النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الوَحَىّ
٧
عناصر الموضوع
مفهوم الوحي
٨
الوحي في الاستعمال القرآني
٩
الألفاظ ذات الصلة
١٠
١١
الموحى به في القرآن
١٨
مقامات الوحي
٢١
الموحى إليهم في القرآن
٢٨
التعامل مع الوحي
٣٦
موقف المعرضين من الوحي
المُجَلَّدَ الخَامِسْ، وَالثَّلاثُونْ
حرف الواو
مفهوم الوحي
أولًا: المعنى اللغوي:
ورد في كتب اللغة أن الواو والحاء والياء: أصل يدل على إلقاء علم من طرف لآخر في
خفاء (١)، فالإشارة، والكتابة، والإيماء، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته
إلى غيرك من علم(٢).
ويأتي الوحي بمعنى السريع، ويأتي بمعنى الصوت، وحاة الرعد: هو صوته الممدود
الخفي، واستوحيناهم: استصرخناهم. والوحى: السرعة، يمد ويقصر. ويقال: الوحى
الوحى: يعني البدار البدار، وتوح يا هذا: أسرع، ووحاه توحيةً: عجله. والوحي على فعيل:
السريع(٣).
وقد ذكر الشيخ مناع القطان في تعريفه لغة أنه: «الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوجه
إليه بحيث يخفى على غيره)) (٤).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
وذكر السمين الحلبي تعريفًا آخر له: ((إلقاء معنى الكلام إلى من يريد إعلامه، والوحي
یکون بالرمز والإشارة»(٥).
وقال الشيخ مناع القطان: ((ووحي الله إلى أنبيائه قد عرَّفوه شرعًا بأنه: كلام الله تعالى
المُتَزّلُ على نبي من أنبيائه. وهو تعريف له بمعنى اسم المفعول أي الموحى.
والوحي بالمعنى المصدري اصطلاحًا: هو إعلام الله تعالى مَن يصطفيه من عباده ما أراد
من هداية بطريقة خفية سريعة)) (٦).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٩٣/٦.
(٢) انظر: الصحاح، الجوهري، ٢٥١٩/٦، لسان العرب، ابن منظور، ٣٧٩/١٥، الكليات، الكفوي،
ص٩١٨.
(٣) انظر: الصحاح، الجوهري، ٢٥٢٠/٦، المصباح المنير، الفيومي، ٢/ ٦٥٢، لسان العرب، ابن منظور،
٣٨٢/١٥.
(٤) مباحث في علوم القرآن، ص٢٨.
(٥) الدر المصون ١٧٣/٣.
(٦) مباحث في علوم القرآن، ص٢٩.
٨
مَوَسُو ◌َرُ النفسية
القرآن الكريم
الوحى
الوحي في الاستعمال القرآني
وردت مادة (وحي) في القرآن الكريم (٧٨) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٤٤
فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى
* [النجم: ١٠]
١٠
الفعل المضارع
٢٨
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّ رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِمْ فَسْتَلُواْ أَهْلَ
الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: ٤٣]
﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُم بِالْوَحِيَّ وَلَا يَسْمَعُ السُُّّ الدُّعَلَةَ إِذَامَا
المصدر
٦
يُنْذَرُونَ ﴾ [الأنبياء: ٤٥]
وجاء الوحي في القرآن على خمسة أوجه(٢):
الأول: الإرسال: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كُمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالتَِّنَّ مِنْ بَعْدِهِ ﴾
[النساء: ١٦٣]. يعني: أرسلنا.
الثاني: الإشارة: ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةٌ وَعَشِيًّا ﴾ [مريم: ١١].
يعني: أشار إليهم.
الثالث: الإلهام: ومنه قوله تعالى: ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّْلِ أَنِ آَخِذِى مِنَ الْجِبَالِ بُونًا وَمِنَ الشَّجَرِ
وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨]. يعني: ألهمها.
الرابع: الأمر: ومنه قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]. يعني: أمرها أي:
الأرض.
الخامس: الوسوسة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْ لِيَآِهِمْ لِيُجَدِ لُوكُمْ﴾
[الأنعام: ١٢١]. يعني: يوسوسون لهم.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٧٤٦-٧٤٧.
(٢) انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص٦٢١ -٦٢٢.
www. modoee.com
٩
حرف الواو
الألفاظ ذات الصلة
١
السنة:
السنة لغةً:
الطريقة، والسيرة المعتادة للإنسان، سواء كانت حسنة أو قبيحة(١).
السنة اصطلاحًا:
كل ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خلقية أو
خلقية، أو سيرة (٢)، قبل البعثة أو بعدها.
الصلة بين السنة والوحي:
الوحي أعم وأوسع من السنة، فالسنة هي الفرع الثاني للوحي، حيث إن الوحي فرعان:
الأول كلام الله المنزل على رسله، والثاني السنة وهو ما لم يكن من كلام الله، بل من
كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ومعناه من عند الله، ومن السنة ما لا يكون وحيًا، باعتبار ما
كان صفة خلقية، أو ما كان قبل البعثة.
الرسالة:
٢
الرسالة لغةً:
العبارات المؤلفة والمعاني المدونة المبعوثة من شخص لآخر بواسطة ناقل (٣).
الرسالة اصطلاحًا:
هي ما يبعث الله به من شاء من عباده من أحكام تكليفية وأخبار يلزمهم تصديقها.
الصلة بين الوحي والرسالة:
الوحي هو المصدر الذي تستمد منه الأحكام والأخبار، موجه للنبي أو الرسول، ويكون
في الوحي أيضًا ما ليس تشريعًا، بينما الرسالة فهي شريعة موجهة للناس بواسطة الرسول.
(١) انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده، ٨/ ٤١٧، تاج العروس، الزبيدي، ٢٣٠/٣٥، لسان
العرب، ابن منظور، ٢٢٥/١٣.
