النص المفهرس

صفحات 21-40

الوقت
وانشغالهم بها، فيلهيهم ذلك عن الآخرة(١)،
ولا يزالون في الآمال الفارغة والتمنيات
الباطلة في عدم بعثهم وحسابهم حتی یأتیھم
أجلهم ويروا من الله ما يوعدون.(٢)
كما بين تعالى أن المشركين لطول أمل
الواحد منهم يود لو عاش ألف سنة، وذلك
من حرصه على الحياة الدنيا، وعدم إيمانه
بغيرها، فيتمنى لو عاش هذا الوقت ليزداد
من الدنيا نعيما، قال تعالى: ﴿وَ مِنَ الَّذِينَ
أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَُّ أَلْفَ سَنَّةٍ وَمَا هُوَ
بِمُزَحْرِجِهِ، مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَّ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا
يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: ٩٦].
والسبب في طول الأمل عند هؤلاء،
واغترارهم به عدم رجائهم للقاء الله
وحسابه، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ
بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَأَحْمَأَنُواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ
ءَايَئِنَا غَفِلُونَ
﴾ [يونس: ٧].
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لَا يَرْجُونَ حِسَابًا
وقوله:
[النبأ: ٢٧].
٢٧
ولو علموا يقينا أنهم محاسبون، وبين
يدي الله موقوفون، وأن أعمارهم بيد الله
متی شاء أنهاها وقبض أرواحهم، وأن طول
العمر -ولو بلغ ما بلغ - مع سوء العمل لا
ينفعهم شيئا، لما اغتروا بذلك.
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٤٢٩.
(٢) فتح القدير، الشوكاني ١٤٦/٣.
قال ابن قدامة: ((واعلم: أن السبب في
طول الأمل شيئان: أحدهما: حب الدنيا،
والثاني: الجهل.
أما حب الدنيا فإن الإنسان إذا أنس بها
وبشهواتها ولذاتها وعلائقها، ثقل على قلبه
مفارقتها، فامتنع قلبه من الفكر في الموت
الذي هو سبب مفارقتها، و کل من ذكره شيئًا
دفعه عن نفسه، والإنسان مشغول بالأماني
الباطلة، فيمني نفسه أبدًا بما يوافق مراده
من البقاء في الدنيا، وما يحتاج إليه من
مال وأهل ومسكن وأصدقاء وسائر أسباب
الدنيا، فيصير قلبه عاكفًا على هذا الفكر،
فيلهو عن ذكر الموت، ولا يقدر قربه. فإن
خطر له الموت في بعض الأحوال والحاجة
إلى الاستعداد له، سوف بذلك ووعد نفسه،
وقال: الأيام بين يديك إلى أن تكبر ثم
تتوب. وإذا كبر قال: إلى أن تصير شيخًا،
وإن صار شيخًا، قال: إلى أن يفرغ من بناء
هذه الدار، وعمارة هذه الضيعة، أو يرجع
من هذه السفرة.
فلا یزال یسوف ویؤخر، ولا يحرص في
إتمام شغل إلا ويتعلق بإتمام ذلك الشغل
عشرة أشغال، وهكذا على التدريج يؤخر
يومًا بعد يوم، ويشتغل بشغل بعد شغل،
إلى أن تختطفه المنية في وقت لا يحتسبه،
فتطول عند ذلك حسرته.
السبب الثاني: الجهل، وهو أن الإنسان
www. modoee.com
٢٠٣

حرف الواو
يعول على شبابه، ويستبعد قرب الموت مع
الشباب وأصل هذه الأماني كلها، حب الدنيا
والأنس بھا، ولو تفکر وعلم أن الموت لیس
له وقت مخصوص، من صيف وشتاء وربيع
وخریف وليل ونهار، ولا هو مقید بسن
مخصوص، من شاب وشيخ أو کھل أو
غیره، لعظم ذلك عنده واستعد للموت»(١).
ثانيًا: الجهل بقيمة الوقت:
ومن أعظم أسباب إضاعة الوقت الجهل
بقيمته، ولو فكر الإنسان في أن ما مضى
من الوقت لن يعود ولا يعوض، لاغتنم كل
لحظة من عمره فيما يعود عليه بالنفع عاجلا
وآجلا، وقد قال الله تعالى في حق المال:
﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمُ﴾ [النساء: ٥].
وذلك لأن السفيه لا يعرف قيمة المال،
ولا يحسن التصرف فيه فيضيعه، فمن لم
يعرف قيمة الشيء تهاون فيه وضیعه، وأما
الوقت فما أكثر السفهاء في حقه، من الذين
يضيعون أعمارهم وأوقاتهم في الباطل
واللهو واللعب وتفاهات الأمور، ومن
هؤلاء الجاهلين لقيمة الوقت، المضيعين
له، أهل الكفر والشرك.
قال تعالى: ﴿قَلَ كُمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ
قَالُواْ لِثْنَا يَوْمًّا أَوْ بَّضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ
١١٢
سِنِينَ
الْعَآدِّينَ
قَلَ إِن لَِّثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًاً لَّوْ أَنَّكُمْ
١١٣
(١) مختصر منهاج القاصدين، ابن قدامة المقدسي
ص٣٨٦.
١١٤) [المؤمنون: ١١٢-١١٤].
كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ◌َ
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ((يقول
تعالى منبها لهم على ما أضاعوه في عمرهم
القصير في الدنيا من طاعة الله تعالى وعبادته
وحده كم كانت إقامتكم في الدنيا؟ ﴿قَالُواْ
◌َبِثْنَا يَوْمًّا أَوْ بَّضَ يَوْمٍ فَسْتَلِ الْعَآَدِينَ﴾ أي:
الحاسبين، ﴿قَلَ إِن ◌َِّثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي:
مدة يسيرة على كل تقدير ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ
تَعْلَمُونَ﴾ أي: لما آثرتم الفاني على الباقي،
ولما تصرفتم لأنفسكم هذا التصرف السيئ،
ولا استحققتم من الله سخطه في تلك المدة
اليسيرة، ولو أنكم صبرتم على طاعة الله
وعبادته-كما فعل المؤمنون-لفزتم كما
فازوا))(٢).
إن من أسباب إهدار الكفار لأوقاتهم
وعدم مبالاتهم بها هو جهلهم بقيمة هذه
الحياة، وأنها دار ممر لا دار مقر، دار عمل
وجدٍ ليوم الحساب لا دار لهو ولعب،
ولذلك جاء بعد تلك الآيات قوله تعالى:
﴿أَفَصِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا
لَا تُرْجَعُونَ (١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥].
((أي: تعاظم وارتفع عن هذا الظن الباطل،
الذي يرجع إلى القدح في حكمته)) (٣).
ويوضح الفرق بين وعي أهل الإيمان
والعلم حول خطورة الوقت، وبين غيرهم،
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٠٠/٥.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٦٠.
مَشَبَةُ النَّفِيَةْ
القرآن الكريم
٢٠٤

