الحالة التي تكون فيها
تطلب رحمة من ربك راجيًا رزقه - فقل لهم
قولًا لينًا سهلًا، فتواسيهم بالقول عند عدم
السؤال، ولا تتركهم في ساحة الإهمال،
وتردهم الرد الجميل عند السؤال، فتقول
لهم: یرزق الله، ونحوه من لین الکلام»(١).
وقد وردت أحاديث عدة في ذلك ومنها:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء
رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال: يا رسول الله، مَنْ آحقُّ الناس بحسن
صحابتي؟ قال: (أمك) قال: ثم من؟ قال:
(١) تفسير ابن باديس ص ٨٣.
ومعنى الحديث: من أولى الناس
بمعروفي وبري ومصاحبتي المقرونة بلين
الجانب وطيب الخلق وحسن المعاشرة.
قال النووي: ((وسبب تقديم الأم كثرة
تعبها عليه وشفقتها وخدمتها ومعاناة
المشاقُّ في حمله، ثم وضعه، ثم إرضاعه،
ثم تربيته وخدمته وتمريضه وغير ذلك
ونقل الحارث المحاسبي إجماع العلماء
على أنَّ الأمَّ تفضل في البرِّ على الأب.
وحكى القاضي عياض خلافًا في ذلك فقال
الجمهور بتفضيلها، وقال بعضهم: يكون
برهما سواء)) (٣)
ومن اليسر في المعاملة:
١. التعامل مع المدين.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُشْرَةِ
فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن
كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: ((وإن
كان)» ممن تقبضون منه من غرمائكم رؤوس
أموالكم ﴿ذُو عُسْرَةِ﴾ يعني: معسرًا برؤوس
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، ٢/٨، رقم
٥٩٧١، كتاب الأدب، باب من أحق الناس
بحسن الصحبة، ومسلم في صحيحه،
٤ / ١٩٧٤، رقم ٢٥٤٨، كتاب البر والصلة
والآداب.
(٣) شرح صحيح مسلم، النووي ١٠٢/١٦.
www. modoee.com
٤٣٧

حرف الياء
أموالکم التي کانت لکم علیھم قبل الإرباء،
فأنظروهم إلى ميسرتهم(١)
٢. اليسر والتسامح مع المطلقة، والإحسان
إليها.
قال الله تعالى: ﴿لِنُفِقْ ذُوسَعَةٍمِن سَعَتِهِ.
وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَانَنَهُ اَللَّهُ لَّا
يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّ مَآ ءَاتَنْهَا سَيَجْعَلُ اَللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ
يُتْراً﴾ [الطلاق: ٧].
٣. اليسر مع كلِّ المؤمنين وخفض الجناح
لهم.
قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَنْ يَرْتَدَ
مِنْكُمْ عَن دِينِ، فَسَوْفَ يَأْتِى اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ,
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ مُهِدُونَ فِ
سَبِيلِ الَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآَيِرٍّ﴾ [المائدة: ٥٤].
قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: ((أخبر
تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة
أنهم إن ارتد بعضهم فإنَّ الله یآتي عوضًا
عن ذلك المرتد بقوم من صفاتهم الذلّ
للمؤمنين، والتواضع لهم، ولين الجانب،
والقسوة والشدة على الكافرين، وهذا
من كمال صفات المؤمنين، وبهذا أمر
الله نبيه صلى الله عليه وسلم فأمره بلين
الجانب للمؤمنين، بقوله: ﴿وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ
لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الحجر: ٨٨].
وقوله: ﴿ وَلَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ أَنَّعَكَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥].
(١) جامع البيان ٢٨/٦.
وأمره بالقسوة على غيرهم بقوله:
﴿يَأَيُّهَا الَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ
وَأَغْلُطْ عَلَيْهِمْ ﴾ [التحريم : ٩].
وأثنى تعالى على نبيه باللين للمؤمنين
في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمّ وَلَوْ
كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُواْ مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [آل
عمران: ١٥٩].
وصرَّحَ بأنَّ ذلك المذكور من اللين
للمؤمنين، والشدة على الكافرين، من
صفات الرسول صلى الله عليه وسلم
وأصحابه رضي الله عنهم، بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ
رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَّاهُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ
بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]»(٢).
وقد أجاد الشيخ رحمه الله تعالى
حيث ساق بعض آيات اليسر في التعامل
مع المؤمنين بلفظ مرادف لليسر، ثم ساق
أضداد ذلك بأنَّ ذلك الیسر واللین لا یکون
مع الكفار. والله أعلم.
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم
باليسر في المعاملة، وقد سبق بعضًا منها،
من ذلك: قوله عليه الصلاة والسلام: (يسروا
ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا)(٣).
(٢) أضواء البيان ٤١٥/١.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، ١/ ٢٧، رقم
٦٩، كتاب العلم، باب ما كان عليه النبي
صلى الله عليه وسلم من تخويلهم بالموعظة
والعلم، ومسلم في صحيحه، ١٣٥٨/٣، رقم
١٧٣٢، کتاب الجهاد والسير.
٤٣٨
جوسين
الْقُرآن الكَرِيْمِ