(٢) انظر: السنة قبل التدوين، محمد عجاج ص١٦.
(٣) انظر: الكليات، الكفوي، ص ٤٧٦.
١٠
جوية
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
الوحی
الموحى به في القرآن
خلق الله عباده عالمًا بما طبعهم عليه
من صفات، وما ركبه فيهم من غرائز،
وما توعدهم به عدوهم الألد إبليس من
الإضلال والإغواء، وتزيين الانحراف عن
الحق، وما يترتب على ذلك من تضاؤل
شعورهم بالحقائق التي جعل علمها والعمل
بمقتضاها واجبًا عليهم، وهي الحقائق التي
جعلها سببًا للثواب والعقاب، إنها الحقائق
التي ما خلقهم إلا لأجلها، ولعلاج هذا
التضاؤل والوقاية مما يترتب عليه من
الإعراض عن المقصد الذي خلقوا من
أجله وتر که تكفل الله لهم بأن يبعث لهم
من يذكرهم بهذه الحقائق، وما يسعى فيه
عدوهم من الكيد لهم، وقد كانت وسيلة
ذلك هي الوحي الذي أنزله الله على رسله
وأنبيائه(١).
وقد نزل القرآن منبهًا على هذه الحقائق،
وهي العقائد، والتشريع، وأخبار الأنبياء،
والسنن الربانية، وبيانها فيما يلي:
أولًا: العقائد:
لما كانت العقيدة هي المحور الأساس،
والمحرك الأقوي للتأثير في السلوك
والاتباع، ولما كان المعول في النجاة على
(١) انظر: تفسير المراغي ٢٤/٢٥، تيسير الكريم
الرحمن، السعدي ص٧١٧.
استقامتها، والمودي إلى الهلاك فسادها
وانحرافها، جعل الله عز وجل لها الحظ
الأوفر من القرآن الكريم، وبين أن هذه سنته
في الرسالات كلها، يقول الله جل جلاله:
﴿َشَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِىّ
أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ: إِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى
وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلَا نَنَفَرَّقُواْ فِيَةٍ كَبُرَ عَلَى
الْمُشْرِكِينَ مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اَللَّهُ يَجْتَّبِىّ إِلَيْهِ مَن
يَشَآءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى:
١٣].
والدين الذي شرعه الله لنا وكان وصيته
لنوح ولإبراهيم وموسى وعيسى هو عبادة
الله وحده، وفيه قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا
مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ
إِلََّ أَنْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
وعبادة الله مبناها الإيمان بكل ما جاء به
الرسل من أخبار وعقائد، وهي دين الإسلام
الذي ارتضاه تعالى لعباده، قال تعالى: ﴿إِنَّ
الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩].
ولايصح إسلام العبد إلا أن يؤمن
بأصول الدين والإيمان، وهي کما أخبر عنها
النبي صلى الله عليه وسلم في إجابته على
سؤال جبريل: (أن تؤمن بالله، وملائكته،
و کتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر
خيره وشره) (٢)، فهذا هو الدين الذي أمر
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب الإيمان والإسلام والإحسان، ٢٩/١،
رقم ١.
www. modoee.com
حرف الواو
الله رسله وأنبياءه، وأمرنا أن نقيمه، ونهانا
عن التفرق فيه(١)، لايتم لنا إقامة الدين إلا
بالإيمان بهذه الأصول على النحو الآتي:
١. أن الله واحد لا شريك له (٢).
وذلك في:
:ألوهيته: قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَيَّ
لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:
١٦٣].
ربوبيته: قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ
الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِي سِنَّةِ
أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِ الَّيْلَ النَّهَارَ
يَطْلُبُهُ، حَثِيْثًا وَالشَّمْسَ وَاَلْقَمَرَ وَالنُّجُومَ
مُسَخََّتِمٍ بِأَمْرِهِّهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ
اَللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].
أسمائه وصفاته: قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ
اَللَّهُ أَحَدُّ ◌َ اللَّهُ الصََّمَدُ ل لَمْ
بَلِدٍ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ:
كُفُوَا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
وقد جمع هذه الأمور الثلاثة في قوله
تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا
فَأَعْبُدْهُ وَأَصْطَيِرْ لِعِبَدَِهٍ، هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾
[مريم: ٦٥].
٢. الإيمان بالملائكة.
وقد أمر الله عز وجل بالإيمان بهم في
غیر موضع من كتابه.
(١) انظر: الهداية الى بلوغ النهاية، مكي بن أبي
طالب، ٩٧٦/٢.
(٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي، ٣/ ١٧.
جوببيو
القرآن الكريم
يقول تعالى: ﴿لَيْسَ آلْبِرَّ أَنْ تُوْلُّوا وُجُوهَكُمْ
قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ ءَامَنَ
بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِنَبِ
وَالنَّْنَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
والإيمان بهم يستدعي الإيمان بأنهم عباد
لله تعالى، وأن لهم وظائفهم التي كلفهم
الله بها، كما بين ذلك في مواضع كثيرة من
کتابه، وأنهم لايعصونه في أمر مهما كان،
وأنه خلقهم على هيئات تليق بما كلفوا به
من وظائف، فالرسل منهم ليسوا كصاحبي
القبر، والذين يتوفون المؤمنين ليسوا كمن
يتوفون الكافرين، وخزنة الجنة ليسوا كخزنة
النار، وغير ذلك مما جاء في بيان أوصافهم
في الكتاب والسنة(٣).
٣. الإيمان بالكتب المنزلة من عند الله.
وأنها كلامه الذي أوحى به لرسله لهداية
عباده وإخراجهم من الظلمات إلى النور.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ
بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِنَبِ الَّذِىِ نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ.
