النص المفهرس
صفحات 21-38
الوصية
﴿إِن كَانَ لَهُوَلَدٌ﴾ ذكرا كان أو أنثى، ﴿فَإِن ◌َّمْ
يَكُنْ لَهُوَلَّدٌ وَوَرِنَّهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلْثُ﴾ أي: إن
لم یکن للمتوفی فرع کابن أو بنت، أو ابن
أبن، ﴿وَوَرِثَّهُ أَبَوَاهُ﴾ أي: انحصر الميراث
فيهما ﴿فَلِأُمِّهِ الثَّلْثُ﴾ وللأب الباقي وهو
الثلثان، ﴿فَإِن كَانَ لَهُهُ إِخْوَةٌ﴾ اثنان فأكثر
أشقاء، أو لأب ذكورا أو إناثا، ﴿فَلِأُمِهِ
السُّدُسُ﴾ أي: أن نصيبها مع وجود الإخوة
ینتقل من الثلث إلى السدس.
وهذا الانتقال لصالح الأب؛ لأن الأخوة
لا يأخذون مع وجود الأب شيئا، وإنما هم
يؤثرون على نصيب الأم فقط، ويحجبونها
حجب نقصان، والسر في تساوي الوالدين
في الميراث مع وجود الأولاد، الإشارة إلى
وجوب احترامهما على السواء، وفى أن حظ
الوالدين من الإرث أقل من حظ الأولاد مع
عظم حقهما على الولد، أنهما يكونان في
الغالب أقل حاجة إلى المال من الأولاد،
إما لكبرهما وإما لتمولهما، وإما لوجود من
تجب عليه نفقتهما من أولادهما الأحياء.
وأما الأولاد، فإما أن يكونوا صغارًا لا
يقدرون على الكسب، وإما أن يكونوا على
كبرهم محتاجين إلى نفقات كثيرة في الحياة
كالزواج وتربية الأطفال ونحو ذلك.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا
أَوْدَيْنٍ﴾ فقدم الدين والوصية على الميراث،
لكل واحد منهما السدس من التركة، وذلك لأن الدين حق على الميت، والوصية حق
له، وهما مقدمان على حق ورثته، وقد قدم
سبحانه الوصية على الدين في اللفظ مع أنها
مؤخرة عن الدين في السداد، وذلك للتشديد
في تنفيذها، إذ هي مظنة الإهمال، أو مظنة
الإخفاء، ولأنها مال يعطى بغير عوض
فكان إخراجها شاقا على النفس، فكان من
الأسلوب البليغ الحكيم العناية بتنفيذها.
وكان من مظاهر هذه العناية تقديمها في
الذکر، قال علي رضي الله عنه: إنكم تقرؤون
الوصية قبل الدین، (وبدأ رسول الله صلى
الله عليه وسلم بالدين قبل الوصية)(١).
وهذا إجماع على أن الدين مقدم على
الوصية والإرث مؤخر عنهما؛ لأن الدين
حق على الميت والوصية حق له وهما
يتقدمان على حق الورثة.
وقوله تعالى: ﴿ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا
تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُوْنَفْعًا﴾ أي: إنكم لا
تدرون أي الفريقين أقرب لكم نفعا آباؤكم
أو أبناؤكم، فلا تتبعوا في قسمة التركات
ما كان يتعارفه أهل الجاهلية من إعطائها
(١) أخرجه البخاري تعليقًا، ٥/٤، کتاب الوصايا،
باب تأويل قول الله تعالى: (من بعد وصيةٍ
يوصي بها أو دينٍ)، ووصله الترمذي في
سننه، رقم ٤،٢٠٩٤ / ٤١٦، كتاب الفرائض،
باب ما جاء في ميراث الإخوة من الأب والأم،
وابن ماجه في سننه، رقم ٢٧١٥، ٢ / ٩٠٦،
كتاب الوصاياً، باب الدين قبل الوصية.
وحسنه الألباني في الإرواء ٦/ ١٣١.
www. modoee.com
١٣٧
حرف الواو
للأقوياء الذين يحاربون الأعداء، وحرمان
الأطفال والنساء لأنهم من الضعفاء، بل
اتبعوا ما أمركم الله به، فهو أعلم منکم بما
هو أقرب نفعا لكم مما تقوم به في الدنيا
مصالحکم وتعظم به في الآخرة أجورکم،
﴿فَرِيضَةٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ أي: فرض الله ما ذكر
من الأحكام فريضة لا هوادة في وجوب
العمل بها، ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾
أي: إنه تعالى لعلمه بشؤونكم ولحكمته
العظیمة لا یشرع لكم إلا ما فيه المنفعة لكم،
إذ لا تخفى عليه خافية من وجوه المصالح
والمنافع، إلا أنه منزه عن الغرض والهوى
اللذين من شأنهما أن يمنعا من وضع الشيء
في غير موضعه، ومن إعطاء الحق لمن
يستحقه، وروي أن هذه الآية نزلت لما
استشهد سعد بن الربيع يوم أحد، وترك بنتين
وامرأة، وأباه الربيع، فأخذ أبوه جميع ما ترك
على ما كانوا عليه في الجاهلية، فأتت امرأة
سعد النبي صلى الله عليه وسلم فشكت
ذلك إليه مرتین وهي تبكي، وتذکر فقر بنيها،
وأنه لا أحد يرغب فيهما لفقرهما، فنزلت آية
المواريث: ﴿يُوصِيكُ اَللَّهُ فِي أَوْلَدِ كُمْ﴾
[النساء: ١١] (١) (٢)
.
ومن التشريعات الدينية التي وصى الله
تعالى بها، قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ
مِنكُمْ وَيَّذَّرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةُ لِّأَزْوَاجِهِمْ﴾
[البقرة: ٢٤٠].
قال المفسرون: ((كان في ابتداء الإسلام
إذا مات الرجل لم يكن لامرأته في الميراث
شيء إلا السكنى والنفقة سنة ما لم تخرج
من بيت زوجها، وكان المتوفى يوصي
بذلك لها، فإن خرجت من بيت زوجها لم
يكن لها نفقة، وكان الحول واجبا عليها في
الصبر عن التزوج، ثم نسخت هذه الآية
بالربع والثمن، وتقدير لمدة الوفاة بأربعة
(١) أخرجه أبو داود في سننه، رقم ٢٨٩١،
١٢١/٣، كتاب الفرائض، باب ما جاء في
ميراث الصلب، والترمذي في سننه، رقم
٢٠٩٢، ٤ / ٤١٤، أبواب الفرائض، باب ما
جاء في ميراث البنات، وابن ماجه في سننه،
رقم ٢٧٢٠، ٩٠٨/٢، كتاب الفرائض، باب
فرائض الصلب.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وصححه ابن الملقن في البدر المنير ٧/ ٢١٣.
(٢) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي
طالب ١٢٣٨/٢، التفسير الوسيط، الواحدي
٢٦٨/١، تفسير الراغب الأصفهاني ١/ ٣٨٢،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤٩/٥،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٩٢/١،
غرائب القرآن، النيسابوري ١/ ٤٨٧، التفسير
القرآني للقرآن، عبد الکریم یونس ٧٠٩/٢،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٤٦/٢، في
ظلال القرآن، سيد قطب ٥٨٩/١، روح
المعاني، الألوسي ١/ ٤٥١.
