النص المفهرس
صفحات 21-40
الياسِ
إيمانًا بالله، واستسلامًا لقضائه، ﴿وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ﴾ شكرًا لآلائه، سابقها ولا حقها،
﴿أُوْلَكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم، ﴿وَأَجْرٌ
كَبِيرٌ﴾ أقله الجنة، وغايته النظرة.
ويستفاد من ذلك: الإشارة إلى أنه ينبغي
للعبد أن يكون شاكرًا للنعم، صابرًا عند
النقم، واقفًا مع المنعم دون النعم، إن ذهبت
من يده نعمة رجى رجوعها، وإن أصابته
نقمة انتظر انصرافها، والحاصل أنه يكون
عبد الله في جميع الحالات.
وروي عن ابن مسعود رضى الله عنه
أنه قال: (ثلاث من رزقهن رزق خير الدنيا
والآخرة: الرضا بالقضاء، والصبر على
الأذى، والدعاء في الرخاء) (١).
رابعًا: اليأس من الهداية:
الله سبحانه وتعالى من رحمته بعباده
أن أعطاهم العقل، وأرسل إليهم الرسل
لهدایتهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له،
وتعليمهم وإرشادهم.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءَانًا
عَرَبِيًّا لِنْنَذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَنُنْذِرَ يَوْمَ
اَلْجَمْعِلَا رَيِّبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِ الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ
﴾ [الشورى: ٧].
فمن أطاع نفع نفسه ومن عصى ضر
(١) انظر: البحر المديد، ٥١٥/٢.
قوله: ﴿إِلَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾: على الضراء نفسه، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ
قَدْ جَآءَ كُمُ الْحَقُّ مِنْ زَبِّكُمْ فَمَنِ أَهْتَدَىْ فَإِنَّمَا
يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا
عَلَيْكُمْ بِوَكِيلِ ٥
﴾ [يونس: ١٠٨].
وقال أيضًا: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلَنَفْسِهِ، وَمَنْ
أَسَلَّةَ فَعَلَيْهَأُ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ ﴾
[فصلت: ٤٦].
ودعاهم أيضًا إلى الحق وحذرهم من
الباطل ثم تركهم يختارون ما يريدون، لقوله
تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّيَّكُمْ فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن
وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ [الكهف: ٢٩].
والهداية بيد الله سبحانه وتعالى فضل
من الله ومنة، والضلالة عدلًا منه، لم يظلم
خلقه فيها، للأسباب التي ذكرت آنفًا، لقوله
تعالى: ﴿اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْمَلُ رِسَالَتَهُ﴾
[الأنعام: ١٢٤].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُ
عَن سَبِيلِةٍ وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ (١٧)
[الأنعام: ١١٧].
وقال تعالى أيضًا: ﴿قُلْ إِنَّالْهُدَى هُدَى اللَّهِ
أَنْ يُؤْنَّ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ ◌ُعَالُوٌ عِندَ رَبِّكُمْ
قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ الَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآَهُ وَاللّهُ وَسِعُ
عَلِيمٌ يَخْنَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَدَةُ وَاللَّهُ ذُو
اَلْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [آل عمران: ٧٣-٧٤].
ولو شاء الله لهدى الناس جميعًا، فلا
يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء،
لقوله تعالى: ﴿قُلّ فَلَّهِ الْحُبَّةُ الْبَالِغَّةُ فَلَوْ شَآءَ
www. modoee.com
٣٤٥
حرف الياء
لَهَدَ نَكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [الأنعام: ١٤٩].
وقال أيضًا: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ
عَلَى الْهُدَىَّ فَلَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
[الأنعام: ٣٥].
ولكن جعلهم مختلفين لحكمة، كما قال
تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةٌ
وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١٠) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ
وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَيِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ
مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١)﴾ [هود:١١٨-
١١٩].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ
أُمَّةُ وَحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى
مَن يَشَآءُ وَلَتُشْتَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ )
[النحل: ٩٣].
كل الحرص على هداية البشرية، ولكن الله
سبحانه وتعالى بين له ولغيره من المسلمين
أنهم ليس عليهم إلا البيان والبلاغ والدلالة
على الهدي وعدم الإكراه عليه، لقوله
تعالى: ﴿وَمَا عَلَ الرَّسُولِ إِلَّا الْبَغُ اَلْمُّبِينُ﴾
[النور: ٥٤].
وما عداها كله بيد الله سبحانه وتعالى
لقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ
وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
[القصص: ٥٦].
فيهدي من أطاعه، وأقبل عليه، لقوله
تعالى: ﴿وَأَِّينَ أَهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدَّى وَءَانَمُهُمْ
تَقْوَنُهُمْ ﴾ [محمد: ١٧].
ولا يهدي من عصاه، وأعرض عنه،
لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَكَذِبٌ
كَفَّارٌ﴾ [الزمر:٣].
وقوله أيضًا: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ
وَمِنْهَا جَآِرٍ وَلَوْ شَآءَ لَدَنكُمْ أَجْمَعِينَ
[النحل: ٩].
إذًا منح الانسان ما يعينه على الاختيار
دون اجبار، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ
إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾ [الإنسان: ٣].
فيتحمل نتيجة ذلك، أما بالنسبة للموانع
التي تمنع الناس من الدخول في الدين
الاسلامي فهي كثيرة مثل الأنفة وحب
الذات، التمسك بدين الآباء والأجداد،
والنبي صلى الله عليه وسلم كان حريصًا حب الأموال والشهوات، وحب الرئاسة
والسيطرة كل ذلك أدى إلى عدم الوصول
إلى طريق الهداية، وبالتالي فقدان الأمل
لتحقيق ذلك، مما جعلهم يبقوا على ما هم
عليه، رغم الجهود الحثيثة لهدايتهم وتنفيذ
كل ما يطلبونه.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُێِّرَتْ بِهِ
الْجِبَالُ أَوْ قُطِعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِمْ بِ الْمَوْقَىُّ بَل
لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًاْ أَفَلَمْ يَأْمَسِ الَّذِينَ ءَامَنُوا أَن
لَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًاُ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ تُصِيُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَخُلُّ قَرِبًامِن
دَارِهِمْ حَّى يَأْتِىَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ اَلْمِيعَادَ
[الرعد: ٣١].
٣٤٦
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
الياسِ
عن عبد الله بن عطاءٍ، عن جدته أم
عطاءٍ مولاة الزبير قالت: سمعت الزبير بن
العوام يقول: قالت قريشٌ للنبي صلى الله
علیه وسلم تزعم أنك نبيٌ یوحی إليك، وأن
سليمان سخر له الريح والجبال، وأن موسى
سخر له البحر، وأن عیسی کان یحيي الموتى
فادع الله تعالى أن يسير عنا هذه الجبال
ويفجر لنا الأرض أنهارًا فنتخذها محارث
فنزرع ونأکل، وإلا فادع الله أن يحيي لنا
موتانا فنکلمهم ویکلمونا، وإلا فادع الله
تعالى أن يصير هذه الصخرة التي تحتك
ذهبًا فننحت منها وتغنينا عن رحلة الشتاء
والصيف، فإنك تزعم أنك كهيئتهم، فبينا
نحن حوله إذ نزل عليه الوحي، فلما سري
عنه قال: (والذي نفسي بيده لقد أعطاني ما
سألتم ولو شئت لکان، ولکنه خیرني بین
أن تدخلوا من باب الرحمة فیؤمن مؤمنکم،
وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم
فتضلوا عن باب الرحمة ولا يؤمن مؤمنكم
فاخترت باب الرحمة وأن يؤمن مؤمنکم،
وأخبرني إن أعطاكم ذلك، ثم كفرتم أنه
معذبکم عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين)،
فنزلت: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ تُرْسِلَ بِالْآَيَتِ إِلَّآ أَنْ
كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩].
حتى قرأ ثلاث آياتٍ ونزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّ
قُرْءَانًا سُيِّرَتْ يِهِ الْجِبَالُ﴾(١).