الوقت
هذا المشهد القرآني الذي جاء في قوله ينظروا حتى يعذر إليهم))(٢).
تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ
مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ
وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَآلْإِيَمَنَ لَقَدْ لَبِئْتُمْ
فِي كِتَبِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِّ فَهَذَا يَوْمُ اَلْبَعْثِ
وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ . فَيَوْمَيِدٍ
لَّا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ
[الروم: ٥٥-٥٧].
يُسْتَعْتَبُونَ )
فبين تعالى أن أهل الكفر والإجرام في
حقه إذا حشروا يوم القيامة فإنهم يستقلون
وقت مكثهم في الدنيا، حتى كأنه قدر ساعة
عندهم(١).
وأما أهل الإيمان والعلم فيعلمون أنهم
مکثوا في ذلك أعمارهم التي کتب الله لهم،
إلى أن بعثهم الله ليوم الحساب، ولذلك
ينكرون على أهل الكفر مقالتهم، ويبينون
لهم أن سببها جهلهم بقيمة أعمارهم، وعدم
إيمانهم بيوم الحساب.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ((یخبر
الله تعالى عن جهل الكفار في الدنيا
والآخرة، ففي الدنيا فعلوا ما فعلوا من عبادة
الأصنام، وفي الآخرة يكون منهم جهل
عظيم أيضًا، فمنه إقسامهم بالله أنهم ما
لبثوا في الدنيا إلا ساعة واحدة، ومقصودهم
بذلك عدم قيام الحجة عليهم، وأنهم لم
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٢/ ١٥٧.
وهكذا يظهر في هذا الموقف العصيب
جهل أهل الكفر بحقائق الأمور، وهو جهل
ناتج عن كفرهم بما جاءت به الرسل عليهم
السلام من الإيمان بالبعث، حتى صار ذلك
اعتقادًا راسخًا في قلوبهم، كما قال تعالى
في الآية: ﴿وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
أي: ((وقوعه في الدنيا فلا ينفعكم العلم به
الآن))(٣)، فالاستدراك في الآية استدراك
على ما تضمنته جملة ﴿لَقَدْ لَبِئْتُمْ فِكِنَبِ
اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِّ فَهَذَا يَوْمُ اَلْبَعْثِ﴾ (٤).
وهكذا تظهر خطورة الجهل بقيمة
الوقت في تضييعه وعدم الانتفاع به، فأهل
الكفر والطغيان لم يعلموا قيمة حياتهم في
هذه الدنيا فضيعوها هباءً منثورًا.
ثالثًا: ضعف الإرادة والعزيمة:
من أهم أسباب استغلال الوقت والانتفاع
به وجود الإرادة القوية والعزيمة الصادقة،
وبدونهما يضيع الوقت هباء منثورا، وكلما
قويت إرادة العبد واشتدت عزيمته كلما
استثمر أكبر قدر من الوقت، والعكس
صحيح، فكلما ضعفت هذه الإرادة وقلت
العزيمة كلما ضاعت الأوقات سدی.
وقد أشار الله تعالى إلى لزوم تحقق
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٢٨/٦.
(٣) تفسير البسيط، الواحدي ١٨/ ٨٦.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣٢/٢١.
www. modoee.com
٢٠٥

حرف الواو
الإرادة في الانتفاع بالوقت.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جُلَّيْلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ
خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا
[الفرقان: ٦٢].
فأخبر تعالى أنه جعل الليل والنهار
(متعاقبين يخلف أحدهما الآخر)) (١)، لمن
يريد أن يتذكر بهما ويعتبر، ولما يحدثه
تعاقبهما من النشاط والذكر، وإذهاب
الملالة التي قد تصاحب العبادة إذا لم يتغير
الزمان، فكلما تكررت الأوقات واختلفت
تجدد في النفس النشاط والقوة على العبادة
من جديد(٢)، وقد خص الله الانتفاع بذلك
لمن كانت لديه إرادة قوية، وعزيمة صادقة،
أو رغبة في شكر الخالق تعالی.
كما ذكر تعالى مثالًا عمليًا في إضاعة
الوقت بسبب ضعف الإرادة أو عدم
وجودها بالكلية، قال تعالى عن المتخلفين
من المنافقين عن الجهاد مع النبي صلى
الله عليه وسلم: ﴿﴿ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ
لَأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةٌ وَلَكِن كَرِهَ اَللَّهُ أَبِعَانَهُمْ
فَشَبَّطَّهُمْ وَقِيلَ أَقْعُدُواْ مَعَ اَلْقَهِدِينَ
[التوبة: ٤٦].
أي: لو كانوا صادقين فيما يدعونه
-ويخبرونك به- من أنهم يريدون الجهاد
معك، لما تركوا إعداد العدة، وتحصيلها قبل
(١) تفسير المراغي ٣٣/١٩.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٥٨٦.
وقت الجهاد كما يستعد لذلك المؤمنون(٣).
ولكنهم لم يريدوا الخروج إلى الغزو،
وهذا تکذیب لزعمهم أنهم تھیؤوا للغزو ثم
عرضت لهم الأعذار فاستأذنوا في القعود؛
لأن عدم إعدادهم العدة للجهاد دل على
انتفاء إرادتهم الخروج إلى الغزو (٤).
وهكذا أضاع هؤلاء المتخلفون فرصة
الجهاد مع رسول الله صلی الله علیه وسلم،
وقضاء الوقت في ذلك العمل العظيم،
بسبب عدم تحقق إرادتهم في ذلك.
كما ذكر تعالى أيضًا مثالا آخر لاستثمار
الوقت والانتفاع به بسبب صحة الإرادة
وقوتها، قال تعالى مخاطبا نبيه محمدًا صلى
الله عليه وسلم: ﴿وَلَا تَطَرُ وْلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم
بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢].
وقوله: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ
رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ
عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَّا وَلَا نُطِعْ
مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ، عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ.
قُرْطًا ﴾ [الكهف: ٢٨].
فبين تعالى أنهم يريدون وجه الله
ورضاه، فلذلك يدعونه ويستثمرون أوقاتهم
صباحا ومساءً في الطاعات.
رابعًا: نسيان الآخرة:
من أهم معوقات استثمار الوقت نسيان
(٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤١٨/٢.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١٤/١٠.
٢٠٦
جويتين
القرآن الكريمِ

الوقت
الآخرة وما أعده الله تعالی فيها من النعيم
المقيم لمن أطاعه والتزم أوامره، وما توعد به
من العذاب الأليم الدائم لمن عصاه وخالف
أوامره، فيترك العبد العمل لها، ويضيع أوقاته
في الشهوات والملهيات، كما قال تعالى في
اَلَّذِينَ أَتَّخَذُواْ
وصف حال الكفار:
دِينَهُمْ لَهُوَّا وَلَعِبَّا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّأَ
فَالْيَوْمَ نَنسَهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ
هَذَا وَمَا كَانُواْ بِشَايَِنَا يَجْحَدُونَ )
[الأعراف: ٥١].
فوصف الله تعالى حالهم في اتخاذهم
الدین لهوا ولعبا، واغترارهم بالدنيا وزينتها
وزخرفها عما أمروا به من العمل للدار
الآخرة، ثم أخبر تعالى بأن عقابهم يكون
من جنس عملهم، فكما نسوا الآخرة وغفلوا
عنها، فسيعاملهم معاملة من ينساهم،
ويتركهم في العذاب(١).
وكما وصف الله تعالى حال أهل الغفلة
من خلقه فقال: ﴿اقْرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ
وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ ، مَا يَأْنِهِم مِّن
ذِكْرٍ مِّن رَّيِّهِم ◌ُحْدَثٍ إِلَّا أَسْتَمَعُوهُ وَهُمْ
يَلْعَبُونَ ، لَاهِيَةٌ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١ -٣].
فبين تعالى حالهم في لهوهم ولعبهم
وإضاعتهم أوقاتهم بسبب غفلتهم عن
حسابهم ونسيان آخرتهم، قال الإمام
الطبري رحمه الله: ((يقول تعالى ذكره: دنا
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٢٤/٣.
حساب الناس على أعمالهم التي عملوها
في دنياهم ونعمهم التي أنعمها عليهم
فيها في أبدانهم، وأجسامهم، ومطاعمهم،
ومشاربهم، وملابسهم وغير ذلك من نعمه
عندهم، ومسألته إياهم ماذا عملوا فيها،
وهل أطاعوه فيها، فانتهوا إلى أمره ونهيه في
جميعها، أم عصوه فخالفوا أمره فيها؟
﴿وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾ يقول: وهم
في الدنيا عما الله فاعل بهم من ذلك يوم
القيامة، وعن دنو محاسبته إياهم منهم،
واقترابه لهم في سهو وغفلة، وقد أعرضوا
عن ذلك، فتركوا الفکر فیه، والاستعداد له،
والتأهب، جهلا منهم بما هم لاقوه عند ذلك
من عظيم البلاء، وشديد الأهوال» (٢).
وقال الحافظ ابن كثير: «هذا تنبيه من الله
عز وجل، على اقتراب الساعة ودنوها، وأن
الناس في غفلة عنها، أي: لا يعملون لها،
ولا يستعدون من أجلها)»(٣).
وقد أخبرنا المولى تعالى عن قصة
صاحب الجنتين، الذي حمله الغرور بالدنيا
وانغماسه في متاعها على الغفلة عن البعث
ونسيانه، وبذلك استحق سخط الله وأليم
عقابه.
قال تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ، وَهُوَ ظَالِمٌ
لِنَفْسِهِ، قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِهِ أَبَدًا
(٢) جامع البيان، الطبري ٤٠٩/١٨.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٣١/٥.
www. modoee.com
٢٠٧

