النص المفهرس

صفحات 41-53

الولاء
الله تعالی حالھم حین کان لا ینھی أحدٌ منھم
الآخر عن فعله المعاصي وارتكابه الآثام،
ثم ذمهم على ذلك؛ ليحذر ما كانوا يفعلونه
ويرتكبونه، فالأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر من أهم القواعد الإسلامية، ومن
أَجَلِّ الفرائض الشرعية، ولهذا كان تاركه
شريكًا لفاعل المعصية، ومستحقًّا لغضب
الله عز وجل، وانتقامه، كما وقع لأهل
السبت منهم، فإن الله تعالى مسخ الفاعلین،
وكذلك الذين لم يشاركوهم في هذا الفعل،
فصاروا جميعًا قردة وخنازير.
ثم ذكر الله تعالى أن من اليهود أمثال
کعب بن الأشرف وأصحابه يتولون الذين
كفروا من المشركين الذين ليسوا على
دينهم بالمحبة والموالاة والنصرة، ثم ذم
الله تعالى ما زينته وسولته لهم أنفسهم، أو
بئس ما قدموه لأنفسهم حتى يعاقبوا عليه
يوم القيامة، ففعلهم هذا موجب لسخط
الله تعالی علیھم، وهذا واضح أنه من آثار
ولا يتهم للمشركين أمثالهم.
ثم ذكر الله تعالى أنه لو كان هؤلاء اليهود
يؤمنون بالله عز وجل، وبرسولهم الذي
أرسله الله تعالى إليهم، وما أنزل عليهم من
كتاب سماوي، ما اتخذوا المشركين أولياء؛
وذلك لأن الله تعالى ورسوله المرسل
إليهم وكتابه المنزل عليهم قد نهوهم عن
ذلك، ولكن أكثرهم خارجون عن ولاية الله
تعالى، وعن الإيمان به وبرسوله ویکتابه(١).
يقول سيد قطب رحمه الله: ((وهذا
التقرير كما ينطبق على حال اليهود على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم ينطبق على
حالهم اليوم وغدًا، وفي كل حين، كذلك
ينطبق على الفريق الآخر من أهل الكتاب
في معظم أرجاء الأرض اليوم، مما يدعو
إلى التدبر العميق في أسرار هذا القرآن،
وفي عجائبه المدخرة للجماعة المسلمة في
کل آنٍ.
لقد كان اليهود هم الذين يتولون
المشركين ويؤلبونهم على المسلمين،
﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَتُؤُلَاءَ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ سَبِيلاً﴾، كما حكى عنهم القرآن
الکریم، وقد تجلى هذا كله على أتمه في
غزوة الأحزاب، ومن قبلها ومن بعدها
كذلك إلى اللحظة الحاضرة، وما قامت
إسرائيل في أرض فلسطين أخيرًا إلا بالولاء
والتعاون مع الكافرين الجدد من الماديين
الملحدين!
فأما الفريق الآخر من أهل الكتاب، فهو
يتعاون مع المادية الإلحادية كلما كان الأمر
أمر المسلمين! وهم يتعاونون مع الوثنية
المشركة كذلك، كلما كانت المعركة مع
المسلمين! حتى و ((المسلمون)) لا يمثلون
الإسلام في شيء. إلا في أنهم من ذراري
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٧٥/٢.
www. modoee.com
٢٧١

حرف الواو
قوم كانوا مسلمين!
ولكنها الإحنة التي لا تهدأ على هذا بسبب تخاذلهم الذي يفضي إلى فشلهم
الدين ومن ينتمون إليه، ولو كانوا في
انتمائهم مدعين! وصدق الله العظيم:
تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ
كَفَرُوا﴾))(١).
ويقول الله جل جلاله: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضَّ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ
فِيِ اَلْأَرْضِ وَفَسَادُّ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣].
والمعنى: إن الكفار بعضهم أولياء بعض
في النصرة والتعاون على قتال المسلمين،
فهم في جملتهم فريق واحد ضد الحق
وأهله-وإن كان بعضهم يعادي بعضًا-، ولم
يكن في الجزيرة العربية وقت نزول السورة
إلا اليهود والمشركون، فكان اليهود يتولون
المشركين، وينصرونهم على النبي صلى
الله عليه وسلم والمؤمنين معه، كما أن
هؤلاء اليهود قد نقضوا العهود التي كانت
بينه وبينهم حتى قاتلهم النبي صلى الله عليه
وسلم، وأجلاهم عن خيبر.
ثم وجه الله تعالى خطابه إلى المؤمنين
على سبيل التهديد والتوعد بأنهم إن لم
يفعلوا ما شرع الله تعالى لهم من ولاية
بعضهم البعض، ومن تعاونهم وتناصرهم
تجاه ولاية الكفار لبعضهم البعض، فإن لم
يفعلوا ذلك، فإنهم سوف يقعون في الفتنة
(١) في ظلال القرآن، ٢/ ٩٥٢.
