النص المفهرس
صفحات 21-40
الولاء اللعب، وشغلوا أنفسهم عن الجد والعمل يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَئِكَةُ المُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيَسْتَكِْرْ المفيد، وهو اللهو، وغرتهم الحياة الدنيا، وغرهم بالله الغرور، فيا أيها الرسول أعرض عن هؤلاء، ولا تبال بأمثالهم، ولکن فَسَيَحْشُرُ هُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٦) فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم ذكر بالقرآن من يخاف وعيدي؛ لأنهم هم مِن فَضْلِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ أُسْتَنْكَفُوا وَأُسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اَللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٣-١٧٢]. المنتفعون بالامتثال لأوامري، والاجتناب لنواهي؛ لئلا تبسل نفس بما كسبت، أي قبل اقتحام العبد للذنوب، وتجرئه على الله عز وجل. فذکرها یا محمد وعظها؛ لترتدع وتنزجر عن فعل ما لا يليق بالمؤمنین، فلن يكون لهذه النفس ولي ولا شفیع إن أحاطت بها ذنوبها، ومن ثم فلا ينفعها أحد من الخلق، لا قریب ولا صدیق، ولا یتولی أمرها أحد من دون الله تعالى، كما لا يشفع لها شافع، وإن افتدت نفسها بملء الأرض ذهبًا، فلا يقبل منها ولا يفيد، فأولئك الموصوفون بتلك الصفات هم الذين أهلكوا أنفسهم وحرموها من الخير، فجزاؤهم ماء حار یشوي وجوههم، ويقطع أمعاءهم، وعذاب ألیم بسبب ما کانوا یکفرون به(١). ٧. الاستكبار. الاستكبار حالة تمنع صاحبها من نيل ولاية الله تعالى له، وفي هذا يقول الله ﴿لَّنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَن عز وجل: (١) انظر: أوضح التفاسير، محمود حجازي، ص ٦٢٧، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٢٦١. والمعنى: لن يأنف ولن يترفع المسيح عليه السلام أن يكون عبدا لله عز وجل، مستمرًا على عبادته وطاعته، حسب وظيفة العبودية التي شرف الله تعالى بها عباده، وكذلك الملائكة المقربون لن يأنفوا أن یکونوا عبيدًا لله عز وجل، ثم بین الله تعالی على سبيل التهديد أن من يستنكف عن طاعة الله تعالى، ويطلب الكبر لنفسه من غير استحقاق له، فسوف يحشر المستنكفين إليه جمیعًا لمحاسبتهم. فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ووصفوا بعدم الاستنكاف، فسيوفيهم الله تعالى أجورهم من غير أن ينقص منها شيئًا، ويزيدهم من فضلها بتضعيفها أضعافًا مضاعفة، وبإعطائهم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وأما الذين استنكفوا وترفعوا عن عبادة الله جل جلاله، واستكبروا، فسوف يعذبهم بسبب استنكافهم واستكبارهم عذابًا أليمًا www. modoee.com ٢٥١ حرف الواو لا يحيط به وصف، كما لا يجدون لهم من دون الله تعالى وليًا يلي أمورهم، ويدبر مصالحهم، ولا نصیرًا ينصرهم من بأسه عز وجل، وینجیھم من عذابه(١). ولاية الملائكة للمؤمنين يتضمن الحديث في هذا المبحث عن أسباب ولاية الملائكة للمؤمنين وشرحها، وكذلك بيان الآثار المترتبة على ولاية الملائكة للمؤمنين، وتوضيح ذلك كما يأتي: أولًا: أسباب ولاية الملائكة للمؤمنين: من خلال النظر في آيات الموضوع نجد أن الأسباب التي ذكرها القرآن الكريم، وجعلها موجبة لولاية الملائكة للمؤمنين تتمثل في ثلاثة أسباب: ١. إنعام الله عز وجل على أنبيائه بالنبوة والوحي والرسالة. وخصوصًا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كما تحدث القرآن عن ولاية الملائكة للنبي صلى الله عليه وسلم، وخاصة أمين الوحي جبريل عليه السلام في معرض الحديث عن أمرٍ حدث بين النبي صلى الله عليه وسلم وبعض زوجاته. يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّتْ بِهِ، وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَغَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبََ هَذَّا قَالَ نََّنِىَ الْعَلِيمُ الْخَبِيُ ﴿ إِن نَنُوباً إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ وَجِبْرِيلُ وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِّ وَالْمَلَبِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم : ٤-٣]. (١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٢٦٠/٢. ٢٥٢ القرآن الكريم الولاء والمعنى: واذكر وقت إذ أسر النبي صلى وسلم: نبأني العليم الخبير الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. الله علیه وسلم إلی حفصة حديثًا ما، فسره ابن عباس بأنه ذات يوم اطلعت حفصة على النبي صلى الله عليه وسلم وهو مع مارية أم ولده إبراهيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لحفصة: لا تخبري عائشة، وذکر لها أن أباها عمر بن الخطاب، وأبا عائشة أبا بكر الصديق سيليان أمر الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لم تكتم حفصة سر رسول الله صلی الله علیه وسلم لها، فانطلقت إلى عائشة وأخبرتها. فأطلع الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم على ما حدث، فأظهر بعضه، وأعرض عن ذكر البعض الآخر، وجازى النبي صلى الله عليه وسلم حفصة على ما بدر منها بأن طلقها طلقة واحدة، فقال لها عمر: لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك رسول الله صلی الله عليه وسلم. فأمره جبريل بمراجعتها، وشفع فيها، وهناك رواية أخرى تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد هم بطلاقها حتى قال له جبريل: لا تطلقها فإنها صوامة قوامة، وإنها من نسائك في الجنة، فلم يطلقها. فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم حفصة بما أطلعه الله عز وجل عليه، قالت: من أنبأك بهذا يا رسول الله؟ -وكانت قد ظنت أن عائشة أخبرته- فقال لها النبي صلى الله عليه وبعد ذلك حث الله عز وجل كلًا من حفصة وعائشة على التوبة على ما كان منهما من المیل إلی خلاف محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد مالت قلوبهما وزاغت عن الحق حتى أحبتا ما کره النبي صلى الله عليه وسلم من اجتناب جاريته مارية. ثم أخبرهما على سبيل التهديد لهما بأنهما إن تتظاهرا وتتعاونا على النبي صلى الله عليه وسلم بالمعصية والإيذاء، فإن الله جل جلاله هو ولیہ وناصره، وحينئذٍ لا يضره ذلك التظاهر منهما، وكذلك جبريل عليه السلام هو مولاه، بالإضافة إلى صالح المؤمنين وخيارهم أيضًا، وكذلك الملائكة كلهم هم ظهراء وولاة وأعوان للنبي صلى الله عليه وسلم (١). ٢. اعتراف المؤمنين الذين هم أولياء الله عز وجل بربوبيته، والتسليم لأوامره. ٣. استقامة المؤمنين على الصراط المستقيم علمًا وعملًا. وهذان السببان قد وردا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ أَلََّّ تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٨٦/١٨. www. modoee.com ٢٥٣ حرف الواو نَحْنُ أَوْلِيَآؤَكُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِی ٣٠ اَلْآَخِرَةٌ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ٦ نُلًا مِنْ غَفُورٍ تَّحِيم﴾ [فصلت: ٣٠-٣٢]. فهذا حال المؤمنین دائمًا حیث یقولون: ربنا الله وحده لا شريك له، ثم استقاموا علی هذا التوحید، ولم يلتفتوا إلى إله غير الله عز وجل، وأورد المفسرون أقوالًا في معنى استقامتهم، منها: إخلاصهم العمل لله تعالى، حيث عملوا بطاعته، واجتنبوا معصيته، ومنها: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى ماتوا، ومنها: عملهم على وفق ما قالوا، ومنها: إعراضهم عما سوی الله تعالی، ومنها: زهدهم في الدنيا ورغبتهم في الاخرة (١). ولا مانع من کون هذه المعاني جميعها تدخل في معنى الاستقامة. ثانيًا: آثار ولاية الملائكة للمؤمنين: تتمثل آثار ولاية الملائكة للمؤمنين في النقاط الآتية: أولًا: ورد ذكر آثار ولاية الملائكة للمؤمنين في نفس الموضع الذي ذكرت فيه الأسباب والموجبات، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أُسْتَقَمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَتِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا (١) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٤ / ٥٩٠. مَشَوالَرُ النَّفْسِيَةْ لِلْقُرْآن الكَرِيْمِ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَآؤَكُمْ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِ ٣٠ اَلْأَخِرَةٌ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ٦ ◌ُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ ـحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠-٣٢]. فهؤلاء المؤمنون الذين أقروا بربوبية الله تعالى وتوحيده، وداموا على هذا التوحيد حتى ماتوا، فلم يلتفتوا إلى إله غيره عز وجل، واستقاموا وثبتوا على أمر الله تعالى فامتثلوا لأوامره، واجتنبوا نواهيه، فهؤلاء يستحقون ولاية الملائكة لهم، فقد ورد في الحديث عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: (قلت: يا رسول الله، حدثني بأمر أعتصم به، فقال: (قل: ربي الله، ثم استقم) قلت: يا رسول الله، ما أخوف ما تخاف علي؟ قال: فأخذ بلسان نفسه، ثم قال: (هذا)(٢). ثانيًا: إن ولاية الملائكة لهؤلاء المؤمنين تكون بتنزل الملائكة عليهم بما يشرح صدورهم، ويدفع عنهم المخاوف والأحزان، كأن يبشروهم بنجاتهم عند الموت، وفي القبر وعند البعث، وكذلك إزالة الخوف من أهوال الآخرة، وإذهاب الحزن عما فاتهم من أمور الدنيا من أهل وما وولد، فإذا ذهبت أحزان الماضي، (٢) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٥٤١٩، ٢٤ /١٤٥. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، رقم ٥٦/٣،٢٨٦٢. ٢٥٤ الولاء وأزيلت مخاوف المستقبل، حصلت أزال عنكم المحذور، وبرحمته أنالكم المطلوب (١). الطمأنينة والسعادة وانشراح الصدر، كما إن الملائكة تقول لهم: أبشروا بدخول الجنة التي وعدكم الله تعالى بها على ألسنة أنبيائه ورسله، فإنكم ستستقرون بها، وتخلدون في نعیمها إلى الأبد. ثم أخبر الله عز وجل عن قول الملائكة للمؤمنين: ﴿ نَحْنُ أَوْلِيَا ؤُكُمْ فِى الْحَيَوِالدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةَ﴾ أي: نحن نتولى أمور حفظكم ومعونتکم في الدنيا والآخرة، حیث ندفعکم إلى السداد والتوفيق والحفظ بأمر من الله تعالى، فنحثكم على فعل الخير، ونرهبكم من فعل الشر. هذا في الدنيا، أما في الآخرة فإننا نكون معکم أيضًا حیث نؤنس وحشتكم في قبوركم، ونكون معكم عند النفخة في الصور، كم نؤمنكم من الفزع يوم البعث والنشور، ونجاوز بكم الصراط، ونوصلكم إلى جنات النعيم، كما أن لكم في الجنة جميع ما تختارون وتطلبون وتشتهون، من أُصناف اللذات وأنواع الطيبات مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فکل ما تتمنونه تحصلون علیه، فهو معدٌ لكم سلفًا ضيافةً وعطاءً ومنّا من الله جل جلاله الذي غفر لكم ذنوبكم، ووفقكم لفعل الحسنات، ثم قبلها منكم، فبمغفرته ثالثًا: إن ولاية الملائكة لهؤلاء المؤمنين تكون بتثبيت المؤمنين في ساحات الجهاد كما قال الله عز وجل: ﴿إِذْ يُؤْحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَتْبِكَةِ أَنّ مَعَكُمْ فَشَبِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأَلْقِى فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَأَضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانِ ﴾ [الأنفال: ١٢]. والمعنى: اذكروا أيها المؤمنون نعمة ربكم عليكم حين أوحى إلى الملائكة أن الله جل جلاله معكم بالعون والتأييد والنصر. فأمر الملائكة أن تلقي في قلوب المؤمنين وتلهمهم الجرأة على عدوهم، وترغبهم في الجهاد وفضله، فإن الله تعالى سوف يلقي في قلوب الكافرين الرعب الذي هو أعظم جند للمؤمنين على الكافرين. فإن الله عز وجل إذا ثبت المؤمنين وألقى الرعب في قلوب الكافرين، لم يقدر الكافرون على الثبات لهم ومکنهم الله تعالی منهم، حينئذٍ يأمر الله عز وجل المؤمنين أن یضربوا أعناقهم ومفاصلهم. وهذا الخطاب إما أن يكون للملائكة الذين أوحى الله تعالى إليهم أن يثبتوا الذين (١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٢٢٣/٢٧، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٧٤٨. www. modoee.com ٢٥٥ حرف الواو آمنوا فيكون في ذلك دليل أنهم باشروا القتال يوم بدر، أو يكون الخطاب للمؤمنين بحیث یشجعهم الله، ويعلمهم كيف يقتلون المشركين، وأنهم لا يرحمونهم، وذلك لأنهم شاقوا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، أي: حاربوهما وبارزوهما بالعداوة (١). ولاية المؤمنين يقتضي الحديث عن ولاية المؤمنين بيان موجبات هذه الولاية بين بعضهم البعض، بالإضافة إلى بيان آثار هذه الولاية على أصحابها، وكذلك بيان آثار ولاية المؤمنين للکافرین و الظالمین و آثارها، وتوضيح ذلك فيما يأتي: أولًا: موجبات