حرف الواو
وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةٌ وَلَيْن زُرِدثُ من سخطه)(٢)، ((وقيل ألهاكم: أنساكم)) (٣).
إِلَى رَبِي لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا
[الكهف:٣٥-٣٦].
والمعنى: «هذا الذي جعلنا له جنتین من
أعناب ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ وهي بستانه ﴿وَهُوَ
ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وظلمه نفسه: كفره بالبعث،
وشكه في قيام الساعة، ونسیانه المعاد إلى
الله تعالى، فأوجب لها بذلك سخط الله
وأليم عقابه، وقوله: ﴿قَالَ مَآ أَظُنُّ أَنْ تَبِيَدَ هَذِهِهِ
أَبَدًا﴾ أي: قال لما عاین جنته، ورآها وما
فيها من الأشجار والثمار والزروع والأنهار
المطردة شكّاً في المعاد إلى الله: ما أظن أن
تبيد هذه الجنة أبدا، ولا تفنى ولا تخرب،
وما أظن الساعة التي وعد الله خلقه الحشر
فیها تقوم فتحدث، ثم تمنی أمنية أخرى
على شك منه، فقال: ﴿وَلَپن ◌ُدِدتُّ إِلَى رَِ﴾
فرجعت إلیه، وهو غیر موقن أنه راجع إليه
﴿لَأَجِدَتَ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ يقول: لأجدن
خیرًا من جنتي هذه عند الله إن رددت إليه
مرجعا ومردًا))(١)
وقد بين الله تعالى بعض الملهيات التي
تنسي الدار الآخرة والاستعداد لها.
قال تعالى: ﴿الَهَنْكُمُ التَّكَائِرُ ل حَّ
زُدْتُمُ الْمَقَابِرَ ﴾ [التكاثر: ١ -٢].
أي: ((شغلتكم المباهاة والمفاخرة بكثرة
المال والعدد عن طاعة ربكم وما ينجيكم
(١) جامع البيان، الطبري، بتصرف يسير ٢٢/١٨.
قال الإمام ابن قيم الجوزية: ((ولم يعين
سبحانه المتكاثر به بل ترك ذكره، إما لأن
المذموم هو نفس التكاثر بالشيء لا المتكاثر
به، كما يقال: شغلك اللعب واللهو. ولم
يذكر ما يلعب ويلهو به، وإما إرادة الإطلاق
وهو كل ما تكاثر به العبد غيره من أسباب
الدنيا من مال أو جاه أو عبيد أو إماء أو بناء
أو غراس أو علم لا يبتغي به وجه الله أو
عمل لا يقربه إلى الله فكل هذا من التكاثر
الملهي عن الله والدار الآخرة» (٤).
وقال ابن كثير: يقول تعالى: شغلكم
حب الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب
الآخرة وابتغائها، وتمادى بكم ذلك حتى
جاءكم الموت وزرتم المقابر، وصرتم من
أهلها؟!(٥)، وكما في قوله تعالى: ﴿ ذَرْهُمْ
يَأْكُلُواْ وَيَتَمَثَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُّ فَسَوْفَ
يَعْلَمُونَ ﴾ [الحجر: ٣].
وقد تقدم الكلام علیه، وکما حذر تعالى
عباده المؤمنين من ذلك كما في قوله تعالى:
وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلْهِكُوْ أَمَوَّلُكُمْ وَلَآَ
أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴾ [المنافقون: ٩].
(٢) معالم التنزيل، البغوي ٥١٥/٨
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٦٨/٢٠ ..
(٤) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، ابن القيم
ص١٨٣.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٧٢/٨.
٢٠٨
القرآن الكريمِ

الوقت
وهو في نهي المؤمنين عن التشبه
بالمنافقين، أي: لا تشغلكم أموالكم التي
تعتنون بجمعها وتحصيلها، ولا أولادكم
الذين هم أشھی ثمرات حياتكم، لا يشغلكم
ذلك عن أداء ما كلفكم سبحانه بأدائه من
طاعات، وخص الأموال والأولاد بتوجه
النهي عن الاشتغال بهما اشتغالًا يلهي عن
ذكر الله، لأنهما أكثر الأشياء التي تلهي عن
طاعة الله تعالى(١).
(١) انظر: الوسيط، محمد سيد طنطاوي
١٤/ ٤١٣.
الوقت في الأحكام الشرعية
اعتنت الشريعة الإسلامية عناية كبيرة
بالوقت، حيث ربطت بين العديد من
التشريعات والوقت، كما حرصت على
غرس مفهوم العناية بالوقت، وتثبيته في
نفوس المؤمنين، وعلى تربيتهم على مراقبة
الوقت وحفظه، وبذلك تثمر الشريعة
الإسلامية والالتزام بها أجيالا صالحة على
مر القرون حتى يرث الله الأرض ومن
عليها، تتصف بأكبر قدر من المسؤولية
والانضباط، ولا تعرف للكسل والبلادة
والفوضى والعشوائية طريقا.
وفي النقاط الآتية سنذكر بعض الشواهد
التي تدل على الارتباط الوثيق بين الوقت
والكثير من التشريعات المختلفة في مجال
العبادات، والكفارات، والمعاملات،
وأحكام الأسرة، والآداب، والأذكار،
والأدعية.
أولًا: العبادات:
ارتبطت العديد من العبادات بالوقت،
وسيتحدث في هذا المطلب عن بعض
العبادات التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالوقت.
١. الصلاة.
وهي من أعظم الأمور التي تضبط
للمؤمن وقته وتنظمه، وقد افترض الله
تعالى على المؤمن خمس صلوات في
www. modoee.com
٢٠٩