والفساد في الأرض، وسيعود عليهم بالضرر
وظفر الأعداء بهم، كما أنه يفضي إلى
اضطهادهم في دینهم بصدهم عنه كما كان
الحال مع ضعفاء المسلمين في بداية الدعوة
الإسلامية في مكة قبل الهجرة(٢).
ففي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ((فيه تعريضٌ للمسلمين بأنهم
لا يناصرون الكفار، ولا يتولونهم، وهذا
بمفهومه مفيد لنفي الموارثة والمؤازرة
بينهم وبين المسلمين، وإيجاب المباعدة
والمصارمة وإن كانوا أقارب)»(٣).
٠
ثانيًا: ولاية المنافقين للكافرين وآثارها:
كما تحدث القرآن الكريم عن ولاية
الكافرين لبعضهم البعض، فإنه تحدث
عن ولاية المنافقين للكافرين، ووضح
آثار هذه الولاية، فقال جلَّ جلاله: ﴿ بَشْرِ
الْمُنَفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٦) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ
اَلْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءُ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَّ أَيَبْتَغُونَ
عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ) وَقَدْ نَزَّلَ
عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ مَايَتِ اللَّهِ
يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَقَّى
يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِمِنْ إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمُّ إِنَّ اللَّهَ
جَامِعُ الْمُتَفِقِينَ وَاَلْكَفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ ◌َمِيعًا
الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحُ مِّنَ
١٤٠
(٢) انظر: نظم الدرر، البقاعي، ٤٣/١٠.
(٣) فتح البيان، صديق خان القنوجي، ٢٢٠/٥.
٢٧٢
القرآن الكريمِ

الولاء
اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَئِفِرِينَ وقصر نظرهم عما وراء ذلك، فاتخذوا
الكافرين أولياء یتعززون بهم ويستنصرون،
والحال أن العزة لله جميعًا، فإن نواصي
العباد بيده، ومشيئته نافذة فيهم، وقد تكفل
بنصر دينه وعباده المؤمنين، ولو تخلل
ذلك بعض الامتحان لعباده المؤمنين،
وإدالة العدو عليهم إدالة غير مستمرة، فإن
العاقبة والاستقرار للمؤمنين، وفي هذه
الآية الترهيب العظيم من موالاة الكافرين،
وترك موالاة المؤمنين، وأن ذلك من
صفات المنافقين، وأن الإيمان يقتضي
محبة المؤمنين وموالاتهم، وبغض الكافرين
وعداوتهم»(١).
نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمَّ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعَّكُم مِّنَ
اُلْمُؤْمِينَّ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةُ وَلَنْ
يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (٥) إِنَّ
الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا
قَامُواْ إِلَى الصَّلَوْةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُ ونَ النَّاسَ وَلَا
يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّ قَلِيلًا ( مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ
◌َّ إِلَى هَؤُلَاءٍ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنَ
◌َجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٣) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْلَا نَتَّخِذُواْ
اَلْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءُ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ
أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيَكُمْ سُلْطَنًا مُبِينًا ) إِنَّ
الْمُنْفِقِينَ فِ الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ
لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٨.
ومعنى هذه الآيات: أن الله تعالی یبشر
المنافقین -علی سبیل التهكم-، وهم الذين
أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، يبشرهم
بأقبح بشارة، وهي العذاب الأليم الموجع،
وذلك بسبب اتخاذهم الكافرين أولياء عن
طريق محبتهم ومعاونتهم ونصرتهم، في
حين أنهم تركوا ولاية المؤمنين، فما الذي
دفعهم إلى هذا؟ هل يبتغون العزة ويطلبونها
عندهم؟ فإن العزة الحقيقية لله عز وجل،
وفي موالاته وموالاة المؤمنين.
يقول السعدي رحمه الله: ((وهذا هو
الواقع من أحوال المنافقين، ساء ظنهم بالله
وضعف يقينهم بنصر الله لعباده المؤمنين،
ولحظوا بعض الأسباب التي عند الکافرین،
ثم يخاطب الله تعالى كلَّ من أظهر
الإيمان سواء كان مؤمنًا حقيقيًّا أم منافقًا، أن
الله تعالى نزل عليكم في القرآن العظيم أنه
إذا سمعتم الکافرین یکفرون بآيات القرآن،
ويستهزئون بها، فلا تجلسوا معهم حتى
يتحدثوا بحديث آخر، ويتركوا الخوض في
القرآن، فإنكم إن قعدتم معهم كنتم مثلهم
في الكفر، ثم هددهم الله عز وجل بأنه
سوف يجمع الفريقين: الكافرين والمنافقين
في الآخرة في نار جهنم؛ وذلك لأن المرء
يحشر مع من أحب، ولا يخفى ما في هذا من
وعيد وتحذير من مخالطتهم ومجالستهم.
