النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْ مُوبَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الْيَّاشِ ، ء عناصر الموضوع مفهوم الياس ٣٢٦ اليأس في الاستعمال القرآني ٣٢٧ الألفاظ ذات الصلة ٣٢٨ اليأس في النساء ٣٣١ صورّ من اليأس ٣٣٤ أسباب اليأس ٣٥٢ ٣٥٧ وسائل الوقاية من اليأس وعلاجه المُجَلَّدَ الخَامِسْ، وَالثَّلاثُونْ حرف الياء مفهوم اليأس أولًا: المعنى اللغوي اليأس مصدر فعله يئس، قال ابن فارس: ((الياء والهمزة والسين، كلمتان: إحداهما اليأس: قطع الرجاء، ويقال: إنه لیست یاء في صدر کلمة بعدها همزة إلا هذه، يقال منه: پٹس پیاس وبيئس، على يفعل ويفعل، والكلمة الأخرى: ألم تيأس، أي: ألم تعلم، أي: أفلم يعلم)) (١). واليأس: القنوط، وهو قطع الأمل عن الشيء، وقد يئس من الشيء ييأس من باب فهم، وفيه لغة أخرى: أيس يأيس، والتأييس: الاستقلال، يقال: ما أيسنا فلانا خيرًا، أي: ما استقللنا منه خیرا، أي: أردته لأستخرج منه شيئا فما قدرت عليه (٢). وذكر ابن منظور في اللسان: أن مصدرها اليأس واليآسة واليأس، وقد استيأس وأياسته، والجمع يؤوس، ويقال: يئست المرأة إذا عقمت فهي يائسُ كما يقال: حائضٌ وطامتٌ فإن لم يذكر الموصوف قلت: يائسةٌ وأيتسها الله إياسًا(٣). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي قال ابن الجوزي: هو ((القطع على أن المطلوب لا يتحصل لتحقيق فواته)) (٤)، وأيضًا من خلال المعنى اللغوي السابق، ومعاني الآيات التي وردت فيها لفظة اليأس يمكن الخروج بتعريف اصطلاحي لكلمة اليأس وهو: قنوطٌ وإحباط يصيب الإنسان، فيفقد الأمل في إمکان تغير ما حوله. (١) مقاييس اللغة، ١٥٤/٦. (٢) انظر: الصحاح، الجوهري، ٩٩٣/٣، تهذيب اللغة، الأزهري، ٩٨/١٣، مختار الصحاح، الرازي، ٣٤٨/١. (٣) لسان العرب، ٦/ ٢٦٠ بتصرف. وانظر: المصباح المنير، الفيومي، ٦٨٣/٢، المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده، ٦٣٢/٨. (٤) نزهة الأعين النواظر، ١/ ٦٣٣. ٣٢٦ جَوَسُولَةُ النَّفِي القرآن الكريمِ الياسِ اليأس في الاستعمال القرآني وردت مادة (يأس) في القرآن الكريم (١٣) مرة (١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ٧ ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَوَلَّوْاْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَبِسُواْ مِنَ الْآَخِرَةِ كُمَا بَيِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبِ الْقُبُورِ ﴾ [الممتحنة: ١٣] الفعل المضارع ٣ ﴿وَلَا تَأْتَسُواْ مِنْ زَّوْعِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَأيْتَسُ مِن رَّوْح ◌َلَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ اَلْكَفِرُونَ (٧)﴾ [يوسف: ٨٧] صيغة المبالغة ٣ ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُ كَانَ يَئُوسًا﴾ [الإسراء: ٨٣] وجاء اليأس في القرآن على وجهين(٢): الأول: القنوط، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْيْئَسُواْ مِنْ زَّوْجِ اَللَّهِ إِنَّهُ لَا يَأْيْئَسُ مِن رَّوْجِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ ﴾ [يوسف: ٨٧]. يعني: لا تقنطوا. الثاني: العلم، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَأْيِّفَسِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١]. أي: أفلم يعلم. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٧٦٩. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ٤٨٤. www. modoee.com ٣٢٧ حرف الياء الألفاظ ذات الصلة القنوط: ١ القنوط لغةً: «القاف والنون والطاء كلمة صحيحة تدل على اليأس من الشيء)) (١). وقيل: القنوط: الإياس من الخير، ويقال: شر الناس الذين يقنطون الناس من رحمة الله، أي: یؤیسونهم (٢). القنوط اصطلاحًا: ((اليأس من الرحمة)) (٣). الصلة بين اليأس والقنوط: اليأس: انقطاع الطمع من الشيء، والقنوط: أخص منه، فهو أشد اليأس(٤). وقال الراغب الأصفهاني القنوط: اليأس، وقيل هو من الخير، فهو أخص من مطلق اليأس(٥). الخيبة: ٢ الخيبة لغة: الخاء والياء والباء أصل واحد يدل على عدم فائدة وحرمان، وقالوا: سعى في أمر فخاب، وذلك إذا حرم فلم يفد خيرًا (٦). وقال ابن منظور: والخيبة بمعنى: الخسران والكفر، أي: خاب إذا خسر، وخاب إذا كفر(٧). الخيبة اصطلاحًا: قال الراغب الأصفهاني الخيبة معناها: («فوت الطلب» (٨). (١) مقاییس اللغة، ابن فارس، ٣٢/٥. (٢) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري، ٢٥/٩. (٣) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ص٢٧٥. (٤) انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري، ص٤٣٦. (٥) انظر: المفردات، ص ٦٨٥. (٦) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢٣٢/٢، مجمل اللغة، ابن فارس، ٣٠٨/١. (٧) انظر: لسان العرب، ٣٦٨/١، تاج العروس، محمد الزبيدي، ٣٨٨/٢. (٨) المفردات، ص٣٠٠. ٣٢٨ جَبُور القرآن الكريم الياس وقال أبو هلال العسكري إنها:((المنقطع عما أمل)) (١). الصلة بين اليأس والخيبة: اليأس: قد يكون قبل الأمل وقد يكون بعده، أما الخيبة: فلا تكون إلا بعد الأمل، لأنها امتناع نيل ما أمل (٢). الحزن: ٣ الحزن لغة: بضم الحاء المهملة وسكون الزاي كما ذكر ابن فارس - الحاء والزاء والنون أصل واحد، وهو خشونة الشيء وشدةٌ فيه (٣). والحزن - بضم الحاء وسكون الزاء - والحزن - بفتح الحاء والزاء: خلاف السرور، الواحدة حزنة (٤). الحزن اصطلاحًا: ((عبارة عما يحصل لوقوع