حرف الواو
اليوم والليلة، تبدأ بصلاة الفجر، وفيه تعويد حين، وإيقاظ لحسه بالوقت وساعاته، ثم إن
فيها تدريبًا له على الانضباط به، وذلك لأن
هذه الصلوات لها أوقاتًا محددة مضبوطة
لا يجوز تقديمها أو تأخيرها عنها، كما قال
للمؤمن على الجد والنشاط، والاهتمام
بوقت الصباح، وهو وقت مبارك، كما جاء
في الحديث، عن صخر الغامدي، قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
كِتَبًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
بارك لأمتي في بكورها)(١).
ثم تأتي صلاة الظهر ثم العصر في وسط
اليوم ثم المغرب ثم العشاء في آخر اليوم.
قال تعالى: ﴿فَسُبْحَنَ اَللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ
، وَلَهُ الْحَمْدُ فِ السَّمَوَاتِ
١٧
وَحِينَ تَصْبِحُونَ
وَاَلْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ
[الروم: ١٧ -١٨].
ذهب جماعة من المفسرين إلى أن
((المراد بالتسبيح في هذه الآية الصلاة، وأشار
بقوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ إلى صلاة المغرب
والعشاء، وبقوله: ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ إلى
صلاة الصبح، وبقوله: ﴿وعَشِيًّا﴾ إلى صلاة
العصر، وبقوله: ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ إلى صلاة
الظهر))(٢).
وفي هذه الصلوات تنبيه للمؤمن في كل
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب البيوع، باب
ما جاء في التبكير بالتجارة، رقم ١٢١٢،
٥٠٩/٣.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٢٧٨/١،١٢٩٦.
(٢) أضواء البيان، الشنقيطي ١ / ٢٨٠.
وانظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٨٣، معاني
القرآن، الفراء ٣٢٣/٢، تفسير السمر قندي
٠٨/٣
أي: مفروضة في وقتها، لا تصح إلا به (٣)،
وقال سبحانه: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصََّلَوَاتِ
وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ
٢٣٨
[البقرة: ٢٣٨].
وقال ناهيًا عن إضاعتها، ومتوعدًا من
* ◌َلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُّ أَضَاعُواْ
تهاون فیھا:
اُلصَّلَوَةَ وَأَتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِّ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا
٥٠﴾ [مريم: ٥٩].
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ
وقال تعالى:
الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾
[الماعون : ٤- ٥].
وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود
رضي الله عنه، قال: (سألت النبي صلى
الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟
قال: (الصلاة على وقتها) قال: ثم أيّ؟ قال:
(بر الوالدين) قال: ثم أيٌّ؟ قال: (الجهاد في
سبيل الله)(٤).
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص١٩٨.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مواقيت
الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها، رقم
١١٢/١،٥٢٧، ومسلم في صحيحه، كتاب
٢١٠
جوببيو
القرآن الكريمِ

الوقت
٢. الزكاة.
قال تعالى: ﴿﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ
وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ
وَفِ الْرِقَابٍ وَاَلْفَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَأَبْنِ السَّبِيلِّ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ
حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: ٦٠].
وقد بينت السنة وجوب الزكاة في المال
الذي بلغ النصاب، وحال عليه الحول، وأنه
ليس في مالٍ ز کاةٌ حتی یحول عليه الحول.
عن علي رضي الله عنه، عن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: (فإذا كانت لك مائتا
درهم، وحال عليها الحول، ففيها خمسة
دراهم، وليس عليك شيءٌ - يعني - في
الذهب حتی یکون لك عشرون دينارًا، فإذا
كان لك عشرون دينارًا، وحال عليها الحول،
ففيها نصف دينارٍ، فما زاد، فبحساب
ذلك)(١).
أما الزروع فتخرج زكاتها وقت الحصاد
قال تعالى: ﴿كُلُواْ مِنْ ثَمَرِهِهِ إِذَا أَثْمَرَ
وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ، وَلَا تُشْرِفُواْ إِنَّهُ لَا
يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١].
قال السعدي رحمه الله: ((أمرهم أن
الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى
أفضل الأعمال، رقم ١،٨٥ / ٩٠.
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الزكاة، باب
في زكاة السائمة، رقم ١٥٧٣، ٢/ ١٠٠.
وصححه الألباني في صحيح أبي داود، الأم،
٢٩١/٥.
يعطوها يوم حصادها، وذلك لأن حصاد
الزرع بمنزلة حولان الحول، لأنه الوقت
الذي تتشوف إليه نفوس الفقراء، ويسهل
حينئذ إخراجه على أهل الزرع، ويكون
الأمر فیھا ظاهرًا لمن أخرجها، حتی یتمیز
المخرج ممن لا يخرج»(٢).
وهكذا يراقب المؤمن الوقت في زكاته،
فإذا حان وقت الحصاد أدی زكاة زروعه،
وإذا حال الحول على أمواله إذا كانت من
أصناف الزكاة، دفع ز کاته منها.
أما زكاة الفطر فقد ورد ذكرها في حديث
عبدالله بن عمر: (أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان
صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعيرٍ، على كل
حرٍ أو عبدٍ ذكر أو أنثى من المسلمين)(٣).
وبينت السنة وقت زكاة الفطر، وأنها
تؤدی قبل صلاة العيد كما جاء عن ابن عمر
رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه
وسلم أمر بزكاة الفطر قبل خروج الناس إلى
الصلاة)(٤).
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٧٦.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٩/ ٢٤٣.
وصححه الألباني في كتابه الإرواء ٣/ ٢١٤.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة،
باب الصدقة قبل العيد، رقم ١٥٠٩،
١٣١/٢، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة،
باب الأمر بإخراج زكاة الفطر قبل الصلاة،
رقم ٢،٩٨٦/ ٦٧٩.
www. modoee.com
٢١١

حرف الواو
٣. الصيام.
وقد بين الله تعالى وقته الواجب من
کل عام وهو شهر رمضان، فقال عز وجل:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ
هُدَّى لِلِنَّاسِ وَبَيْنَتٍ مِّنَ الْهُدَى
وَاُلْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾
[البقرة: ١٨٥].
وبین النبي صلى الله عليه وسلم علامة
بدء هذا الشهر المبارك بظهور الهلال،
كما في الحديث عن أبي هريرة رضي الله
عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غبي(١)
عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)(٢).
كما بين تعالى وقت الصيام المحدد
من كل يوم من أيام الشهر فقال سبحانه:
﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَقِّ يَتَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ الْأَنْيَضُ مِنَ
اْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّأَيُِّوا الصِّيَامَ إِلَى الَیْلِ﴾
[البقرة: ١٨٧].
(١) قوله صلى الله عليه وسلم: (فإن غَبِي
عليكم). أي: خفي. وأخرجه بعضهم (غُبِّيَ)
بضم الغين وتشديد الباء المكسورة، لما لم
يسم فاعله، من الغباء: شبه الغبرة في السماء.
انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن
الأثير ٣/ ٣٤٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم،
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا
رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا)،
رقم ١٩٠٩، ٢٧/٣، ومسلم في صحيحه،
كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان
لرؤية الهلال، رقم ١٠٨١، ٢/ ٧٦٢.
أي: أباح تعالى للمؤمنين الأكل
والشرب، في أي وقت من الليل إلى أن
یتبین ضیاء الصباح من سواد الليل(٣)، وهو
وقت أذان الفجر، فيمسك الصائم من أذان
الفجر إلی وقت أذان المغرب، عند غروب
الشمس، وهكذا يظل الصائم يراقب الوقت
في إمساكه وإفطاره، وأيضًا فقد بينت السنة
الأوقات المستحبة في الصيام، كصيام ستة
أيام من شوال، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء،
ويومي الإثنين والخميس، وغير ذلك مما
يستدعي مراقبة الوقت والسؤال عنه.
٤. الحج.
قال تعالى: ﴿﴿ يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَمِلَّةِ مُلْ
هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجْ﴾ [البقرة: ١٨٩].
كما بين تعالى أن للحج أوقات معينة
معلومة لا يؤدى الحج في غيرها، قال تعالى:
﴿أَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧].
((وهي شوال وذو القعدة وعشر ليال من
ذي الحجة، وقيل: کله»(٤).
والاقتصار على الحج دون العمرة في
الآيتين، لأن العمرة لا وقت لها في فعلها،
فلهذا لم يذكرها في الآية (٥).
وهكذا يظل المؤمن في متابعة لأشهر
العام، هذا شهر الصيام وذاك شهر الحج،
وهكذا.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٥١٢.
(٤) تفسير الجلالين، المحلي والسيوطي ص ٤٢.
(٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩٦/٢.
٢١٢
القرآن الكريمِ