ثم ذكر الله تعالى تربص المنافقين
(١) تيسير الكريم الرحمن، ص٢٠٩.
www. modoee.com
٢٧٣

حرف الواو
بالمؤمنين، فهم ينتظرون بهم الدوائر، الله تعالى أنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا
متباطئين متثاقلین؛ لأنهم لا يؤمنون بالثواب
فإن كان للمؤمنين غلبة على الأعداء،
وحازوا الغنائم، قال المنافقون للمؤمنين:
أعطونا مما غنمتموه من الكافرين، وإن
كان للكافرين غلبة على المؤمنين، قال
المنافقون للكافرين: ألم نكن قادرين على
قتلکم وأسرکم لصالح المسلمین؟ فأبقينا
عليكم، وثبطنا عزائم المسلمين حتى
انتصرتم عليهم، فهاتوا نصيبنا مما أخذتم،
فإننا نوالیکم، ولا ندع أحدًا یصیبکم بأذى.
الأخروي، فهم يراءون المؤمنين بالأعمال
الصالحة حتى لا يتهمونهم بالكفر، كما أنهم
لا یذکرون الله تعالی إلا قليلًا؛ وذلك لعدم
استقرار الإيمان في قلوبهم، وعدم حبهم
لله عز وجل، فهم مذبذبون بين الإيمان
والكفر، فهم فريق ليسوا بالمؤمنين الكاملين
في إيمانهم، ولا بالكافرين الكاملين في
كفرهم، فهم دائمًا في تردد وحيرة، وهذه
هي حالة يجعل الله تعالى فيها من يضله الله
عز وجل، فلا يوجد سبيل إلى اهتدائه (٢).
ثم بين الله تعالى مصير الفريقين:
المنافقين والمؤمنين، وهو أنه سوف يحكم
ويفصل بينهم بالحق، ولن يمكن الكفرة من
رقاب المؤمنین، فیبیدوهم ویستأصلوهم،
فإن العاقبة للمؤمنين في الدنيا والآخرة(١).
وبعد ذلك أخبر الله تعالى عن سلوك
المنافقين الخاصِّ، فهم يخادعون الله عز
وجل إذ يظهرون الإيمان به، وینبيه محمد
صلى الله عليه وسلم وهم على خلاف
ذلك، فالخداع هو أن تجعل من تخدعه یری
منك ما يحبه، وتستر عليه ما يكرهه، فعاملهم
الله تعالی بالمثل، فأراهم ما يحبون، وستر
عليهم ما يكرهونه منه وهو العذاب الذي
أعده الله تعالى لهم في الدنيا والآخرة.
فإن الله جل جلاله لا يخادع، فھو العالم
بالسرائر والضمائر، وبالإضافة إلى هذا أخبر
(١) انظر: صفوة التفاسير، الصابوني، ٢٨٧/١.
جوية
القرآن الكريم
حينئذٍ حذر الله تعالى المؤمنين أن يفعلوا
فعل المنافقين، ويوالوا الكافرين، فأمرهم ألا
يتخذوا الكافرين نصراء وأعوانًا يصاحبونهم
ويصادقونهم ويناصحونهم، ويسرون إليهم
بالمودة، ويفشون سرائر المؤمنين وأحوالهم
الداخلية، فإن موالاة الكافرين دليل على
النفاق، ولا یصدر هذا إلا عن منافق، فهل
يريد المؤمنون أن يجعلوا لله عز وجل على
أعمالهم حجة بينة يستحقون بها عقابه إذا
اتخذوهم أولیاء.
ثم أوضح الله تعالى عقوبة المنافقين
على أعمالهم، والتي كان من ضمنها
موالاتهم للكافرين، فجعل مكانهم في
(٢) انظر: أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري،
٥٦٠/١.
٢٧٤

الولاء
الطبقة السفلى من النار، والنار سبع دركات،
فهي متداركة بعضها فوق بعض، والسبب في
هذه العقوبة دون غيرها وأنها أشد من عقوبة
الكافر نفسه، هو أن المنافق مثل الكافر في
الكفر، وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام
وأهله، وهذا العذاب لهم لن يجدوا أحدًا
ينقذهم منه، أو يخففه عنهم(١).
ثالثًا: ولاية الظالمين لبعض وآثارها:
تحدث القرآن الكريم أيضًا عن ولاية
الظالمين لبعضهم البعض، والآثار المترتبة
على هذه الولاية.
وَلَقَدْ ءَانَيْنَا بَنِىّ
يقول الله جل جلاله:
إِسْرَِّيلَ اَلْكِنَبَ وَاَلْحُكْرَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْتَهُم مِّنَ
اَطِّنَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ ﴿ وَءَاتَّْنَهُم
بَيْنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِّ فَمَا لَخْتَلَفُواْ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا
جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًَّا بَيْنَهُمَّ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى
١٧
بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (
ثُمَّ جَعَلْتَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَأَتَّبِعْهَا وَلَا
نَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُواْ
عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ
بَعْضِ وَاللَّهُ وَإِىُّ الْمُنَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٦ -١٩].