ولاية المؤمنين بعضهم البعض: هناك أمورٌ أو صفات تجمع بين المؤمنين مما يؤهلهم أو يوجب عليهم أن تكون الولاية بين بعضهم البعض، وقد ذكرت بعض آيات القرآن الكريم هذه الموجبات. ومنها قول الله عز وجل: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَكَ سَيَرْحُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: ٧١]. فهذه الآية إما أن تكون على سبيل الإخبار من الله تعالى أن الدين الذي اعتنقه هؤلاء المؤمنون، وتمسكوا به، يوجب لهم الولاية، فيصير بعضهم أولياء لبعض، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: ١٠]. وإما أن یکون علی سبیل الأمر، أي يأمر (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، ص٣١٦. جَوَسُو حَرَ النفسية الوضوي لِلْقُرآن الكَرِيمِ ٢٥٦ الولاء ء الله عز وجل المؤمنين أن يتخذوا بعضهم أولياء بعض، ولا يتخذوا غیرهم أولیاء، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم ◌ِاَلْمَوَدَّةِ وَقَدّ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمّ أَنْ تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُمْ خَرَجْتُمْ جِهَدًا فِي سَبِيلِ وَأَبْغَةَ مَرْضَائِيَّ قُِّرُونَ إِلَيْهِم ◌ِلْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُبِمَاً أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١](١). وذكر الماتريدي في تفسيره نوعين للولاية بين المؤمنين: أحدهما: ولاية روحانية، والأخرى: ولاية نفسانية، فقال: ((الأولى: ولاية روحانية، وهي ولاية في الدين توجب مراعاة حقوق تحدث بالدين الذي جمعهم وحفظها. والثانية: ولاية نفسانية، وهي الولاية التي تکون في الأنفس والأموال، من نحو ولایة النكاح والميراث وغيره. فهذه الولاية هي الولاية النفسانية التي كانت بالرحم والنسب، فإذا اجتمعوا في دين واحد وجبت تلك الولاية لهم، وهي الولاية نفسها، والولاية الروحانية هي المودة والمحبة، فيجب مراعاتها بالدين وتعاهدها، وهذا كما تقول: حياة روحانية وحياة جسدانية، والحياة الروحانية: هي (١) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٤٢٦/٥. العلم والآداب، يرى أشياء ويعرفها من بعد الحياة الجسدانية: وهي الروح الذي به يحيا الجسد، وبذهابه يموت الجسد، والله أعلم)) (٢). فهؤلاء المؤمنون والمؤمنات المصدقون بالله عز وجل، وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وبالقرآن العظيم، فإن صفتهم أن بعضهم أنصار بعض وأعوانهم وقلوبهم متحدة في التواد والتحاب والتعاطف. وعليه تكون هذه الموجبات متمثلة في النقاط الآتية: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أولًا: أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ فإن الدين الذي اعتنقه هؤلاء المؤمنون، وتمسکوا به، یوجب لهم الولایة، فیصیر بعضهم أولياء لبعض. ثانيًا: ﴿يَأْمُرُونَ بِلْمَعْرُوفِ﴾ أي يأمرون الناس بالإيمان بالله تعالى وبرسوله صلی الله عليه وسلم، وبما جاء به من عند الله تعالى، والمعروف هو اسم جامع لكل ما عرف حسنه من بر وخير، من العقيدة الحسنة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة، وأول ما يأمرون به أنفسهم. ثالثًا: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ وهو كل ما خالف المعروف وناقضه من العقائد الباطلة المزيفة، والأعمال الخبيثة، والأخلاق الرذيلة، فهم أول ما ینهون أنفسهم عنه. (٢) المصدر السابق، ص٤٢٦. www. modoee.com ٢٥٧ حرف الواو رابعًا: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ ﴾ فيؤدون الصلاة على أكمل وجه، ويخرجون زكاة أموالهم، ويعطونها لمستحقيها. خامسًا: ﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: لا يزالون ملازمين لطاعة الله عز وجل، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم على الدوام(١). يقول سيد قطب رحمه الله: ((إن طبيعة المؤمن هي طبيعة الأمة المؤمنة، طبيعة الوحدة وطبيعة التكافل، وطبيعة التضامن، ولكنه التضامن في تحقيق الخير ودفع الشر. ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ وتحقيق الخير ودفع الشر يحتاج إلى الولاية والتضامن والتعاون، ومن هنا تقف الأمة المؤمنة صفًا واحدًا. لا تدخل بينها عوامل الفرقة ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ يتجهون بهذه الولاية إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإعلاء كلمة الله، وتحقيق الوصاية لهذه الأمة في الأرض. ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ ﴾ الصلة التي تربطهم بالله. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾ الفريضة التي تربط وسلم، فقال: يا رسول الله إن قومًا من قريظة بين الجماعة المسلمة، وتحقق الصورة (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٤ / ٣٤٧، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٣٤٣. المادية والروحية للولاية والتضامن. ﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فلا يكون لهم هوی غیر أمر الله وأمر رسوله، ولا يكون لهم دستور إلا شريعة الله ورسوله، ولا یکون لهم منهج إلا دین الله ورسوله، ولا يكون لهم الخيرة إذا قضى الله ورسوله، وبذلك يوحدون نهجهم ويوحدون هدفهم ويوحدون طريقتهم، فلا تتفرق بهم السبل عن الطريق الواحد الواصل المستقيم» (٢). وفي موضع آخر بین الله تعالى من هو الولي الذي تجب موالاته، فقال: ﴿إِنَّمَاوَلِئُكُم اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَالَّذِينَ ءَامَنُواْالَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]. أي: إن الولي الذي يجب على المؤمنين اتخاذه هو الله جل جلاله، ورسوله صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون الذين من صفاتهم أنهم يقيمون الصلاة في أوقاتها المفروضة، ويؤدونها على أكمل وجه بکل خشوع وخضوع، و کذلك فهم يؤتون الزكاة ويؤدونها لمستحقيها غير متكبرين على الفقراء، ولا مترفعين عليهم (٣). ويروى في سبب نزول الآية أن عبد الله بن سلام جاء إلى النبي صلى الله عليه والنضير قد هاجرونا وفارقونا وأقسموا أن (٢) في ظلال القرآن، ٣/ ١٦٧٥. (٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٥٩/٢. موسوعة النفسي لِلْقُرْآن الكَرِيمِ ٢٥٨ الولاء لا يجالسونا، ولا نستطيع مجالسة أصحابك من مكة حبًا لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم لبعد المنازل، وشکی ما يلقى من اليهود، فنزلت هذه الآية، فقرأها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء(١). في سبيل الله تعالى، وهم الذين سموا بالمهاجرين، وكذلك الأنصار الذين آووا أولئك المهاجرين، ونصروهم على أعدائهم، فإنه يتولى بعضهم بعضًا في ﴾ ونلحظ من قوله تعالى: الميراث، فكان كل من المهاجرين والأنصار يتوارثون بالهجرة دون القرابة من الرحم والنسب، حتى نسخ ذلك بقوله: ﴿وَأَوْلُوا اُلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِ كِتَپ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَجِرِينَ إِلَّ أَنْ تَفْعَلُواْ إِلَىْ أَوْ لِيَآَيِكُم مَّعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦](٢). أن هذا أسلوب حصر يفيد القصر، أي: حصر وقصر الولاية الحقة فقط في وجوب الولاية لله عز وجل، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وللمؤمنين فقط، وما عداها فالمؤمنون منهيون عن اتخاذهم أولياء بالمصادقة والمناصرة والمعاونة، ويجب التبرؤ منهم. هذا وقد كانت الموالاة والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في بداية الدعوة الإسلامية في العهد المدني على أساس التوارث بينهم؛ لتعزيز هذا المفهوم إِنَّ وترسيخه بينهم، حيث قال تعالى: الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُّ أُوْلَيْكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَّةُ بَعْضٍ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِن وَلَيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّى يُهَاجُِواْ وَإِنِ أُسْتَنَصَرُوَكُمْ فِ الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْيٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَقُّ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٢]. والمعنى: إن الذين آمنوا وهاجروا (١) انظر: أسباب النزول، الواحدي، ص١٩٩. ثانيًا: آثار ولاية المؤمنين لبعضهم: بعد أن ذكر الله عز وجل موجبات ولاية المؤمنين لبعضهم البعض، وصف آثار هذه الولاية الحقة للمؤمنين سواء كانت في الدنيا أم في الآخرة، وهي متمثلة في النقاط الآتية: أولًا: رحمة الله عز وجل بهم: كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ يَأْمُرُونَ بِلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَّرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: ٧١]. فهؤلاء المؤمنون والمؤمنات المتصفون (٢) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ، ١ / ٦٥٨. www. modoee.com ٢٥٩ حرف الواو بتلك الصفات الموجبة لولاية بعضهم -تعالى ذكره- عباده جميعًا الذين تبرؤوا البعض سيفيض الله تعالى عليهم من آثار من حلف اليهود وخلعوهم رضًا بولاية رحمته، ویشملهم بإحسانه، فأي شيء يبتغيه المؤمنون فوق رحمة الله عز وجل، وأي شيء يطلبون بعد فوزهم بجنته؟ فقد جعل الله تعالى سبب الوصول إلى رحمته يسيرًا سهلًا، ولیس عسیرًا شاقًا؛ بل هو طلب کل إنسان عاقل يتصف بالصفات الواردة في الآية(١). يقول سيد قطب رحمه الله: (( والرحمة لا تكون في الآخرة وحدها، إنما تكون في هذه الأرض أولًا، ورحمة الله تشمل الفرد الذي ينهض بتكاليف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وتشمل الجماعة المكونة من أمثال هذا الفرد الصالح. رحمة الله في اطمئنان القلب، وفي الاتصال بالله، وفي الرعاية والحماية من الفتن والأحداث، ورحمة الله في صلاح الجماعة، وتعاونها، وتضامنها واطمئنان كل فرد للحياة، واطمئنانه لرضاء الله))(٢). ثانيًا: الغلبة: كما فى قول الله عز وجل: ﴿ وَمَن يَتَوَّلَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِرْبَ اَللَّهِ هُمُ الْغَلِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦]. قال الطبري: ((وهذا إعلامٌ من الله (١) انظر: أوضح التفاسير، محمد الخطيب، ص٢٣٤. (٢) في ظلال القرآن، ١٦٧٦/٣. الله ورسوله والمؤمنين، والذين تمسكوا بحلفهم، وخافوا دوائر السوء تدور عليهم، فسارعوا إلى موالاتهم أن من وثق بالله وتولى الله ورسوله والمؤمنين، ومن كان على مثل حاله من أولياء الله من المؤمنين، لهم الغلبة والدوائر والدولة على من عاداهم وحادهم؛ لأنهم حزب الله، وحزب الله هم الغالبون، دون حزب الشيطان»(٣). ثالثًا: الفلاح في الدنيا والآخرة: كما في قوله عز وجل: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ ◌ِاَللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَدُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانُّوْ ءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ آلْإِيمَنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوجِ مِنَةٌ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّتِ نَّجْرِى مِن تَّحْنِهَا آلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اَللّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. والمعنى: لا تجد قومًا يجمعون بين الإيمان بالله عز وجل واليوم الآخر، وبين مودة أعداء الله تعالى ورسله، فلا يجتمع هذان ولا يتحققان. وفي هذا التوصية بمجانبة أعداء الله عز وجل ومباعدتهم، والاحتراس من (٣) جامع البيان، ١٠/ ٤٢٧. ٢٦٠ القرآن الكريمِ الولاء الموادین، أو أبناءهم، أو إخوانهم، أو عشيرتهم، فإن قضية الإيمان تستلزم هجر المحادين حتى ولو كانوا أقرباءهم، فأولئك الذين لا يوادون من حاد الله ورسوله، أثبت الله تعالى في قلوبهم الإيمان، وقواهم بنصرٍ منه على عدوهم في الدنيا، وسمى نصره لهم روحًا؛ لأن به یحیا أمرهم، وليس هذا فقط؛ بل يدخلهم يوم القيامة جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها إلى الأبد. فرضي الله تعالی عنهم، وقبل أعمالهم، وأفاض عليهم آثار رحمته العاجلة في الدنيا والآجلة في الآخرة، كما أنهم رضوا عن الله عز وجل، ففرحوا بما أعطاهم عاجلًا وآجلا، فأولئك حزب الله تعالى وجنده الذين يمتثلون أوامره، ويقاتلون أعداءه، وینصرون أولياءه، ألا إن حزب الله تعالى هم الفائزون بسعادة الدارين الدنيا والآخرة، وهم الكاملون في الفلاح(١). وهكذا تتجلى آثار ولاية المؤمنين لبعضهم البعض في الدنيا والآخرة. ثالثًا: ولاية المؤمنين للكافرين والظالمين: لقد حذر الله تعالى المؤمنين وتوعدهم على سبيل التهديد من اتخاذهم الكافرين (١) انظر: فتح البيان، محمد صديق القنوجي، ٠٣٣/١٤ مخالطتهم ومعاشرتهم حتى ولو كان آباء والظالمين أولياء من دون المؤمنين، وبينًا سابقًا أن الولاية الحقة قد حصرها الله تعالى في ولاية المؤمنين لله عز وجل، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين أمثالهم، فتترتب على ولاية المؤمنين للكافرين والظالمين جملة من الآثار، ومنها: أولًا: براءة الله تعالى منه: يقول الله عزَّ وجلّ: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءُ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينٌّ وَمَن يَفْعَلَ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَىْءٍ إِلَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةُ وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَةٌ، وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨]. والمعنى أنَّ الله تعالى ينهى المؤمنين أن يتخذوا الكفار أعوانًا وأنصارًا يوالونهم على دينهم، ويظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، ويدلونهم على عوراتهم وأسرارهم، وتوعد الله تعالى أن من يفعل ذلك فقد برئ من الله تعالى، وبرئ الله تعالى منه، حيث ارتد عن دينه، ودخل في الكفر. ثم استثنى من هذا الأمر حالة واحدة، وهي إذا كان المؤمنون تحت سلطان الكافرين، وكانوا فى حالة ضعف يخافونهم على أنفسهم، فحينئذٍ يظهرون لهم الولاية باللسان فقط، ويضمرون لهم العداوة، فلا یعینونهم على مسلم، ولا یشایعونهم على ما هم عليه من كفر(٢). (٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ٣١٣/٦. www. modoee.com ٢٦١ حرف الواو ثانيًا: وقوعهم في دائرة الكفر: حيث الكفر (١). يقول جلَّ جلاله: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ اَلْيُهُودَ وَالنَّصَرَّ أَوْلِيَاءُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍٍّ وَمَن يَتَوَُّم مِنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اَلَِّينَ﴾ [المائدة: ٥١]. والمعنى أن الله تعالى ينهى المؤمنين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، بحيث يعاملونهم معاملة الأولياء في المصادقة والمعاشرة والمناصرة، وعلل الله تعالى هذا النهي بأن هؤلاء اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض، فكيف تتخذونهم أولیاء؟ فبعض اليهود أولياء البعض الآخر منهم، وكذلك بعض النصارى أولياء البعض الآخر منهم، فهم يتعاضدون فيما بينهم، ويتناصرون على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم وعداوة القرآن الذي جاء به من عند الله تعالى، ووجه تعليل هذا النهي أن هذه الموالاة هي شأن الكفار لا شأن المؤمنین، فلا یفعلوا ما هو من فعلهم، فيكونوا أمثالهم؛ لذلك عقب الله تعالى هذه الجملة التعليلية بما هو كالنتيجة لها فتوعدهم وعيدًا شديدًا أن من يتولاهم منكم، فإنه من جملتهم وفي عدادهم. ثم علل الله تعالى ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اُلَِّينَ﴾ أي: إن وقوع المؤمنین في الكفر إذا والوا الكفار هو بسبب عدم هداية الله تعالى لمن ظلم نفسه بما يوجب يقول السعدي رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: ((يرشد تعالى عباده المؤمنين حين بين لهم أحوال اليهود والنصارى وصفاتهم غير الحسنة، أن لا يتخذوهم أولیاء. فإن بعضهم أولياء بعض يتناصرون فيما بينهم ويكونون يدًا على من سواهم، فأنتم لا تتخذوهم أولياء، فإنهم الأعداء على الحقيقة ولا يبالون بضركم؛ بل لا يدخرون من مجهودهم شيئًا على إضلالکم، فلا يتولاهم إلا من هو مثلهم. ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَُّ قِّنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ لأن التولي التام يوجب الانتقال إلى دينهم، والتولي القليل يدعو إلى الكثير، ثم يتدرج شيئا فشيئًا، حتى يكون العبد منهم. ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اُلَّلِينَ﴾ أي: الذين وَصْفُهُم الظلم، وإليه يرجعون، وعليه يعولون، فلو جئتهم بكل آية ما تبعوك، ولا انقادوا لك)» (٢). ثالثًا: الحكم عليهم بالضلال: كما في قول الله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدّ كَفَرُواْ بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمّ أَنْ تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُمْ خَرَحْتُمْ جِهَدًا فِ سَبِيلِ وَأَبْغَ مَنْ ضَائِىَّ قُِّرُونَ إِلَيْهِم بِلْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُبِمَاً (١) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٢/ ٥٧. (٢) تيسير الكريم الرحمن، ص ٢٣٥. ٢٦٢ جَوَبُو القُرآن الكَرِيْمِ الولاء أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَئُمْ وَمَن يَفْعَلَهُ مِنَكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ ﴿ إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَاءُ وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَبْدِيَهُمْ وَأَلْسِتَهُمْ بِالسُّوْهِ وَوَدُواْ لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: ١- ٢]. وکان سبب نزول هاتين الآيتين متمثلاً في قصة حاطب بن أبي بلتعة، وهو رجل من المهاجرین، وشهد غزوة بدر، وکان له في مکة مال وأولاد، ولم يكن حاطب من قریش نفسها؛ بل كان حليفًا لعثمان، فلمَّا عزم الرسول صلى الله عليه وسلم على فتح مكة بعدما نقضت قريش صلح الحديبية، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتجهيز الغزو، واستعان على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم عم عليهم خبرنا). فذهب حاطب وكتب كتابًا إلى قريش يعلمهم بما عزم عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة، وفعل ذلك؛ ليتخذ به عندهم يدًا، فأطلع الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم على ذلك، وهذا من باب استجابة الله تعالى لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم السابق. فبعث النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا ابن أبي طالب والزبير والمقداد في طلب المرأة وأخذ الکتاب منها، حتى وصلوا إلى روضة خاخ، فوجدوها وأمروها بإخراج الكتاب، فنفت وجوده معها، فهددوها إما أن تخرج الكتاب، وإما أن ينزعوا الثياب ليخرجوه بأنفسهم، فأخرجت الكتاب من عقاصها، وأتوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكلم النبي صلى الله عليه وسلم حاطبًا وسأله عن سبب ما فعل، فأجاب: لا تعجل عليَّ، إني كنت امرءًا ملصقًا في قریش، ولم أكن من أنفسهم، و کان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني من ذلك النسب فیھم أن أتخذ فیھم یدا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني، ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنه صدقكم) واستأذن عمر بن الخطاب من النبي صلى الله عليه وسلم في ضرب عنقه، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال: (إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فأنزل الله تعالى الآيتين (١). والمعنى أن الله تعالى ينهى المؤمنين عن اتخاذ المشركين والكفار الذين هم محاربون لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، فهم الذين شرع الله تعالی عداوتهم ومجانبتھم، ونھی أن يُتَّخَذُوا أولياء وأصدقاء وأخلاء، فهم قد (١) انظر: أسباب النزول، الواحدي، ص٤٢١. www. modoee.com ٢٦٣ حرف الواو أخرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بين أظهرهم؛ لما كرهوا منهم ماهم عليه من التوحيد وإخلاص العبادة لله عز وجل وحده، فلم يكن لكم ذنب عندهم إلا أنكم مؤمنون بالله رب العالمين، فإن كنتم خرجتم جهادًا في سبيل الله تعالى تبتغون مرضاتي، فلا توالوهم، فهم أعدائي وأعداؤكم، وقد أخرجوكم من دياركم وأموالكم؛ حنقًا عليكم، وسخطًا لدينكم، فإن أسررتم لهم بالمودة، فأنا أعلم بالسرائر والضمائر والظواهر، ومن يفعل ذلك فقد ضل الطريق المستقيم. ولو قدر عليكم هؤلاء الكفار المشركون لما اتقوا منكم أذى ينالونكم به من القول والفعل، كما أنهم يحرصون على ألا تنالوا خیرًا، فعداوتهم لكم كامنة وظاهرة، فكيف توالون أمثال هؤلاء، ولا يخفى ما في هذا من تهييج للمؤمنين على عداوة الكافرين(١). وخلاصة القول: أن من يوالي الكفار من المؤمنین دون عذر فهو منهم، وقد ارتد عن دينه، ورضي بالكفر بعد الإسلام، وقد ضل سواء السبيل، وقد ظلم نفسه بفعله هذا مما يعرضها لعقاب الله عز وجل في الدنيا والآخرة. (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٨٥٨/٨. ولاية الشيطان يتطلب الحديث عن ولاية الشيطان توضيح صفات أولياء الشيطان، ومن ثم توضيح آثار هذه الولاية على أصحابها، وبيان ذلك كما يأتي: أولًا: صفات أولياء الشيطان: إن أولياء الشيطان قد اتصفوا بصفات سبغت عليهم نتيجة ولايتهم للشيطان، حيث أكسبهم الشيطان هذه الصفات كي يقوموا بمهمتهم في مساعدته في إغواء الخلق، وقد تحدث القرآن الكريم عن تلك الصفات، فهي متمثلة فيما يأتي: ١. الشرك وعدم الإيمان. يقول الله عز وجل: ﴿يَبَّنِيّ ءَادَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كُمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الْجَّةِ يَزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَ تِمَاً إِنَّهُ يَرَنَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا نَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَطِينَ أَوْلِيَّةَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧]. ففي هذه الآية يحذر الله تعالى بني آدم أن يفعل بهم الشيطان كما فعل بأبيهم آدم عليه السلام، حين زين له المعصية، ودعاه إليها، ورغبه فيها، ومن ثم كانت النتيجة أن انقاد له، فأنزل آدم وحواء من مكانهما العالي المرموق، فكما فعل بأبيهم ما فعل، کذلك یرید أن یفعل بینیه، وهو لا يألو جهدًا ٢٦٤ جوسين القرآن الكريمِ الولاء ء الشيطان إلى نفوس أتباعه من مدخل يتميز بضعفهم فيه، ألا هو حب الذات والظهور، الدوام، ويراهم هو وقبيله من شياطين الجن فيبدأ الشيطان بالوسوسة لأتباعه، ويوحي من حیث لا يرونهم، فالله عز وجل جعل الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون، فعدم الإيمان موجب لعقد الولاية بين الإنسان والشيطان (١). أما المؤمنون فقد أخبر الله تعالى أنه لم يجعل للشيطان عليهم سلطانًا ولا سبيلًا، حيث قال جل جلاله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ، سُلْطَانُ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَيْهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ, عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٩-١٠٠]. فالمشركون الذين يتصفون بالشرك وعدم الإيمان هم أولياء الشيطان. ٢. الاغترار بالباطل. تعد هذه الصفة مهمة في طريق اتباع الشيطان، ويكسبها الشيطان لأوليائه حتى يغويهم به، فالشيطان لا يحارب أهل الحق وحده؛ بل يحتاج إلى أتباع ومعاونين ومناصرين، ولا بد أن يكون هؤلاء الأتباع بعيدين كل البعد عن الحق والإيمان، ولا يتأتى هذا البعد إلا بزيادة اغترارهم بالباطل (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٢٨٦. عنهم حتى يفتنهم عن دينهم إن استطاع، الذي هم عليه، فلا يرون الحق إلا فيما فعلى جميع المؤمنين أخذ الحذر منه، هم عليه، وغيره لا يكون صوابًا، فيدخل ولا يغفلوا عن المداخل التي يدخل منها الشيطان إليهم، فإن الشيطان يراقبهم على إليهم أنه على حق، وأنهم هم الأقوى، وأن عليهم الآن محاربة المؤمنين بكل ما ,(٢) يتصفون به من كبر وغرور . ويؤكد هذا الأمر قول الله عز وجل: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيِهِمَّ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّ غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠]. ولقد بين الله تعالى هذه الصفة للشيطان وأتباعه المتصفين بالغرور بما هم عليه من باطل، حيث قال: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَُّحَوِّفُ أَوْلِيَاءَ هُ، فَلَا تَّخَافُوهُمْ وَخَافُونٍ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]. أي: يخوفهم أولياءه، ويوهمكم أنهم ذوو بأس وشدة(٣). والمعنى: أيها المؤمنون، إنما الذي خوفكم بجموع عدوكم ومسيرهم إليكم هو الشيطان، فهو يخوفكم بأوليائه من المشركين؛ وذلك لترهبوهم، وتخافوهم، فنهاهم الله عز وجل عن خوف المشركين الذين هم أولياء الشيطان، وألا يعظم عليهم (٢) انظر: الشيطان خطواته وغاياته، وائل بشير، ص١٢٤. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٧٢/٢. www. modoee.com ٢٦٥ حرف الواو أمرهم، ولا یرهبوا جمعهم مع طاعتهم لله تعالى، واتباعهم أمره، فإنه جل جلاله متكفل للمؤمنين بالنصر والظفر، ثم وجههم إلى أن يكون هذا الخوف من الله -تعالى وحده-، فلا یعصوه ویخالفوا أمره إن كانوا مصدقین للرسول صلی الله عليه وسلم، وما جاءهم به من عند الله عز وجل (١). وعليه فإن الشيطان يجعل أولياءه مغترين بالباطل الذي هم علیه، فيعظم صورة أوليائه في نظر المؤمنين، ويستعمل هؤلاء الأتباع والأولياء لتخويف المؤمنين. ٣. الخوف من الشيطان. إذا كان الشيطان قد أغرى حب الذات والظهور في أوليائه، وهو من أشعل فيهم الكبر والغرور، وسخرهم الشيطان للحرب على الحق وأهله، فإن هؤلاء الأولياء يصبحون ضعفاء أمام سيدهم الشيطان فیخافون منه، وينفذون أوامره، ولا يعصون منها شيئًا. إِنَّهُ، لَيْس لهُ،سُلْطَانُ يقول الله عز وجل: عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَيْهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ٩٩ إِنَّمَا سُلْطَتُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ. وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٩ -١٠٠]. والمعنى: أن الله تعالى يخاطب نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من بعده أنه إذا أراد الشروع في قراءة القرآن (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٤١٦/٧. الكريم أن يستعيذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم، ومن وساوسه، فإن الشيطان ليس له تسلط على إغواء المؤمنين المتوكلين على ربهم حیث یفوضون أمرهم إليه في کل قول وفعل. وعليه فإن الإيمان بالله عز وجل والتوكل عليه يمنعان الشيطان من وسوسته لهم، وإن وسوس لأحد منهم، فإن وسوسته لا تؤثر فيهم، فهم الذين قال فيهم إبليس: ﴿وإلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠]. وقال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِی لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّ مَنِ أَتَبَعَكَ مِنَ الْغَارِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]. ثم حصر الله عز وجل تسلط الشيطان علی الإغواء علی الذین يتخذونه وليًّا حیث يطيعونه في وساوسه، كما أنهم مشركون بالله تعالى، أو أنهم مشرکون بالله بسبب وسوسة الشيطان لهم(٢). ٤. الجدال بالباطل. إن الحق والباطل في سجال شدید إلى يوم الدين، فكما أن الحق يحتاج إلى أعوان ليظهر وينتصر، فكذلك الباطل يحتاج إلى أعوان ونصراء ليواجه به الحق وأهله، فيواجهونهم به مرة، ويكيدون لهم مرة أخرى، فيزينون لهم الباطل، وهذا السجال من أهل الباطل الذين هم أولياء الشيطان (٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٢٣١/٣. ٢٦٦ الْقُرآن الكَرِيْمِ الولاء ء يحتاج إلى جدال، فيقول الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اللَّهِ بِغْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَنِ قَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣]. والمعنى: أنه يوجد من الناس من يخاصم ويجادل في دين الله تعالى بغير حجة ولا علم، ویتمرد على الله عز وجل. وقد بین الله تعالى أن ما يقوله هؤلاء الأولياء من جدال، وما يفعلونه من عداء للحق وأهله، إنما هو وحي من الشيطان إليهم، فيقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِاسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ، لَفِسْقٌ وَ إِنَّالشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْ لِيَآيِهِمْ لِيُجَدِ لُوكُمَّ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]. روى أبو داود في سبب نزول هذه الآية أن اليهود جاءؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: نأكل مما قتلنا، ولا نأكل مما قتل الله؟! فأنزل الله تعالى هذه الآية(١). والمعنى: أن الأكل مما لم يذكر اسم الله تعالى عليه فسق ومعصية، وإن الشياطين يوحون إلى أوليائهم ليجادلوا أهل الحق بغير علم، ومعلومٌ أن المجادلة هي دف القول على طريق الحجة بالقوة. وإن أطعتموهم أيها المؤمنون في تحليل ما لم يذكر اسم الله تعالى عليه فإنكم (١) أخرجه أبو داود، رقم ٢٨٢١، كتاب الضحايا، باب ذبائح أهل الكتاب، عن ابن عباس، ٥٩/٣. وصححه الألباني: صحيح. مشركون بالله جل جلاله (٢). يقول السعدي رحمه الله: ((فإن المشركين -حين سمعوا تحريم الله ورسوله الميتة، وتحليله للمذكاة، وكانوا يستحلون أكل الميتة قالوا معاندةً لله ورسوله، ومجادلةً بغير حجة ولا برهان: أتأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله؟ یعنون بذلك: الميتة، وهذا رأي فاسد، لا یستند علی حجة ولا دلیل؛ بل يستند إلى آرائهم الفاسدة التي لو كان الحق تبعًا لها لفسدت السماوات والأرض، ومن فيهن. فتبًّا لمن قدم هذه العقول على شرع الله وأحكامه، الموافقة للمصالح العامة والمنافع الخاصة، ولا يستغرب هذا منهم، فإن هذه الآراء وأشباهها، صادرة عن وحي أوليائهم من الشياطين، الذين يريدون أن يضلوا الخلق عن دينهم، ويدعوهم ليكونوا من أصحاب السعير. ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ ﴾ في شر کھم وتحليلهم الحرام، وتحريمهم الحلال ﴿إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ﴾، لأنكم اتخذتموهم أولياء من دون الله، ووافقتموهم على ما به فارقوا المسلمين، فلذلك كان طريقكم، طريقهم)) (٣). (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٧/ ٠٧٧ (٣) تيسير الكريم الرحمن، ص٢٧١. www. modoee.com ٢٦٧ حرف الواو ثانيًا: آثار ولاية الشيطان: بعد عرض صفات أولياء الشيطان التي ذكرها القرآن الكريم، بين الله تعالى ما يترتب على ولاية الشيطان من آثار، ومنها: يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُمَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكِ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَا بَعِيدًا إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّ إِنَثًا وَإِن ١١٦ يَدْعُونَ إِلَّ شَيْطَنَا قَرِيدًا ) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِيَنَّهُمْ وَلَ مُرَنَّهُمْ ١١٨ فَلَيُبَتْكُنَّ ءَاذَانَ اُلْأَنْعَمِ وَلَمُنَهُمْ فَيُغَيْرُنَ خَلْقَ اَللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيَا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيِهِمَّ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلََّغُرُورًا أَوْلَكَ مَأْوَنَّهُمْ جَهَنَّهُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا يَحِيصًا﴾ [النساء: ١١٦-١٢١]. ومعنى هذه الآيات: أن فيها إخبارًا من الله عز وجل عن طعمة بن أبيرق الذي مات على الشرك بأنه تعالى لا يغفر له، أما غيره من الذين لم يموتوا مشركين، فإن أمرهم إلى الله تعالى إن شاء غفر لهم، وإن شاء عذبهم، ومن يشرك بالله تعالى فقد ضل عن طريق الهداية والصواب، وذلك بسبب بعده عن الحق، وإشراكه بربه عز وجل. ثم أخبر الله تعالى أن هؤلاء المشركين ما يعبدون إلا أوثانًا لا تسمع، ولا تبصر، ولا تنطق، ولا تعقل، وفي حقيقة الأمر ما يعبدون إلا الشيطان الذي دعاهم إلى عبادة هذه الأوثان، فلعنه الله تعالى وطرده من رحمته بسبب إبائه لأمر الله عز وجل بالسجود لآدم، فقال الشيطان متوعدًا وحانقًا: لأتخذن من عبادك عددًا كبيرًا منهم يعبدونني، وهم معروفون بمعصیتهم لك، وطاعتهم لي. ولم يقف هذا الشيطان عند هذا الحد؛ بل واصل قائلًا: ولأضلنهم عن طريق الهدى، ولأمنينهم بتعويقي إياهم عن طاعتك بالأماني الكاذبة المتمثلة في أنهم لا يلقون عذابًا، أو أن الله سوف يغفر لهم، ولآمرنهم فيطيعونني، فيجعلون لآلهتهم نصيبًا مما رزقهم الله، كما يعلمونها بقطع آذانها؛ لتعرف أنها للآلهة، ولآمرنهم أيضًا فيطیعونني في تغییر خلق الله بالبدع والمعاصي. ثم قال الله جلَّ جلاله: إن من اتخذ الشيطان وليًّا من دونه تعالى، فقد عاداه، ومن عاداه، فقد تم له أعظم الخسران، فالشيطان لا يملك من الأمر شيئا، فكيف يحقق لأوليائه النجاة والسعادة؟ وحينئذٍ يعلن الله عز وجل حكمه في قوة ووضوح أن أولئك الشیاطین وأولياؤهم سوف یکون مصیرهم إلى النار، ومن ثم لا يجدون عنها ٢٦٨ الْقُرآن الكَرِيْمِ الولاء معدلاً أو مهربًا (١). كان ذلك بسبب اتخاذهم الشياطين أولياء هذا وقد بين الله عز وجل أن من يتخذ من دون الله عز وجل، ويحسبون أنهم على هداية في ارتكابهم للمعاصي، فهذا كفر وتبجح على الله تعالى (٣). الشيطان وليًّا من دون الله تعالى، فبئس ما اختار لنفسه من ولاية الشيطان الذي لا يأمره إلا بالفحشاء والمنكر عن ولاية الرحمن الذي كل النجاة والسعادة والفلاح في ولايته(٢). يقول جلَّ جلاله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَئِكَةِ أَسْجُدُواْ لِّدَمَ فَسَجَدُوَاْ إِلَّ إِبْلِسَ كَانَ مِنَ الْجِنِ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَيِّدَةُ أَفَنَتَّخِذُونَهُ، وَذُرِّيَّتَهُ, أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ بِفْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ﴾ [الكهف: ٥٠]. ويقول جلَّ جلاله في موضع آخر: فَرِيقًا هَدَىْ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّكَلَةُ إِنَّهُمُ أَخَذُواْ الشَّيَطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم ◌ُهْتَدُونَ ﴾ [الأعراف: ٣٠]. أي: من أقبل على الله تعالى بإيمان، هداه الله عز وجل، وخفف عنه مؤنة الطاعة، وبغضه في المعصية، أما الفريق الآخر الذي تأبىّ علی الله تعالی، ولم يستجب لهدایته، فکیف یعینه الله تعالی؟ فإنه يتركه في غيه ويخلي بينه وبين الضلالة، فالذین حقت علیهم الضلالة، إنما (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٠٦/٩، أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري، ١/ ٥٤٣. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٤٧٩. وعليه فإن من ثبتت ولايته للشيطان، وامتاز بصفات أولياء الشيطان، فإن الله تعالى أمر أولياءه المؤمنين بقتال أولياء الشيطان؛ لأنه إما أن يكون القتال في سبيل الله عز وجلٍ، أو في سبيل الطاغوت، فوجب أن یکون کُّ ما سوی الله تعالی طاغوتًا، كما بین الله عز وجل أن كيد الشيطان ضعيف، فقال: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُ واْ يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اُلَّاغُوتِ فَقَدِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطِنِّ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَنِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]. فالله تعالى ينصر أولياءه، وكذلك الشیطان ینصر أولياءه، ولکنه بما أن کید الشيطان ضعيف، فولايته ونصرته لأوليائه ضعيفة أيضًا، والله تعالى ناصرٌ أولياءه لا محالة (٤). وخلاصة القول: إن من آثار ولاية الشيطان، أن الضلالة قد حقت عليهم، فكذبوا الرسل، وزعموا أن ما هم عليه هو الحق المنجي من كل مكروه بخلاف دعوات الأنبياء والرسل، وزين لهم الشيطان (٣) انظر: تفسير الشعراوي، ٧/ ٤١١١. (٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ١٠/ ١٤٢. www. modoee.com ٢٦٩ حرف الواو أعمالهم، وصار وليهم في الدنيا فأطاعوه واتبعوا أوامره، فعرضوا أنفسهم للقتال من قبل أولياء الرحمن، فلهم عذاب أليم موجع في الآخرة؛ لأنهم رضوا بولاية الشيطان، فاستحقوا هذا العذاب، فيقول الله تعالى: ◌ْ تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآَ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَهُوَ وَلِتُّهُمُ اَلْيَوْمَ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ٦٣]. ولاية الكافرين والمنافقين والظالمين إن الحديث عن هذا الأمر يقتضي الحديث عن ولاية الكافرين لبعضهم البعض وآثارها، و کذلك الحديث عن ولاية المنافقين للكافرين وآثارها، وأيضًا الحديث عن ولاية الظالمين لبعضهم البعض وآثارها، وتفصيل ذلك فيما يأتي: أولًا: ولاية الكافرين بعضهم البعض وآثارها: تحدث القرآن الكريم عن اتخاذ الكافرين بعضهم البعض أولياء، حيث يقول الله تعالى: ﴿لُمِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَفِىّ إِسْرَّدِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمٌ ٧٨ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ تَرَى لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ) كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِ الْعَذَابِ هُمْ خَلِدُونَ ﴿ وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا أَمَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءُ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٧٨-٨١]. والمعنى: إن الذين كفروا من بني إسرائيل لعنهم الله تعالى في التوراة والإنجيل، وفي الزبور، وفي القرآن، وذلك بسبب عصيانهم لله عز وجل، واعتدائهم على خلقه، ثم بین ٢٧٠ جوبي قَضوري القرآن الكريم