(١) انظر: أسباب نزول القرآن، الواحدي،
ونزل لما قالوا له إن كنت نبيًا فسير عنا
جبال مكة واجعل لنا فيها أنهارًا وعيونًا
لنغرس ونزرع، وابعث لنا آباءنا الموتى
يكلمونا أنك نبي، ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُێِرَتْ بِهِ
اَلْجِبَالُ﴾ نقلت عن أماكنها ﴿أَوْ قُطِّعَتْ﴾
شققت ﴿بِهِ اَلْأَرْضُ أَوْ كُلِمٍ بِ الْمَوْنَ﴾ بأن
يحيوا لما آمنوا ﴿بَل لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ لا
لغيره فلا یؤمن إلا من شاء إيمانه دون غيره
إن أوتوا ما اقترحوا (٢).
وأصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم لما سمعوا هذا من المشركين
طمعوا في أن يفعل الله ما سألوا فيؤمنوا
فنزل: ﴿أَفَلَمْ يَأَيْفَسِ اَلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ يعني:
الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين- من
إيمان هؤلاء، أي: ألم ييأسوا علمًا وكل من
علم شيئًا يئس من خلافه، يقول: ألم بيتسهم
العلم، ﴿أَنْ لَّوْ يَشَآءُ اَللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًاً
وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ﴾، من
كفرهم وأعمالهم الخبيئة ﴿قَارِعَةٌ﴾ أي:
نازلة وداهيةٌ تقرعهم من أنواع البلاء أحيانًا
بالجدب، وأحيانًا بالسلب، وأحيانًا بالقتل
والأسر.
وقال ابن عباسٍ: أراد بالقارعة: السرايا
التي کان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يبعثهم إليهم، ﴿أَوْ ◌َخُلّ﴾ يعني: السرية أو
ص٢٧٤.
(٢) انظر: تفسير الجلالين، المحلي والسيوطي،
٣٢٧/١.
www. modoee.com
٣٤٧
حرف الياء
القارعة، ﴿قربًامِّن دَارِهِمْ﴾، وقيل: ﴿أَوَ
◌َمُلُّ﴾ أي: تنزل أنت يا محمد بنفسك ﴿قَرِيبًا
مِّن دَارِهِمْ﴾، ﴿حَّى بَأْنِ وَعْدُاللَّهِ﴾، قيل: يوم
القيامة. وقيل: الفتح والنصر وظهور رسول
الله صلى الله عليه وسلم ودينه، ﴿إِنَّاللَّهَلَا
يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾، وكان الكفار يسألون هذه
الأشياء على سبيل الاستهزاء فأنزل الله
تسلیةً لنبيه صلى الله عليه وسلم (١).
وذکر في تفسیر اللباب في علوم الکتاب
أن معنى: ﴿أَفَلَمْ يَأْيَِّسِ اَلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾
أي: ((ألم ييأس هؤلاء من إيمان الكفار من
قريش، وذلك أنهم لما سألوا هذه الآيات
طمعوا في إيمانهم وطلبوا نزول هذه الآيات
ليؤمن الكفار، وعلم الله أنهم لا يؤمنون
فقال: أفلم ييأس الذين آمنوا من آيات
الكفار، أي: ییاسوا من إيمانهم» (٢).
وذكر في زاد المسير في علم التفسير أن
معنى: ﴿أَفَلَمْ يَأْتِفَسِ الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ فيه أربعة
أقوال:
الأول: أفلم يتبين، وهذا قول مجاهد،
وعكرمة، وغيرهم.
وقال ابن قتيبة: هي لغة للنخع (ییأس)
بمعنى (يعلم).
والثالث: أن المعنی: قد پئس الذين آمنوا
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ٢٤/٣.
(٢) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل،
٣٠٦/١١.
أن یهدوا واحدًا، ولو شاء الله لهدی الناس
جميعًا، قاله أبو العالية.
والرابع: أفلم ييأس الذين آمنوا أن يؤمن
هؤلاء المشركون، قاله الكسائي، والمعنى:
أفلم ییأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء الذين
وصفهم الله بأنهم لا يؤمنون؛ لأنه لو شاء
لهدی الناس جميعًا (٣).
فبعد كل ذلك يخاطب الله عز وجل نبيه
في قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ
فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِىَ نَفَقَا فِ الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمَا
فِي السَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِشَايَةٍ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ
عَلَى الْهُدَىَّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ
٣٥
[الأنعام: ٣٥].
والمعنى: ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ﴾ أي: عظم
﴿فَإِنِ
تكذيبهم
﴿عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾
أُسْتَطَمْتَ﴾ قدرت ﴿أَنْ تَبْتَغِىَ﴾ أي: أن
تطلب ﴿نَفَقًا﴾ سربًا ﴿فِ الْأَرْضِ﴾ فتدخل
فيه ﴿أَوَ سُلَّمَا فِىِ السَّمَاءِ﴾ أو سببا وطريقًا
تصعد فیه إلى السماء ﴿فَتَآتِيهُم ◌ِئَايَةِ﴾ یقول
تنزل بالآية التي طلبوها فلتفعل، ﴿وَلَوْشَآءَ
اَللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ على التوحيد
والثاني: أفلم يعلم، روي عن ابن عباس. ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ بمقدوري عليهم
بالكفر (٤).
ورغم ما طلبوه من المعجزات والأدلة
والبراهين التي أظهرها الله عز وجل إلا أنهم
(٣) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي، ٢/ ٤٩٦.
(٤) تنوير المقباس من تفسير ابن عباس،
الفيروز آبادي ص١٠٨.
٣٤٨
جوسبور
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
الياسِ
بقوا على كفرهم ولم يهتدوا وإنما استمروا متساوية الأقدام في الدعوة إلى ما دعا إليه
العقل لمن له عقل، ﴿وپهدى﴾ عند دعاء
الداعين ﴿إِلَيْهِ﴾ أي: طاعته، ﴿مَنْ أَنَابَ﴾
أي: من كان قلبه ميالًا مع الأدلة راجعًا
إليها(١).
بالمماطلة والاستهزاء، لقوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلًا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّيّةٍ، قُلْ إِنَّ
اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَهْدِىّ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ﴾
[الرعد: ٢٧].
والمعنى: ﴿وَيَقُولُ اَلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي:
ستروا ما دعتهم إليه عقولهم من الخير وما
لله من الآيات عنادًا ﴿لَوَلاً﴾ أي: هلا ولم
لا.
ولما كان ما تحقق أنه من عند الملك
لا يحتاج إلى السؤال عن الآتي به، بني
للمفعول قوله: ﴿أَنْزِلَ عَلَيْهِ﴾ أي: هذا
الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿ءَايَةٌ﴾
أي: علامة بينة ﴿مِّن رَّبِّهِ﴾ أي: المحسن
إليه بالإجابة لما يسأله لنهتدي بها فنؤمن
به، وأمره بالجواب عن ذلك بقوله: ﴿قُلْ
أي: لهؤلاء المعاندین: ما أشد عنادکم حیث
قلتم هذا القول الذي تضمن إنكاركم لأن
یکون نزل إلي آية مع أنه لم يؤت أحد من
الآيات مثل ما أوتیت، فعلم قطعًا أنه ليس
إنزال الآيات سبیًا للإیمان بل أمره إلی الله
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ أي: الذي لا أمر لأحد معه
﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ ﴾ إضلاله ممن لم یتب، بل
أعرض عن دلالة العقل، ونقض ما أحكمه
من ميثاق القاطعة بأحقية ما دعت إليه الرسل
لما جبل عليه قلبه من الغلظة، فصار بحيث
لا یؤمن ولو نزلت علیہ کل آیة؛ لأنها کلھا
وذكرت نعمة الله النخجواني أن الآية
بينت خبث طينتهم ورداءة فطرتهم وذلك
كالتالي: «یقول الذين كفروا بك وبكتابك
ودينك لولا أنزل عليه آيةٌ ملتجثة لنا بالإيمان
من ربه مع أنه يدعی التأييد من لدنه، ومع
شدة شغفه وحرصه لأن نؤمن له، قل
لهم يا أكمل الرسل ما علي إلا البلاغ، إن
الله المطلع لضمائر عباده يضل من يشاء
بمقتضى علمه وعدله لمن أراد إضلاله
وانتقامه، ويهدي إليه على مقتضى جوده
من أناب إليه عن ظهر القلب إذ كل ميسر لما
خلق له» (٢).