الوقت
ثانيًا: الكفارات:
ارتبطت العديد من الكفارات بالوقت،
ومن هذه الكفارات التي ارتبطت بالوقت:
١. كفارة اليمين.
ومن اعتبار الوقت في الكفارات ما جاء
في كفارة اليمين في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ
اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَّ أَيْمَنِّكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا
عَقَّدُمُ الْأَيْمَنَّ فَكَفَّرَتُهُ: إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ
مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ
تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ
كَفَّرَةُ أَيْمَيْكُمْ إِذَا حَلَقْتُمْ وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَّكُمْ
كَذَلِكَ يُبَّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (
٨٩
[المائدة: ٨٩].
فبين تعالى أن كفارة اليمين المنعقدة
الموثقة بالقصد والنية إذا حنث صاحبها
فيها تكون بإحدى ثلاثة أمور على التخيير
بينها، وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم
من أوسط ما يطعم الحانث في يمينه أهله،
والمراد بالوسط هنا: المتوسط بين طرفي
الإسراف والتقتير، أو أن يعتق رقبة، ثم بين
تعالى ما ينبغي فعله على الحانث الذي لم
يجد شيئا من الأمور المذكورة، وأنه يصوم
ثلاثة أيام، فيكون صيامه كفارة لحنثه في
اليمين، وقد اختلف العلماء في صيام هذه
الثلاثة أيام في كفارة اليمين، هل يكون
متتابعًا أم متفرقًا، على قولين في ذلك(١)،
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٨٢/٢-٨٣.
وكل ذلك مما يشهد لاعتبار الوقت في أمر
الكفارات وانضباطها به.
٢. كفارة القتل.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْ مِنٍ أَنْ يَقْتُلَ
مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأْ وَمَنْ قََّلَ مُؤْمِنَا خَطًا فَتَحْرِيُ
رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ: إِلَّا
أَنْ يَضَدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدٍُ لَّكُمْ
وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِن
كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَقٌّ
فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ، وَتَحْرِثُ رَقَبَةٍ
مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ
مُتَتَّابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا
حَكِيمًا )
﴾ [النساء: ٩٢].
وقوله: ﴿وَمَنْ قَثَلَ مُؤْمِنَا خَطًا فَتَحْرِيُ
رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ: إِلَّ أَنْ
يَضَدَّقُواْ﴾ هذان واجبان في قتل الخطأ:
أحدهما: الكفارة لما ارتكبه من الذنب
العظيم، وإن كان خطأ، ومن شرطها أن
تكون عتق رقبة مؤمنة فلا تجزئ الكافرة.
وقوله: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ=﴾ هو
الواجب الثاني فيما بين القاتل وأهل القتيل،
عوضا لهم عما فاتهم من قريبهم.
وقوله: ﴿إِلَّ أَنْ يَصَدَّقُوا ﴾ أي: فتجب
فیه الدية مسلمة إلى أهله إلا أن يتصدقوا بها
فلا تجب.
وقوله: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍ لَّكُمْ
وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾
www. modoee.com
٢١٣

حرف الواو
أي: إذا كان القتيل مؤمنا، ولكن أولياؤه يُظَهِرُونَ مِن نِسَآءِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾
[المجادلة: ٣].
من الكفار أهل حرب، فلا دية لهم، وعلى
القاتل تحرير رقبة مؤمنة لا غير.
﴿وَإِن كَانَ مِنْ قَوْمٍ
وقوله:
بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَقٌّ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ
إِلَى أَهْلِهِ، وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أي: فإن
كان القتيل أولياؤه أهل ذمة أو هدنة، فلهم
دية قتیلهم، فإن كان مؤمنا فدیة کاملة، و كذا
إن كان كافرًا أيضًا عند طائفة من العلماء.
ويجب أيضًا على القاتل تحرير رقبة مؤمنة.
﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ
مُتَتَابِعَيْنِ﴾ أي: لا إفطار بينهما، بل يسرد
صومهما إلى آخرهما، فإن أفطر من غير
عذر، من مرض أو حيض أو نفاس، استأنف.
وقوله: ﴿تَوْبَةٌ مِنَ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ
عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: هذه توبة القاتل
خطأ إذا لم يجد العتق صام شهرين
متتابعين(١).
٣. كفارة الظهار.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَّوْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ
مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلٍ أَنْ يَتَمَاسَا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ
سِتِّينَ مِسْكِينَا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ،
وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾
[المجادلة: ٤].
(عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَأَلَّذِينَ
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٣٧٤/٢ - ٣٧٦.
فهو الرجل يقول لامرأته: أنت علي
كظهر أمي، فإذا قال ذلك، فليس يحل له
أن یقربها بنکاح ولا غيره حتی یکفر عن
يمينه بعتق رقبة، ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَیْنِ
مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسًا﴾ والمس: النكاح،
﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَمِسْكِينًا﴾))(٢)
ثالثًا: المعاملات:
ارتبطت العديد من المعاملات بالوقت،
وسوف نذكر نماذج من هذه المعاملات
التي ارتبطت بالوقت.
١. الدين.
بين تعالى أحكام الدين في آية الدين،
وهي أطول آية في القرآن، وبين فيها اعتبار
الوقت في الدین وضبطه به، قال جل وعلا:
﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى
أَجَلٍ تُسمَّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
فأمر الله تعالى المؤمنين إذا داين بعضهم
بعضا إلى موعد ((محدود بالأيام والشهور
والسنة ونحوها مما يفيد العلم، لا بالحصاد
وقدوم الحاج مما فيه جهالة)(٣)، فأمرهم
تعالى في هذه ((الحقوق المؤجلة بالكتابة
والإشهاد، حفظا منه للأموال»(٤)، وحتى لا
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٣١/٢٣.
(٣) تفسير المراغي ٧٠/٣.
(٤) التفسير البسيط، الواحدي ٤ /٤٨٥.
٢١٤
جوسين
القرآن الكريم

الوقت
يقع فيه الشك والاختلاف والإنكار، كما بين
تعالى ذلك في قوله: ﴿وَلَا تَسْتُمُوْ اْ أَنْ تَكْثُبُوهُ
صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِّهِ، ذَلِكُمْ أَقْسَطُ
عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْنَ أَلَّا تَرْتَابُواْ﴾
[البقرة: ٢٨٢].
وفي كتابة الدين وتوقيته بأجل معين
إلزام للمدين بأدائه، وهكذا يظل المؤمن
في مراقبة للوقت، سواء أكان دائنا لاستيفاء
حقه، أو مدینا لأداء ما عليه.
٢. الإجارات.
وهي من الأمور التي يعتبر فيها الوقت،
بل هو من شروط صحتها عند الفقهاء،
فالإجارة في الشرع هي: عقد على تمليك
المنفعة بعوض (١)، يتفق عليه الطرفان في
عقد الإجارة: المؤجر والمستأجر، وقد
اشترط الفقهاء لصحة عقد الإجارة شروطا،
منها أن يبين فيه مدة الإجارة کشهر أو سنة أو
أكثر أو أقل(٢)، وذلك ((لأن المعقود عليه لا
يصير معلوم القدر بدونه، فترك بيانه يفضي
إلى المنازعة)»(٣).
ومما يدلل على ارتباط الإجارة بالوقت
ما ذكره الله تعالى في كتابه في قصة موسى
(١) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ١٠، أنيس
الفقهاء، القونوي ص٩٦.
(٢) انظر: فقه السنة، سيد سابق ٣/ ١٨١.
(٣) الفقه الإسلامي وأدلته، وهبة الزحيلي
٣٨٠٩/٥.
علیه السلام مع صاحب مدین (٤).
قال تعالى: ﴿قَالَ إِنّ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ
إِحْدَى أَبْنَغَنَّ هَنَّيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَبِ ثَمَِىَ حِجَجْ
فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكٌ وَمَآ أُرِيدُ
أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَّ سَتَجِدُفِىَ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ
الصَّلِحِينَ ﴾ [القصص: ٢٧].
أي: قال صاحب مدين وهو ((أبو
المرأتين اللتين سقى لهما موسى: إني أريد
أن أزوجك إحدى ابنتي الحاضرتين أمامك،
فانظر من يقع اختيارك عليها منهما، على
أن تكون أجيرًا لي ثماني سنوات ترعى
لي فيها غنمي، فإن أتممت الثماني السنين
التي شرطتها عليك فجعلتها عشرا فإحسان
من عندك، وما أحب أن أشاقك بمناقشة أو
مراعاة أوقات ولا إتمام عشر ولا غير ذلك،
وإنك ستجدني إن شاء الله ممن تحسن
صحبتهم ویوفون بما تريد من خير لك
ولنا»(٥).
(٤) اختلف المفسرون فيه من هو؟ على أقوال،
فمنهم من قال: إنه شعيب النبي عليه السلام
الذي أرسل إلى أهل مدين، وهذا هو المشهور
عند كثيرين، وقيل: هو رجل مؤمن من قوم
شعيب. قال الحافظ ابن كثير: من المقوي
لكونه ليس بشعيب أنه لو كان إياه لأوشك أن
ينص على اسمه في القرآن هاهنا. وما جاء في
بعض الأحاديث من التصريح بذكره في قصة
موسى لم يصح إسناده، والله أعلم.
انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٢٢٨/٦ - ٢٢٩.
(٥) تفسير المراغي ٢٠/ ٥٢.
www. modoee.com
٢١٥