والمعنى: أن الله عز وجل يبين في هذه
الآيات مدى إنعامه على بني إسرائيل، فقد
آتاهم التوراة، ومَنَّ عليهم بالحكم والنبوة
في ذريتهم، ورزقهم الطيبات الحلالات،
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٣٢٩/٥.
وفضلهم على عالمي زمانهم، فلم يكن أحد
في زمانهم أکرم علی الله تعالی منهم، کما
أعلمهم وأخبرهم بمبعث النبي محمد صلى
الله عليه وسلم، ووضح لهم صفاته وزمانه
وأمره، ولكنهم اختلفوا، وسيحكم الله
تعالى ويقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا
فيه يختلفون.
ثم وجه الله تعالى الخطاب إلى نبينا
محمد صلی الله عليه وسلم، فقد جعله الله
عز وجل على سنة وطريقة من الدين بعد
موسى عليه السلام، وأمره باتباعها وعدم
الحيد عنها إلى أهواء الكافرين، وذلك أن
الكافرين كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه
وسلم: ارجع إلى دين آبائك، فإنهم كانوا
أفضل منك، فذكر الله تعالى أنه إن اتبع
النبي صلى الله عليه وسلم أهواءهم، فإن
هؤلاء الكافرين لن يدفعوا عنك من عذاب
الله تعالى شيئًا، وإن الظالمين بعضهم أولياء
بعض في المحبة والنصرة والموالاة، أما
الله جلّ جلاله فهو ولي المتقين وناصرهم
ومؤيدهم، وما أشد الفرق بين الولايتين!(٢).
هذا وقد بيَّنَ الله تعالى الآثار المترتبة
على ولاية الظالمين لبعضهم البعض، وذلك
في الحوار سيدور بين الله تعالى، وبين
الجن والإنس يوم القيامة ساعة الحشر،
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ٢٤٣/٧،
مدارك التنزيل، النسفي، ٣٠٢/٣.
www. modoee.com
٢٧٥

حرف الواو
فيقول جلَّ جلاله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَميعًا
يَمَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ أُسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِّ وَقَالَ
أَوْ لِيَاؤُهُم مِّنَ آلْإِنسِ رَبَّنَا أُسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ
وَبَلَغْنَا أَجَنَا الَّذِىَّ أَجَّلْتَ لَنَأْ قَالَ النَّارُ مَثَوَنَّكُمْ
خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
وَكَذَلِكَ نُوَلِي بَعْضَ الظَِّينَ بَعْضَا بِمَا كَانُواْ
يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٨-١٢٩].
فيخاطب الله تعالى الجن أنكم أضللتم
كثيرًا من الإنس، وجعلتموهم أتباعًا لكم
في عبادة غير الله تعالى، ومخالفة أمره
وتوحيده، فيقول أولياء الجن من الإنس:
لقد تعاون بعضنا بعضًا في معصية الله عز
وجل ومخالفة أمره، كما انتفع بعضهم
ببعض بأنواع من المنافع، منها: أن الجني
يستمتع بطاعة الإنسي له وعبادته وتعظيمه
له، واستعانته به، والإنسي يستمتع بالجني
أيضًا حين ينال أغراضه، ويبلغها بسبب
خدمة الجني له بعض شهواته، فإن الإنسي
یعبد الجني، فيخدمه الجني، ویحصل له منه
بعض الحوائج الدنيوية.
وقول الإنسي: ﴿رَبَّنَا أُسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا
بِبَعْضٍ وَبَلَمْنَا أَجَنَا الَّذِىَ أَجَّلْتَ لَنَا﴾ على معنى
أنه قد حصل منا من الذنوب ما حصل،
وبلغنا أجلنا الذي أجلته لنا من الموت
والبعث، فافعل بنا الآن ما تشاء، فالأمر
أمرك، والحكم حكمك، و کأنهم يتضرعون
إلى الله عز وجل، ولكن ليس هذا وقته.
فيقول الله عز وجل: ﴿النَّارُ مَثْوَنَكُمْ
خَلِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَآءَ اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
وَكَذَلِكَ نُوْلِ بَعْضَ الطََّلِينَ بَعْضَا بِمَا كَانُواْ
(١٢٨)
يَكْسِبُونَ﴾، أي: إن النار مقامكم خالدين
فيها، فقد وسع علمه تعالی الأشياء كلها،
وکذلك حکمته وسعت الأشياء كلها، ثم
نسب الله تعالى الولاية إلى نفسه.
فدل هذا على أنها من الله تعالى حيث
خلق سبب الولاية منهم، فكما ولى الجن
المردة، وسلطهم على إضلال أوليائهم من
الإنس، وعقد بينهم عقد الموالاة والموافقة
بسبب کسبهم وسعيهم في ذلك، فهذه سنة
الله تعالى حيث يولي كلَّ ظالم ظالمًا مثله،
يحثه على فعل الشر، ويجيبه إليه، وينفره
من فعل الخير، ويزهده فيه، فهذا يعد من
عقوبات الله تعالى العظيمة التي لها أثر
شنيع، وخطر بالغ؛ وذلك لأن العباد إذا
كثر الظلم والفساد فيهم، ومنعوا الحقوق
الواجبة بينهم، ولى الله تعالى عليهم ظلمة
يسومونهم سوء العذاب، ويأخذون منهم
بالظلم أضعاف ما منعوا من حقوق الله تعالى
وحقوق عباده الواجبة فیھم، ویفهم من هذا
بمفهوم المخالفة أنه إذا صلح أمر العباد،
واستقاموا على دين الله عز وجل، أصلح
الله تعالى لهم ولاة أمورهم، وجعلهم أئمة
عدل وإنصاف، لا ولاة ظلم واعتساف(١).