ويستفاد من ذلك: عدل الله سبحانه
وتعالى ورحمته الواسعة بعباده، فقد أقام
الحجة عليهم بتقديم كل ما يعينهم ويرشدهم
إلى طريق الهداية والرشاد، وتحذيرهم من
طريق الضلال والضياع، والخيار بأيديكم
أيها العباد.
(١) انظر: نظم الدرر، البقاعي، ١٠ / ٣٣٦.
(٢) الفواتح الإلهية، النخجواني ٣٩٥/١.
www. modoee.com
٣٤٩
حرف الياء
خامسًا: يأس الكافرين من ارتداد بالكلية فيئسوا من أن يجعلوا الإسلام يتوقف
المسلمين عن دينهم:
الكافرين بالله سبحانه وتعالى وبرسوله
صلى الله عليه وسلم بذلوا كل الجهود
الجبارة، وأنفقوا كل غالٍ ورخيص،
واستعملوا مختلف الوسائل والأساليب
لصد الناس عن دين الله، بمنعهم من
الدخول فيه، أو رجوعهم عن دينهم،
إلا أنهم لم يتمكنوا من ذلك لقوة إيمان
المؤمنين، وتقواهم، وثقتهم الكبيرة بالله
سبحانه وتعالى بحمايتهم ونصرهم على
أعدائهم، مما وصل الحال بالكافرين إلى
اليأس والقنوط من ارتدادهم عن دينهم.
قال تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ بَيِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن
دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ ﴾ [المائدة: ٣].
والمعنى: كانت قريش تزعم أنها تملك
من القوة ما تجعل دين الإسلام لا يظهر
وأنها قادرة على أن ترد محمداً صلى الله
عليه وسلم ومن آمن به عما هم عليه، ولهذا
جلبوا الجيوش وجيشوا الأحزاب عبر سنين
طويلة حتى قال أبو سفيان يوم أحد: ((أعلو
هبل لنا العزى ولا عزى لكم))، ولما سأله
هرقل عن الحال قال: الحرب بيننا وبينه
سجال، وما زالت قريش تجلب بخيلها
ورجلها وخيلائها تريد أن توقف ظهور
الإسلام، ولما كان فتح مكة أيقن القريشيون
أن ما يبتغونه من عدم إظهار الدين قد انقطع
واليَوْمَ
عن الظهور، هذا هو معنى قوله:
يَبِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ أي: يئسوا أن
يمنعوا دينكم من الظهور؛ لأن دخول النبي
صلی الله عليه وسلم مكة كان شأنًا عظيمًا
فقد خرج منها صلوات الله وسلامه عليه
بعد أن اتتمروا عليه ثم بعد ثمانية أعوام من
خروجه عاد عليه الصلاة والسلام.
فظاهر أمر النبي صلى الله عليه وسلم
وأصحابه وظهور دينه يقتضي أن يأس
الكفار عن الرجوع إلى دينهم قد كان وقع
منذ زمان، وإنما هذا اليأس من اضمحلال
أمر الإسلام وفساد جمعه لأن هذا أمر كان
يترجاه من بقي من الكفار ألا ترى إلى قول
أخي صفوان بن أمية في يوم هوازن حین
انكشف المسلمون وظنها هزيمة ألا بطل
السحر اليوم، إلى غير هذا من الأمثلة،
و﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يعم مشركي العرب
وغيرهم من الروم والفرس وغير ذلك،
وقوله: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَونِ ﴾ فإنما نهى
المؤمنين عن خشية جميع أنواع الكفار وأمر
بخشيته تعالى التي هي رأس كل عبادة (١).
وقال الطبري أن معنى: ﴿اَلْيَوْمَ يَيِسَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ دِينِكُمْ﴾ أي: الآن انقطع
طمع الأحزاب وأهل الكفر والجحود، أيها
المؤمنون، من دینکم أي: أن تتركوه فترتدوا
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، ١٥٤/٢.
٣٥٠
صَوْسُو
◌ُ النَّفِيَةْ
القرآن الكريم
الياسِ
عنه راجعين إلى الشرك (١).
وقوله: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَونِ ﴾ يعني:
فلا تخشوا الكفار في عبادتي واخشوني في
اتباعهم، فقال: أعجز الناس من خشي من لا
ينفعه ولا يضره، والذي بيده النفع والضر
يخاطبه بهذه الآية (٢).
وقوله تعالى أيضًا: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا نَتَوَلَّوْاْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَبِسُواْ مِنَ
الْآَخِرَةِ كُمَا يَيِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبِ الْقُبُورِ ﴾
[الممتحنة: ١٣].
((نزلت في ناسٍ من فقراء المسلمين
کانوا یخبرون اليهود بأخبار المسلمين
ويواصلونهم فيصيبون بذلك من ثمارهم،
فنهاهم الله تبارك وتعالى عن ذلك))(٣).
والمعنى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَانَتَوَلَوْ قَوْمًا
غضب اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: لا تصادقوا يا معشر
المؤمنين الكفرة أعداء الدين، ولا تتخذوهم
أحباء وأصدقاء توالونهم وتأخذون بآرائهم،
فإنهم قوم غضب الله عليهم ولعنهم، قال
الحسن البصري: هم اليهود.
وقال ابن عباس: هم كفار قريش، والظاهر
أن الآية عامة كما قال ابن كثير: يعني اليهود
والنصارى وسائر الكفار، ممن غضب الله
عليه ولعنه، ﴿قَدْ يَبِسُواْ مِنَ الْآَخِرَةِ﴾ أي:
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥١٦/٩،
تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٤٤٦/٣.
(٢) انظر: تفسير التستري ٥٨/١.
(٣) أسباب نزول القرآن، الواحدي، ص ٤٢٥.
أولئك الفجار الذين يئسوا من ثواب الآخرة
ونعيمها، كما يئس الكفار المكذبون بالبعث
والنشور، من أمواتهم أن يعودوا إلى الحياة
مرة ثانية بعد أن يموتوا، فقد كانوا يقولون إذا
مات لهم قريب أو صديق: هذا آخر العهد
به، ولن يبعث أبدًا (٤).
وذكر الزحيلي في تفسيره أن معنى الآية
هو: أي يا أيها المؤمنون برسالة الإسلام
لا تتخذوا اليهود والنصارى وسائر الكفار
ممن غضب الله عليهم ولعنهم واستحقوا
الطرد والإبعاد من رحمته، أولياء وأنصارا
وأصدقاء، وقد يئسوا من ثواب الآخرة
ونعيمها في حكم الله عز وجل وأصبحوا
لا يوقنون بالآخرة بسبب كفرهم وعنادهم،
بالرغم من قيام الأدلة والبينات والمعجزات
على الإيمان بالله واليوم الآخر، كيأسهم
من بعث موتاهم، لاعتقادهم عدم البعث،
وسبب يأسهم من الآخرة تكذيبهم بصحة
نبوة الرسول صلی الله عليه وسلم (٥).
ويستفاد من ذلك: أن المؤمن لا بد
أن يكون قوي في إيمانه لا يسمح لأي
ضغوطات سواء أكانت داخلية أم خارجية
أن تؤثر به، وتزعزعه عن دينه، الذي هو
بمثابة نجاة لهم في الدنيا والآخرة، وتفقده
الثقة الكبيرة بالله - سبحانه وتعالى.
(٤) انظر: صفوة التفاسير، الصابوني، ٣٤٧/٣،
التفسير الواضح، محمد الحجازي، ٣/ ٦٦٣.
(٥) التفسير المنير، ٢٨ / ١٥٥ باختصار.
www. modoee.com
٣٥١
حرف الياء
أسباب اليأس
اليأس صفة مذمومة، وأسبابها كثيرة، فلا
بد من الإشارة إلى هذه الأسباب بالشرح
والبيان والتفصيل، ليعي أصحاب الأفهام
والعقول، لتجنب محصول اليأس المذموم،
والنجاة من الوصول إليها بالمعقول سواء
كانت أي سبب من الأسباب.