وَالْكِتَبِ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرُ بِاللهِ
وَمَلَكَتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ
ضَلَ ضَلَلَّاً بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦].
٤. الإيمان بالأنبياء والرسل.
يقول الله تعالى: ﴿مَا مَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ
إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَتِكَتِهِه
(٣) انظر: مراح لبيد، محمد بن عمر الجاوي،
٢٧٥/٢.
١٢
الوحى
وَكُتُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ،
وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ
الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
ولايجوز التفريق بينهم فيما جاءوا
للدعوة إليه من توحيد الله جل جلاله (١)،
وإن كان الله تعالى قد جعل لكل واحد منهم
شريعته الخاصة به وبأمته.
يقول تعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً
وَمِنْهَاجَأْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةً﴾
[المائدة: ٤٨].
والإيمان بأن الله أرسلهم ليطاعوا فيما
جاءوا به.
يقول تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ
إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ
ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَأَسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ
وَأُسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَابًا
رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤](٢).
٥. الإيمان بالله واليوم الآخر.
و کثیرًا ما قرن الله بین الإيمان به والإيمان
باليوم الآخر في كتابه.
يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ
هَادُواْ وَالنَّصَرَى وَالصَِّينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ
وَاُلْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ
رَيِّهِمْ وَلَّا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[البقرة: ٦٢].
(١) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي،
٦٥٩/١.
(٢) انظر: تفسير المراغي، ٢٤/٢٥.
وأن الله جامع الناس في ذلك اليوم؛
لتجزى كل نفس ما كسبت(٣).
يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
قُرْءَانَا عَرَبِيًّا لِنْنَذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ
يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيِّبَ فِيَةٍ فَرِيقٌ فِ الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِی
السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧].
٦. الإيمان بقضاء الله وقدره.
وذلك بأن يؤمن أن الله تعالی (٤).
● علم الأشياء قبل حدوثها، قال تعالى:
﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا
هُوَّ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ
مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَاَ حَبَّةٍ فِ ظُلُمَتِ
اُلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِ إِلَّا فِ كِنَِ
مُبِينِ ﴾ [الأنعام: ٥٩].
وأنه كتب ذلك في اللوح المحفوظ،
قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيِّنَهُ فِّ إِمَامٍ
تُبِينٍ ﴾ [يس: ١٢]
وأنه أراد إيجاد مخلوقاته من العدم،
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ
يَقُولَ لَهُ,كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس: ٨٢].
وأنه هو الخالق البارئ لكل شيء، قال
تعالى: ﴿اَللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢].
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
٦/١٦.
(٤) انظر: شرح العقيدة الواسطية، سعيد
القحطاني، ص ٤٧.
www. modoee.com
١٣
حرف الواو
ثانيًا: التشريع:
والتشريع هو البناء الذي أقيم على
أصول الإيمان، من العبادات، والمعاملات،
والأقضية، والحدود، والسياسات،
والأخلاق، والأحوال الشخصية، والحقوق
وفق ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله بفهم
الصحابة رضي الله عنهم.
والقرآن هو المصدر الأول في التشريع،
والسنة هي المصدر الثاني للتشريع، ولم
تستقل السنة بتقرير التشريع بمعزل عن
القرآن؛ وذلك أن الأمر بطاعة الرسول صلى
الله عليه وسلم هو مما أوحي به إلينا في
القرآن.
يقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَأَنْتُمْ
تَسْمَعُونَ ﴾ [الأنفال: ٢٠].
كما أن القرآن لم يستقل عن السنة ببيان
التشريع.
يقول الله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ
فَخُذُوهُ وَمَاتَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ وَأَتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ
شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧].
وقال أيضًا: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَّكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ
أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَاَلْيَوْمُالْآَخِرَ وَذَكَّرَ
اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٢١].
وحتى لا تشتط الأهواء بالناس؛ جعل الله
جل جلاله لفهم ما جاء به النبي صلى الله
عليه وسلم من القرآن والسنة من تشرعات
منضبطة بفهم الصحابة رضي الله عنهم،
ومن سار على نهجهم وأصولهم وقواعدهم
المستقرأة في تطبيقاتهم للدين في عهد النبي
وبعد وفاته(١).
يقول جل جلاله: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ
مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيِّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ
الْمُؤْمِنِينَ نُوَلّهِ، مَا تَوَلَّ وَنُصْلِهِ، جَهَنَّمٌ وَسَآءَتْ
مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
والتشريع بذلك ينظم علاقة الإنسان مع
غيره من خلال الآتي:
١. العبادات.
وهي عبارة عن علاقة الإنسان بربه،
كالصلاة والزكاة والصوم والحج (٢).
عن ابن عمر، رضي الله عنهما قال:
قال رسول الله: صلی الله عليه وسلم (بني
الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله
وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء
الزكاة، والحج، وصوم رمضان)(٣).
وقد جاء القرآن آمرًا بهذه الأركان.
٢. المعاملات.
التي اشتملت التعاقدات على جميع
صور التعاقدات بين الناس، وبينت
أحكامها، وأجازت ما كان قائمًا على العدل،
(١) انظر: السنة ومكانتها، السباعي، ٣٧٩/١.
(٢) انظر: زاد المسير ابن الجوزي، ٢/ ١١٢.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: بني
الإسلام على خمسٍ، ١١/١، رقم ٨.
١٤
صَوَهُو
القرآن الكريمِ
الوحى
ومنعت وجرمت ما يفضي إلى الخصومات والإحسان (٣).
والشقاق.
قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اَللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ اُلرِّبَواْ﴾
[البقرة: ٢٧٥].
٣. الأخلاق النفسية.
بتنظيم سلوكه في الأطعمة والأشربة
واللباس والزينة ونحوها(١).