(١) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي،
٢٧٦
جوي
القرآن الكريم

الولاء
ء
أساليب القرآن في الحديث عن الولاء
استخدم القرآن الكريم في حديثه عن
الولاء مجموعة من الأساليب، وكان منها
ما يأتي:
أولًا: النهي:
فقد استخدم القرآن الكريم (لا) الناهية
للتعبير عن عدم اتخاذ الكافرين سواء
كانوا مشركين أم يهودًا ونصارى، نهاهم
أن يتخذوهم أولياء من دون المؤمنين،
ومن الآيات القرآنية التي استخدمت هذا
الأسلوب: قوله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا تَتَّخِذُواْ أَلْيُهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَةُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ
وَمَن يَتَوَُّ مِنَكُمْ فَإِنَّهُ، مِنْهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
الَّلِمِينَ
[المائدة: ٥١].
قال الزمخشري: ((لا تتخذوهم أولیاء
تنصرونهم وتستنصرونهم وتؤاخونهم
وتصافونهم وتعاشرونهم معاشرة المؤمنین،
ثم علل النهى بقوله ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾
أي إنما يوالي بعضهم بعضًا؛ لاتحاد ملتهم
واجتماعهم في الكفر))(١).
ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا نَتَوَلَّوْ قَوْمًا غَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِمْ قَدْيَبِسُوا
مِنَ الْآَخِرَةِ كُمَا يَيِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبِ الْقُبُرِ﴾
٤ / ٢٥٧، تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٢٧٣.
(١) الكشاف، ١ / ٦٤٢.
[الممتحنة: ١٣].
وسورة الممتحنة كما بدئت بالنهي عن
موالاة الكفار عمومًا، وعن اليهود خصوصًا
-كما مر سابقًا- كذلك ختمت السورة
بالنهي الوارد في هذه الآية، وهذا للتأكيد
على عدم موالاتهم، وتنفيرًا للمسلمين عن
هذه الولاية، فينهى الله عز وجل المؤمنين
عن تولي هؤلاء القوم المغضوب عليهم،
والملعونين، فإنهم قد يئسوا من ثواب
الآخرة؛ لأنهم عاندوا النبي صلى الله عليه
وسلم مع علمهم بصدقه وصدق نبوته،
فهؤلاء قد يئسوا كما يئس الكفار من رجوع
أصحاب القبور الذين ماتوا على الشرك إلى
الدنيا واللقاء بهم(٢).
ثانيًا: الاستفهام:
كان لهذا الأسلوب النصيب الأكبر في
الحديث عن الولاء، وهو أسلوب غرضه
الإنكار؛ للتأكيد على نهي اتخاذ الكافرين
أولياء من دون المؤمنين، والأمثلة عليه
كثيرة، منها -على سبيل المثال لا الحصر -:
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ
اَلْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءُ مِن دُونِ اَلْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ
أَنْ تَجْعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًّا ◌ُّبِينًا﴾
[النساء: ١٤٤].
أي ینهى الله تعالى عباده المؤمنين عن
(٢) انظر: التفسير الواضح، محمد حجازي،
٠٦٦٣/٣
www. modoee.com
٢٧٧

حرف الواو
مصاحبة الكافرين ومصادقتهم ومناصحتهم
وإسرار المودة إليهم، وإنشاء أسرار
المؤمنين وأمورهم الداخلية، ولهذا قال:
﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا
مُبِينًا﴾ أي أتريدون أن تجعلوا لله تعالى
حجة ليعاقبكم بموالاتكم الكافرين؟(١).
ومثله قوله تعالى: ﴿بَشْرِ الْمُنَفِقِينَ بِأَنَّ
لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ( الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَفِرِينَ
أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اَلْمُؤْمِنِينَّ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ
اَلْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٨ -١٣٩].
وتقدم تفسیرهما، ومنه أيضًا قوله تعالى:
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِأَنَّخِذُ وَلِيَّ فَاطِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ
يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِّ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ
مَنْ أَسْلَّمٌ وَلَا تَكُوَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿وَإِذْ
قُلْنَا لِلْمَلَكَةِ أَسْجُدُواْ لِلَدَمَ فَسَجَدُوَاْ إِلَّ إِبْلِيسَ
كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَيْهٍ أَفَنَتَّخِذُونَهُ.
وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ بِئْسَ
لِلَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الأنعام: ١٤].