حرف الواو
٣. المواثيق والعهود.
أمر الله تعالى بالوفاء بالعهود والالتزام
بها.
قال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ
كَانَ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: ٣٤].
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
أَوْقُواْ بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: ١].
«والعقود: العهود، وأصل العقود الربوط،
واحدها عقد، يقال: عقدت الحبل والعهد،
فهو يستعمل في الأجسام والمعاني، وإذا
استعمل في المعاني كما هنا أفاد أنه شدید
الإحكام، قوي التوثيق قيل: المراد بالعقود
هي التي عقدها الله على عباده، وألزمهم بها
من الأحكام وقيل: هي العقود التي يعقدونها
بينهم من عقود المعاملات، والأولى شمول
الآية للأمرين جميعا، ولا وجه لتخصيص
بعضها دون بعض»(١).
قال أبو السعود: ((والمراد بالعقود ما يعم
جميع ما ألزمه الله تعالى عباده وعقده عليهم
من التكاليف والأحكام الدينية وما يعقدونه
فيما بينهم من عقود الأمانات والمعاملات
ونحوها مما يجب الوفاء به))(٢).
وقال السعدي: ((هذا أمر من الله تعالى
لعباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان بالوفاء
بالعقود، أي: بإكمالها، وإتمامها، وعدم
(١) فتح القدير، الشوكاني ٦/٢.
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢/٣.
نقضها ونقصها. وهذا شامل للعقود التي بين
العبد وبین ربه، من التزام عبو دیته، والقيام بها
أتم قيام، وعدم الانتقاص من حقوقها شيئا،
والتي بينه وبين الرسول بطاعته واتباعه،
والتي بينه وبين الوالدين والأقارب، ببرهم
وصلتهم، وعدم قطيعتهم. والتي بينه وبين
أصحابه من القيام بحقوق الصحبة في
الغنى والفقر، واليسر والعسر، والتي بينه
وبين الخلق من عقود المعاملات، كالبيع
والإجارة، ونحوهما، وعقود التبرعات
كالهبة ونحوها.
بل والقيام بحقوق المسلمين التي
عقدها الله بينهم في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: ١٠] بالتناصر على الحق،
والتعاون عليه والتآلف بين المسلمين وعدم
التقاطع. فهذا الأمر شامل لأصول الدين
وفروعه، فكلها داخلة في العقود التي أمر
الله بالقيام بها)»(٣).
ويكون الوقت ملزمًا في العهود التي
يلزم المتعاهد نفسه بأدائها في وقت معين،
كما جاء في قصة موسى مع صاحب مدین،
فقد وفى موسى لصاحب مدين في ما عاهده
به من الرعي طيلة المدة التي طلبها منه في
ذلك، بل وزاد عليها، كما بين ذلك تعالى في
قوله: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِ وَبَيْنَكٌَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ
قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَنَ عَلَىٌّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢١٨.
جَوَسُولَةُ التَفيمـ
القرآن الكريم
٢١٦

الوقت
وَكِيلٌ ﴾ [القصص: ٢٨].
وهو إخبار عن موسى، أنه قال لصهره
صاحب مدين: الأمر على ما قلت من أنك
استأجرتني على ثماني سنين، فإن أتممت
عشرا فمن عندي، فأنا متى فعلت أقلهما
فقد برئت من العهد، وخرجت من الشرط؛
وقد فعل موسى أكمل الأجلين وأتمهما (١)،
﴿ فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ
كما قال تعالى:
وَسَارَ بِأَهْلِهِ مَافَسَ مِن جَانِبِ اَلْظُّورِ نَارًا﴾
[القصص: ٢٩].
وسئل ابن عباس رضي الله عنهما:
أي الأجلين قضى موسى؟ فقال: ((قضى
أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال
فعل))(٢)، وهكذا نلحظ في وفاء موسى
للعهد اعتبار الوقت، وهكذا يلاحظ المسلم
الوقت ويراقبه في عهوده حتى لا يؤخر
أدائها عن وقتها، أو يتخلف في ذلك.
إن الوفاء بالعهود والمواثيق إلى مدتها
واجب حتي مع الكفار والأعداء.
قال تعالى: ﴿ وَأَذَنٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِىٌّ مِنَ
الْمُشْرِكِينٌّ وَرَسُولُهُ، فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ
وَإِن تَوَلَّئْتُمْ فَأَعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللَّهِ
إلَّا
وَنَشْرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَاب آليپٍ ﴾.
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٣٠/٦.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الشهادات، باب من أمر بإنجاز الوعد، رقم
٣،٢٦٨٤ / ٠١٨١
الَّذِينَ عَهَدَثُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوَكُمْ
شَيْئًا وَلَمْ يُظَهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَنِّمُّواْ إِلَيْهِمْ
عَهْدَهُمْ إِلَى مُلَّتِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ
[التوبة: ٣-٤].
رابعًا: أحكام الأسرة:
١. العِدَد.
ومنها: عدة المطلقة.
قال الله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ
اَلْنِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ﴾
[الطلاق: ١].
قال السعدي رحمه الله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ
لِمِدَّتِهِنَ﴾: ((أي: لأجل عدتهن، بأن
يطلقها زوجها وهي طاهر في طهر لم
يجامعها فيه، فهذا الطلاق هو الذي تكون
العدة فيه واضحة بينة، بخلاف ما لو طلقها
وهي حائض، فإنها لا تحتسب تلك الحيضة،
التي وقع فيها الطلاق، وتطول عليها العدة
بسبب ذلك، وكذلك لو طلقها في طهر وطئ
فیه، فإنه لا يؤمن حملها، فلا یتبین ولا يتضح
بأي عدة تعتد، وأمر تعالى بإحصاء العدة،
أي: ضبطها بالحیض إن كانت تحیض، أو
بالأشهر إن لم تكن تحیض، وليست حاملا
فإن في إحصائها أداء لحق الله، وحق الزوج
المطلق، وحق من سيتزوجها بعد، وحقها
في النفقة ونحوها، فإذا ضبطت عدتها،
علمت حالها على بصيرة، وعلم ما يترتب
www. modoee.com
٢١٧