قال الله جل جلاله: ﴿يَبَِّىّ ءَادَمَ قَدْ
أَزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِيَاسًا يُؤَرِى سَوْءَ ◌ِكُمْ وَرِيِشَاً وَلِيَاسُ
النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اَللَّهِ لَعَلَّهُمْ
يَذَكَّرُونَ ﴾ [الأعراف: ٢٦].
٤. الأحوال الشخصية.
ببيان الحقوق على كل فرد تجاه أفراد
أسرته، من خلال الأمر بقوامة الآباء،
ورعايتهم للزوجة والأبناء، والأم من حيث
بيان حق الزوج، وبيان دورها في رعاية
الأبناء، والأبناء بالأمر بالبر بالوالدين،
والأرحام من جهة وجوب صلتهم(٢).
قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوَأْ
أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِحِجَارَةُ
عَلَيْهَا مَلَتِكَةُ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآَ
أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَايُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
٥. الأخلاق الاجتماعية.
على التراحم والتعاون، ودفع الأذى،
(١) انظر: زاد المسير ٢/ ١١٢.
(٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي، ٢٣/٣.
قال الله عز وجل: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى أَلْبِ
وَالنَّقْوَىِّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنَّ وَأَتَّقُواْ
اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢].
٦. القضاء.
من خلال فض النزاعات والخصومات
التي تحدث بين المواطنين، سواء أكانوا
مسلمين أو غير مسلمين، على حد سواء في
إعطاء كل ذي حق حقه، أو دفع العدوان، أو
(٤)
رفع الظلم(٤).
قال الله جل جلاله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ
وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٌّ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْ فُواْ ذَلِكُمْ
وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢]
٧. السياسات.
ببيان وجوب السمع والطاعة للحاكم،
والنصح والإعانة له على الخير، وعدم
الخروج عليه، والأمر للحاكم بالعدل
والرأفة، وعلاقة المسلمين بغير المسلمين،
سواء أكانوا داخل حدود دولة المسلمين،
كالمعاهد والمستأمن والمستجير،
أو خارجها، سواء أكانوا مسالمين أو
محاربين (٥)
قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَطِيعُواْ
باحترام حقوق الآخرين، والحث اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن نَزَعْهُمْ
فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ
(٣) انظر: المصدر السابق، ٣/ ٣٠.
(٤) انظر: المصدر السابق، ٣٢/٣.
(٥) انظر: المصدر السابق، ٤٢/٣.
www. modoee.com
١٥
حرف الواو
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرَّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾
[النساء: ٥٩].
ثالثًا: أخبار الأنبياء والأمم السابقة:
لم يكن رسولنا الكريم صلى الله عليه
وسلم بدعًا من الرسل، وكذلك لم تكن أمتنا
أيضًا بدعًا من الأمم، بل سبقه رسل وأنبياء
كثر، وكذلك سبقت هذه الأمة سابقات من
الأمم، ولم تكن سيرة هذه الأمة مع نبيها
صلى الله عليه وسلم بمنأى عن سير الأمم
السالفة مع أنبيائها؛ لذلك كان في قصصهم
عبر، وفي أخبارهم خطر، لا يستغني عن
معرفتة ذوو البصائر والنظر، لذلك أورد
الله تعالى من أخبارهم في كتابه ما فيه
مواعظ ونذر، وقد كان منهج القرآن في
إيراد القصص منهجًا ربانيًّا، ليس الغرض
فيه من إيرادها التفكه بالحديث أو التلذذ
والمسامرة(١)، بل كان مراده من عرضها:
التثبيت لقلب النبي صلى الله عليه
وسلم والمؤمنين، يقول الله جل
جلاله: ﴿وَكُلَّا نَّقُصُ عَلَيَّكَ مِنْ أَنْبَِّ
الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ، فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِ هَذِهِ
الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذَكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود:
١٢٠].
إيقاظ وتنبيه من الغفلة، يقول الله
تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ
(١) انظر: منهجيات التغيير والإصلاح في سور
يس، الصافات، إياد أبو سعدة، ص٢٤٦.
بِمَّا أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن
كُنْتَ مِن قَبْلِهِ، لَيْنَ اَلْغَفِلِينَ﴾
[يوسف: ٣].
إنذار بما حدث لمن لم يستجيبوا
لرسلهم أن يصيب هذه الأمة ما
أصابهم، يقول الله عز وجل: ﴿فَإِنّ
أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنْذَرْتُّكُمْ صَحِقَةٌ مِثْلَ صَحِفَةِ عَادٍ
يَمُودَ ﴾ [فصلت: ١٣].
الاعتبار بأحوال من سبقها من الأمم،
يقول تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِ قَصَصِهِمْ
عِبْرَةٌ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِّ مَا كَانَ حَدِيثًا
يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ
يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدَى
وَرَحْمَةٌ لِّقَوَِّ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١].
كما لم يكن أسلوب القرآن في إيراد
قصص الأنبياء مع أممهم أسلوبًا سردیًا
تفصيليًا يحوى التفاصيل الدقيقة للأحداث؛
مما يجعله مملًا، ومفضیًا إلى ضياع المعاني،
كما في الكتب المحرفة، وإنما كان عرضه
لها بذكر مواطن التفكر والاعتبار والانتفاع،
وذلك على سبيل الإجمال- وهذا ما يغلب
عليه- لا على سبيل التفصيل، إلا فيما
دعت الحاجة إلى التفصيل فيه، ويحصل
بدونه فوات معرفة أو ذهاب منفعة بالذكرى
والعبرة.
١٦
جوبيه
القرآن الكريم
الوحی
رابعًا: السنن الربانية:
ربط الله جل جلاله بين سننه القدرية
واستجابة العباد لأوامره الشرعية، يقول الله
تعالى فيمن أنزل الله عليهم التوراة الإنجيل:
﴿وَلَوْأَنَّهُمْ أَقَامُواْالتَّوْرَنَّةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم
مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ
مِنْهُمْ أَنَّةٌ مُقْتَصِدًَ وَكَثِيْرٌ مِنْهُمْ سَآَمُ مَا يَعْمَلُونَ ﴾
[المائدة: ٦٦].