١٣٨
جوي
قَضوري
القرآن الكريمِ
الوصية
أشهر وعشر))(١).
ومن التشريعات الدينية التي وصى
الله تعالى بها، قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ شَهِدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ
حِينَ اَلْوَصِيَّةِ أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ
مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبُِّمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَبَتَّكُم
مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَوَةِ
فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ أَرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِ، ثَّمَنَّا
وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْفَ وَلَا نَكْتُمُ شَهَدَةَ اللّهِ إِنَّا إِذَا لَِّنَ
فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا أَسْتَحَقًّا إِثْمًا
١٠٦
الأَثِمِينَ
فَشَاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ أُسْتَحَقَّ
عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَنِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَدَنُنَاَ
أَحَقُّ مِن شَدَتِهِمَا وَمَا أَعْتَدَيْنَآَ إِنَّا إِذَا لَّمِنَ
الظَّالِمِنَّ
ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يَأْتُواْ بِالشَّهَدَةِ عَلَى
(١٠٧
وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوْ أَنْ تُرَدَّ أَيٌَْ بَعْدَ أَيْمَنِهِمْ وَأَتَّقُواْ
اللَّهَ وَأَسْمَعُواْ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ اَلْفَسِقِينَ
١٠٨)
[المائدة: ١٠٦ - ١٠٨].
أخبر الله تعالى المؤمنين أن حكمه في
الشهادة على الموصي إذا حضره الموت
أن تكون شهادة عدلين، فإن كان في سفر
وهو الضرب في الأرض ولم يكن معه من
المؤمنین أحد فلیشهد شاهدین ممن حضره
من أهل الكفر، فإذا قدما وأديا الشهادة على
وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا ولا
بدلا وأن ما شهدا به حق ما كتما فيه شهادة
الله، وحکم بشهادتهما، فإن عثر بعد ذلك
(١) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٣٥٣/١.
على أنهما كذبا أو خانا ونحو هذا مما هو
إثم، حلف رجلان من أولياء الموصي في
السفر وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما (٢).
رابعًا: أمور الأخلاق:
ذكر القرآن الكريم أن من مكارم الأخلاق
التواصي بالحق والتواصي بالصبر، فقال
تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ ))• إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ
إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّيْرِ
[العصر: ١- ٣].
أقسم الله تعالى في هذه الآية الكريمة،
أنَّ كلَّ إنسان خاسر إلا من اتصف بهذه
الأوصاف الأربعة: الإيمان والعمل الصالح
والتواصي بالحق والتواصي بالصبر على
الحقِّ، فهذه السورة ميزان للأعمال يزين
المؤمن بها نفسه، فيبين له بها ربحه من
خسرانه، ولهذا قال الشافعي رضي الله عنه:
(لو فكر الناس كلهم فيها لكفتهم)) (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ﴾
[العصر: ٣].
والحقُّ: الأمر الثابت الذي لا يسوغ
إنكاره، وهو الخير كله: من توحيد الله
وطاعته، واتباع کتبه ورسله، والزهد في
الدنيا، والرغبة في الآخرة، وقيل: الحق: هو
القرآن؛ لشموله کلّ أمر و کلَّ نھي، و کل خیر،
(٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٥١/٢.
(٣) انظر: تفسير الإمام الشافعي ١٤٦١/٣.
www. modoee.com
١٣٩
حرف الواو
ويشهد لذلك قوله تعالى في حقِّ القرآن:
﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥].
﴿إِنََّ أَزَلْنَا إِلَيْكَ
سبحانه:
وقوله
الْكِتَبَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الذِينَ
٥﴾ [الزمر: ٢].
وقد اشتمل قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْاْ
بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣].
على إقامة المصالح الدينية كلها، فالعقائد
الإسلامية والأخلاق الدينية مندرجة في
الحقِّ، والأعمال الصالحة وتجنب السيئات
مندرجة في الصبر، والتخلق بالصبر ملاك
فضائل الأخلاق كلها، فإنَّ الارتیاض
بالأخلاق الحميدة لا يخلو من حمل المرء
نفسه على مخالفة شهوات كثيرة.
ففي مخالفتها تعب يقتضي الصبر عليه
حتی تصیر مکارم الأخلاق ملکة لمن راض
نفسه عليها، وأفادت صيغة التواصي بالحق
وبالصبر أن يكون شأن حياة المؤمنين قائمًا
على شيوع التآمر بهما ديدنًا لهم، وذلك
يقتضي اتصاف المؤمنين بإقامة الحقِّ
وصبرهم على المكاره في مصالح الإسلام
وأمته؛ لما يقتضيه عرف الناس من أنَّ أحدًا
لا يوصي غيره بملازمة أمر إلا وهو يرى
ذلك الأمر خليقًا بالملازمة، إذ قلَّ أن يقدم
أحد على أمر بحقٍّ و لا يفعله أو أمر بصبر
وهو ذو جزع.
وقد قال الله تعالى توبيخًا لبني إسرائيل:
أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ
وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِتَبَّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
٤٤
[البقرة: ٤٤](١).
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٧٩٤/٤، مدارك
التنزيل، النسفي ٦٧٧/٣، تفسير القرآن
العظيم، ابن كثير ٨ / ٤٨٠، التحرير والتنوير،
ابن عاشور ٥٣٣/٣٠، أضواء البيان،
الشنقيطي ٩/ ٩٤.
١٤٠
القرآن الكريم
الوصية
الموصى
تظهر وصية الله تعالى للأنبياء والمؤمنين
وأهل الكتاب والإنسان عامة وذلك من
خلال ما يلي:
أولًا: الأنبياء:
وصى الله تعالى الأنبياء والمرسلين
بالتشريعات الدينية، قال تعالى: ﴿شَرَعَ
لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِىّ
أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى
وَعِيسَوّ أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلَا نَشَفَرَّقُواْ فِيهِ كَبُرَ عَلَى
اَلْمُشْرِكِينَ مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَّبِىّ إِلَيْهِ
مَن يَشَاءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ
[الشورى : ١٣].
إن الأنبياء عليهم السلام مأمورون بتبليغ
وصية الله تعالى، وقد بينت هذه الآية الكريمة
أن من وصية الله تعالى لجميع الرسل إقامة
الدين بكليته، ومن إقامة الدين الذي أمر الله
تعالى بإقامته اتباع جميع التشريعات التي
أمر الله تعالى بها، وقد كانت هذه الوصية
عمل الرسل لأممهم ومن بعدهم، فنفذها
إبراهيم عليه السلام.
قال تعالى: ﴿وَوَضَّى بِهَآ إِبْرَاهِمُ بَنِيهِ
وَيَعْقُوبُ يَنَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُ الذِينَ فَلَا
تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٣)﴾ [البقرة: ١٣٢].
ومن بعد إبراهيم يعقوب عليه السلام،
قال تعالى: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ
يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ
مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآَيِكَ
إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَ إِسْحَقَ إِلَهَا وَحِدًا وَتَحْنُ لَهُ.