أولًا: الكفر والمعاصي:
نعم الله سبحانه وتعالى على العباد كثيرة
وأعظم هذه النعم نعمة الاسلام، التي هي
نجاة العبد في الدنيا والآخرة، وإذا أراد الله
عز وجل بالإنسان خيرًا توفاه على الإسلام،
وكان النبي صلى الله عليه وسلم عندما
يدعو يقول: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت
قلبي على دينك)(١).
ولكن من العباد من أراد أن يختار طريقًا
آخرًا غير طريق الاسلام، فضاعوا وخسروا
في الدنيا والآخرة، لقوله تعالى: ﴿ وَمَن
يَبْتَعْ غَيْرَ الْإِسْلَكِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي
﴾ [آل عمران: ٨٥].
اْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ
وقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ
وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ [النساء: ٤٨].
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الدعوات،
٥٣٨/٥، رقم ٣٥٢٢.
قال الترمذي: حديث حسن.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٨٧١/٢، رقم ٤٨٠١.
واختيارهم هذا الطريق أي - طريق الكفر
والضلال- وانغماسهم فيه وعدم قيامهم
بأي عمل يقربهم من الله عز وجل ويرجو
رحمته؛ ولذلك كان سببًا من الأسباب
الموصلة بهم إلى اليأس من رحمة الله
عز وجل وقد وصفهم الله بذلك في كتابه
العزيز فقال: ﴿إِنَُّ لَا يَأيَِّسُ مِن رَّوْجِ اللَّهِ إِلَّا
الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ
رَيِّهِ= إِلَّا الضَّالُّونَ ﴾ [الحجر: ٥٦].
والمعنى: أي قال إبراهيم عليه السلام
للضيف: لا ييأس من رحمة الله إلا من أخطأ
سبيل الصواب، وغفل عن رجاء الله الذي
لا يخيب من رجاه، فضل بذلك عن الرأي
القيم، وهذا كقول يعقوب: ﴿لَا يَأْئَسُ مِن
زَّوْجِ اَللَّهِإِلَّ الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ﴾ وخلاصة مقاله:
إنه نفى القنوط عن نفسه على أتم وجه،
وتم الإشارة إلى ذلك سابقًا ، فكأنه قال:
لیس بي قنوط من رحمته تعالى، لكن حالي
تنافي فيض تلك النعم الجليلة التي غمرني
بها، وتوالي المكرمات التي شملت آل هذا
البيت (٢).
وقوله تعالى أيضًا: ﴿وَالَّذِينَ
كُفَرُواْ بِشَايَتِ اللَّهِ وَلِقَآئِهِ: أُوْلَئِكَ يَبِسُواْ
مِن رَّحْمَتِ وَأُوْلَئِكَ لَّمْ عَذَابٌ أَلِيٌِّ ﴾
[العنكبوت: ٢٣].
(٢) انظر: نظم الدرر، البقاعي، ٣٤/١٤.
٣٥٢
جوسين
الْقُرآن الكَرِيمِ
الياسِ
هم الذين زال عنهم الخير، وحصل لهم
الشر، هم الذين كفروا به وبرسله، وبما
جاءوهم به، و كذبوا بلقاء الله، فليس عندهم
إلا الدنيا، فلذلك قدموا على ما أقدموا عليه
من الشرك والمعاصي؛ لأنه ليس في قلوبهم
ما يخوفهم من عاقبة ذلك، ولهذا قال تعالى:
﴿أُوْلِكَ يَپِسُوا مِن رَّحْمَقٍ﴾ أي: فلذلك لم
يعلموا سببًا واحدًا يحصلون به على الرحمة،
وإلا لو طمعوا في رحمته، لعملوا لذلك
أعمالًا، والإياس من رحمة الله من أعظم
المحاذير، وهو نوعان: إياس الكفار منها،
وتركهم جميع سبب يقربهم منها، وإياس
العصاة، بسبب كثرة جناياتهم، فملكت
قلوبهم، فأحدث لها الإياس، ﴿وَأُوْلَئِكَ لَّمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم موجع (١).
وذكر محمد الشعراوي في تفسيره: أنه
إن أصر الكافر على كفره وعبادته للأصنام
التي لا تنفع ولا تضر، ولم تجد معه موعظة
ولا تذکیر فلا ملجأ له ولا منفذ له إلى رحمة
الله؛ لأنه عبد أولياء لا ينفعونه بشيء و کفر
بي، فليس له من يحميه مني، ولا من ينصره
من الأصنام التي عبدها، فليس له إلا اليأس.
واليأس: قطع الرجاء من الأمر، وقد قطع
رجاء الكافرين؛ لأنهم عبدوا ما لا ينفع ولا
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٦٢٩
بتصرف.
والمعنى: يخبر الله سبحانه وتعالى من يضر، وكفروا بمن بيده النفع، وبيده الضر.
فكفروا بآيات القرآن الحاملة للأحكام،
فلم يصدقوا منها شيئًا، وما داموا قد
كفروا بهذه الآيات، وكفروا أيضًا بلقاء
الله في الآخرة؛ فرحمة الله بعيدة عنهم،
وهم ياتسون منها، لذلك كانت عاقبتهم
﴿وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢).
ويستفاد من ذلك: مجاهدة النفس للكفر
والعصيان بالطاعة والذكر والعمل الصالح؛
النيل رحمته ومغفرته، وإلا فاليأس والقنوط
مسيطره.
ثانيًا: فقدان النعم ونزول البلاء:
كثير من الناس ينغمسون في النعم الكثيرة
التي أنعماها الله سبحانه وتعالى عليهم،
فينسون أنفسهم وآخرتهم، ويتمتعون بغير
حساب لأي شيء يتوقعونه؛ لأن مع كثرت
النعم اغتر الانسان، ونسي أن كل ذلك فضل
من الله سبحانه وتعالى وبالتالي لم يشكره
ويحمده على ذلك، وهذا يجلب سخط الله
وغضبه عليهم، ونزع النعمة عنهم، وإنزال
البلاء بهم، فما كان منهم إلا أن صدموا
لفقدانها وزوالها؛ لاستبعادهم حصول
ذلك، والحاصل بهم سببًا عندهم من
الأسباب الموصلة بهم إلى اليأس والقنوط،
ويتم بيان ذلك على النحو التالي:
(٢) تفسير الشعراوي، ١٨ / ١١١٢٤ باختصار.
www. modoee.com
٣٥٣
حرف الياء
قال تعالى: ﴿وَلَيْنْ أَذَقْنَا الْإِنسَنَ
مِنَا رَحْمَةٌ ثُمَّ نَزَعْنَهَا مِنْهُ إِنَّهُ، لَيَئُوسُ
كَفُورُ ﴾ [هود: ٩].
في هذه الآية صورة صادقة لهذا الإنسان
العجول القاصر، الذي يعيش في لحظته
الحاضرة، ويطغى عليه ما يلابسه فلا يتذكر
ما مضی ولا یفکر فیما یلي، فھو یؤوس
وكفور بالنعمة بمجرد أن تنزع منه، مع أنها
كانت هبة من الله له، فلا يحتمل في الشدة
ويصبر ويؤمل في رحمة الله ويرجو فرجه
فعجبًا لهذا الانسان (١).
ثم بعد ذلك الانتقال إلى حال شديدة
مؤكدة في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْتُوسُ
وقال أبو زهرة: في هذا النص بيان لطبيعة
النفس التي تخضع للحس دون العقل
المدرك الذي يوازن بين الماضي والحاضر
ويضبط نفسه ووجدانه، بل یکون ھلوعًا
كَفُورٌ﴾ بصيغة المبالغة الدالة على
الهلع والجزع واليأس من رحمة الله التي لا
ييأس منها إلا القوم الكافرون، وكان القول:
عندما يصيبه ما يسوؤه، وطموعًا أشرًا بطرًا ﴿كَفُورُ﴾؛ لأنه لا يرجو الله ولا يؤمن
بما عنده.