حرف الواو
عليها من الحقوق، وما لها منها، وهذا الأمر أَزْوَجًا يَتَرَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًاً فَإِذَا
بَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيِّ
بإحصاء العدة، يتوجه للزوج وللمرأة، إن
کانت مکلفة، وإلا فلولیھا»(١).
أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيْرٌ
[البقرة : ٢٣٤].
وقد بین الله تعالى العدد التي يجب على
المرأة المطلقة أن تعتدها وأنوعها، فمنها
عدة المطلقة المدخول بها، كما في قوله
تعالی:
﴿ وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ
ثَلَثَةَ قُرُوَعٍ ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
أي: لينتظرن عن النكاح ثلاثة قروء
تمضي من حين الطلاق، والقروء: جمع قرء
يفتح القاف وهو الطهر أو الحيض قولان
للعلماء، وهذا في المدخول بهن أما غير
المدخول بهن فلا عدة عليهن؛ لقوله تعالى:
﴿بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ
طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَالَكُمْ عَلَيْهِنَّ
مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا
جميلًا ﴾ [الأحزاب: ٤٩].
أما الآيسة والصغيرة فعدتهن ثلاثة أشهر،
وأما الحوامل فعدتهن أن يضعن حملهن (٢).
قال تعالى: ﴿وَأَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ
نِسَيِّكُمْ إِنٍ أَرْتَبْتُمُّ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَّةُ أَشْهُرٍ وَأَلَّهِى
لَمْ يَضْنَّ وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ
حُلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
ومنها: عدة المتوفى عنها زوجها.
قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يُتَوَقَوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٦٩.
(٢) انظر: تفسير الجلالين، المحلي والسيوطي
ص٤٩.
((أي: إذا توفي الزوج مكثت زوجته
متربصة أربعة أشهر وعشرة أيام وجوبًا،
والحكمة من ذلك، ليتبين الحمل في مدة
الأربعة، ويتحرك في ابتدائه في الشهر
الخامس، وهذا العام مخصوص بالحوامل،
فإن عدتهن بوضع الحمل، وكذلك الأمة
عدتها على النصف من عدة الحرة، شهران
و خمسة أيام.
وقوله:
أي:
﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهَنْ
انقضت عدتهن ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُتْ فِيمَا
فَعَلْنَ فِيَّ أَنفُسِهِنَّ﴾ أي: من مراجعتها للزينة
والطيب، ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: على وجه غير
محرم ولا مكروه. وفي هذا وجوب الإحداد
مدة العدة، على المتوفى عنها زوجها، دون
غيرها من المطلقات والمفارقات، وهو
مجمع عليه بين العلماء.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خِيرٌ﴾ أي: عالم
بأعمالکم، ظاهرها وباطنها، جلیلها وخفیھا،
فمجازیکم علیھا.
وفي خطابه للأولياء بقوله: ﴿فَلَاَ جُنَاحَ
عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيَّ أَنْفُسِهِنَّ﴾ دليل على
أن الولي ينظر على المرأة، ويمنعها مما لا
يجوز فعله ويجبرها على ما يجب، وأنه
جُوبُوا حَرَ النَّقِينَ
القرآن الكريمِ
٢١٨

الوقت
مخاطب بذلك، واجب عليه))(١).
٢. الإيلاء.
وهو ((اليمين على ترك وطئ المنكوحة
مدةً مثل: والله لا أجامعك أربعة أشهر))(٢).
وقد بين الله حكمه في قوله: ﴿لِلَّذِينَ
يُؤْلُونَ مِن نَّسَابِهِمْ تَرَبُُّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ
اُللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [البقرة: ٢٢٦].
قال الحافظ ابن كثير: ((الإيلاء: الحلف،
فإذا حلف الرجل ألا يجامع زوجته مدة،
فلا يخلو: إما أن يكون أقل من أربعة أشهر،
أو أكثر منها، فإن كانت أقل، فله أن ينتظر
انقضاء المدة ثم يجامع امرأته، وعليها أن
تصبر، وليس لها مطالبته بالفيئة في هذه
المدة، عن عائشة - رضي الله تعالى عنها
- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آلى
من نسائه شهرا، فنزل لتسع وعشرين، وقال:
(الشهر تسع وعشرون)(٣).
فأما إن زادت المدة على أربعة أشهر،
فللزوجة مطالبة الزوج عند انقضاء أربعة
أشهر: إما أن يفيء -أي: يجامع - وإما أن
يطلق، فيجبره الحاكم على هذا أو هذا لئلا
يضر بها، ولهذا قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٠٤.
(٢) التعريفات الفقهية، محمد عميم الإحسان
ص٤٠.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق،
باب قول الله تعالى: (للذين يؤلون من نسائهم
تربص أربعة أشهر)، رقم ٥٢٨٩، ٧/ ٥٠.
أي: يحلفون على ترك الجماع من نسائهم،
﴿وَرَبُُّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ أي: ينتظر الزوج أربعة
أشهر من حين الحلف، ثم يوقف ويطالب
بالفيئة أو الطلاق. ولهذا قال:
أي: رجعوا إلى ما كانوا عليه، وهو كناية
عن الجماع، ﴿فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي:
لما سلف من التقصير في حقهن بسبب
الیمین»(٤).
٣. الحمل والإرضاع.
قال تعالى: ﴿وَوَضَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَنًا
حَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهَا وَوَضَعَتْهُ كُرُّهَا وَحَمْلُهُ, وَفِصَلُهُ.
تَلَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥].
﴿وَوَضَيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ
وقال أيضًا:
حَلَتْهُ أُمُّهُ، وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُهُ، فِ عَامَيْنِ
أَنِ اشْكُرْ لِ وَلَوْلِدَيْكَ إِلَىّ الْمَصِيرُ
١٤
[لقمان: ١٤].
فبين تعالى أن مدة فصال المولود - أي:
تربيته وإرضاعه بعد وضعه- في عامین، کما
قال تعالى:
وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ
حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِّ الرَّضَاعَةَ﴾
[البقرة: ٢٣٣].
ومن هاهنا استنبط ابن عباس رضي الله
عنهما وغيره من الأئمة، أن أقل مدة الحمل
ستة أشهر؛ لأن الله تعالى قال في الآية
الأخرى: ﴿وَحَمْلُهُ، وَفِصَلُهُ تَثُونَ شَهْرًا﴾
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، بتصرف
واختصار ١/ ٦٠٤.
www. modoee.com
٢١٩