يقول الله تعالى: ﴿ظَهَرَ اَلْفَسَادُ فِ اَلْبَرِّ
وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ
الَّذِى عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١].
وقد ذكر الله عز وجل من هذه السنن
في كتابه على وفق هذا الناموس الرباني
مع سابق الأمم ما كان فيه النذير والتذكير،
يقول الله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌّ
فَسِيرُواْ فِي الْأَرْضِ فَانْظُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةٌ
اُلْمَكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧].
وهذا ما تمت الإشارة إليه في السابق،
ومن أمثلة ذلك:
* ما كان من شأن قوم نوح عليه السلام،
يقول الله عز وجل: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح
فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَأَزْدُجِرَ { فَدَعَا
فَفَتَحْنَا أَبْوَبَ
رَبَّهُوَ أَنِى مَغْلُوبٌ فَأَنْتَصِرْ (
السَّمَاءِ بِمَكْوٍ مُنْهَمٍِ ١) وَفَجَرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا
فَالْفَقَى الْمَلَّهُ عَلَ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَلْنَهُ عَلَى
ذَاتٍ أَلَّوَجٍ وَدُسُرٍ (٢) تَجْرِى بِأَعْيُنَا جَزَاءٌ لِّمَن
كَانَ كَفِرَ﴾ [القمر: ٩ - ١٤].
ما حدث لقوم عاد وثمود، يقول الله
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ
تعالى في نبئهم:
بِالْقَارِعَةِ ، فَمَّا تَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِالطّاِيَةِ
وَأَمَّا عَادٌ فَأَهْلِكُواْ بِرِيجِ صَرْصَرٍ
عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٤ - ٦].
حديث قوم لوط عليه السلام، يقول
الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِلنَّذُرِ {
٣٣
إِنّ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّ ءَالَ لُوطٍ نَجَيْنَهُم
بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٣ - ٣٤].
ما کان من فرعون، یقول الله عز وجل:
﴿وَلَقَدْ جَآءَ ءَالَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ﴿ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا
كُلِّهَا فَأَخَذْنَهُ أَخْذَ عَزِيِزٍ مُّقْنَدِرٍ﴾ [القمر: ٤١-
٤٢].
ما ذكره الله من شأن بني إسرائيل
مطلع سورة الإسراء، يقول الله جل
جلاله: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَى بنى إِسْرَاءِیلَ فِی
الْكِتَبِ لَتُفْسِدُنَّ فِ الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَنَعْلُنَّ
عُلُوَّا كَبِيرًا ، فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولَنْهُمَا بَعَنْنَا
عَلَيْكُمْ عِبَادًا أَنَا أُوْلِى بَأْسِ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ
خِلَلَ الذِيَارِّ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا
ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَكُم
بِأَمْوَلٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا
٦ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُةٌ وَإِنْ
أَسَأْتُ فَلَهَاْ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُكُواْ
وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا
دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُنَبِرُواْ مَا عَلَوْاْ
تَتْبِيرًا ﴾ [الإسراء: ٤ - ٧].
www. modoee.com
١٧
حرف الواو
وعلى العكس من ذلك، نجد أن الله
تعالى يؤيد رسله وأتباعهم، ويغير لهم
نواميس الكون، يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّا
لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ﴾ [غافر: ٥١].
ومن أمثلة ذلك:
٤ نوح عليه السلام، يقول الله عز وجل:
فَكَذَّبُوهُ فَأَنَجَيْنَهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِ اَلْفُلْكِ
وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِتَايَئِنَّأْ إِنَّهُمْ
كَانُواْ قَوْمًا عَيِينَ﴾ [الأعراف: ٦٤].
إبراهيم عليه السلام، يقول الله جل
جلاله: ﴿قَالُواْ حَرِقُوهُ وَأَنْصُرُوَاْ ءَالِهَتَكُمْ
إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ (٥) قُلْنَا يَنَاؤُ كُنِ بَرَّدًا
وَسَلَمَا عَلَى إَِّهِيمَ ( وَرَدُواْ بِهِ، كَيْدًا
[الأنبياء: ٦٨ -
فَجَعَلْنَهُمُ الْأَخْسَرِنَ
٧٠].
والقرآن مليء بمثل هذا، من بيان السنن
الربانية القدرية المعلقة على استجابة العباد
الشرعية وعدمها.
مقامات الوحي
عز الله سبحانه أن يراه أحد في الدنیا،
وهذا ما قضاه تعالى، وكان لابد لعباده
من معرفته ومعرفة ما يريده منهم، وما من
طريقة تصلح لوصول مراده إليهم إلا منه،
فقدر أن يكون ذلك بالوحي، وهذا الوحي
له صور متعددة، بحسب الحكمة الإلهية،
وقد كانت كما أخبر ربنا بواحدة من ثلاث
حالات، بينها الله في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ
لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِمَهُ اللّهُ إِلَّ وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآءٍ حِجَابٍ
أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِىُّ
حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١].
ولها مقامات، فتكليم الله لعبده هو مقام
أشرف من الوحي بواسطة، وبيان ذلك فيما
يأتي:
أولًا: التكليم من وراء حجاب:
إن تكلیم الله جل جلاله أحدًا من عباده
لهو مقام شريف، ومنزلة عظيمة، يختص
الله بها بعض رسله، يقول المولى عز وجل:
﴿يَلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍُ مِنْهُم مَّن
كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
وهي صفة لله على الحقيقة من غير
تعرض لكيفيتها، أثبتها لنفسه مؤكدًا لذلك
بالمصدر؛ حتى يدمغ قول من قال: إن
الكلام هنا مجازي وليس على الحقيقة (١)،
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي، ١٥٤/١.