عندما ینال خیرًا ویذهب عنه ما يسوؤه، فإذا
أصابه خير بطر، وإذا أصابه سوء جزع، على
غير المؤمن المدرك صبور لا تبطره النعمة،
ولا توئسه النقمة، وهو يضبط نفسه، وضبط
النفس والصبر متلازمان لا يفترقان.
ومعنى قوله: ﴿أَذَقْنَا الْإِنسَنَ﴾ أي:
جعله يذوق ويحس متنعما، وأضاف
سبحانه وتعالى ذلك إليه لبيان عظمها وأنها
منحة جليلة، وسماها سبحانه: ﴿رَحْمَةٌ ﴾
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب،
٤ /١٨٦٠.
لوجوب شكرها وبيان أنه أعطاها لتكون
مصدر خير للناس تعم ولا تخص، فهي
لیست له خاصة ولکن لیکون شكرها نفعًا
للناس.
وقوله: ﴿ثُمَّ نَزَعْنَهَا مِنْهُ ﴾ يشير إلى
التفاوت بين العطاء الكريم والنزع الحكيم،
وفيه تفاوت بين العطاء والنزع، وكل ذلك
بتقدیر العزیز العلیم، وفيه بيان أن نعيم الدنيا
ليس بدائم بل فيها العطاء والمنع، ونعيم
الآخرة دائم غیر مجذوذ.
وجواب القسم فيها تأكيد لعمق يأسه
واستيلائه عليه وكفره؛ وكل ذلك لأنه مادي
لا يؤمن إلا بالمادة ولا يرجو ما عند الله
الذي يعطي ویمنع ويعز ویذل، وهذا حال
الإنسان الذي لا يؤمن إلا بالدنيا، إذا كان
المنع بعد العطاء (٢).
وقال الطبري في تفسيره أن معنى قوله:
﴿وَلَيْنْ أَذَقْنَا الْإِنسَنَ مِنَّا﴾ أي: رخاء وسعةً
في الرزق والعيش، فبسطنا عليه من الدنيا
(٢) انظر: زهرة التفاسير، ٧/ ٣٦٧٣ بتصرف.
مَشْوَالَرَ النَّفْسَيْ
القرآن الكَرِيْمِ
٣٥٤
الياسِ
وهي: (الرحمة) التي ذكرها الله سبحانه ثالثًا: الجهل بسنن الله:
وتعالى في هذا الموضع، ﴿ثُمَّ نَزَعْنَهَا
مِنْهُ﴾ أي: ثم سليناه ذلك، فأصابته
نَّهُ لَيَؤُوسَ
مصائب أجاحته فذهبت به،
كَفُورُ﴾، أي: يظل قنطًا من رحمة الله،
آيسًا من الخير.
وقوله: ﴿لَيَّتُوسُ﴾، من قول القائل:
ایئس فلان من کذا، فهو یئوس، إذا كان
ذلك صفة له.
وقوله: ﴿كَفُورٌ﴾ يقول: هو كفور
لمن أنعم عليه، قليل الشكر لربه المتفضل
علیه، بما كان وهب له من نعمته (١).
وقوله تعالى أيضًا: ﴿وَإِن مَّسَّهُ الثَّرُّ
فَيَئُوسُ قَنُوطٌ﴾ [فصلت: ٤٩].
والمعنى: ((أي وإن مسه البلاء، والشدة،
والفقر، والمرض فيؤوس من روح الله قنوطٌ
من رحمته، وقيل: يؤوس من إجابة دعائه
قنوطٌ بسوء الظن بربه، وقيل: یؤوس من
زوال ما به من المکروہ، قنوطٌ بما يحصل
له من ظن دوامه، وهما صيغتا مبالغةٍ يدلان
على أنه شديد اليأس عظيم القنوط)) (٢).
ويستفاد من ذلك: شكر الله سبحانه
وتعالى وحمده على نعمه الكثيرة، والاقتناع
بحكمته وعدله في كل ما يقدره، وتحمل
البلاء بالصبر والمثابرة وقهر اليأس بالإيمان.
(١) انظر: جامع البيان، ٢٥٦/١٥.
(٢) فتح القدير، الشوكاني، ٤ /٥٩٨.
إن الجهل بسنن الله آفة خطيرة، وداء
عظيم، فهو يحجب الانسان عن إدراك الحق
ومعرفته، ويبعده عن سنن الهدى، ويؤدي
به إلى طريق الضلال والضياع، ويوقع في
قلبه الیاس من رحمة الله سبحانه وتعالى مع
البيان أن الله سبحانه وتعالى عندما خلق هذا
الكون، وضع فیه نوامیس، وأوجد له عادات
في خلقه، وسنن لا تتخلف، وكل هذه
السنن تدلل على حكمة الله عز وجل وعلمه
الواسع، لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ
عِبَادِهِ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَيرُ ﴾ [الأنعام: ١٨].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ.
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[يوسف: ٢١].
وأيضًا دالة على قدرة الله عز وجل
الجارية النافذة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّاكُلّ شَىْءٍ
خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ ﴾ [القمر: ٤٩].
وسنن الله عز وجل كثيرة سواء أكانت
سننٌّ في الدنيا، أم سننٌ في الآخرة، أم
سننٌ مشتركة في الدنيا والآخرة وهذه
السنن تتصف بصفات تضبطها كالثبات،
والشمول، وأنها متحققة، وإجبارية التنفيذ،
قائمة على العدل والحكمة، ليس هنالك
فوضى، ولا اضطراب في سننه سبحانه
وتعالى والمسلم لا بد أن يتفطن لسنن الله
حتى لا تکون مفاجئة له عند وقوعها، وعند
www. modoee.com
٣٥٥
حرف الياء
علمه بها تطمئن نفسه؛ لأنه يدرك بأن هناك في الاصلاح، وسنن التغير والتدافع،
لله قواعد يسير العالم وفقها، والخلق بناءً وغيرها الكثير.
عليها.
فمثلاً من سنن الله تعالى في هذه
الأرض الهداية بواسطة الأنبياء والأولياء،
وعدم الوعي بها، يطلق لنفسه العنان لتفعل
ما شاءت من الآثام والمعاصي والکفر بالله،
ومع كثرة ذنوبه بيأس من تكفيرها وإزالتها،
وقد أشرنا إلى ذلك آنفًا.
ومن سننه عز وجل في عباده سنة
ابتلائهم، ويشترك في ذلك جميع الأمم
والأفراد، على حد سواء، للامتحان
والتمحيص، لقوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ
أَنْ يُتْرَّكُواْ أَنْ يَقُولُوَاْ ءَامَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ))﴾
[العنكبوت: ٢].
ومن سننه أيضًا سنة التدافع، والله تعالى
لا يبقي الناس على ما هم عليه، ولا يبقي
الدنيا على حال واحدة، وإنما يدفع بعض
الناس ببعضهم الآخر، يعني: يدفع أهل
الباطل بأهل الحق وهكذا، لقوله تعالى:
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ
لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو
فَضْلٍ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١].
ولله سنن في الظالمين والمظلومين،
وسنن في الترف والمترفين، وسنن في
الطغاة والطاغين، وسنن في الاستدراج،
وسنن في المكر، وسنن في الرزق، وسنن
والجاهل بهذا كله يسهل على الشيطان
الطريق لقذف الشك في قلبه، والوسوسة
إلیه، وما دام وجد ذلك في نفسه يولد عنده
اليأس من كل سنة من سنن الله سبحانه
وتعالى وبالتالي القنوط من رحمة ربه.
٣٥٦
القرآن الكريم
الياس
وسائل الوقاية من اليأس وعلاجه
إن اليأس مرض من الأمراض التي
تصيب النفوس فتقف عاجزة عن إدراك
المعالي، وهي آفة الصبر الكبرى؛ لأنها
تطفئ سراج الأمل لدى العبد، فيترك العمل،
ويخلد إلى الكسل، فما من داءٍ إلا وله دواء،
ولهذا حرص القرآن الكريم والسنة المطهرة
على القضاء على هذا الداء المتفشي في
نفس العبد والمسيطر عليه، ولهذا فهو
بحاجة ماسة إلى مجموعة من الوسائل التي
تقيه من ذلك والتي نرجو أن تكون نافعة في
علاج هذه الآفة، وإلى جانب الوسائل نشير
إلى العلاج للقضاء على الداء، ومنعًا لعودته
مرة أخرى.