والمعنى: یأمر اللهعز وجل النبي محمدًا
صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين:
أيعقل أن أتخذ إلهًا يتولاني غير الله جل
جلاله، وهو الذي خلق السماوات والأرض
وابتدأهما، كما أنه هو الذي يرزق خلقه ولا
يخلق، وقد أمرني الله تعالى أن أكون أول
من يسلم من خلقه(٢).
(١) انظر: مختصر تفسير ابن كثير، الصابوني،
٤٥١/١.
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٩٨/٢.
ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا
لِلْمَلَكَةِ اسْجُدُواْلَِّدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّ إِبِيسَ كَانَ مِنَ
اَلْجِنّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَيِّدِّةٍ أَفَنَتَّخِذُونَهُ، وَذُرِّيَّتَهُ,
أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ
بَدَلًا ﴾ [الكهف: ٥٠].
والمعنى: لقد كرم الله عز وجل آدم عليه
السلام عندما خلقه، فأمر الملائكة بالسجود
له، فسجدوا كلهم إلا إبليس، فتكبر على
أمر الله تعالى، ولم ينفذه، فینکر الله تعالى
على خلقه الذين اتخذوا الشيطان وذريته
أولياء من دون المؤمنين، وكأنه يقول لهم:
أفتطیعونه وتترکون أمر الله جلَّ جلاله وهم
أعداء لكم؟! فبئس ما استبدلوا بولاية الله
تعالى ولاية الشيطان(٣).
وغير ذلك من الأمثلة القرآنية، فأسلوب
الاستفهام كان واضحًا ومتمثلًا في همزة
الاستفهام الذي كان غرضه إنكار اتخاذ
الأولياء من الشياطين والكافرين والمنافقين
واليهود والنصارى من دون المؤمنين.
ثالثًا: التحدي:
وهو أسلوبٌ يقصد من خلاله تعجيز
الطرف الآخر، وإظهار كذبه فيما ادعاه،
وقد استخدم القرآن الكريم هذا الأسلوب
في حديثه عن الولاء، حیث تحدی الله عز
وجل فيه اليهود حيث قال جل جلاله: ﴿قُلّ
(٣) انظر: تفسير السمر قندي، ٢/ ٣٥٠.
٢٧٨
ـةُالتَّقِنَّة
جوية
القرآن الكريم

الولاء
ء
[المائدة: ٥١].
يَأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُواْ إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءٌ لِلَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الَِّمِينَ.
٦
مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْاْ أَلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
وَلَا يَنَّمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَبْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ
بِلَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٦ - ٧].
فقد زعم اليهود أنهم أولیاء لله تعالى
من دون الناس جميعًا، فأمر الله عز وجل
نبيه محمدًا صلی الله علیه وسلم أن يطلب
من اليهود أنهم إن كانوا صادقين في زعمهم
هذا فليتمنوا الموت؛ وذلك ليستريحوا من
کربات الدنيا وهمومها وغمومها، وينتقلوا
بالموت إلى روح الجنان ونعيمها، فإن الله
تعالى لا يعذب أولياءه، ولكن الله جلّ
جلاله يعلم أن اليهود لن يتمنوا الموت أبدًا
بسبب ما اقترفوا في هذه الدنيا من آثام، وما
اجترحوا من سيئات، وكذلك فالله أعلم
بمن ظلم نفسه، وجعلها تکفر بالله عز وجل
(١)، فأسلوب التحدي في هذه الآية واضح
وبارز.
رابعًا: التهدید:
وهو أسلوب يحمل معنى التخويف
والتوعد للمؤمنين إن والوا الكافرين
وناصروهم وصادقوهم، ومن هذه الآيات
التي استخدمت هذا الأسلوب، قوله تعالى:
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الْتُهُودَ وَالنَّصَرَّ
أَوْلِيَاءُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍٍّ وَمَن يَتَوَُّم مِّنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمّ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٣٧٩/٢٣.
فبعد أن نهى الله عز وجل عن موالاة
اليهود والنصارى؛ لأن بعضهم أولياء
بعض، فكلهم يضمرون للمؤمنين البغضاء
والشر، وهم وإن كانوا في الظاهر مختلفين
إلا أنهم متفقون فيما بينهم على كراهية
الإسلام والمسلمين والکید لهم، ثم هدد
المؤمنين أن من يوالي المشركين منهم،
فإنه يعد من جملتهم، والحكم الذي يسري
عليهم، يسري عليه كذلك، ولا يخفى أن
في هذا تغليظًا من الله عز وجل، وتشديدًا
في وجوب مجانبة المخالفين في الدين
واعتزالهم(٢).
ومن هذا الأسلوب أيضًا قوله تعالى:
وَلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ إِلَّا
تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضِ وَفَسَادٌ
كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣].