مكروه، أو فوات محبوب في الماضي)) (٥). وقيل: انكسار الفؤاد لفوات المراد، وقيل: زوال قوة القلب لدوام وارد الكرب (٦). الصلة بين اليأس والحزن: اليأس: وجود الغم والهم بشكل كبير في اليائس، الحزن: وجود الغم والهم ليس بكثرة ما هو موجود في اليأس، وذهابه أسرع مما لو كان في اليأس. الأمل: ٤ الأمل لغة: الهمزة والميم واللام أصلان: الأول التثبت والانتظار، والثاني الحبل من الرمل، والأمل: الرجاء (٧ (١) الفروق اللغوية، ص٤٣٦. وانظر: الكليات، الكفوي، ص٤٣٨. (٢) انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري، ص٤٣٦. (٣) انظر: مقاييس اللغة، ٢/ ٥٤. (٤) انظر: الصحاح، الجوهري، ٢٠٩٨/٥. (٥) التعريفات، الجرجاني، ص ٨١. (٦) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ص ١٣٤. (٧) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ١٤٠/١. www. modoee.com ٣٢٩ حرف الياء الأمل اصطلاحًا: ذكر المناوي أنه: ((توقع حصول الشيء، وأكثر ما يستعمل فيما يبعد حصوله)) (١). وقيل: ((الأمل بفتح الميم هو ما يحدث به الإنسان نفسه مما يدركه من أمور الدنيا ويبلغه ويحرص عليه)) (٢). الصلة بين اليأس والأمل: اليأس: من كل شيء سواء أكان خيرًا أم شرًا، ويستبعد حصوله بالكلية، والأمل: ما يكون في الخیر، وقد يحصل ما تأملناه، وقد لا يحصل. (١) التوقيف على مهمات التعاريف، ص ٦٢. (٢) مشارق الأنوار، القاضي عياض ٣٨/١. ٣٣٠ جَوَسُو ◌َرُ النفسية القرآن الكريمِ الياسِ اليأس في النساء اليأس في النساء أمر قدره الله سبحانه وتعالى على بنات حواء، وذلك يحصل عندما تصل المرأة إلى مرحلة تنقطع فيها الدورة الشهرية عنها، وتلك ظاهرة طبيعية تحدث لدى كل النساء عندما تصل في الغالب إلى عمر يتجاوز الأربعين سنة، وهن القواعد اللاتي لا یرجی حیضهن، أي بيأسن من المحيض، ولا ينتظرونه بعد طول انقطاع، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى ذلك في كتابه العزيز لما يترتب عليه من أحكام لا بد من معرفتها؛ لتجنب الوقوع في المحذور الذي نهى الله عنه. قال تعالى: ﴿وَأَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِسَائِكُمْ إِنٍ أَوْتَبْتُمُّ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَنَّةُ أَشْهُرٍ وَالَّتِى لَمْ يَحِصْنَّ وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْيِهِ إِخْرًا. [الطلاق: ٤]. قال مقاتلٌ: لما نزلت: ﴿ وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. قال خلاد بن النعمان بن قيسٍ الأنصاري: یا رسول الله فما عدة التي لا تحيض، وعدة التي لم تحض، وعدة الحبلى؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. وفي رواية أخرى أخبرنا أبو إسحاق المقرئ، عن أبي عثمان عمرو بن سالم قال: (لما نزلت عدة النساء فى سورة البقرة في المطلقة والمتوفى عنها زوجها، قال أبي بن كعب: يا رسول الله، إن نساءً من أهل المدينة يقلن قد بقي من النساء من لم يذكر فيها شيءٌ، قال: (ما هو؟) قال: الصغار والكبار وذوات الحمل، فنزلت هذه الآية: ﴿ وَأَّتِى بَيِسْنَ﴾ إلى آخرها (١). والمعنى: ﴿ وَاَلَِّى بَيِسْنَ﴾ أي: بلغن سن اليأس وذلك بأن تبلغ المرأة ستين سنة، ويقال خمسين، وقد ثبت إياسها وتيقن ذلك منها من دون شكٍ في إياسها، وقوله: ﴿إن آُرّتُمْ﴾ أي: إن شککتم في عدتهن، ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَئَةُ أَشْهُرٍ﴾، فقام رجل وسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو كانت صغيرة، کیف عدتها؟ وقام آخر وقال: لو كانت حاملاً، كيف لَى لَمْ يَحِضْنَ عدتها؟ فنزل قوله: يعني: المرأة التي لم تحض، فعدتها ثلاثة أشهر مثل عدة الآيسة، وقوله: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ يعني: عدتهن أن يضعن حملهن وقال عمر رضي الله عنه: لو وضعت ما في بطنها وزوجها على سريره، قبل أن يدفن في حفرته، لانقضت عدتها وحلت للأزواج، وروى الزهري، عن عبد الله، عن أبيه: (أن سبيعة بنت الحارث قد (١) انظر: أسباب نزول القرآن، الواحدي ص٤٣٦. www. modoee.com ٣٣١ حرف الياء وضعت بعد وفاة زوجها بعشرين يومًا، فمر بها السنابل بن بعكك، فقال لها: أتريدين أن نتزوج؟ فقالت: نعم، قال: لا حتى يأتي عليك أربعة أشهر وعشر، فأنت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: قد حللت للزواج يعني: انقضت عدتك) (١). وذكر الجصاص في أحكام القرآن: أن بالأشهر (٣). معنى قوله: ﴿إِنِ أَرْبَّبْتُمْ﴾ لا يخلو من أحد وجوهٍ ثلاثةٍ: الوجه الأول: إما أن يكون المراد من المحيض هي التي لا ترجو محيضًا الارتياب في أنها آيسةٌ وليست بآيسةٍ. الوجه الثاني: الارتياب في أنها حاملٌ أو غير حامل. الوجه الثالث: ارتياب المخاطبين في عدة الآيسة والصغيرة. أما بالنسبة للوجه الأول فهو غير جائز؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد أثبت من جعل الشهور عدتها أنها آيسةٌ، والمشكوك فيها لا تکون آیسةً لاستحالة مجامعة الیاس الرجاء إذ هما ضدان لا يجوز اجتماعهما (٢). وذكر في كتاب تأويلات أهل السنة: أنهم اختلفوا في قوله: ﴿إِنِ أَرَبَبْتُمْ﴾ أي أنه أريد به إن ارتبتم في حیضهن أو في عدتهن، والصحيح الارتياب في عدتهن؛ لأنه لو كان (١) انظر: تفسير السمر قندي، ٤٦٢/٣، مفاتيح الغيب، الرازي، ٥٦٣/٣٠، أحكام القرآن، الكيا الهراسي، ٤ /٤٢١. (٢) انظر: أحكام القرآن، ٣٥٣/٥. المراد منه الارتياب في حيضهن، لقال الله عز وجل: (إن ارتبتن) أو يقول: (واللائي ارتبن) ليكون منسق مع قوله: ﴿وَأَلَِّى