مُسْلِمُونَ ﴾ [البقرة: ١٣٣].
فهذا تواصي الأمم بأصل الإيمان وعموم
الشريعة، وقوله تعالى: ﴿مَا وَصَّى بِهِ، نُوحًا ﴾
[الشورى: ١٣].
مقدر فيه مضاف، أي مثل ما وصى به
نوحا، أو هو بتقدير كاف التشبيه على طريقة
التشبيه البليغ مبالغة في شدة المماثلة حتى
صار المثل كأنه عين مثله، والمراد: المماثلة
في أصول الدين مما يجب لله تعالى من
الصفات، وفي أصول الشريعة من كليات
التشريع، وأعظمها توحيد الله، ثم ما بعده
من الكليات الخمس الضروريات، ثم
الحاجیات التي لا يستقيم نظام البشر بدونها.
فإن كل ما اشتملت عليه الأديان
المذكورة من هذا النوع قد أودع مثله في
دين الإسلام، فالأديان السابقة كانت تأمر
بالتوحيد، والإيمان بالبعث والحياة الآخرة،
وتقوى الله بامتثال أمره واجتناب نهيه
على العموم، وبمكارم الأخلاق بحسب
المعروف، وتختلف في تفاصيل ذلك
وتفاريعه.
ودين الإسلام لم يخل عن تلك الأصول
وإن خالفها في التفاريع تضييقا وتوسيعا،
وامتازت هذه الشريعة بتعليل الأحكام
www. modoee.com
١٤١
حرف الواو
وسد الذرائع والأمر بالنظر في الأدلة ويرفع لازم لترك المنكرات، وقد اشتمل قوله
تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ﴾
[العصر: ٣].
الحرج وبالسماحة وبشدة الاتصال بالفطرة،
و کما وصی الله تعالى أنبياءه ورسله بأصل
الإيمان وعموم الشريعة، كذلك وصى الله
تعالى الأنبياء بالعبادة من صلاة وزكاة،
كما في قوله تعالى عن نبي الله عيسى عليه
﴿وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ
السلام:
وَأَوْصَغِى بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوْةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴾
[مريم: ٣١](١).
ثانيًا: المؤمنون:
المؤمنون مأمورون بالتواصي بالحق،
وهو الخير كله: من توحيد الله وطاعته،
واتباع كتبه ورسله، والزهد في الدنيا،
والرغبة في الآخرة، لذلك قرن الأمر
بالتواصي بالحق بالأمر بالتواصي بالصبر
في سورة العصر، والحق هو المقصود
الأول من الدين، وهو لا يقوم إلا بالصبر،
فكانت سورة العصر مشتملة على التواصي
بالاستقامة على صراط الله المستقيم
واتباعه، ويأتي عقبها قوله تعالى: ﴿وَنَوَاصَوْاْ
بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣].
بمثابة التثبيت على هذا الصراط المستقيم
إذ الصبر لازم على عمل الطاعات، كما هو
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨ / ١٩١، تفسير
الراغب الأصفهاني ١/ ٣٠، الجامع لأحكام
القرآن، القرطبي ١١/١٦، لباب التأويل،
الخازن ٣/ ١٨٧.
على إقامة المصالح الدينية كلها،
فالعقائد الإسلامية والأخلاق الدينية
مندرجة في الحق، والأعمال الصالحة
وتجنب السيئات مندرجة في الصبر،
والتخلق بالصبر ملاك فضائل الأخلاق کلها
فإن الارتياض بالأخلاق الحميدة لا يخلو
من حمل المرء نفسه على مخالفة شهوات
كثيرة، ففي مخالفتها تعب يقتضي الصبر
عليه حتى تصير مكارم الأخلاق ملكة لمن
راض نفسه عليها، وأفادت صيغة التواصي
بالحق وبالصبر أن يكون شأن حياة المؤمنين
قائما على شيوع التآمر بهما دیدنًا لهم.
وذلك يقتضي اتصاف المؤمنين بإقامة
الحق وصبرهم على المكاره في مصالح
الإسلام وأمته، لما يقتضيه عرف الناس من
أن أحدا لا یوصي غيره بملازمة أمر إلا وهو
يرى ذلك الأمر خليقا بالملازمة إذ قل أن
يقدم أحد على أمر بحق هو لا يفعله أو أمر
بصبر وهو ذو جزع.
وقد قال الله تعالى توبيخا لبني إسرائيل:
أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِأَلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ
وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِتَبَّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
[البقرة: ٤٤](٢).
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤ /٧٩٤، مدارك
١٤٢
القرآن الكريم
الوصية
والمؤمنون مأمورون أن لا يقربوا مال من أقرب الناس إليه وهو ولیه؛ لأنه لم یکن
الیتیم إلا بالتي هي أحسن.
قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَّنِيِمِ إِلَّا
بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَّ يَبْلُغَ أَشُدَّةٌ، وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ
وَاَلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا
وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ
اَللَّهِ أَوْفُؤْ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ إِ لَعَلَّكُمْ
تَذَكَّرُونَ ﴾ [الأنعام: ١٥٢].
نھی الله تعالی ولی الیتیم أو وصية عن
قربان مال الیتیم إلا بالوجه الذي هو أنفع،
فلا بد لكافل اليتيم من النظر والتحري عند
التصرف في ماله، حتی یعرف ما هو ضار
وما هو نافع، فلا یتصرف إلا بما هو نافع،
ويحرم أخذ مال اليتيم بالباطل، والتعدي
عليه ظلمًا، ومثل اليتيم في النهي غيره؛ فكل
ذي ولاية أو أمانة على مال غيره یجب عليه
أن یتحری التحري المذکور، کما یحرم على
كل أحد أن يتعدى على مال غيره، ووجه
تخصيص حق اليتيم في ماله بالحفظ: أن
ذلك الحق مظنة الاعتداء عليه من الولي،
وهو مظنة انعدام المدافع عنه، لأنه ما من
ضعيف عندهم إلا وله من الأقارب والموالي
من يدفع عنه إذا استجاره أو استنجده.
فأما اليتيم فإن الاعتداء عليه إنما يكون
التنزيل، النسفي ٦٧٧/٣، تفسير القرآن
العظيم، ابن كثير ٨/ ٤٨٠، التحرير والتنوير،
ابن عاشور ٥٣٣/٣٠، أضواء البيان،
الشنقيطي ٩/ ٩٤.
يلي اليتيم عندهم إلا أقرب الناس إليه،
وكان الأولياء يتوسعون في أموال أيتامهم،
ويعتدون عليها، ويضيعون الأيتام لكيلا
ينشؤوا نشأة يعرفون بها حقوقهم، ولذلك
قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَشَاوَى
[الضحى: ٦].
فلذلك لم يوص الله تعالى بمال غير
اليتيم؛ لأن صاحبه يدفع عن نفسه، أو
يستدفع بأوليائه ومنجديه، لأنه ضعيف
لا ناصر له، والنفوس أشد طمعًا في مال
الضعيف؛ فالعناية به أوكد، والعقوبة عليه
أشد، ومن بليغ إيجاز القرآن في بيانه أنه
يذكر الشيء ليدل به على تأثيره، أو الذي
هو أحرى بالحكم منه، أو لكون امتثال
الحكم الشرعي فیه داعيا إلى امتثاله في غيره
بالمساواة.