فقد أخبر الله عز وجل أن الكفار بما أنهم
متفقون على الكفر، فبعضهم أولياء بعض،
فلا يوالي هؤلاء الكفار إلا كافر مثلهم، ثم
هدد المؤمنين أنهم إن لم يوالوا المؤمنين
أمثالهم ويعادوا الكافرين، فإنه سوف
يحصل من الفساد والشرِّ ما لا ينحصر من
اختلاط الحقِّ بالباطل، والمؤمن بالكافر،
وإلغاء بعض العبادات الكبرى مثل: الجهاد،
والهجرة وغير ذلك من مقاصد الشرع
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري، ١/ ٤٦٢.
www. modoee.com
٢٧٩

حرف الواو
والدين التي تفوت وتضيع إذا لم يتخذ
المؤمنون بعضهم أولياء بعض (١).
ومن الآيات التي استخدمت هذا
الأسلوب أيضًا قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ
الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَّ
وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَىْءٍ إِلَّ أَن
تَنَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةٌ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ، وَ إِلَ
اَللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨].
وقد تقدم تفسيرها، ومثله أيضًا قوله
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ
ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَتَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ أُسْتَحَبُّواْ
اَلْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَنَّ وَمَن يَنَّوَلَّهُم مِّنْكُمْ
فَأُوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة: ٢٣].
الولاء في المثل القرآني
كان لموضوع الولاء نصيب في أمثال
القرآن الكريم، ومعلومٌ أن من أغراض
الأمثال القرآنية تقريب الصورة المعنوية
إلى الذهن بتشبيهها بشيء مادي محسوس
يدركه العقل البشري.
ومن الأمثلة على ذلك: قوله جل
جلاله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ أَخَذُواْ مِن دُونِ
اُللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ اَلْمَنْكَبُوتِ أَّخَذَتْ
بَيْئاً وَإِنَّ أَوْهَنَ اٌلْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ
لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ١ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا
يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ
اَلْحَكِيمُ ﴾ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا
لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِّمُونَ﴾
[العنكبوت: ٤١-٤٣].
فیعد هذا مثلًا ضربه الله تعالى لمن عبد
غيره من الأصنام والأوثان من أجل التعزز
والتقوي وحصول المنفعة، ولكن الأمر في
حقيقته غير ذلك. فمثل هذا كمثل العنكبوت
التي هي من الحشرات الضعيفة، وبيتها من
أضعف البيوت وأوهنها.
فهذه العنكبوت اتخذت لها بيتًا يقيها من
الحر والبرد والآفات، ولكنها ما ازدادت
باتخاذها هذا البيت إلا ضعفًا ووهنّاً،
فكذلك هؤلاء الذين يتخذون الأولياء من
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي دون الله عز وجل، فهم فقراء ومحتاجون
ص٣٢٧.
٢٨٠
جُوَب وكمـ
القرآن الكريم

الولاء
ء
وعاجزون وضعفاء من جميع الجوانب،
فحين اتخذوا الأولياء ما ازدادوا إلا ضعفًا
إلى ضعفهم، وعجزًا إلى عجزهم، ووهنا
إلی وهنهم.
وذلك لأنهم اعتمدوا عليهم في كثير
من المصالح والأمور من أجل أن يتعززوا
بهم، ويستنصروهم، لكن هؤلاء الأولياء
خذلوهم، ولم يحصلوا منهم على أدنى
منفعة، فلم يغنوا عنهم من عذاب الله عز
وجل شيئًا حين نزل بهم، ولم يدفعوا عنهم
ما حل بهم عند سخط الله تعالى، ولو كانوا
يعلمون حقيقة أمرهم ما اتخذوهم أولياء،
وللجؤوا إلى الله جل جلاله الذي إذا تولاه
عبدٌ وتوكل عليه، فإن الله عز وجل يكفيه
مؤونة دينه ودنياه، ويزيده قوة في قلبه وبدنه
وحاله وجمیع أعماله.
فلما بين الله تعالى ضعف آلهة
المشركين، وأنها ليست بشيء؛ بل هي
أسماء سموها، وأوهام وتخيلات ظنوها
واعتقدوها، فعبدوها من دون الله عز وجل،
كما قال تعالى عنها: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمَاءٌ
سَيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَا ؤُكُمْ مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَيِّ
إِن يَتَبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُّ وَلَقَدْ
جَآءَ هُمْ مِن تَّيِّهِمُ اَلْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣].
وقال فيها أيضًا: ﴿أَّ إِنَّ لِلَّهِ مَن
فِي السَّمَوَتِ وَمَن فِي الْأَرْضِّ وَمَا
يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ
شُرَكَاءُ إِن يَتَبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ
إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [يونس: ٦٦].
وعند التحقق فيها يتبين للعاقل أنها
ليست بآلهة، فالله تعالى هو الذي له القوة
التي قهر بها جمیع مخلوقاته، كما أنه هو
الحکیم الذي يضع الشيء في محله، فهو
الذي أحسن خلق كل شيء وأتقنه.