بَیِسْنَ﴾ فلما قال: ﴿آرتبتُرُ﴾ ثبت أن المراد: إن ارتبتم في عدة الآيسات والصغائر، فهي ثلاثة أشهر، والله أعلم، فيكون عدتهما وذكر الطبري في قوله: ﴿وَأَّتِى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ أَرَبَّبْتُمْ﴾ ((اليائسة للكبر، ومحال أن يقال: واللائي يئسن، ثم يقال: ارتبتم بيأسهن، لأن اليأس: هو انقطاع الرجاء والمرتاب بيأسها مرجو لها، وغير جائز ارتفاع الرجاء ووجوده في وقت واحد، فإذا كان الصواب من القول في ذلك ما قلنا، فبين أن تأويل الآية: واللائي يئسن من المحیض من نسائكم إن ارتبتم بالحكم فیهن، وفي عددهن، فلم تدروا ما هن، فإن حکم عددهن إذا طلقن، وهن ممن دخل بهن أزواجهن، فعدتهن ثلاثة أشهر، ﴿وَالَّتِى لَمْيَضْنَ﴾ يقول: وكذلك عدد اللائي لم يحضن من الجواري لصغر إذا طلقهن أزواجهن بعد الدخول» (٤). وقوله: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ (٣) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ١٠/ ٦٠، إعراب القرآن، أبو جعفر النحاس، ٢٩٨/٤. (٤) جامع البيان، ٢٣/ ٤٥٣. ٣٣٢ جوية القرآن الكريم الياسِ حمّلَهُنَّ﴾ في انقضاء عدتهن أن يضعن حملهن، وذلك إجماع من جميع أهل العلم في المطلقة الحامل، فأما في المتوفى عنها ففيها اختلاف بين أهل العلم، وتم الإشارة إليه من قبل. ذكر من قال: حكم قوله: ﴿وَأُؤْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ عام في المطلقات والمتوفى عنهن. قال ابن مسعود: من شاء لاعنته، ما نزلت: ﴿وَأَوْلَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمَّلَهُنَّ﴾ إلا بعد آية المتوفى عنها زوجها، وإذا وضعت المتوفي عنها فقد حلت؛ یرید بآية المتوفى عنها ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. قال الشعبي: من شاء حالفته لأنزلت النساء القصرى بعد الأربعة الأشهر والعشر التي في سورة البقرة. قال علي رضي الله عنه في قوله: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ المطلقات، ثم قال الشعبي: إن عليًا وعبد الله رضي الله عنهما كانا يقولان في الطلاق بحلول أجلها إذا وضعت حملها. وعن أبي بن كعب، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ قال: قلت: يا رسول الله، المتوفى عنها زوجها والمطلقة، قال: (نعم). عن السدي، قوله: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حمّلَهُنَّ﴾ قال: للمرأة الحبلى التي يطلقها زوجها وهي حامل، فعدتها أن تضع حملها. وقال آخرون: ذلك خاص في المطلقات، وأما المتوفى عنها فإن عدتها آخر الأجلين، وذلك قول مروي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما. والصواب من القول في ذلك: أنه عام في المطلقات والمتوفى عنهن؛ لأن الله عز وجل عم ذلك بقوله: ﴿وَأَوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ولم يخصص في هذه الآية مطلقةً ولا متوفى عنها بل شمل كل أولات الأحمال، فإن ظن ظان أن قوله: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ في سياق الخبر عن أحكام المطلقات دون المتوفى عنهن، فالخبر عن حكم المطلقة أولى بالخبر عنهن، وعن المتوفى عنهن، فإن الأمر بخلاف ما ظن، وإن كان في سياق الخبر عن أحكام المطلقات، فإنه منقطع عن الخبر عنهن، بل هو خبر مبتدأ عن أحكام عدد جميع أولات الأحمال المطلقات منهن وغير المطلقات، ولا دلالة على أنه مراد به بعض الحوامل دون بعض، فهو على عمومه(١). وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ يعني: يصبر (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٣ / ٤٥٣. www. modoee.com ٣٣٣ حرف الياء على طاعة الله تعالى، ﴿يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَعْنِه بِتْرًّا﴾ يعني: ييسر له أمره، ويوفقه لطاعته ويعصمه عن معاصيه، ثم قال الله عز وجل: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ يعني: هذا الذي ذكر حكم الله وفريضته، ﴿أَنْلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ يعني: أنزله في القرآن على نبيكم، ومن يتق الله ويعمل بأحكامه وفریضته، یکفر عنه سيئاته في الدنيا، ويعظم له أجرًا يعني: ثوابًا في الجنة(١). صور من الياس صور اليأس متعددة، وقد ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، للوقوف عليها لفهمها ومعرفتها، وبالتالي تجنب الوقوع فيها؛ لنهي الله عنها وتحريمها، وفي المقابل دعا إلى الأمل والتفاؤل والثقة بالله عز وجل. أولًا: اليأس من نصر الله: نجد في القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى قد وعد عباده المؤمنين بالنصر والنجاة والدفاع والولاية على وجه العموم، لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ اَلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: ٥١]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُنَجِى رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا ◌ُجِ الْمُؤْمِنِينَ [يونس: ١٠٣]. وقوله تعالى أيضًا: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ مَامَنُواْ﴾ [الحج:٣٨]. عن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلی الله عليه وسلم يقول: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزا يعز (١) انظر: تفسير السمر قندي، ٤٦٢/٣. ٣٣٤ جوسين القرآن الكريم الياسِ الله به الإسلام وذلا یذل الله به الكفر) (١)، والمسلمون مهما حل بهم من الضيق فإنهم وَلَا يبقون المخاطبين بقول الله تعالى: تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [آل