وفي قوله: ﴿إِلَّا بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾
[الأنعام: ١٥٢] أربعة تأويلات:
أحدها: حفظ ماله عليه إلى أن يكبر
ليتسلمه.
والثاني: أن ذلك هو التجارة به.
والثالث: هو ألا يأخذ من الربح إذا اتجر
له بالمال شيئًا.
والرابع: هو أن يأكل الولي بالمعروف
من ماله إن افتقر، ويترك إن استغنى، ولا
يتعدى من الأكل إلى اللباس ولا غيره.
www. modoee.com
١٤٣
حرف الواو
ويحتمل خامسًا: أن التي هي أحسن: يعزلون طعامهم عن طعامهم، وشرابهم عن
حفظ أصوله وتثمیر فروعه.
ثم قال: ﴿حَّ يَبْلُغَ أَشُدَهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢].
أي: الرشد وزوال السفه مع البلوغ، وفي
حدها ثلاثة أقاويل: قال مقاتل: ((يعني ثماني
عشرة سنة))، وقال الكلبي: ((الأشد ما بين
ثماني عشرة إلى ثلاثين سنة))، ويقال: ((حتى
يبلغ مبلغ الرجل»، ويقال: ((بلوغ الأشد ما
بين ثماني عشرة إلى أربعين سنة)).
وقد نص الفقهاء على أن من ولي مال
اليتيم واستحق أجرًا، فله الأقل من أحد
أمرين: إما نفقته في نفسه، وإما أجرته على
عمله، أي: إن كان العمل يستحق أجرة ألف
ريال، ونفقته يكفي لها خمسمائة أخذ نفقته
فقط، وإن كان العمل يكفيه أجرة مائة ريال،
ونفقته خمسمائة أخذ أجرته مائة فقط حفظًا
لماله (١).
قال المفسرون: لما نزلت سورة بني
إسرائيل، وقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ
اَلْيَقِيمِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢].
وفي سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ
أَمْوَّلَ اَلْيَتَىّ ◌ُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِ بُطُونِهِمْ
نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء: ١٠].
تحرج المسلمون أن يخلطوا طعامهم
بطعام من يكون عندهم من الأيتام، وكانوا
(١) انظر: تفسير السمر قندي ٤٩٤/١، تفسير ابن
باديس ص ٩٥، التحرير والتنوير، ابن عاشور
٨ ١/ ١٦٤، أضواء البيان، الشنقيطي ٨/ ٥٦٤.
شرابهم، حتی ریما فسد طعامهم، فشق ذلك
علیھم، فشکوا ذلك إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِن
◌ُّخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
يعني في الطعام، والشراب، والمساكنة،
وركوب الدابة، واستخدام العبد، قال
الشعبي: فمن خالط یتیمًا، فلیوسع علیه،
ومن خالط بأكل فلا يفعل، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ
الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
قال ابن زيد: الله يعلم حين تخلط مالك
بماله، أتريد أن تصلح ماله أو تفسد ماله بغير
حق، ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
فيه تأويلان:
أحدهما: لشدد علیکم.
والثاني: لجعل ما أصبتم من أموال
الیتامی موبقًا.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
يعني: عزيز في سلطانه وقدرته على
الإعنات، حكيم فيما صنع من تدبيره وتركه
الإعنات(٢).
ثالثًا: أهل الكتاب:
ومن الوصايا التي وصی الله تعالی بها
أهل الكتاب وصية التقوى.
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١/ ٢٨٠.
جوسين
القرآن الكريم
١٤٤
الوصية
فِىِ الْأَرْضُِّ وَلَقَدْ وَضَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن
قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ أَتَّقُوا اللَّهُ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ
لِلَّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَكَانَ اللّهُ غَنِيًّا
حَمِيدًا (١٧)﴾ [النساء: ١٣١].
وصى الله تعالى الذين أوتوا الكتاب
وهم اليهود والنصارى، من الأمم السالفة،
ووصيناكم أنتم يا أمة محمد كذلك بأن
اتقوا الله جميعا، وفي هذا إشارة إلى أن
الأديان جميعها متفقة على مبدأ التوحيد
وتقوى الله ومختلفة في الفروع تبعا للزمان
والمكان، وإن تكفروا بالله فاعلموا أن له ما
في السموات وما في الأرض وكان الله غنيا
عن عبادتكم.
والإخبار بأن الله أوصى الذين أوتوا
الكتاب من قبل بالتقوى مقصود منه إلهاب
همم المسلمين للتهمم بتقوى الله لئلا
تفضلهم الأمم الذين من قبلهم من أهل
الكتاب، فإن للانتساء أثرا بالغا في النفوس،
كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُبَ
عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن
قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ (*)﴾ [البقرة: ١٨٣].
والمراد بالذين أوتوا الكتاب اليهود
والنصارى، فالتعريف في الكتاب تعريف
الجنس فيصدق بالمتعدد، وبين بها عدم
حاجته تعالى إلى تقوى الناس، ولكنها
لصلاح أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿إِن
تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنَكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ
اَلْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧](١).
رابعًا: عامة الناس:
لقد وجه الله تعالى الوصية بالإحسان
إلى الناس عامة.
قال تعالى: ﴿وَوَصَّيّنَا الْإِنسَنَ بَوَلِدَيْهِ إِحْسَنَّاً
حَمَلَتْهُ أُّهُ كُرْهَا وَوَضَعَتْهُ كُرُهَاً وَحَمْلُهُ, وَفِصَلُهُ.
تَثُونَ شَهْرَأْ حَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً
قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىَّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ اَلَِّى أَنْعَمْتَ عَلَىّ
وَعَلَى وَلِدَنَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَنُهُ وَأَصْلِحْ
لِ فِ ذُرِّيَّتِىٌّ إِنِّ تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
أُوْلَكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا
١٥
وَنَشَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِيَ أَصْحَبٍ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ
الَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ ﴾ [الأحقاف: ١٥ - ١٦].
بينت الآية أن الوصية بالإحسان
للوالدين: هي وصیة لجنس الإنسان كله،
فهذه الوصاة بالإحسان إلى الوالدين موجهة
إلى كل إنسان أي: وصينا الناس وهو مراد
به خصوص الناس الذين جاءتهم الرسل
بوصايا الله والذين آمنوا وعملوا الصالحات
وذلك هو المناسب لقوله في آخرها،
﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ تَنَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾
[الأحقاف: ١٦].
وهي قائمة على أساس إنسانيته، بدون
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ١/ ٥٧٤، البحر
المحيط، أبو حيان ٤ / ٩٠، تفسير المنار،
محمد رشيد ٣٦٨/٥، التحرير والتنوير، ابن
عاشور ٥/ ٢٢٠.
www. modoee.com
١٤٥
حرف الواو
حاجة إلى أية صفة أخرى وراء كونه إنسانا، الذي يحرم من محضن الأسرة ينشأ شاذا
غیر طبيعي في کثیر من جوانب حياته-
مهما توافرت له وسائل الراحة والتربية في
غير محيط الأسرة- وأول ما يفقده في أي
محضن آخر غير محضن الأسرة، هو شعور
الحب.