أولًا: وسائل الوقاية من اليأس
١. الإيمان بأسماء الله وصفاته.
قال تعالى: ﴿هُوَ اللهُ الْخَلِقُ اَلْبَارِئُ
الْمُصَوَّرِّ لَهُ الْأَسْمَآءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
[الحشر: ٢٤].
ومعنى: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَ﴾ يعني:
الرحمن الرحيم العزيز الجبار المتكبر
ونحوها من الأسماء، وهذه الأسماء ذكرت
في هذه السورة، لقوله تعالى: ﴿هُوَ اَللَّهُ الَّذِى
لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَّةِ هُوَ الرَّحْمَنُ
هُوَ اَللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ
٢٢
الرَّحِيمُ
الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْسِنُ
اَلْعَزِيزُ الْجَنَّارُ الْمُتَكَبِّرُّ سُبْحَنَ اللّهِ
عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الحشر: ٢٢-٢٣].
﴿يُسَيْحُ لَّهُ, مَا فِ السَّمَوَتِ
وقوله:
وَالْأَرْضِ﴾ يعني: يذكره ويوحده ما في
السموات والأرض وما فيهما من الخلق
وغيره، وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في ملكه،
﴿اَلْحَكِيمُ﴾ في أمره (١).
فالعبد الذي يؤمن بأسماء الله وصفاته،
ويفهم ما تنطوي عليه هذه الأسماء
والصفات فقلبه يدرك من معاني الأسماء
والصفات ما يدل على عظمة الله وجبروته
وسرعة عقابه وشدة انتقامه، وأما من حجب
قلبه عن الأسماء الدالة على الرحمة واللطف
والتوبة والمغفرة الخ، فيسيطر عليه الخوف
ويسلمه إلى اليأس من روح الله والقنوط
من رحمته، وهذه طامة كبرى وكبيرة من
كبائر الذنوب، تخرج القلب عن سكينته
وأنسه إلى انزعاجه وقلقه وهمه، فعليه أن
یتجنب ذلك فمثلا من أراد من الله عز وجل
إجابته على دعوة ما علیه سؤال الله بأسمائه
الحسنى وصفاته العلى أن يجيب الدعوة مع
الإلحاح وتكرار الدعاء، فالإلحاح في ذلك
وحسن الظن بالله وعدم اليأس من أعظم
أسباب الإجابة، فعليه أن يعلم أنه حكيم
عليم قد يعجل الإجابة لحكمة وقد يؤخرها
(١) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان ٢٨٦/٤.
www. modoee.com
٣٥٧
حرف الياء
لحكمة وقد یعطي السائل خیرًا مما سأل،
کما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: (ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها
إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى
ثلاث: إما أن تعجل له دعوته في الدنيا، وإما
أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف
عنه من السوء مثلها. قالوا: يا رسول الله إذا
نكثر؟ قال: الله أكثر)(١).
وعليه أن يرجو من ربه الإجابة ویکثر من
توسله بأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى (٢).
٢. حسن الظن بالله ورجاء رحمته.
العبد لابد أن يحسن الظن بالله عز وجل
في كل شيء؛ لأن النبي صلى الله عليه
وسلم عد سوء الظن من الكبائر، وأن يرجو
رحمته في كل الظروف والأحوال، فعن
أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله تعالى:
يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت
لك علی ما کان منك ولا أبالي، یا ابن آدم، لو
بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني،
غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم، إنك لو
تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة) (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَتُكُمُ الَّذِى ظَنَنْتُم
بِرَيَّكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣].
هذه الآية تبين سوء ظن الكافرين بالله
عز وجل أي: أنه لا يعلم بأفعالهم، ولكن
الله عز وجل فضحهم، لقوله: ﴿ظَنَنْتُمْ﴾
بسبب إنكاركم البعث جهلاً منكم ﴿أَنَّ
الله﴾الذي له جمیع الكمال ﴿لا يعلمُ﴾ أي:
في وقت من الأوقات ﴿كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾
أي: تجددون عمله مستمرین علیه، وهو
ما كنتم تعدونه خفيًا فهذا هو الذي جرأكم
على ما فعلتم، فإن کان هذا ظنکم فهو كفر،
والمؤمن حقًّا من علم أن الله مطلع على
سره وجهره، فلم يزل مراقبًا خائفًا هائبًا (٤)،
وهذا يعطيه دافعية ویزید من إيمانه بالله عز
وجل ولا يترك مجالا لنفسه بأن تيأس وتقنط
من رحمته.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَمَرِيمٌ أَنَّ لَكٍ هَذَّاً
قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ
حِسَابٍ ﴾ [آل عمران: ٣٧].
أي: قال زكريا عليه السلام: ﴿يَمَرْيَمُ أَنَّ
أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا لَكِ هَذَا﴾ من أي وجه لك هذا الذي أرى
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ٢١٣/١٧، رقم
٠١١١٣٣
(٢) انظر: أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية
ضد الأفكار الهدامة، عبد الله الجربوع،
٤٨٠/٢.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الدعوات،
٥٤٨/٥، رقم ٣٥٤٠.
قال الترمذي: حديث حسن غريب.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٧٩٩/٢،
رقم ٤٣٣٨.
(٤) انظر: نظم الدرر، البقاعي، ١٧ / ١٧٢.
جَوَسُولَةُ النَّقِينَ
القرآن الكريم
٣٥٨
الياسِ
عندك من الرزق؟ قالت مريم مجيبة له: ﴿هُوَ
مِنْ عِندِ اللّهِ﴾ تعني: أن الله هو الذي رزقها
ذلك فساقه إليها وأعطاها، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ
يَزُقُّ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فخبرٌ من الله
أنه یسوق إلى من يشاء من خلقه رزقه،
بغير إحصاء ولا عدد يحاسب عليه عبده؛
لأنه جل ثناؤه لا ینقص سوقه ذلك إلیه،
ولا يزيد إعطاؤه إياه، ومحاسبته عليه في
ملكه، وفيما لديه شيئًا، ولا يعزب عنه علم
ما يرزقه، وإنما يحاسب من يعطي ما يعطيه،
من يخشى النقصان من ملكه، ودخول النفاد
علیه بخروج ما خرج من عنده بغير حساب
معروف (١).
فهذه مريم العذراء تظن بالله الظن
الحسن فهو لن يتركها دون رعاية واهتمام،
وهذه الحالة التي يجب أن يكون عليها
المؤمن.
٣. تعلق القلب بالله والثقة به.
يجب على المرء أن يعلق قلبه بالله،
ويجعل الثقة به سبحانه وتعالى في كل
أحواله، فمن غير اللائق بالمسلم أن ییاس
من روح الله، لأنها صفة لا يتصف بها إلا
الكفرة والفاسقين كما بينا آنفًا، وعليه أن
يثق بأن الله سيجعل بعد العسر يسرا، لقوله
تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ مُسْرَّا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًّا
[الشرح: ٥-٦].
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٣٥٩/٦.
والمعنى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ فُسْرًا﴾ يعني: ((مع
الشدة سعة، أي: بعد الشدة سعة في الدنيا،
ويقال: بعد شدة الدنيا سعة في الآخرة،
يعني: إذا احتمل المشقة في الدنيا، ينال
الجنة في الآخرة، ثم قال: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِيُسْرًا﴾
على وجه التأكيد)) (٢).
٤. أن يكون العبد بين الخوف والرجاء
يجب أن يكون العبد خائفًا راجيًا،
فإن الخوف المحمود الصادق: ما حال
بين صاحبه وبين محارم الله، فإذا تجاوز
ذلك خيف منه اليأس والقنوط، والرجاء
المحمود: رجاء رجل عمل بطاعة الله على
نور من الله، فهو راج لثوابه، أو رجل أذنب
ذنبا ثم تاب منه إلى الله عز وجل فهو راج
لمغفرته، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَتِهَدُواْ فِ سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَكَ
يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٢١٨
[البقرة: ٢١٨].