عمران: ١٣٩]. ولكن ما يراه المسلمون من انتشار الباطل والبطش بهم، وسيطرة وتحكم أعداء الدین في کثیر من أمور الاسلام والمسلمين، قد توجد مكانًا لليأس والقنوط والحزن في نفوسهم من نصر الله عز وجل لهم على أعدائهم، وبيان ذلك على النحو الآتي: قال تعالى: ﴿حَقَّ إِذَا أَسْتَيْتَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَ هُمْ نَصْرُنَا فَنُبِّىَ مَن نَّشَاءٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ اَلْقَوْمِ الْمُجْرِمِنَ [يوسف: ١١٠]. المعنى: «استیاس الرسل: أي: يئسوا من إیمان قومهم، وظنوا أنهم قد کذبوا أي: ظن الأمم المرسل إلیھم آن الرسل قد أخلفوا ما وعدوا به من النصر، ولا يرد بأسنا أي: عذابنا الشديد، عن القوم المجرمين أي: الذين أجرموا على أنفسهم بالشرك والمعاصي وأجرموا على غيرهم بصرفهم عن الإيمان))(٢). (١) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٦٩٥٧، ٢٨ / ١٥٤. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، ٣٢/١، رقم ٣. (٢) أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري، ٢/ ٦٥٥. وقرئ: (فننجي)، بالتخفيف والتشديد، من أنجاه ونجاه، على لفظ الماضي المبنى للمفعول. وقرأ ابن محيصن: فنجا، والمراد فننجي من نشاء أي: المؤمنون؛ لأنهم الذين يستأهلون أن يشاء نجاتهم. وقد بين ذلك بقوله ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأَسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِنَ﴾ (٣). . ((يبشر الله عز وجل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالنصر ويخبره بسنة إلهية دائمة: وهي مجيء النصر الإلهي للرسل عليهم السلام، عند اشتداد الأزمة وانتظار الفرج الرباني، وتيقن الرسل أن المشركين كذبوهم تکذیبًا لا إیمان بعده، وصمموا على ذلك، ولا انحراف عنه، وتكون العاقبة هي الإتيان بنصر الله فجأة، فينجي الله من يشاء، وهم النبي والمؤمنون معه، ويحل العقاب بالمكذبين الكافرين، ولا يرد بأس الله، أي: لا يمنع عقاب الله وبطشه عن القوم الذين أجرموا، فكفروا بالله، وكذبوا رسله. وفي هذا تهديد ووعيد لكفار قريش وأمثالهم، لإعراضهم عن الإيمان بالنبي صلی الله عليه وسلم وبدعوته، وبما أنزل الله من القرآن المجيد لأن في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأَسُنَا﴾ أي: عذابنا وعيدًا بينا، وتهديدًا صريحًا لمعاصري محمد عليه (٣) انظر: الكشاف، الزمخشري، ٥١٠/٢. www. modoee.com ٣٣٥ حرف الياء الصلاة والسلام»(١). وذكر محمد حجازي أن معنى الآية هو: ظن القوم أن الرسل قد كذبوا فيما جاءوا به من الوعد والوعيد، حتى إذا يئسوا وظنوا الظنون جاءهم نصرنا وأمرنا، ولا راد لقضاء الله ولا معقب لحكمه، فنجا المؤمنون الذين أراد الله لهم النجاة فآمنوا، أما الكافرون فحاق بهم البأس والعذاب من كل جانب، ولا يرد بأس الله عن القوم المجرمين (٢). ومنطلقًا من ذلك ينبغي أن لا نجعل اليأس يتغلغل في أنفسنا، وإنما علينا أن نتذكر أمرًا مهمًا وهو أنه بين لنا في كتابه العزيز أيضًا كيد أعداء الإسلام ومكرهم وعمق حقدهم وبطشهم بالمسلمين لأخذ الحيطة والحذر منهم، لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لَِزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (@)﴾ [إبراهيم: ٤٦]. أي: («مكرهم العظيم الذي استفرغوا فیه جهدهم وعند الله مكرهم لا يخلوا إما أن يكون مضافا إلى الفاعل على معنى: ومكتوب عند الله مکرهم، فهو مجازیھم عليه بمكر هو أعظم منه، أو يكون مضافا إلى المفعول على معنى: وعند الله مكرهم الذي يمكرهم به، وهو عذابهم الذي (١) التفسير الوسيط، الزحيلي، ٢/ ١١٤٣. (٢) انظر: التفسير الواضح، ٢/ ٢١١. يستحقونه یأتیهم به من حیث لا يشعرون ولا يحتسبون، ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ وإن عظم مكرهم وتبالغ في الشدة، فضرب زوال الجبال منه مثلًا لتفاقمه وشدته» (٣). وأعقب ذلك مباشرةً بوعده لأوليائه المؤمنين، بالنصر والعلو والظهور عليهم: لقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَّحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ، رُسُلَةُ: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو أَنِقَامٍ ٤٧ [إبراهيم: ٤٧]. أي: ((﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ﴾ يا محمد ﴿ُخْلِفَ وَعْدِهِ، رُسُلَهُ﴾ ما وعدهم من الفتح والنصر ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ منيع ﴿ذُو أَنْشِقَامٍ﴾ من الكفار يجازيهم بما كان من سيئاتهم)) (٤). فكيف إذا نتذكر كيد العدو وبطشه فنخشاه، وننسى أو نهمل وعد الله لنا بالعز والنصر والتمكين؟ ويستفاد من ذلك: أن المؤمنين حقًا هم الذين لا يجعلون لليأس مكان في قلوبهم مهما حصل معهم في المعارك، وما رأوه على أرض الواقع، وإنما يستفيدون من ذلك، ويتخذون الأسباب المؤدية بهم إلى النصر والفتح والظهور علی الدین کله، من تربيةٍ وإعدادٍ، وأخوةٍ إيمانيةٍ، وصفٍ موحدٍ (٣) الكشاف، الزمخشري، ٥٦٥/٢. (٤) الوجيز، الواحدي، ص٤٨٦. ٣٣٦ جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريم الياسِ بينهم، مع الثقة الكبيرة بنصر الله سبحانه وتعالى لهم، وإلا فإن نصر الله للمسلمين وهم على ما هم عليه من الفرقة والشتات والرخاوة والضعف، لن يتحقق فيضيعون بذلك، ويضيعون معهم الأمة، ويقضى على الإسلام، والله المستعان. ثانيًا: اليأس من رحمة الله: قد يعتري الإنسان جهلٌ بربه سبحانه وتعالى وبحقيقة سننه في تعامله مع عباده، القائمة على أساس الرحمة والعفو والتسامح، وفتح باب التوبة والإنابة إليه، وجهله بذلك يجعله يسيء الظن بربه. وقد ذكر الله ذلك في كتابه، في قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَقَ أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّلَّكُمُّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. کیف وإن وجدت أسباب تدفعه للوصول إلى مرحلة اليأس من رحمة الله سبحانه وتعالى؟ وتلك الأسباب هي: ١. اقتراف الذنوب. حينما يدرك الانسان أن ذنوبه كثيرة، كما يقال مثل زبد البحر، نتيجة فعله المعاصي والآثام والإكثار منها، فيصل إلى مرحلة يظن فيها أن الله سبحانه وتعالى لن يسامحه ولن یکفر عنه ذنوبه، وبالتالي لن یرحمه دنيا وآخرة، وهذا غير صحيح بدليل قوله تعالى: قُلْ يَعِبَادِىَّ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: ٥٣]. قال ابن عباسٍ: نزلت في أهل مكة قالوا: يزعم محمدٌ أن من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا مع الله إلهًا آخر وقتلنا النفس التي حرم الله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال ابن عمر: نزلت هذه الآية في عیاش بن أبي ربيعة والولید بن الوليد ونفٍ من المسلمين كانوا أسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا، فكنا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفًا ولا عدلًا أبدًا، قومٌ أسلموا ثم تركوا دینهم بعذاب عذبوا به، فنزلت هذه الآيات، وكان عمر كاتبًا، فكتبها إلى عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وأولئك النفر فأسلموا وهاجروا. وعن ابن جريج قال: حدثني يعلى بن مسلم أنه سمع سعيد بن جبير یحدث عن ابن عباسٍ أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسنٌ لو تخبرنا أن لما عملناه كفارة، فنزلت هذه الآية (١) (١) انظر: أسباب نزول القرآن، الواحدي ص٣٧٠. www. modoee.com ٣٣٧ حرف الياء والمقصود من هذه الآية الكريمة: دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله يغفر الذنوب جميعا لمن تاب منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر، ولا يصح حمل هذه الآية على غير توبة؛ لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه، ولا يقنطن عبد من رحمة الله، وإن عظمت ذنوبه و کثرت؛ فإن باب التوبة والرحمة واسع، لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوَأْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ﴾ [التوبة: ١٠٤]. وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اَللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا (١)﴾ [النساء: ١١٠]. وقوله تعالى في حق المنافقين: ﴿إِنَّ اَلْتَفِقِينَ فِىِ الذَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجَّدَ لَهُمْ نَصِيرًا ( ٣٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَأَعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٤٥-١٤٦](١). فها هي رحمته الواسعة التي تسع كل معصية أيًا كانت، فتدعوا العصاة المسرفين الشاردين المبعدين في تيه الضلال، إلى الأمل والرجاء والثقة بعفو الله، فإنه رحيم بعباده، يعلم ضعفهم وعجزهم، ويعلم العوامل المسلطة عليهم من داخل كيانهم ومن خارجه، ويعلم أن الشيطان يقعد لهم كل مرصد، ويأخذ عليهم كل طريق، فسرعان ما يسقط إذا أفلت من يده الحبل الذي يربطه والعروة التي تشده، فينحرف ويقع في المعاصي. فالله سبحانه وتعالی یعلم کل هذا فیمد له في العون ويوسع له في الرحمة ولا یأخذه بمعصیته حتی یھیئ له جميع الوسائل ليصلح خطأه ويقيم خطاه على الصراط، وبعد أن يلج في المعصية، ويسرف في الذنب، ویحسب أنه قد طرد وانتهى أمره، ولم يعد يقبل ولا يستقبل، في هذه اللحظة لحظة اليأس والقنوط، يسمع نداء الرحمة الندي اللطيف، الذي يدعوه إلا التوبة وحدها، وهو الباب المفتوح الذي ليس عليه بواب یمنع، والذي لا یحتاج من یلج فیه إلی استئذان (٢). وذكر الخازن في تفسيره: «أن الآية فيها تنبيه على أنه لا يجوز أن يظن العاصي أنه لا مخلص له من العذاب، فإن اعتقد ذلك فهو قانط من رحمة الله إذ لا أحد من العصاة إلا ومتى تاب زال عقابه وصار من أهل المغفرة والرحمة، ومعنى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جميعًا﴾ أي: إذا تاب وصحت التوبة غفرت ذنوبه، ومن مات قبل أن يتوب فهو موكول إلى مشيئة الله تعالى فإن شاء غفر له وعفا (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٠٧/٧. (٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ٣٠٥٨/٥. ٣٣٨ جوسين القرآن الكريم الياسِ عنه وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه ثم يدخله الجنة بفضله ورحمته، فالتوبة واجبة على كل أحد، وخوف العقاب مطلوب فلعل الله تعالى يغفر مطلقا ولعله یعذب ثم يعفو بعد ذلك والله أعلم)» (١). ٢. وقوع الكرب. الله سبحانه وتعالى يبتلي المؤمنين بالكرب ومختلف أنواع الابتلاءات؛ لاختبارهم واختبار قوة إيمانهم وثباتهم علی منهجه و دینه وطريقه، فالدنيا دار ابتلاء وامتحان، وأشد الناس ابتلاءً الأنبياء، بدليل سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس أشد بلاء؟