١٨
قَضوري
جوي
القرآن الكريم
الوحى
فقال جل جلاله: ﴿وَرُسُلَّا قَدْ قَصَصْنَهُمْ
عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلَا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ
وَكَلَّمَ اَللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾ [النساء: ١٦٤].
وفي إتيان الوحي بهذه الصورة ما يزيد
من یقینهم، ويقوي من عزمهم، ويرفع من
معنوياتهم، لذلك نجد أن ممن اختصهم الله
تعالی بهذه المنزلة من كانت له مواقف شاقة
ومتعبة مع أقوامهم، وذلك على سبيل المثال
لا الحصر، كما كان الحال مع موسى عليه
السلام، فإن بني إسرائيل قد خالفوه کثیرًا،
واختلفوا على ما جاءهم به، وتعنتوا معه في
كثير من المسائل، من أمثلة ذلك قصة البقرة،
واتخاذهم العجل من بعده، وملالهم من
المن والسلوى، وطلب جعل الآلهة، وغير
ذلك کثیر.
وقد أكرم الله عز وجل نبينا محمدًا بهذه
المنزلة في مواطن نذكر منها حينما عرج به
إلى السماء وفرض الله تعالى عليه عبادة
الصلاة، وهذا فيما يكون في الحياة الدنيا
قبل الموت، أما بعد الموت، فإن المؤمنين
یتنعمون بتکلیم الله لهم ورؤيتهم له، كما
حدث مع الصحابي الشهيد عبد الله بن
حرام رضي الله عنه.
فقد روى جابر بن عبد الله رضي الله
عنه، قال: (لقيني رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فقال لي: (يا جابر، ما لي أراك
منکسرًا؟) قلت: يا رسول الله، استشهد أبي
وترك عيالًا ودينا. قال: (أفلا أبشرك بما لقي
الله به أباك؟) قال: بلى يا رسول الله. قال:
(ما كلم الله أحدًا قط إلا من وراء حجابٍ،
وأحيا أباك فكلمه كفاحًا. فقال: يا عبدي،
تمن علي أعطك. قال: يا رب، تحييني فأقتل
فیك ثانیةً. قال الرب عز وجل: إنه قد سبق
مني أنهم إليها لا يرجعون) قال: وأنزلت
هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ أَمْوَتَأْ ﴾ [آل عمران: ١٦٩](١).
ثانيًا: إرسال الرسول الملكي إلى
الرسول البشري:
والغالب من أحوال الوحي أن يأتي
الرسول الملكي وهو جبريل إلى النبي،
وهذا الذي ذكره الله جل جلاله في قوله:
﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١].
وفي قوله:
) إِنْ
٣
وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىَّ
هُوَ إِلَّا وَعْىٌ يُوحَى عَلَّمَّهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:
٣ - ٥].
والدليل على أنه أكثر الوحي هو إخبار
النبي صلی الله عليه وسلم بذلك، حينما
سئل عن الوحي كيف يأتيه، فقال صلى
الله عليه وسلم: (أحيانًا يأتيني مثل صلصلة
الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير
القرآن، باب ومن سورة آل عمرن، ٢٣٠/٥،
رقم ٣٠١٠.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٤٩٠٥.
www. modoee.com
١٩
حرف الواو
وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك فأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم
رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول)(١).
استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصيةٍ فإن الله لا
ينال ما عنده إلا بطاعته) (٤)
فإجابة النبي صلى الله عليه وسلم
على السؤال بهاتين الصورتين هو من باب
التغليب لا من باب الحصر (٢
٠
وهو بهذا يصف الطريقة التي يأتيه
جبريل عليه السلام بها في الغالب، وإلا فإنه
قد رآه على صورته الحقيقية، وأحيانًا كان
يأتيه الوحي منامًا، وغيرها من الصور التي
لم يذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في
الحديث.
ثالثًا: القذف في روع الرسول:
والمقام الثالث من مقامات الوحي الذي
كان يأتي الوحي فيه للنبي صلى الله عليه
وسلم هو ما جاء ذكره في قول الله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًّا﴾
[الشورى: ٥١].
وهو إما أن يكون إلهامًا أو منامًا أو قذفًا
في القلب (٣).
وقد جاء عن أبي أمامة أنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن روح
القدس نفث في روعي: أن نفسًا لن تموت
حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء
، الوحي، باب كيف كان بدء الوحي، ١ / ٦،
رقم ٢.
(٢) انظر: فتح الباري، ابن حجر، ١/ ٢٠.
(٣) المحرر الوجيز، ابن عطية، ٤٣/٥.
والشاهد هو قول النبي صلى الله عليه
وسلم: (إن روح القدس نفث في رومي)،
وهو مقام قد يشارك فيه بعض الناس
الأنبياء، ولايصح التعبير عنه بالوحي، ولا
يجب العمل أو التشريع بمقتضاه إلا إن كان
لنبي، أما إن كان لغير نبي؛ فإنه يستأنس به
ولا يستدل به.
فمثاله من الرؤيا المنامية للأنبياء رؤيا
إبراهيم عليه السلام في قول الله تعالى:
فَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَبْنَىَّ إِِّ أَرَى فِ
اَلْعَنَاءِ أَنِّ أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَّ قَالَ يَأَبَتِ
أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ سَتَجِدُفِّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَِّينَ
[الصافات: ١٠٢].
فعبر عنها ولده إسماعيل عليه السلام
بأنها أمر إلهي، ومثاله من رؤيا غيرهم من
الناس رؤيا صاحبي يوسف عليه السلام في
السجن في قول الله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ
اَلْسِّجْنَ فَتَيَانٍ قَالَ أَحَدُهُمَاً إِنِىَ أَرَبِّ أَعْصِرُ
خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِّ أَرَبِيّ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى
غُبْزَا تَأْكُلُ الَّيْرُ مِنْهُ نَبِئْنَا بِتَأْوِيلِّ إِنَّا نَرَئِكَ
مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦].