ليسر
وقوله: (رحم الله رجلا سمحًا إذا باع،
وإذا اشترى وإذا اقتضى)(١).
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحثُ
الناس في البيع والشراء ورد الديون إلى
استعمال اللين واليسر، ويكون رحيمًا بمن
یعامله سمحًا معه، یرفق به إذا باع له، ویرفق
به إذا اشتری منه.
قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله
تعالى: قوله (رحم الله رجلًا) يحتمل
الدعاء ويحتمل الخبر، قوله (سمحًا) أي:
سهلًا، وهي صفة مشبهة تدلّ على الثبوت،
والسمح: الجَوَادُ، يقال: سمح بکذا إذا جاد،
والمراد هنا المساهلة، قوله: (إذا اقتضى)
أي: طلب قضاء حقه بسهولة وعدم إلحاف،
وفيه الحضُّ على السماحة في المعاملة
واستعمال معالي الأخلاق، وترك المشاحة،
والحض على ترك التضييق على الناس في
(٢)
المطالبة، وأخذ العفو منهم
.
وهناك صور عدة في مجال التجارة يظهر
فيها يسر الإسلام في مراعاة الناس في هذا
المجال ومن ذلك:
الخيار في البيع: وذلك أنَّ الشارع حثَّ
الطرفين أن يتسامحا أثناء البيع، ومن هذا
التسامح أنَّ البائع يقبل رجوع المشتري،
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، ٣/ ٧٥، رقم
٢٠٧٦، كتاب البيوع، باب السهولة والسماح
في الشراء والبيع.
(٢) فتح الباري، ابن حجر ٤ /٢٠٧.
و کذا البائع حال البيع قبل التفرق، حتى
ولو اتفقا قبولًا وإيجابًا فما دام أنهما
لم يفترقا فإنَّ الدين الإسلاميَّ أعطى
لكلِّ واحد منهما الخيار في التراجع،
فيقول البائع: لا أبيع، بعد أن قال:
بعت، وبقول المشتري: لا أشتري، بعد
أن يقول: اشتريت، ولكن قبل التفرق،
فهذا حقٌّ لكلٍّ منهما. قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (البيعان بالخيار
ما لم يتفرقا، أو قال: حتى يتفرقا - فإن
صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن
كتما وكذبا محقت بركة بيعهما)(٣).
وأضاف رسول الله صلى الله عليه
وسلم في هذا الحديث أنَّ كلَّ من البائع
والمشتري يبارك لهما إذا كانا صادقين
ناصحین لم یغش أحدهما الآخر.
الإقالة في البيع: الإقالة في البيع أن
يقبل البائع من المشتري الرجوع في
شرائه، وذلك بعد أن تفرقا وبطل
الخيار، والعكس صحيح، وهو أن يقبل
المشتري من البائع الرجوع في بيعه
فيرد عليه سلعته، وذلك بعد التفرق
وبطلان الخيار. قال رسول الله صلى
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، ٣/ ٧٦، رقم
٢٠٧٩، كتاب البيوع، باب إذا بين البيعان
ولم يكتما، ونصحاً، ومسلم في صحيحه،
١١٦٣/٣، رقم ١٥٣١، كتاب البيوع، واللفظ
للبخاري.
www. modoee.com
٤٣٩