، قال: (الأنبياء فالأمثل ثم الأمثل، ثم يبتلى المؤمن على قدر إيمانه فإن كان إيمانه)(٢). ومن أمثلة ما تعرض له الأنبياء من البلاء الشديد ما حصل مع نبي الله إبراهيم مع ولده يؤكد ذلك حین خضع کلاهما لمحنة، حينما أمر الله -عز وجل - إبراهيم -عليه السلام - بذبح ابنه - عليه السلام - في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَبنَىَّ إِنّ أَرَىْ فِىِ الْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ فَأَنْظُرْ مَاذَا تَرَىّ (١) لباب التأويل، ٤/ ٦١. (٢) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، رقم ٢٣٩٨، ٠٦٠١/٤ وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١/ ٢٣٠، رقم ٩٩٢. قَالَ يَأْبَتِ أَفْعَلٌ مَا تَؤْمَرُ سَتَجِدَنِيّ إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ ﴾ [الصافات: ١٠٢]. ١٠٢ الصَّبِينَ فکیف سیکون موقف كلا منهما، فما كان إلا أن أطاعوا أمر الله عز وجل لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَقَلَّهُ لِلْجَبِينِ ) وَنَدَيْنَهُ أَنْ يَابَهِيمُ (١٠١ قَدْ صَدَّقْتَ الرُِّيَأْ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَوَّا الْمُبِينُ ) وَقَدَيْنَهُ بِذِيِّجٍ عَظِيمٍ [الصافات: ١٠٣ - ١٠٧ ١٠٧]. إذًا الله سبحانه وتعالى وحده الذي یفرج الکروب، وهو بذلك کریم مع عباده، رحیم بهم، وما حصل مع رسول الله صلی الله عليه وسلم حين تأخر الوحي، فقال المشركون: إن محمدًا ودعه ربه وقلاه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالضُّحَىِ ) وَالَّيْلِ إِذَا سَجَ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وَلَلَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ن وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ ٥ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِبِمًا فَشَاوَى وَوَجَدَكَ ضَّآلًّا فَهَدَىْ ل وَوَجَدَكَ عَآَيِلًا فَأَغْفَىَ [الضحى: ١ - ٨]. أي: ما ترکك ربك يا محمد منذ اختارك، ولا أبغضك منذ أحبك، وهذا ردٌ على المشرکین حین قالوا: هجره ربه(٣). وأسباب ذلك عن جندبٍ قال: قالت امرأةٌ من قریشٍ للنبي صلی الله عليه وسلم (٣) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ٥/ ٢٦٦، صفوة التفاسير، الصابوني، ٥٤٥/٣. www. modoee.com ٣٣٩ حرف الياء ما أرى شيطانك إلا قد ودعك، فأنزل الله هذه الآية. وعن هشام بن عروة، عن أبيه قال: أبطأ جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فجزع جزعًا شديدًا، فقالت له خديجة: قد قلاك ربك لما یری من جزءك، فأنزل الله هذه الآية (١). فهل من المعقول أن يترك الله - سبحانه وتعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم في أوقات الشدة والكرب والمواجهة مع المشرکین؟ وما حصل مع سيدنا إبراهيم عليه السلام أيضًا عندما جاءته البشرى بالولد في سنٍ قَالَ أَبْشَرْتَمُونِي كبير أبدى تعجبه فقال: عَلَ أَنْ مَّسَّنِىَ الْكِبَرُ فَِّمَ تُبَشِّرُونَ ﴾ [الحجر: ٥٤]. فردت عليه الملائكة في قوله تعالى: قَالُواْ بَشَّرْنَكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُنُ مِنَ الْقَيِطِينَ [الحجر: ٥٥]. فرد عليهم في قوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ، إِلَّا الضَّالُونَ )) [الحجر: ٥٦]. ومعنى قوله: ﴿فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَنِطِينَ﴾ أي: من الآیسین من ذلك، فإنه تعالی قادر على أن يخلق بشرًا من غير أبوين فكيف من (١) انظر: أسباب نزول القرآن، الواحدي، ص٤٥٨. شيخ فان وعجوز عاقر، وكان استعجاب إبراهيم عليه السلام باعتبار العادة دون القدرة (٢). ومن فهم من الآية أو ظن أن نبيه إبراهيم علیه السلام يئس من رحمة ربه، فترد على ذلك بما يأتي: قولهم: ﴿فَلاَ تَكُنْ مِّنَ الْقَنِطِينَ﴾ لا یدل على أنه کان کذلك، واثبات ذلك یکون بالأدلة الآتية: أولًا: بدلیل أنه صرح في جوابهم بما يدل على أنه ليس كذلك فقال: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِن زَّحْمَدِ رَيْهِ: إِلَّا الصَّالُونَ﴾ [الحجر: ٥٦]. ثانيًا: الإنسان إذا كان عظيم الرغبة في شيءٍ وفاته الوقت الذي يغلب على ظنه حصول ذلك المراد فیه، فإذا بشر بعد ذلك بحصوله عظم فرحه وسروره ويصير ذلك الفرح القوي كالمدهش له والمزيل لقوة فهمه وذكائه فلعله يتكلم بكلماتٍ مضطربةٍ في ذلك الفرح في ذلك الوقت. ثالثًا: إنه يستطيب تلك البشارة فربما يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرةً أخرى ومرتين وأكثر طلبًا للالتذاذ بسماع تلك البشارة، وطلبًا لزيادة الطمأنينة والوثوق مثل قوله تعالى: ﴿وَلَكِن لِيَظْمَبِنَّ قَلْبِى} [البقرة: ٢٦٠]. رابعًا: استفهم أبأمر الله تبشرون أم من (٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، ٢١٣/٣. ٣٤٠ القرآن الكريم الياس عند أنفسكم واجتهادکم؟ (١) وما حصل مع نبي الله يعقوب عليه السلام من فقدان ابنه يوسف عليه السلام وما فعله إخواته به، فطلب منهم البحث عنه وخاصة عندما حدثوه عن سيرة الملك في مصر، ومن ثم تيقن منهم أنه حي، وأوصاهم بعدم اليأس من رحمة الله عز وجل لقوله تعالى: ﴿يَبَنِىَّ أَذْهَبُواْ فَتَحَتَسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَأْيْئَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ﴾﴾ [يوسف: ٨٧]. والمعنى: أن يعقوب عليه السلام طمع في يوسف، فأمرهم بالرجوع إلى الموضع الذي أتوا منه يلتمسون يوسف، وأخاه: يعني: بنيامين شقيق يوسف، ﴿وَلَا تَأْيَسُواْ مِن رَّوْجِ اللّهِ﴾ أي: ((لا تقنطوا من أن يروح الله عنا ما نحن فيه من الحزن، ﴿إِنَّهُلَا يَأْيَسُ مِن زَّوْج اُللَّهِ﴾: أي: لا يقنط من فرجه، ولا يقطع رجاءه منه إلا الكافرون، وقيل: إنه