حرف الواو
وذكر تعالى تربية الوالدة وتعبها ومشقتها في
سهرها ليلا ونهارًا، لیذکر الولد بإحسانها
المتقدم إليه. كما قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ
أَرْحَمْهُمَا كَا رَبََّانِ صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤].
ولهذا قال: ﴿أَنِ أَشْكُرْ لِي وَلِوَ لِّكَ إِلَىَّ
الْمَصِيرُ ﴾ أي: فإني سأجزيك على ذلك
أوفر الجزاء (١).
[انظر: الأجل: الأجل في العبادات
والمعاملات]
خامسًا: الآداب:
١. الزيارة.
جاء اعتبار الوقت في الزيارة في الشرع
في عدة أمور، كما أشار تعالى إلى ذلك
في قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ
بُوَتَ النَّبِيّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ
غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَنَّهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا
طَعِمْتُمْ فَأَنْتَشِرُواْ وَلَا مُسْتَئِنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ
ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِنَّ فَيَسْتَخِيء مِنكُمْ
وَاللَّهُ لَا يَسْتَحِىء مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا
فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَظْهَرُ
لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ
رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ أَنْ تَنكِحُواْ أَزْوَجَهُ مِنْ بَعْدِهِهِ
أَبَدَأَ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا ﴾
[الأحزاب: ٥٣].
فأمر الله تعالى عباده المؤمنين، بالتأدب
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٣٦/٦.
مع نبيه صلى الله عليه وسلم في دخولهم
لبيوته، وذلك بألا يدخلوها إلا بعد استئذان
وإذن، وإذا كان دخولهم استجابة لدعوة
إلى طعام، فلا يتعجلوا في الحضور قبل أن
ينضج الطعام، وذلك حتى لا يطول مكثهم
في بيت النبي صلى الله عليه وسلم(٢)
ویکون ثقيلًا عليه.
كما قال تعالى: ﴿غَيْرَ نَظِرِينَ إِذَنْهُ﴾
يعني: ((غير منتظرين إدراكه وبلوغه)) (٣)،
أي: أنهم مع کونھم مأذونًا لهم ومدعوین،
فلا يدخلوا قبل الميعاد المضروب لهم
حضورهم فيه، عجلة وانتظارًا منهم لنضج
الطعام، فإن ذلك مما يؤذي قلب صاحب
الدعوة، لشغل هذه الحصة معهم بلا فائدة،
إلا ضيق صدر الداعي وأهله، وشغل وقته،
وتولید حدیث، وتكلفا لکلام لا ضرورة له،
وإطالة زمن الحجاب على نسائه (٤).
وأيضًا فإن في هذا الوقت يكون أهل
البيت في شغلهم في إعداد الطعام، وفي
ثياب العمل فلا يحسن أن يروهن وهن
على هذه الحال، وما ذلك كله إلا من شؤم
التعجيل قبل الوقت (٥).
ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَكِنّ إِذَا دُعِيتُمْ
(٢) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم
يونس الخطيب ٣٣٦/٦.
(٣) جامع البيان، الطبري ١٩/ ١٥٧.
(٤) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٩٩/٨.
(٥) انظر: تفسير المراغي ٣٣٦/٦.
٢٢٠
مُوَسُولَة النَّقِين
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

الوقت
فَادْخُلُواْ﴾ ((أي إذا دعيتم إلى الدخول في تعالى لا يستحي أن يأمركم، بما فيه الخير
لکم، والرفق لرسوله كائنًا ما كان(٣).
وقته، فادخلوا فيه لا قبله ولا بعده، فـ
﴿وَلَكِنْ﴾ استدراك من النهي عن الدخول،
مع الإذن المطلق الذي هو الدعوة بتعليم
أدب آخر. وإفادة شرط مهم، وهو الإشارة
إلى أن للدعوة حينًا ووقتًا يجب أن يراعى
زمنه، وهذا المنهي عنه لم يزل يرتكبه ثقلاء
القرويين ومن شاكلهم من غلظاء المدنيين
الذين لم يتأدبوا بآداب الكتاب الكريم» (١).
ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنْتَشِرُوا
وَلَا مُسْتَحْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى
النَّبِىَّ فَيَسْتَحِي، مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْىِ، مِنَ
الْحَقِّ﴾، أي: أن يكون جلوسكم بمقدار
الحاجة، ((فلا تطيلوا الجلوس ليستأنس
بعضکم بحدیث بعض، و کانوا یجلسون بعد
الطعام يتحدثون فنهوا عن ذلك»(٢).
ثم بین تعالی حکمة النهي وفائدته فقال:
﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِىِّ نَيَسْتَخْى،
مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْىِء مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: إن
انتظاركم الزائد على الحاجة كان يشق على
النبي بحبسکم إياه عن شئون بيته، واشتغاله
فيه، وهو يستحي منكم أن يقول لكم:
اخرجوا، كما هو جاري العادة، أن الناس
-وخصوصًا أهل الكرم منهم- يستحيون
أن يخرجوا الناس من مساكنهم، ولكن الله
(١) محاسن التأويل، القاسمي ٩٩/٨.
(٢) لباب التأويل، الخازن ٤٣٤/٣.
وفي هذه الآية يظهر اعتبار الوقت
ومراعاته في آداب الزيارة في الشرع، من
اختيار الوقت المناسب للزيارة، وأن يكون
على قدر الحاجة، وأن لا يطول بحيث يثقل
ذلك على المزور.
٢. الاستئذان.
من عظمة التشريع الإسلامي كماله
وشموله لجميع مناحي الحياة، صغيرها
وكبيرها، فما من أمر من أمور هذه الحياة
وإلا نجد فيه تشريعا يضبطه ويبين الصواب
فيه من الخطأ، ومن ذلك التشريعات في باب
الاستئذان وأحكامه، وقد بين النبي الحكمة
في الاستئذان وأهميته، کما في الحدیث عن
سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال النبي
صلى الله عليه وسلم: (إنما جعل الاستئذان
من أجل البصر) (٤).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في
معنى الحديث: ((أي: شرع من أجله لأن
المستأذن لو دخل بغير إذن لرأی بعض ما
یکره من يدخل إليه أن يطلع عليه)»(٥).
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٦٧٠.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الاستئذان، باب الاستئذان من أجل البصر،
رقم ٨،٦٢٤١ / ٥٤.
(٥) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني ١١/ ٢٤.
www. modoee.com
٢٢١

حرف الواو
ولذلك فقد أمر الله تعالى عباده
المؤمنين عند دخولهم بيوتا غير بيوتهم
بالاستئذان، كما قال سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيَّرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى
تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَأَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النور: ٢٧].
ومعنى الاستئناس في الآية أي
:الاستئذان، سمي بذلك، «لأنه به يحصل
الاستئناس، وبعدمه تحصل الوحشة))(١).
والأمر بالاستئذان في الآية عام في كل
حين يراد فيه دخول بيوت الغير، وهذا في
حق عموم المؤمنین، وقد ورد ما يخصص
هذا الحكم في حق الإماء والعبيد والأطفال،
فإنهم لا يجب عليهم الاستئذان كلما دخلوا
إلى بيوت غيرهم، إلا في ثلاثة أوقات(٢)
بينها الله تعالى في قوله: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَمَنُواْ لِيَسْتَعْدِينِكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَتَكُمْ وَالَّذِينَ لَّرْ
يَتْلُغُواْ الْقُلُ مِنْكُمْ ثَلَثَ مَّتَ مِن قَبْلِ صَلَوْقِ الْنَجْرِ وَحِينَ
تَضَعُونَ فِيَابَكُمْ مِنَ النَّهِيَرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَوَةِ الْعِشَآءِ
ثَلَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ
بَعْدَهُنَّ طَوَّفُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُّكُمْ عَلَى بَعْضِنَّ
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الْآَيَتُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
﴾ [النور: ٥٨].
فبين تعالى هذه الأوقات الثلاثة، من قبل
صلاة الفجر وهو وقت الانتباه من النوم،
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٦٥.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣٠٢/١٢.
ولبس ثياب النهار، ووقت القائلة وهي
الظهيرة، لأن النهار يظهر فيها إذا علا شعاعه
واشتد حره، ومن بعد صلاة العشاء وهو
(٣)
وقت التعري للنوم
((وإنما خص هذه الأوقات لأنها
ساعات الخلوة ووضع الثياب، فربما يبدو
من الإنسان ما لا يحب أن يراه أحد، فأمر
الله العبيد والصبيان بالاستئذان في هذه
الأوقات)»(٤).
((وأما ما عدا هذه الأحوال الثلاثة فقال:
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ أي:
لیسوا کغیرهم، فإنهم يحتاج إليهم دائما،
فيشق الاستئذان منهم في كل وقت، ولهذا
قال: ﴿لَوَّقُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُّكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾
أي: يترددون عليكم في قضاء أشغالكم
وحوائجكم))(٥).
وهكذا ظهر اعتبار الوقت في آداب
الاستئذان، وأن هذه الأوقات الثلاثة التي
سماها الله تعالى (عورات) يجب مراعاتها
وتو کید الاستئذان عندها.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣٠٤/١٢.
(٤) معالم التنزيل، البغوي ٦/ ٦٠.
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٧٣.
٢٢٢
التـ
جَوْسُوء
لِلْقُرآن الكَرِيمِ