أما إذا كان الرجل متماديا في التفريط
والخطايا، يرجو رحمة الله بلا عمل، فهذا
هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب، وقد
مدح الله عز وجل أهل الخوف والرجاء
بقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِتُ ءَانَاءَ الَِّلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا
يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ،﴾ [الزمر: ٩].
﴿ نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ
وقال أيضًا:
اٌلْمَضَاِعِ يَدْعُونَ رَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا ﴾
(٢) تفسير السمر قندي، ٣/ ٥٩٤.
www. modoee.com
٣٥٩
حرف الياء
[السجدة: ١٦].
فالرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك
لکان أمنًا، والخوف يستلزم الرجاء، ولولا
ذلك لكان قنوطًا ويأسًا، فالخائف هارب
من ربه إلى ربه.
والرجاء له أسباب أهمها:
أن الله كتب على نفسه الرحمة.
وأن رحمته سبقت غضبه.
وأنه يقبل التوبة عن عباده.
وأنه يكفر السيئات ويرفع الدرجات،
ويجازي على الحسنة بعشر أمثالها،
وعلى السيئة بمثلها، ويحب توبة
التائبين.
والواجب على الإنسان أن يجمع بين
الخوف والرجاء لأنه إذا غلب جانب
الخوف وقع في اليأس والقنوط، وإذا غلب
جانب الرجاء وقع في الأمن من مكر الله(١).
إن الركون للصبر في مثل هذا المقام
أمر محمود بل واجب لأن مقادير الله نافذة
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن
رسول الله صلی الله عليه وسلم سئل عن
روح الله، والأمن من مكر الله) (٢).
سواء رضي العبد أم سخط، صبر أم جزع،
الكبائر، فقال: (الشرك بالله، واليأس من إن التسليم بالقدر هو مقتضى العقل والدين
معًا، ولن يغير من الواقع شيئًا، ولن يبدل
سنن الله في الكون (٥).
ومن هذين الحديثين يجب التنبيه على
الجمع بين الرجاء والخوف، فإذا خاف فلا
(١) انظر: فوائد من شرح كتاب التوحيد،
عبد العزيز السدحان، ص٩٦.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب عقوق الوالدين من الكبائر، رقم ٥٩٧٧،
٤/٨.
يقنط ولا ييأس بل يرجو رحمة الله (٣).
٥. الإيمان بالقضاء والقدر.
على المسلم أن يعلم علم اليقين أن قدر
الله نافذ لا محالة، وأن ما أصابه لم يكن
ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت
الأقلام وطويت الصحف، فلا يخاف مما
سوى الله، ولا يرهب أعداءه، معتقدًا أنه
بقدر الله يستعد لقدر الله أيضًا، لقوله تعالى:
﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِيَّ أَنفُسِكُمْ
إِلَّا فِي كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَنْ تَبْرَهَا إِنَّ ذَلِكَ
عَلَى اللَّهِ يَسِيْرٌ لِكَتْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَافَاتَكُمْ
وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَنكُمُ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلّ
مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ [الحديد: ٢٢ -٢٣].
وقوله تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ إِلَّا
بِإِذْنِ اَللَّهُ وَ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ، وَاللّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ
عَلِيمٌ ﴾ [التغابن: ١١](٤).
(٣) انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز
الحنفي، ٤٧٥/٢، فقه الدعوة في صحيح
الإمام البخاري، سعيد القحطاني، ١ / ٤٤٠.
(٤) انظر: الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة،
عبدالرحمن الدوسري، ١/ ٣٧.
(٥) انظر: مقومات الداعية الناجح في ضوء
الكتاب والسنة، د. سعيد القحطاني، ٢٥٧/١
٣٦٠
جويتين
القرآن الكريم
الياسِ
٦. الإيمان بالغيب.
فالإيمان بالغيب دعامة کل دین، وأساس
كل ملة وشريعة، وهو الفيصل بين المؤمن
والكافر، والمتدين والملحد، وهو المميز
للإنسان عن سائر المخلوقات التي تشاركه
الحياة على ظهر هذه الأرض، فهو يسمو
بالإنسان عن الحيوان، ويغرس في نفسه
الأمل، فلا يتسرب اليأس إلى قلبه والقنوط
في نفسه، إن أخفقت آماله في الدنيا،
وتعثرت خطى أمانيه في الحياة؛ لاعتقاده
الصادق ويقينه القاطع أن ما عند الله في
الآخرة خير وأبقى، ويحثه على الصمود
في مواجهة ما يعتريه خلال مسيرة حياته،
من مصائب أو شدائد أو محن؛ لأنه موقنٌ
ومعتقدٌ تمام الاعتقاد في الجزاء العادل
والنعيم المقيم يوم القيامة (١).
لقوله تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا ◌َللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥].
وقوله أيضًا: ﴿قُل لََّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا
وَلَا ضَرَّا إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ
لَأَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَِّيَ السُّوَّةُ
إِنْ أَنَاْ إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
١٨٨
[الأعراف: ١٨٨].
٧. الصبر عند حدوث البلاء.
الله تعالی بیدیع حكمته، ولطيف رحمته،
باختصار.
(١) انظر: أصول الدعوة وطرقها ٢، مناهج جامعة
المدينة العالمية، ٢٤٥/١.
قضى أن يبتلي النوع الإنساني بالأوامر
والنواهي والمصائب التي قدرها عليهم،
وافترضها تسلية لهم وتقوية لعزائمهم،
فأمرهم على ذلك بالصبر والثبات، ووعدهم
الثواب الجزيل، كما قال تعالى: ﴿إِنََّايُوَنَّ
الصَِّرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠](٢).
في المقابل الله سبحانه وتعالى ذم
اليائسين من رحمته عند حصول البلاء،
واستثنى من الذم الصابرين على البلاء،
وجعل لهم الثواب العظيم لقوله تعالى:
﴿وَلَيْنْ أَذَقْنَهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّنَّهُ
لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِىَّ إِنَّهُ لَفَرِحُ فَخُورُ
إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أَوْلَكَ لَّهُم
مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرُ كَبِيرٌ ﴾ [هود: ١٠ - ١١].
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن
تمني الموت بسبب البلاء، فعن أنس رضي
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (لا يتمنين أحدكم الموت لضرر
أصابه، فإن كان لا بد فاعلًا، فليقل: اللهم
أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا
كانت الوفاة خيرًا لي)(٣).
لابد أن يكون الانسان متيقنًا بفرج الله
القريب، وهذا اليقين بالفرج جدير أن يبدد
(٢) تيسير العزيز الحميد، سليمان بن عبد الله،
ص ٤٤٠ بتصرف.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المرض،
باب تمني المريض الموت، رقم ٥٦٧١،
٠١٢١/٧
www. modoee.com
٣٦١
حرف الياء
ظلمة القلق، ويقهر شبح اليأس، ويضيء
نفس المؤمن بنور الصبر الذي لا يخبو.
ولذلك ورد الصبر في كتاب الله مقرونًا
بأن وعد الله حق كما في قوله تعالى:
فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌُّّ وَلَا يَسْتَخِقَّنَّكَ
الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ﴾ [الروم: ٦٠](١).
٨. الأخذ بالأسباب.
التوكل على الله لا ينافي السعي في
الأسباب والأخذ بها فإن الله تعالى قدر
مقدورات مربوطة بأسبابها وقد أمر الله
بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل، فالأخذ
بالأسباب طاعة لله وهو من عمل الجوارح،
والتوكل على الله طاعة له سبحانه وهو من
عمل القلب وهو إيمان بالله، وعلى هذا
فلا يضر مباشرة العبد للأسباب مع خلو
القلب من الاعتماد عليها والركون إليها،
والأسباب تذهب وتأتي، ومسبب الأسباب
باقٍ موجود سبحانه وتعالى ويجب أن يكون
الأخذ بالأسباب الجائزة شرعًا فإن من توكل
على الله حق توكله لم يرتكب ما يخالف
شرعه(٢).