وهي وصية بالإحسان مطلقة من كل شرط
ومن كل قيد، فصفة الوالدية تقتضي هذا
الإحسان بذاتها، بدون حاجة إلى أية صفة
أخری کذلك، وهي وصية صادرة من خالق
الإنسان، وربما كانت خاصة بهذا الجنس
أيضًا (١).
قال سيد قطب: ((ولا ترد وصية الوالدين
بالأولاد إلا نادرة، ولمناسبة حالات معينة،
ذلك أن الفطرة وحدها تتكفل برعاية
الوالدين للأولاد، رعاية تلقائية مندفعة
بذاتها لا تحتاج إلى مثير، وبالتضحية النبيلة
الكاملة العجيبة التي كثيرا ما تصل إلى حد
الموت- فضلا على الألم- بدون تردد،
ودون انتظار عوض، ودون مَنٍّ ولا رغبة
حتى في الشكران! أما الجيل الناشئ فقلما
يتلفت إلى الخلف، قلما يتلفت إلى الجيل
المضحي الواهب الفاني، لأنه بدوره مندفع
إلى الأمام، يطلب جيلا ناشئا منه يضحي له
بدوره ويرعاه! وهكذا تمضي الحياة!
والإسلام يجعل الأسرة هي اللبنة
الأولى في بنائه والمحضن الذي تدرج فيه
الفراخ الخضر وتكبر وتتلقى رصيدها من
الحب والتعاون والتكافل والبناء، والطفل
فقد ثبت أن الطفل بفطرته يحب أن
يستأثر وحده بأمه فترة العامين الأولين من
حیاته، ولا يطيق أن يشاركه فيها أحد، وفي
المحاضن الصناعية لا يمكن أن يتوفر
هذا، إذ تقوم الحاضنة بحضانة عدة أطفال،
يتحاقدون فيما بينهم، على الأم الصناعية
المشتركة، وتبذر في قلوبهم بذرة الحقد فلا
تنمو بذرة الحب أبدا، كذلك يحتاج الطفل
إلى سلطة واحدة ثابتة تشرف عليه فترة من
حياته كي يتحقق له ثبات الشخصية، وهذا
ما لا يتيسر إلا في محضن الأسرة الطبيعي.
فأما في المحاضن الصناعية فلا تتوفر
السلطة الشخصية الثابتة لتغير الحاضنات
بالمناوبة على الأطفال، فتنشأ شخصياتهم
مخلخلة، ويحرمون ثبات الشخصية
والتجارب في المحاضن تكشف في كل
يوم عن حكمة أصيلة في جعل الأسرة هي
اللبنة الأولى في بناء المجتمع السليم، الذي
يستهدف الإسلام إنشاءه على أساس الفطرة
السليمة (٢)
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٢٦١/٦،
التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم يونس
٢٧٥/١٣، التحرير والتنوير، ابن عاشور
٢٩/٢٦.
(٢) في ظلال القرآن ٦/ ٣٢٦١ - ٣٢٦٢.
١٤٦
جوسين
القرآن الكريمِ
الوصية
صيغ عرض الوصية
تظهر صيغ الوصية من خلال ما يلي:
أولًا: الصيغة الفعلية:
وردت الوصية في القرآن الكريم بعدة
صيغ فعلية، منها:
١. صيغة الفعل الماضي وصى وأوصى،
اثنتى عشرة مرة.
فیما أوصى به سبحانه رسله وعباده،
وغلب مجيء الوصية بمعناها المعروف
فيما يوصي به الراحلون عن الدنيا، مع حرمة
دينية يسبغها القرآن على الوصية بالحق في
حدود ما أمر به الله، أما التواصي فجاء في
القرآن خمس مرات، كلها بصيغة الفعل
الماضي، وإحداها في سياق الاستفهام
الإنكاري لموقف أمم خلت من رسل الله
إليهم، وكأنهم تواصوا بالتكذيب: ﴿كَذَلِكَ
مَآ أَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَلِيمٌ أَوْ
مَجْنُنُ أَنَوَاصَوْ بِهِّ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاعُونَ )﴾
[الذاريات: ٥٢-٥٣].
والأربع الباقيات في مسئولية الإنسان
عن الجماعة، بآية العصر: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ
وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣](١).
والحكمة في مجيء هذه الصيغة
بالماضي: يعني أنها وصايا قديمة ما
(١) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم
يونس ٨٩/٢.
زال يوصي الله تعالى بها عباده، وجيء
بها بصيغة الماضي الذي يفيد الثبات
والاستمرار، وكان ورود أكثرها على التعبير
بالماضي لأنه أوضح في استحكام الثبات
وامتداده، فورد هذا كله على أنسب وجه،
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ
أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ أَتَّقُوا
اللَّهَ ﴾ [النساء: ١٣١].
يعني: أنها وصية قديمة ما زال يوصي
الله بها عباده، لستم بها مخصوصين (٢).
وكذلك وصية الله جاءت بصيغة
الماضي: قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَالِدَيْهِ
إِحْسَنَا﴾ [الأحقاف: ١٥].
لتشمل خصوص الناس الذين جاءتهم
الرسل بالإحسان إلى الوالدين موجهة
إلى كل إنسان، أي وصينا الناس وهو
مراد به خصوص الناس الذين جاءتهم
الرسل بوصايا الله، والذين آمنوا وعملوا
الصالحات وذلك هو المناسب لقوله في
آخرها: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ تَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا
عَِلُواْ﴾ [الأحقاف: ١٦](٣).
وجاء التعبير بالماضي في قوله
تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّيْرِ﴾
[العصر: ٣].
إنما قال: ﴿وَتَوَاصَوْاْ﴾ ولم يقل:
(٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٣٠٥/٥.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩/٢٦.
www. modoee.com
١٤٧
حرف الواو
ویتواصون؛ لئلا یقع أمرًا بل الغرض مدحهم
بما صدر عنهم في الماضي، وذلك يفيد
رغبتهم في الثبات عليه في المستقبل(١).
٢. جاءت الوصية بلفظ المضارع.
قال تعالى: ﴿يُوصِيكُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمْ
لِلذَّكَرِ﴾ [النساء: ١١].
اهتماما بشأنها، وإيذانا بوجوب سرعة
الامتثال لمضمونها، إذ الوصية من الله
تعالى إيجاب مؤكد، وجاءت أيضًا بلفظ
المضارع تنبيها على نسخ ما مضى والشروع
في حكم آخر (٢).
وردت الوصية في القرآن الكريم بصيغة
المضارع في عدة مواطن، وذلك أن الفعل
المضارع يفيد التجدد والاستمرار.
وأطلق الإيصاء على ما أمر الله به؛ لأن
الناس لم يشاهدوا الله حين فعلهم ما يأمرهم
به، فکان أمر الله مؤكدًا فعبر عنه بالإيصاء
تنبيها لهم على الاحتراز من التفويت في
أوامر الله، ولذلك أطلق على أمر الله
الإيصاء في مواضع كثيرة من القرآن، كقوله
تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمَّ لِلذَّكَرِ﴾
[النساء: ١١](٣).