ومنها أيضًا ما يراه الناس، ويبحثون
(٤) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء، ٢٧/١٠.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٤١٩/١، رقم ٢٠٨٥.
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ
٢٠
الوحى
عمن یعبره لهم، ولا يصح أن يتخذ من رؤيا
الصالحين أو الشيوخ دليلًا على أمر شرعي
أو حدث غيبي، کما يفعله كثير من الصوفية،
ويزعمون أنه من جنس الكرامات.
الموحى إليهم في القرآن
تبين فيما سبق أن الوحي يتفاضل بين
ثلاث مقامات، وهذا باعتبار الوحي إلى
الأنبياء، أما إذا تغاير الوحي باعتبار الموحى
إليهم؛ فإن جنسه يختلف باختلافهم، فلا
يصح أن یذکر فيه تفاضل، فوحي الله إلى
الأنبياء والرسل يختلف عن وحيه للملائكة،
كما يختلف عن وحيه لأهل الإيمان، أيضًا
يختلف عن وحیه لغير الأحياء، فکل وحي
يختلف في حقيقته عن الآخر، وإن كان ثمة
تداخل بين بعضها من حیث المراد. وبيان
ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: الرسل والأنبياء:
الوحي إلى الأنبياء والرسل هو الوحي
الذي قال الله جل جلاله فيه: ﴿وَمَا كَانَ
◌ِبَشَرِ أَنْ يُكَلِمَهُ اللَّهُ إِلَّ وَحْيًّا أَوْ مِن وَآِى ◌ِجَابٍ
أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِىّ
حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١].
وهو المتضمن لبيان العقائد، والتشريع،
وأخبار الغيب، والسنن الربانية.
كما أن له مقامات ثلاث متفاضلة باعتبار
تفاضل الرسل والأنبياء الذين أوحي إليهم
به، أو الأحوال والتشريعات، وقد كان فيه
الرسل والأنبياء واسطة في البيان والتبليغ
بین الله وعباده بهذا الوحي، ومنه ما يكون
قاصرًا علمه على الأنبياء فقط، فلم يكلفوا
www. modoee.com
٢١
حرف الواو
بتبليغه للناس، كالوحي المنزل على الخضر
عليه السلام، وبعض ما لا تطيقه عقول
الناس مما أوحي به إلى الرسل والأنبياء،
فلقد أری الله أنبياءه ورسله من الآيات ما
یجعل الیقین عندهم كافيًا لأن يؤمنوا بما
لا يستطيعه غيرهم، وهم بينهم في ذلك
كان بين موسى عليه
اختلاف، كالذي
السلام والخضر عليه السلام، ومن التفاوت
في قوة اليقين، فمنهم أولو العزم ومنهم من
لیس کذلك، وإنما كان لهم هذا العزم بما
قد خصهم الله به من العلم والإطلاع على
الآيات ما لم يطلع عليه غيرهم.
فَضَّلْنَا
وَتِلْكَ الرَّسُلُ
يقول الله تعالى:
سيط
بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍُ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ
دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
ثانيًا: الملائكة:
وهو وحي ليس على سبيل التشريع
والإخبار، وإنما على سبيل التكليف،
فالملائكة مسخرون لطاعة أوامر الله تعالى،
وليس لديهم خيار بين الاستجابة والرفض،
فقد سخرهم الله جل جلاله لتلقي ما أمرهم
بالقبول والانقياد من غير تردد، فمنه أمر الله
لهم بالسجود لآدم، كما قال الله تعالى:
﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْبَلَئِكَةِ أُسْجُدُواْ لِلَدَمَ فَسَجَدُوّا
إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ﴾
[البقرة: ٣٤].
فذكر الله تعالى بعد عدم استجابة
إبليس للأمر الإلهي أنه من الجن؛ ليكون
کالتعلیل لعدم استجابته لما أمر به، وأنه لیس
کالملائکة في ذلك، حیث إن الله عز وجل
وصف الملائکة بأنهم لا يعصونه في أمر.
يقول تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ
وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
وهو لا يأمرهم إلا بالوحي أو من وراء
حجاب، على سبيل التكليف لا على سبيل
التشريع.
أما ما جاء من عرض الله عليهم إرادته
لخلق آدم وما كان منهم من استفهام، كما
جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ
لِلْمَلْتَبِكَةِ إِّ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُوا
أَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ
وَحْنُ نُسَبِحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَّ قَالَ إِنَّ
أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].
فلم يكن هذا الاستفهام على سبيل
الاعتراض (١)، وإنما كان من باب عدم
رغبتهم في وجود من يعصي الله في
الوجود، وقد ظهر هذا في قولهم: ﴿أَجْمَلُ
فِيَهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾.
فهو من باب غيرتهم على مقام وحدانية
الله تبارك وتعالى، ولذلك لم يوبخهم الله
تعالى على ذلك، بل عرض آدم عليهم؛ لیبین
لهم الحكمة من خلقه، لذلك لما تبين لهم
(١) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي، ١ / ٩٣.
٢٢
جوبيع
القرآن الكريم
الوحى
هذا الأمر؛ اعترفوا لله بجهلهم، ومجدوه وحصرها، إنما هذه أمثلة عليها.
بالعلم والحكمة، وذلك في قوله تعالى: ثالثًا: أهل الإيمان:
﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى
الْمَلَئِكَةِ فَقَالَ أَنَِّثُونِ بِأَسْمَآءٍ هَؤُلاءِ إِن كُنتُمْ
صَدِقِينَ ) قَالُواْ سُبْحَنَكَ لَا عِلَّمَ لَنَا إِلََّ مَا
عَلَّمْتَنَاْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣١-
٣٢].