أمرهم أن يرجعوا إلى الذي احتال عليهم في أخيهم، وأخذ منهم، فيسألوا عنه، وعن مذهبه» (٢). وذكر أن معنى: ﴿وَلَا تَأيْتَسُواْ مِنْ زَّوْجِ اللّهِ ﴾﴾ («فيه ثلاثة أقوال: أحدها: من رحمة الله، قاله ابن عباس، والضحاك. (١) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٩ / ١٥١ بتصرف. (٢) الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب، ٠٣٦٢٢/٥ والثاني: من فرج الله، قاله ابن زيد. والثالث: من توسعة الله، حكاه ابن القاسم. قال الأصمعي: الروح: الاستراحة من غم القلب» (٣). وذكر الثعلبي في كتابه أن معناها: سيروا واطلبوا الخبر، من يوسف وأخيه: وهو تفعلوا من الحس يعني: تتبعوا، قال ابن عباس: التمسوا، ﴿وَلَا تَأْيَسُواْ﴾ أي: لا تقنطوا، ﴿مِن زَّوْج اُللَّهِ﴾ أي: من فرج الله. وذكر الحسن وقتادة: أن نبي الله يعقوب لم ينزل به بلاء قط إلا أتى حسن ظنه بالله من ورائه، وما ساء ظنه بالله ساعة قط من ليل أو نهار (٤). فالمؤمن بالله عز وجل يرجوه في الشدائد، ويشكره ويحمده في الرخاء، فما عليه إلا أن يتوجه بالدعاء إلى الله سبحانه وتعالی ومن رحمته یلبي لهم ما يرغبون، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَ إِذَا سَأَلَّكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍّ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (٥)﴾ [البقرة: ١٨٦]. والمعنى: ((يقول الله جل جلاله: في جواب رجل سأل: هل قریب ربنا فنناجیه، أو بعيد فنناديه؟ فنزل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى (٣) زاد المسير، ابن الجوزي، ٢/ ٤٦٦. (٤) الكشف والبيان، ٥/ ٢٥١ باختصار. www. modoee.com ٣٤١ حرف الياء عَنِى﴾ فقل لهم: فإني قريبٌ إليهم من أرواحهم لأشباحهم، ومن وسواس قلوبهم لقلوبهم، علمًا وقدرة وإحاطة، أجيب دعوة الداعي إذا دعان، سرًا أو جهرًا، ليلًا أو نهارًا، على ما يليق بحاله في الوقت الذي نريد، لا في الوقت الذي يريد، فليستجيبوا لي إذا دعوتهم للإيمان والطاعة، أسلك بهم طريق المعرفة، وليؤمنوا بي إني قريب منهم فيستحيوا مني، حياء من یری أني معه حيث كان، لعلهم يرشدون إلى سلوك طريقتي ودوام محبتي)) (١). فالله رحيم بعباده ینشر رحمته علیهم، لقوله تعالى: ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ اَلْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨]. فعلى المؤمن أن يدرك ذلك ولا يجعل الیاس یتمکن من نفسه، فکیف یتطرق الیاس إلى النفس وهي تطالع قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأَيْئَسُواْ مِن زَّوْجِ اَللَّهِ إِنَّهُ لَا يَأيْتَسُ مِن رَّوْجِ الِّ إِلَّا الْقَوْمُ اَلْكَفِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. أم كيف يتمكن منها الإحباط وهي تعلم أن كل شيء في هذا الكون إنما هو بقدر الله تعالى: ﴿مَآ أَصَابَمِن مُصِيبَةٍ فِی الأَرْضِ وَلَا فِى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِی ڪِتَبِمِّن قَبْلٍ أَنْ تَّبْرَأَهَاْ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ◌ِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَّآ ءَاتَّنكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١) البحر المديد، ابن عجيبة، ٢١٤/١. ٣)﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣]. وقوله تعالى أيضًا: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُّ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. ولذلك لابد أن يظن العبد بربه الظن الخير، ويثق برحمته الواسعة، كما جاء عن النبي صلی الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: (أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما يشاء)(٢). فإذا أيقن بهذا فکیف ییاس؟ إنه عندئذٍ يتلقى الأمور بإرادة قوية ورضی تام، وعزم صادق على الأخذ بأسباب النجاح. ويستفاد من ذلك: أن المؤمن حقًّا هو من يثق بالله سبحانه وتعالى ثقة كبيرة بأنه لن يضيعه ولن يظلمه بما ابتلاه به، وإنما يمتحنه ويكتب له الخير في الدنيا والآخرة، ومن أدرك ذلك لن ییأس أبدًا من رحمة الله. ثالثًا: اليأس من حصول النعم وزوال النقم: الله سبحانه وتعالى يقدر أرزاق العباد، فكل دابة على الأرض فعلى الله رزقها، وهذا من لطف الله بعباده، لقوله تعالى: ﴿اللّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ، يَرْزُقُّ مَن يَشَلَّهُ وَهُوَ اَلْقَوِىُّ الْعَزِيزُ ﴾ [الشورى: ١٩]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: (ویحذر کم الله نفسه)، رقم ٩،٧٤٠٥/ ١٢١. ٣٤٢ فَضْو جوسيس القرآن الكريم الياسِ حِسَابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢]. وقوله أيضًا: ﴿أَوَلَمْ يَرَّوْا أَنَّاللَّهَيَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقْدِرُّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الروم: ٣٧]. وكل ذلك لحكمة يقضيها الله سبحانه وتعالى لاختبار من يصبر ويشكر، ولكن الجهل بهذا يدفع الناس إلى اليأس والقنوط من حصول النعم لهم، وإزالة النقم عنهم. قال تعالى: ﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوْ بِهَاْ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾ [الروم: ٣٦]. والمعنى: ﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾ أي: الخصب وكثرة المطر فرحوا بها أي: فرحوا وبطروا، ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَبِتَةٌ﴾ أي: جدب وقلة مطر، وقيل: خوف