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٨٢/٣٢.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٨٢/٣٢،
التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ١/ ١٨٠،
البحر المديد، ابن عجيبة ١/ ٤٧١.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣٤/١٨.
ثانيًا: الصيغة الإسمية:
سبيل الواجبات الإتيان بالمصدر
مرفوعًا، وسبيل المندوبات الإتيان به
منصوبًا، ولهذا اختلفوا: هل كانت الوصية
للزوجات واجبة لاختلاف القراءة في قوله
تعالى: ﴿وَصِيَّةً لِّأَزْوَجِهِم﴾ [البقرة: ٢٤٠].
بالرفع والنصب، فإن الأول مندوب،
والثاني واجب، والحكمة في ذلك أن
الجملة الإسمية أوكد وأثبت من الفعلية (٤).
ثالثًا: بلاغة فواصل آيات الوصية:
قال تعالى: ﴿﴿ قُلْ تَعَالَوَا أَتْلُ مَا حَزَّمَ
رَبُّكُمْ عَلَيْكُمَّ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً
وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاٌ وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ مِنْ
إِمْلَقٍّ أَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَاهُمٌّ وَلَا تَقْرَبُواْ
اٌلْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَّ وَلَا
تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَّ ذَلِكُمْ
وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ
وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ )
اَلْيَقِيمِ إِلَّا بِأَتِى هِىَ أَحْسَنُ حَّ يَبْلُغَ أَشُدَّةٌ وَأَوْفُواْ
اَلْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا
وُسَعَهَاْ وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْكٌَ
وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْ فُؤْ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ
وَأَنَّ هَذَا صِرَيِى مُسْتَقِيمًا
تَذَكَّرُونَ (٥)
فَأَتَّبِعُوَةٌ وَلَا تَقَّبِعُواْ السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن
سَبِيلِدٍ، ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ
(٤) انظر: الإتقان في علوم القرآن، السيوطي
٣٧٩/٢، معترك الأقران في إعجاز القرآن،
السيوطي ٣/ ٤٩٧.
جَوَسُولَةُ البقية
القرآن الكريم
١٤٨
الوصية
[الأنعام: ١٥١ - ١٥٣].
(١٥٣ ]
ختمت الأولى بـ ﴿لَعَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ﴾
والثانية: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ والثالثة:
﴿لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ﴾ لأن ترك الوصايا في
الآية الأولى دال على عدم التعقل؛ لأن
الشرك والعقوق وقتل الأولاد لأجل الفقر
وارتكاب الفواحش وقتل النفس التي حرم
الله بغير الحق، كلها عظام جسام، وكانت
الوصية بها من أبلغ الوصايا، فختم الآية بما
في الإنسان من أشرف السجايا وهو العقل
الذی امتاز به الإنسان عن سائر الحيوان وفي
الآية الثانية حقوق قولية ومالية، وكل إنسان
يحرص عليهما لنفسه، وترك ذلك بالنسبة
للغیر غفلة يناسبه الدعوة إلى التذكر.
وفي الآية الثالثة دعوة إلى شرع الله
والبعد عن سبل الشيطان، والمخالفة
تعرض إلى سخط الله؛ فناسبه الدعوة إلى
التقوى(١).
(١) انظر: الأصلان في علوم القرآن، محمد
القيعي ص ٧٢، ملاك التأويل القاطع بذوي
الإلحاد والتعطيل، أحمد بن إبراهيم الثقفي
١/ ١٧٣، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي
١٩٩/١.
ثمرات الوصية الدنيوية والأخروية
تظهر نتائج الوصية و ثمرتها من خلال ما
يلي:
أولًا: ثمرات الوصية الدنيوية:
الثمرات الخيرة الدنيوية للوصية بالخير:
١. أن وصايا القرآن من شأنها أن تكفل
رضاء الله وعنايته، وأن تحفظ الناس
من الشرور والمهالك وأن تضمن لهم
السعادة والطمأنينة، وأن تبث فيهم روح
التعاون والتراحم والإخاء، وأن تجنبهم
ما لا يليق بالكرامة الإنسانية والشعور
الإنساني من مواقف وحركات(٢).
٢. ومن ثمراتها الحفاظ على النفس
وصيانتها من الاعتداء عليها. وشملت
الوصية ما كان يعمله أهل الجاهلية
فكانت الجاهلية تقتل أولادها خشية
كثرة العيلة، ودخول الفقر عليهم
إذا كثروا، فأنزل الله تبارك وتعالى:
﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُم مِّنْ إِمَّلَقِ
[الأنعام: ١٥١]. وشملت الوصية حفظ
النفس الإنسانية، ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ
الَّتِى حَرَّمَ اَللّهُ إِلَّا بِالْحَّ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُم بِهِ،
لَعَلَّكُوْ نَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١]. أي: حرم
(٢) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي
٢٧٩/١، التفسير الحديث، محمد عزت
٣/ ٣٧٥، تفسير الشعراوي ٤/ ٢٠٣٤.
www. modoee.com
١٤٩
حرف الواو
قتلها بأن عصمها بالإسلام أو بالعهد
فيخرج الحربي ويدخل الذمي، فما
روي عن ابن جبير من كون المراد
بالنفس المذكورة النفس المؤمنة ليس
في محله ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ استثناء مفرغ
من أعم الأحوال، أي: لا تقتلوها في
حال من الأحوال إلا حال ملابستكم
بالحق الذي هو أمر الشرع بقتلها،
وذلك كما جاء من حديث عبد الله
بن مسعود رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا
يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله
إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى
ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس،
والتارك لدينه المفارق الجماعة)(١).
أو من أعم الأسباب أي: لا تقتلوها
بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق
وهو ما في الخبر، أو من أعم المصادر
أي: لا تقتلوها قتلا إلا قتلا كائنا وهو
القتل بأحد المذكورات، والحفاظ
على النفس يشيع في المجتمع الأمن
والسلام ويقضي على كل مظاهر
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٦٨٧٨،
٥/٩ كتاب الحدود، باب قول الله تعالى:
(أن النفس بالنفس والعين بالعين)، ومسلم
في صحيحه، رقم ١٦٧٦، ١٣٠٢/٣، كتاب
القسامة والمحاربين والقصاص والديات،
باب ما یباح به دم المسلم.
العنف، ويحفظ التعايش مع جميع
المجتمعات والأمم والشعوب،
فالإسلام دين السلام والتعايش
والقبول بالآخر، ويرفض كل أشكال
العنف والتطرف بجميع أشكاله
وأنواعه وصوره(٢).