ثم بين الله عز وجل أنه لا يضرب هذه
الأمثال إلا لأجل أن ينتفعوا ويتعلموا،
فهي تقرب الأمر المعقول إلى الذهن بأمر
محسوس، فيتضح المطلوب منها، ويقف
العقل البشري أمامها عاجزًا عن الرد
والجدال(١).
ويتجلى مثالٌ آخر على موضوع الولاء
في المثل القرآني، فعندما قال الله جل
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ اسْجُدُواْ لَدَمَ
جلاله:
فَسَجَدُوَأْ إِلَّ إِيْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ
أَمْرِ رَبِّهُ أَفَتَتَّخِذُونَهُ, وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَآءَ مِن
دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ بِئْسَ لِلَّالِمِينَ بَدَلَّا﴾
[الكهف: ٥٠].
فقد أنكر الله عز وجل على المشركين في
هذه الآية اتخاذهم الشياطين أولياء من دون
المؤمنين، وبين في موضع آخر حال هذا
الشيطان بعد أن يتخذه الإنسان وليًا، ويجعله
يكفر بالله عز وجل، فقال تعالى: ﴿كَمَثَلِ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٣٨/٢٠، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي، ص٦٣١.
www. modoee.com
٢٨١

حرف الواو
الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِسَنِ أَكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ وجدير بهم أن يكونوا خلافهم، فيكونوا
متوحدين متفقين، صفًا واحدًا على قلب
إِنِّ بَرِىٌّ مِّنْكَ إِنِّ أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ
٦ فَكَانَ عَقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَلِدَيْنِ فِيَهَاً
وَذَلِكَ جَزَّ وُاْلظَّالِمِينَ﴾ [الحشر: ١٦، ١٧].
رجل واحد كالبنيان المرصوص، وأن
يعتمدوا في ذلك على أنفسهم، ولا يلتمسوا
أية حلول واهية ضعيفة من هنا أو هناك، ثم
فهذا مثلٌ ضربه الله تعالی؛ لیبین حال
اليهود والمنافقين الذين لا يواجهون
المسلمين بالمبارزة والمقابلة، وهذا لشدة
جبنهم وهلعهم، فلا يقاتلونهم مجتمعين؛
بل يقاتلونهم من وراء الحصون والخنادق،
ومن خلف الأسوار التي يستترون بها، وقد
لمست الأمة الإسلامية والعربية هذا الأمر
في حروب اليهود في فلسطين في عصرنا
الحاضر، وقد عبر الله تعالى عن جبنهم هذا
في قوله: ﴿لَا يُقَائِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِ قُرِّي
تُحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآهِ جُدُرٍّ بَأَسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ
تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَقَّنَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا
يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر: ١٤].
ذكر الله تعالى أحوالًا مشابهة لهم، ومنها:
أن هؤلاء المنافقين حين وعدوا اليهود
بالمناصرة والمؤازرة في حرب المسلمين،
كمثل الشيطان الذي سول للإنسان الشر،
وأغراه بالكفر، وزینه له، وحمله علیه، فلما
لبى الإنسان ما يريده الشيطان، وكفر بالله
عز وجل، تبرأ الشيطان منه، وتنکر له يوم
القيامة، وقال له على وجه التبري منه: إني
أخاف عذاب الله رب العالمين إذا ناصرتك.
ولاشك أن هذا مثلًا في غاية السوء،
وشديد الوقع على النفس؛ لذلك وضح الله
تعالى بعد هذا المثل ما يوجبه من العقاب،
وهو أن عاقبة الشيطان الآمر بالكفر،
والإنسان الذي استجاب لطلب الشيطان
وكفر، أنهما صائران معًا إلى نار جهنم
خالدين فيها على الدوام، وهذا العقاب هو
جزاء الكافرين جميعًا والذين منهم اليهود
والمنافقين (١).
فحروبهم وعداوتهم فيما بينهم شديدة
وقوية وقاسية، والظاهر أنهم متوحدون
ومتفقون، ولكنهم في حقيقة الأمر مختلفون
ومتفرقون؛ لما بينهم من الأحقاد الشديدة
والضغائن الكثيرة، فهم قوم لا يعقلون
أمر الله عز وجل الذي فيه الحق، كما لا
يدركون أن سر النجاح في هذه الحياة الدنيا
هو الوحدة، ولو عقلوا هذا لعرفوا الحق
واتبعوه، فتوحدوا ولم يختلفوا.
فحريٌّ بالمسلمين في هذا العصر،
وبهذا يتبين أن ضرب الله عز وجل
للأمثال في القرآن الكريم إنما هو للمسائل
الجليلة، والمطالب العالية، والأمور العظيمة
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٩٨/٢٨.
٢٨٢
جوي
الْقُرآن الكَرِيْمِ

ء
الولاء
مثل موضوع الولاء في القرآن، وأهل العلم
أحق بها من غيرهم؛ لأنهم وحدهم هم
المنتفعون بها بعد تعقلها وتدبرها.
موضوعات ذات صلة:
الأخوة، البراء، الحرب، السلم،
السماحة، السياسة، العلاقات الدولية
www. modoee.com
٢٨٣