وبلاء بما قدمت أيديهم من السيئات، ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ أي: ییأسون من رحمة الله (١). وذكر الماوردي في كتابه أن قوله: ﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةٌ﴾ فيها وجهان: أحدهما: أنها العافية والسعة، والثاني: النعمة والمطر، ويحتمل ثالثًا: أنها الأمن والدعة، ﴿فَرِحُواْ بِهَا﴾ أي: بالرحمة، ﴿وَإِنِ تُصِبْهُمْ سَيِئَةٌ﴾ فيها وجهان: أحدهما: بلاء وعقوبة، والثاني: قحط المطر، ويحتمل ثالثًا: أنها الخوف والحذر، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ (١) انظر: لباب التأويل، الخازن، ٣٩٢/٣، مدارك التنزيل، النسفي، ٢/ ٧٠١. أَيْدِهِمْ﴾ أي: بذنوبهم، ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾ فيها وجهان: أحدهما: أن القنوط اليأس من الرحمة والفرج، قاله الجمهور، والثاني: أن القنوط ترك فرائض الله في اليسر، قاله الحسن، وهذا علامة غير المؤمنين، فأما علامة المؤمنين فهو شكر الله عند النعمة، ورجاء الكشف عند الشدة (٢). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدٍ ضَرَآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِيَ ءَايَائِنَاْ قُلِ اَللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًّا﴾ [يونس: ٢١]. والمعنى: «أصبنا الناس رحمةً، يعني: المطر، ويقال: العافية من بعد ضراء مستهم من بعد القحط، ويقال: من بعد الشدة والبلاء أصابتهم، ﴿إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِيِّ ءَايَائِنَا يعني: تكذيبًا بالقرآن، ويقال: تكذيبًا بنعمة الله تعالى، ويقولون: سقينا بنوء كذا ولا يقولون: هذا من رزق الله تعالى، ويقال يعني: قولهم بالطعن والحيلة ليجعلوا لتلك الرحمة سببًا آخر، ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ يعني: أشد عذابا وأشد أخذًا)) (٣). وقوله تعالى أيضًا: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرّ دَعَوْاْ رَبَّهُم مُّنِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴾ [الروم: ٣٣]. والمعنى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرُّ﴾ سوء حال من الجوع والقحط واحتباس المطر (٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣١٥/٤، تفسير القرآن، السمعاني، ٤/ ٢١٤. (٣) تفسير السمر قندي، ٢/ ١١٠. www. modoee.com ٣٤٣ حرف الياء والمرض والفقر وغير ذلك من أنواع البلاء، ﴿وَعَوْاْرَبّهم﴾ أي: حال كونهم منیبین إليه راجعين اليه من دعاء غيره لعلمهم أنه لا فرج عند الأصنام ولا يقدر علی کشف ذلك عنهم غير الله، ﴿ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْمِنْهُ﴾ من عنده ﴿رَحْمَةً﴾ خلاصًا وعافيةً من الضر النازل بهم؛ وذلك بالسعة والغنى والصحة ونحوها، ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴾ أي: فاجأ فريق منهم بالعود الى الإشراك بربهم الذي عافاهم، وتخصيص هذا الفعل ببعضهم لما ان بعضهم ليسوا كذلك كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَّنُهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُقْنَصِدٌ﴾ [لقمان: ٣٢] أي: مقيم على الطريق القصد أو متوسط في الكفر لانجراره في الجملة (١). وقال تعالى أيضًا: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِسَنِ أَعْرَضَ وَنَثَا بِجَانِبِهِ، وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُودُعَآءٍ عَرِيضِ ﴾ [فصلت: ٥١]. وهذا كله خلاف وصف المؤمن فانه يشكر عند النعمة، ويرجو عند الشدة، لقوله تعالى: ﴿وَلَيِنْ أَذَقْنَهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِىٌّ إِنَّهُ لَفَرِحُ فَخُورُ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَيْكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ [هود: ١٠- ١١]. (١) انظر: روح البيان، إسماعيل حقي، ٣٧/٧، إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٧/ ٦١. ذكر الطبري في تفسيره: أن معناها ولئن نحن بسطنا للإنسان فى دنياه، ورزقناه رخاءً في عيشه، ووسعنا عليه في رزقه، وذلك هي النعم التي ذكرها في قوله: ﴿وَلَيْنْ أَذَقْنَهُ نَعْمَآءَ﴾، وقوله: ﴿بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ﴾، يقول: بعد ضيق من العيش كان فيه، وعسرة كان يعالجها، ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِىّ﴾ ليقولن عند ذلك: ذهب الضيق والعسرة عني، وزالت الشدائد والمكاره، ﴿إِنَّهُ لَفَرِحُ فَخُورُ﴾ أي: إن الانسان لفرح بالنعم التي يعطاها مسرور بها، ﴿فَخُورُ﴾ أي: ذو فخر بما نال من السعة في الدنيا، وما بسط له فيها من العيش، ويدع طلب النعيم الذي یبقی، والسرور الذي يدوم فلا یزول. ثم استثنى الله جل ثناؤه من الإنسان الذي وصفه بهاتين الصفتين: ﴿الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ فإنهم إن تأتهم شدة من الدنيا وعسرة فيها، لم يثنهم ذلك عن طاعة الله، ولكنهم صبروا لأمره وقضائه، فإن نالوا فيها رخاء وسعةً، شکروه وأدوا حقوقه بما آتاهم منها، ﴿أُوْلَيْكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ يغفرها لهم، ولا يفضحهم بها في معادهم، ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ولهم من الله مع مغفرة ذنوبهم، ثوابٌ على أعمالهم الصالحة التي عملوها في دار الدنيا، جزيلٌ، وجزاءٌ عظيم(٢). وذكر ابن عجيبة في كتابه أن معنى (٢) جامع البيان، ٢٥٥/١٥-٢٥٨ باختصار. جَوَسُو ◌َر النفسية لِلْقُرآن الكَرِيمِ ٣٤٤