٣. الحفاظ على العقيدة الصحيحة، والتي
هي سبب الفوز والنجاح والفلاح في
الدنيا والآخرة، وهي السبب في الحفاظ
على الفرد والأسرة والمجتمع وهي
التي تحفظ الفرد من البدع والضلالات
والشبهات، والسبل المؤدية إلى
الضلال من اليهودية، والنصرانية،
والمجوسية، وعباد القبور، وسائر أهل
الملل والأوثان، والشذوذ والأهواء
والطوائف، وأشير إلى ذلك في قوله
تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا
فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُوا السُّبُّلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ
عَن سَبِيلِه، ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ. لَعَلَّكُمْ
﴾ [الأنعام: ١٥٣](٣).
٢١٥٣
تَثَّقُونَ ﴿
٤. الحفاظ على الفرد والأسرة والمجتمع.
فالوصية بالأخلاق الكريمة هي القاعدة
الأساسية التي يقوم عليها المجتمع
وهي قاعدة النظافة والطهارة والعفة
(٢) انظر: روح المعاني، الألوسي ٤ /٢٩٨.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٣٨/٧، في ظلال القرآن، سيد قطب
٠١٢١٧/٣
١٥٠
جوبيه
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
الوصية
والأخلاق، فنهاهم عن الفواحش
ظاهرها وخافيها؛ لأنه لا يمكن قيام
أمة، ولا استقامة مجتمع، ولا أسرة
في وحل الفواحش ما ظهر منها وما
بطن، إنه لا بد من طهارة ونظافة
وعفة لتقوم الأسرة وليقوم المجتمع،
والذين يحبون أن تشيع الفاحشة هم
الذين يحبون أن تتزعزع قوائم الأسرة
وأن ينهار المجتمع، والجماعة التي
تشيع فيها الفاحشة جماعة ميتة، منتهية
حتمًا إلى الدمار، والحضارة الإغريقية
والحضارة الرومانية والحضارة
الفارسية، شواهد من التاريخ.
ومقدمات الدمار والانهيار في الحضارة
الغربية تنبئ بالمصير المرتقب لأمم
ينخر فيها كل هذا الفساد، والمجتمع
الذي تشيع فيه المقاتل والثارات،
مجتمع مهدد بالدمار، ومن ثم يجعل
الإسلام عقوبة هذه الجرائم هي أقسى
العقوبات؛ لأنه يريد حماية مجتمعه
من عوامل الدمار وأشير إلى ذلك في
قوله تعالى: ﴿﴿ قُلْ تَعَالَوَا أَتْلُ مَا حَرَّمَ
رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًاً
وَيِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّاً وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَئِدَكُم
مِّنْ إِمْلَقٍّ ◌َّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَاهُمٌ وَلَا
تَقْرَبُواْ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا
بَطَنٌ وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللّهُ
إِلَّا بِالْحَقّ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ
[الأنعام: ١٥١](١).
٥. الحفاظ على وحدة الأمة وكيانها
وقوتها. فاتباع صراط الله المستقيم
الواحد هو سبب وحدة الأمة، وحدتها
في الألوهية ووحدتها في الربوبية
ووحدتها من الشتات والتمزق التي
تسببه الأهواء والبدع والطوائف
والأحزاب، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا
صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوَةٌ وَلَا تَنَّبِعُوا
السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ، ذَلِكُمْ
وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ
١٥٣)
[الأنعام: ١٥٣]. فهذه الآية تحذر من
التفرق وتدعو إلى الوحدة وجمع كلمة
المسلمين، والسير في طريق واحد، فإذا
تفرق المسلمون بعدذلك فهم خارجون
عن السير فيه، وحينما تفرق المسلمون
أحزابًا كل حزب بما لديهم فرحون،
زعمت كل فرقة أنها هي الناجية، وما
عداها هالك، حتى التبس الأمر على
كثير من المسلمين فلم يهتد إلى الفرقة
الناجية بسبب تلك المزاعم، ولا ينبغي
أن نأبه لتلك المزاعم. بل نعرض كل
ما نسمع على كتاب الله وسنة نبيه،
فما وافقهما فهو الحق، وما خالفهما
عرفنا أنه باطل وهذا هو الميزان الذي
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١٢٣٠/٣.
www. modoee.com
١٥١
حرف الواو
ينبغي أن نزن به کل قول ومعتقد مهما
كان مصدره كما هو حال أهل السنة
في عرضهم للأقوال والمعتقدات على
کتاب الله وسنة رسوله، وهو توفیق من
الله لهم، وهم الفرقة الناجية، وهم أهل
الحق إلى أن تقوم القيامة (١) ..
٦. الحفاظ على الأموال، فحفظت وصايا
القرآن أموال اليتامى من الضياع،
وحذرت أصحاب النفوس الضعيفة
من المساس بها، وحفظت الموازين
في التجارة لتستقيم المعاملات،
وأعطت للأولاد والآباء حقهم من
المال، ونهت عن المضارة في الوصية
في المال، وذلك يعمل على حفظ
مال الفرد والجماعة والأمة، وأشير
لذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ
اَلْيَقِبِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّةٌ
وَأَوْفُواْ أَلْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ﴾
[الأنعام: ١٥٢].
٧. رجاء أن یتکلف ذکر هذه الوصايا وما
فيها من المصالح والمنافع من كان
كثير النسيان والغفلة أو كثير الشواغل
الدنيوية، أو رجاء أن يتذكرها المرة بعد
المرة من أراد الانتفاع بها بتلاوة آياتها
في الصلاة وغيرها وبغير ذلك، أو
(١) انظر: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام وبيان
موقف الإسلام منها، غالب عواجي ١ / ٤٠.
رجاء أن يتعظ بها من سمعها وقرأها أو
ذكرها أو ذكَّر بها، وبعض هذه الوجوه
عام يطلب من كل مسلم، وبعضها
خاص، وأشير إلى ذلك في قوله
تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّنَّكُمْ بِهِهُ لَعَلَّكُمْ
تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢](٢).
٨. الإمامة في الدين والدنيا، وذلك أن
قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ
بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣]. إرشاد إلى منصب
الإمامة في قوة الدين، كقوله تعالى:
﴿ فَحَعَلْنَا مِنْهُمْ أَيِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا
لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِئَايَتِنَا يُوقِنُونَ
[السجدة: ٢٤]. فبالصبر واليقين
٢٤
تنال الإمامة في الدين (٣).
٩. أنهم ثنية الله سبحانه من الخاسرين،
قال تعالى: ﴿وَاَلْعَصْرِ ))• إِنَّ الْإِنسَنَ
لَفِى خُسْرٍ ن إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ
بِالصَّبْرِ {
[العصر: ١- ٣]. فأقسم
٣
سبحانه على خسران نوع الإنسان
إلا من كمل نفسه بالإيمان والعمل
الصالح، و کمل غيره بوصیته له بهما،
ولهذا قال الشافعي رحمه الله: ((لو
(٢) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا
٨/ ١٧١.
(٣) انظر: إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، ابن
القيم ١٦٧/٢، التبيان في أقسام القرآن، ابن
القيم ص ٨٧.
١٥٢
القرآن الكريمِ
الوصية
فكر الناس كلهم في سورة العصر وصية الأمم السالفة المكذبة رسلها،
فكما كذبت قريش نبيها محمدًا صلى الله
لكفتهم»(١).