حرف الياء
الله عليه وسلم: (مَنْ أقال مسلمًا أقال على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر))(٢) (٣).
الله عثرته)(١).
رابعًا: اليسر في قراءة القرآن:
لا يخفى على كلِّ قارئ تيسير الله حفظ
كتابه وتيسير تلاوته، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَتَّرْنَا
الْقُرَّمَانَ لِذِكْرِ فَهَلَّ مِنْ مُذَّكِرِ﴾ [القمر: ١٧].
قال ابن كثير: ((أي: سهلنا لفظه ويسرنا
معناه لمن أراده لیتذکر الناس، كما قال:
﴿كِتَبُ أَنْزَلْتَهُ إِلَيْكَ مُبَرَكُ لِيَتَّبَّرُوْ ءَايَتِ
وَلِسَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَ لْبٍ ﴾ [ص: ٢٩])).
وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَتَرْنَهُ بِلِسَانِكَ
[الدخان: ٥٨]. قال مجاهد:
﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا
الْقُرْءَانَ لِلذَّكْرِ﴾ يعني: هونا قراءته، وقال
السدي: يسرنا تلاوته على الألسن، وقال
الضحاك عن ابن عباس: لولا أن الله يسره
على لسان الآدميين ما استطاع أحد من
الخلق أن يتكلم بكلام الله عز وجل.
قال ابن كثير: ((ومن تيسيره تعالى على
الناس تلاوة القرآن ما تقدم عن النبي صلى
الله عليه وسلم أنه قال: (إن هذا القرآن أنزل
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه، ٤٠٤/١١،
رقم ٥٠٢٩، والحاكم في المستدرك،
٥٢/٢، رقم ٢٢٩١.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، ١٢٢/٣،
رقم ٢٤١٩، كتاب الخصومات، باب كلام
الخصوم بعضهم في بعض، ومسلم في
صحيحه، ١ / ٥٦٠ رقم ٨١٨، كتاب صلاة
المسافرين.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٤٤٢.
٤٤٠
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

اليسر
اليسر في الجزاء
أولًا: اليسر في الجزاء الدنيوي:
سبق في يسر المعاملة ذكر التيسير على
عباد الله فيما أعوزوا فيه، وهنا يذكر التيسير
بمعنى الجزاء الدنيوي، وهو ما جاء في قوله
تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ أَبْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّيِّكَ
تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨].
وقال جلَّ وعلا: ﴿وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ
صَالِحًا فَهُ جَزَآءَ اْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَايُسْرًا﴾
[الكهف: ٨٨].
فقد أفادت هاتان الآيتان التيسير على
عباد الله تعالى في الدنيا، وذلك بالقول
والعمل.
قال ابن سعدي رحمه الله: ((أي:
وسنحسن إليه، ونلطف له بالقول، ونيسر
له المعاملة، وهذا يدلُّ على كونه من الملوك
الصالحين الأولياء، العادلين العالمين،
حيث وافق مرضاة الله في معاملة كلِّ أحد،
بما یلیق بحاله)»(١).
وهذا من الیسر في التعامل، وقد سبق.
والله أعلم.
ثانيًا: اليسر في الآخرة:
الله سبحانه وتعالى كما أن الحساب
يسير عليه، فهو ييسره أيضًا على المؤمنين
(١) تيسير الكريم الرحمن ص ٤٨٦.
ويجعله عسيرا على الكافرين، فقال الله
تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوِيَ كِنَبَهُ سَمِينِهِ، ل فَسَوْفَ
يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧].
وقال في شأن الكافر: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمٌ
عَبِيُ عَلَى الْكَفِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠].
أثبت الله تعالى في آية المدثر العسر
للكفار ونفى عنهم اليسر، وأثبت اليسر
للمؤمنين في آية الانشقاق.
وقد جاء في صحيح البخاري ومسلم
ما يبين كيفية تيسير الحساب على المؤمن،
وذلك من حديث ابن أبي مليكة، (أن عائشة،
زوج النبي صلی الله عليه وسلم: كانت لا
تسمع شيئا لا تعرفه، إلا راجعت فيه حتى
تعرفه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: (من حوسب عذب) قالت عائشة:
فقلت أوليس يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ
يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ قالت: فقال: (إنما
ذلك العرض، ولكن: من نوقش الحساب
يهلك)(٢).
وأما قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمُ عَسِيرُ
عَلَى الْكَفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠].
فقد قال القرطبي رحمه الله تعالى: ((أي:
فذلك اليوم يوم شديد ﴿ عَلَى الْگفِينَ﴾ أي:
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، ٣٢/١، رقم
١٠٣، كتاب فضل العلم، باب من سمع شيئا
فلم يفهمه فراجع فیه، ومسلم في صحيحه،
٢٢٠٤/٤، رقم ٢٨٧٦، كتاب الجنة وصفاتها
ونعيمها وأهلها.
www. modoee.com
٤٤١

حرف الياء
علی من کفر بالله وبأنبيائه صلی الله عليهم
وسلم (غَيْرُ بِيمٍ﴾ أي: غير سهل ولا هين،
وذلك أن عقدهم لا تنحل إلا إلى عقدة أشد
منها، بخلاف المؤمنين الموحدين المنيبين
فإنها تنحل إلى ما هو أخف منها حتى
يدخلوا الجنة برحمة الله تعالى))(١).
والحمد لله على تيسير الأمور وصلى
الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
أجمعين.
موضوعات ذات صلة:
السماحة، العبادة، الغلو، الفقه
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٩/ ٧٠.
٤٤٢
جَوُورُ
لِلْقُرآن الكَرِيمِ