ومن يأخذ بالأسباب مع التوكل على الله
المؤمنون حقًا فهي صفة من صفاتهم كما
ذكر الله تعالى ذلك في كتابه العزيز: ﴿إِنَّمَا
(١) انظر: مقومات الداعية الناجح في ضوء
الكتاب والسنة، د. سعيد القحطاني، ٢٥٦/١.
(٢) شفاء الضرر بفهم التوكل والقضاء والقدر، أبو
فيصل البدراني، ١/ ٣٣.
اَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ
وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيَمَنَا وَعَلَى رَبِّهِمْ
يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢].
ويظهر لنا ذلك جليًا أيضًا في قصة يوسف
عليه السلام بإبراز أهمية الأخذ بالأسباب،
وترك الاستسلام لليأس، فقد قال نبي الله
يعقوب عليه السلام لأولاده لما أبلغوه
فقد ابنه الثاني: ﴿يَِنَّ أَذْهَبُواْ فَتَحَتَسُواْ مِن
يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَأْتَسُواْ مِن زَّوْجِ اللَّهِ إِنَّهُ.
لَا يَأْيَسُ مِن رَّوْحِ اللَّ إِلَّا الْقَوْمُ اَلْكَفِرُونَ ﴾
[يوسف: ٨٧].
٩. الزهد في الدنيا.
الطريق المؤدي إلى اليأس والقنوط،
تعلق القلب بالدنيا والفرح بأخذها، والحزن
والتأسف على فواتها بكل ما فيها، من جاه،
وسلطان، وزوجة، وأولاد، ومال، وعافية
إلخ.
فإذا أكثر العبد ذكر الآخرة، وكانت منه
دائمًا على بال، فإن الزهد في الدنيا والحذر
منها ومن فتنتها سيحلان في القلب، وحينئذٍ
لا يكترث بزهرتها، ولا يحزن على فواتها،
ولا یمدن عینیه إلی ما متع الله به بعض عباده
من نعم ليفتنهم فيها، قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَ
عَيْنَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيَةٍ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى
١٣٩
[طه: ١٣١].
وهذه الثمرة يتولد عنها بدورها ثمارٌ
٣٦٢
القرآن الكريمِ
الياسِ
منها: القناعة، وسلامة
طيبة
ـيبـ
أخرى مباركة
القلب من الحرص والحسد والغل
والشحناء؛ لأن الذي يعيش بتفكيره في
الآخرة وأنبائها العظيمة لا تهمه الدنيا
الضيقة المحدودة، مع ملاحظة أن إيمان
المسلم باليوم الآخر وزهده في الدنيا لا
يعني انقطاعه عنها وعدم ابتغاء الرزق في
أكنافها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَبْتَغِ فِيمَآ ءَاتَنْكَ
اُللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةٌ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ
الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكٌ وَلَا تَبْغُ
الْفَسَادَ فِ اْأَرْضِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
﴾ [القصص: ٧٧].
النفسية والسعادة القلبية، وقوة الاحتمال
والصبر على الشدائد والابتلاءات، لِمَا
للرجاء فيما عند الله عز وجل من الأجر
والثواب.
ثانيًا: علاج اليأس:
وكما ذكرنا آنفًا أن اليأس داء وكل داء
لابد له من علاج، وسنشير إلى مجموعة
من الخطوات التي تعالج الانسان من حالة
اليأس التي يعيشها حتى لا تنتهي حياته
بطريقة شنيعة، ويتم بيان ذلك على النحو
التالي:
القرآن الكريم اهتم اهتمامًا كبيرًا بمعالجة
اليأس وتم ذلك من خلال محورین رئیسین:
المحور الأول: الآيات التي تدعو
إلى التوحيد مما يبعث الأمل والأمان في
القلوب، ويقضي على اليأس والقنوط،
لقوله تعالى: ﴿اَللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٌ وَهُوَ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ﴿ لَّهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضُِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَايَتِ اَللَّهِ أُوْلَئِكَ
هُمُ الْخَسِرُونَ ﴾ [الزمر: ٦٢ -٦٣].
وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى
◌ِاَللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٨].
المحور الثاني: استنهاض الهمة إلى
أقصی مدی.
إن إحساس الإنسان باليأس ينتج من
كما يتولد أيضًا من هذا الشعور، الراحة انحطاط الهمة، والانشغال بسفاسف
الأمور، حيث يستغل الشيطان حب الراحة
والدعة لدى الإنسان؛ فيصرفه عن الإيمان
بدسائس ومكائد خبيثة، تصيبه بالغفلة
وانحطاط الهمة، فيقعده عن معالي الأمور.
لذلك فقد جعل القرآن الكريم للعمل
منزلة مقدسة سامیة، وحث الانسان أن یسعی
في الأرض لاستخراج خيراتها؛ لأن إعلاء
كلمة الله في الأرض، يتوقف على الرقي
المادي، فقال تعالى: ﴿ وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ
عَمَلُكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥].
وقوله تعالى أيضًا: ﴿ وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا
مَا سَعَى {)﴾ [النجم: ٣٩].
ونضيف أيضًا مجموعة من الخطوات
لمعالجة اليأس، منها:
www. modoee.com
٣٦٣
حرف الياء
تعميق الإيمان بالقضاء والقدر
وبمفهومهما الصحيح، وتربية النفس
على التوكل على الله، وبذل الجهد
الممكن للوصول إلى الأهداف، قال
تعالى: ﴿وَمَآ أُغْنِى عَنَكُم مِّنَ اللَّهِ مِن
شَىّءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلََّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌ وَعَلَيْهِ
فَلْيَتَوََّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧].
تنمية الثقة بالنفس، والاعتماد على
الذات في القيام بالأعمال بعد الثقة
بالله عز وجل والتوكل عليه، وتحمل
المسؤولية عن نتائجها بغير تردد ولا
وجل، لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ
إِلَّ أَن يَشَآءَ اَللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ
[التكوير: ٢٩]. وقوله أيضًا: ﴿وَمَا تَوْفِيقِيّ
إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [هود: ٨٨].
اليقين بالقدرة على التغيير إلى الأفضل
في كل جوانب الحياة ومطالعة تجارب
الناجحين في شتى المیادین.
قراءة قصص الأنبياء والصالحين الذين
غير الله بهم وجه الحياة والتعرف على
الصعاب والمشاق التي واجهوها،
حتى أدركوا مناهم، قال تعالى: ﴿نَتْنُ
نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَا
إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ﴾ [يوسف: ٣]. وقوله
لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ
أيضًا:
لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾ [يوسف: ١١١].
اليقين بأن الاستسلام لحالة اليأس لن
يجني صاحبها من ورائها إلا مزيدًا من
الفشل والتعب والمرض، وأن البديل
هو السعي والجد وتلمح الأمل، لقوله
تعالى: ﴿وَلَا تَمُذَنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِه
أَزْوَجَا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْمَوِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيَّةٍ
وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٦)﴾ [طه: ١٣١].
التأسي بأهل الصبر والعزائم، والحث
على لزوم الرضا بالشدائد والصبر
عليها، لقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْحَّ
نَعْلَمَ اٌلْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّبِنَ وَنَبْلُوَّ
آخبارگۇ ﴾﴾ [محمد: ٣١].
يَلْبُنَّ أَقِمِ الصَّلَوَةَ وَأَمُرْ ◌ِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ
عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ
مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [لقمان: ١٧].
* استمرار مقاومة المسلم للمنكرات،
وعدم السماح لتسرب اليأس والقنوط
في نفسه، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ
كُلُوْ مِمَا فِىِ الْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُواْ
خُطُوَاتِ الشَّيْطَنِّ إِنَّهُلَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ
٢٦٨
إِنَّمَا يَأْمُرُّكُمْ بِالسُّوْءِ وَالْفَحْشَآِ وَأَنْ تَقُولُواْ
[البقرة: ١٦٨-
عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
١٦٩](١).
موضوعات ذات صلة:
التوكل، الحزن، الذل، الضعف، العزم،
القوة، الوهن
(١) انظر: روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، ابن
حبان ص١٥٧، الخطابة، مناهج جامعة
المدينة العالمية، ص ٨٣.
٣٦٤
جَوَسُ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