عليه وسلم، وقالت: هو شاعر، أو ساحر
أو مجنون، كذلك فعلت الأمم المكذبة
رسلها، الذين أحل الله بهم نقمته، كقوم
نوح وعاد وثمود، وفرعون وقومه، وقوله
تعالى: ﴿أَتَوَصَوْ بِهِّ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاعُونَ )﴾
[الذاريات: ٥٣].
والخلاصة: أن وصايا القرآن الكريم
تحافظ على الكليات الضرورية للفرد
والمجتمع وهي العقيدة والنفس والعرض
والمال والعقل وكل ما فيه صلاح المجتمع
وسلامته والحفاظ على أمنه ووحدته
واستقراره بما يكفل له سبل الحياة الكريمة،
فإذا هم فعلوا بهذه الوصايا كثر في الأمة
الخير، وندر فيها وقوع الشر، وائتلفت
قلوب أهليها، وتواصوا بالحق، وتواصوا
بالصبر، وسعدوا في دنياهم وآخرتهم (٢).
النتائج الشريرة للتواصي بالشر:
والتواصي بالشر بعكس التواصي بالخير
فهو سبب الشرك والكفر وفساد الأخلاق
وأكل مال اليتيم وقتل النفس التي حرم الله
تعالى وقتل الأولاد خوف الفقر ووأد البنات
وحرمان خير الدنيا والآخرة، وسبب الشقاء
والانحراف والطغيان.
قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَآ أَقَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم
أَتَوَاصَوْاْ بِهِ،
٥٢
مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَلِيمٌ أَوْ بَحْنُونُ لَ
بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاعُونَ ، فَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنْتَ بِمَلُومٍ
﴾ [الذاريات: ٥٢ -٥٤].
يخبر تعالى عن سبب شقاء قريش
وحرمانها خير الدنيا والآخرة وهو اتباعها
(١) انظر: رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه ص
٢١.
(٢) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٢٣/٤.
يقول تعالى ذكره: أأوصى هؤلاء
المكذبين من قريش محمدًا عليه السلام
على ما جاءهم به من الحق أوائلهم وآباؤهم
الماضون من قبلهم، بتكذيب محمد عليه
السلام، فقبلوا ذلك عنهم(٣).
ثانيًا: ثمرات الوصية الأخروية:
الثمرات الأخروية للوصية بالخير ما
يأتي:
من ثمرات الوصايا بالحق والوصايا
بالصبر والوصايا بالمرحمة ووصايا القرآن
بشكل عام، قال تعالى: ﴿ثُرَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَتَوَصَوْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْ بِلْمَرْحَمَةِ» أُوْلَئِكَ
أَصْحَبُ الْيَّمَّنَةِ ﴾ [البلد:١٧ -١٨].
أي: أن هؤلاء الذين آمنوا، وتواصوا
بالصبر، وتواصوا بالمرحمة، وتخطوا هذه
العقبة، ففكوا الرقاب، وأطعموا الجياع من
الأيتام والمساكين هؤلاء ﴿أُوْلَئِكَ أَعْطَبُ الْمَنَّةِ
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٤١/٢٢،
محاسن التأويل، القاسمي ٩/ ٥٣٦.
www. modoee.com
١٥٣
حرف الواو
[البلد: ١٨].
١٨
على جهة التفخيم لشأنهم والتعظيم
لقدرهم، وهم أصحاب اليمن والبركة
والثواب، والفوز، والفلاح، وأنهم من أهل
اليمين، الذين وعدهم الله جنات النعيم،
الذین یؤتون کتبھم بأیمانھم، وقال یحیی بن
سلام: ((لأنهم ميامين على أنفسهم))، وقال
ابن زید: «لأنهم أخذوا من شق آدم الأیمن»،
وقيل: ((لأن منزلتهم عن اليمين)) (١).
ووصف تعالى ما أعد لأصحاب اليمين
في آيات أخر، قال تعال: ﴿وَأَمْعَبُ اَلْيَمِينِ
مَا أَصْحَبُ اَلْيَمِينِ ، فِي سِدْرٍ تَخْضُودِ ، وَطَلْح
مَّنْضُودٍ ، وَظِلّ ◌َمْدُورِ، وَمَآَ مَسْكُوبٍ
٣١
• لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ
٣٢
وَفَكِهَذِ كَثِيَقِ
إِنَّا أَنْشَأْنَهُنَّ إِنشَاءٍ ٥، ◌َجَعَلْتَهُنَّ
(٣٤
وَفُرْشِ مَّرْفُوعَةٍ (
ـوم
لِأَصْحَبِ الْيَمِينِ
٣٧
عُرُبًا أَتْرَابًا
أَتْكاًا
وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ
ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ
٣٨
[الواقعة: ٢٧- ٤٠].
٤٠
النتائج الأخروية للتواصي بالشر:
ثم ذكر تعالی مقابل أصحاب اليمين وهم
الذين صدوا عن سبيل الله، وتواصوا بالإثم
وتواصوا بالعدوان ومعصية الرسول فقال
تعالى: ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ بِتَّايَئِنَا هُمْ أَصْحَبُ اَلْمَشْتَمَةِ
عَلَيَّهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ﴾ [البلد: ١٩ - ٢٠].
١٩
أي: والذین جحدوا آياتنا الكونية وآياتنا
(١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٦/ ٢٨٠،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٠/ ٧١.
السمعية التي جاءت على ألسنة الرسل، هم
أصحاب المشأمة، أي أهل الشمال الذين
وصفهم الله بقوله تعالى: ﴿وَأَصْحَبُ الشِّمَالِ
مَّ أَصْحَبُ الشِّمَالِ ، فِ سَهُوٍ وَحَمِيمٍ ، وَظِلٍ
مِّنْ يَجْهُومٍ ، لََّ بَارِدٍ وَلَا كَرِيدٍ ، إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ
ذَلِكَ مُتْرَفِينَ ، وَكَانُوْ يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ
﴿﴿ وَكَانُواْ يَقُولُونَ أَيِذَا مِنْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا
أَِنَّا لَمَبْعُوتُونَ
(٣)﴾ [الواقعة: ٤١-٤٧].
وقوله تعالى: ﴿هُمْ أَصْحَبُ الْمَشْتَمَةِ
[البلد: ١٩]. على جهة التعظيم
والمبالغة في ذمهم، وهي منزلة الإهانة
والغضب والخسران، وهم أصحاب الشؤم
على أنفسهم، ويقال: أصحاب المشأمة:
هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى
النار، والعرب تقول لليد الشمال الشؤمى،
وللجانب الأيسر الأشام، ومنه الشؤم،
وقيل: إنما سموا بذلك لأنهم أعطوا كتبهم
بشمائلهم، وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ
[البلد: ٢٠]. أي: عليهم نار تطبق
عليهم فلا يستطيعون الفكاك منها ولا
الخلاص من عذابها، نجانا الله منها بمنه
وكرمه، وجعلنا من أصحاب الميمنة (٢).
موضوعات ذات صلة:
الشهادة، العدل، المال، الوراثة
(٢) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي
طالب ١١/ ٧٢٥٧، نظم الدرر ١٦٣/٣٠.
١٥٤
القُرآن الكَرِيمِ