فأكد لهم ما ظهر لهم من علمه وحكمته،
وبين لهم أن هناك من العلم والحكمة أيضًا
ما لم يظهر لهم، فقال: ﴿قَالَ يَقَدَمُ أَنْبِشْهُم
يَأَسْمَيِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَهُم ◌ِأَسْمَيِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ
إِنَّ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا
نُّبْدُونَ وَمَاكُنتُمْ تَكْتُونَ﴾ [البقرة: ٣٣].
ومما أوحى الله به إلى الملائكة أمرهم
بنصر المؤمنين وتثبيتهم، فقال جل جلاله:
﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَئِكَةِ أَنِ مَعَكُمْ فَشَبِتُوا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأُلِّقِى فِى قُلُوبٍ أَلَّذِينَ كَفَرُواْ
اُلُّعْبَ فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ
كُلَّ بَنَانِ﴾ [الأنفال: ١٢].
ومنه الأمر بحفظ بني آدم، قال تعالى:
﴿وَهُوَ أَلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهٌِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ
حَفَظَةً ﴾ [الأنعام: ٦١].
ومنه الأمر بقبض الأرواح، قال جل
جلاله: ﴿حَقَّ إِذَا جَ أَحَدَكُمُ الْمَوْثُ تَوَنَّتْهُ
رُسُّلْنَا وَهُمْ لَا يُفَرُِّونَ﴾ [الأنعام: ٦١].
ولهم الکثیر من الوظائف التي أوحى الله
لهم بها، ليس المقام هنا مقام الوقوف عليها
إن الله تعالی کریم رحيم رؤوف بعباده
لطیف بهم، ومن کمال لطفه جل جلاله أن
یعلمهم بأمور قد يكون لها وقع خطير في
حياتهم، ولكن كيف يكون هذا والواسطة
بين الله وعباده منقطعة؟!
إنه وحي من الله لهم ولكن من نوع آخر
غير وحي النبوة، ومن هذا ما أشار إليه النبي
صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي
رواه أبو هريرة بقوله: (لم يبق من النبوة إلا
المبشرات) قالوا: وما المبشرات؟ قال:
(الرؤيا الصالحة)(١).
وليس معنى هذا أن الوحي قد انقطع
بجميع صوره التي ورد ذكرها في القرآن،
وإنما خص الرؤيا بالذكر؛ لأنها تكون لآحاد
المسلمين بكثرة، وإلا فإن الإلهام يرد عليه،
ویکون بعد النبوة، لكنه بحسبه منه ما یکون
لخواص المسلمين (٢).
وهو كالذي روى أبو هريرة رضي الله
عنه فيه حديثًا عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال: (لقد كان فيما قبلكم من
الأمم محدثون، فإن يك في أمتي أحدٌ فإنه
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التعبير،
باب المبشرات، ٣١/٩، رقم ٦٩٩٠.
(٢) انظر: فتح الباري، ابن حجر، ٣٧٦/١٢.
www. modoee.com
٢٣
حرف الواو
عمر)(١).
فكان عمر رضي الله عنه ممن اختصهم
الله تعالى بذلك، ومنه ما يكون عامًا
للمسلمين جميعًا، وذلك بإلهام الله لهم
الإيمان برسله وأنبيائه وما جاؤوا به من
الأخبار الغيبية والتكاليف الشرعية.
وکان الإلهام الذي ذكر في الحديث فيما
کان قبلنا من الأمم، ومنهم من ورد ذكره في
القرآن، وهم ثلاثة:
١. أم موسى عليه السلام: أوحى الله إليها
بوحي من قبيل الإلهام، يقول الله عز
وجل: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيَةِ
فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيِهِ فِي الْبَرِّ وَلَا
تَخَافِىِ وَلَا تَحْزَبِّ إِنَّا رَآدُوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ
مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]. يقول
السمعاني: والوحي: هو الإعلام في
خفية، فأكثر المفسرين على أن معنى
قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ هو
إلهامها (٢)، وكان ذلك وحيًا جاءها
من الله؛ فقذف في قلبها، وليس بوحي
نبوة(٣).
٢. مريم رضي الله عنها: فقد اصطفاها
الله لأمر عظيم، واختصها به، وهو
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم، باب مناقب عمر
ابن الخطاب، ١٢/٥، رقم ٣٦٨٩.
(٢) انظر: تفسير القرآن، السمعاني، ٤/ ١٢٢.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري، ٥١٩/١٩.
أن تحمل وتلد من غير بعل، معجزة
منه تعالى لعبده ورسوله عيسى عليه
السلام، وهذا أمر يصاحبه من الابتلاء
بوقوع التهمة والفرية ما يترتب عليه هم
وغم عظيمان، فأعلم الله جل جلاله
مريم رضي الله عنها به وحيًا من غير
نبوة، بأن أرسل لها جبريل عليه السلام،
الذي ينزله الله عز وجل بالشرائع على
الرسل والأنبياء؛ ليبلغوها للناس، وقد
جاءها؛ ليخبرها هذا الخبر فحسب،
ولينفذ المهمة التي كلف بها من نفخ
الروح في درعها؛ لتدخل في جوفها
وتستقر في رحمها؛ ويخلق الله جل
جلاله منها عيسى عليه السلام (٤)،
وليس على سبيل التكليف بالنبوة
والرسالة، يقول الله تعالى: ﴿وَاذَگُرْفِى
الْكِتَبِ مَرْيَمَ إِذٍ اُنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا
شَرْفِيًّا ﴿ فَتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِحَابً
فَأَرْسَلْنَاْ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا
١٧
قَالَتْ إِنْ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنْتَ
قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ
١٨
تَقِيًّا
لَكِ غُلَمَّا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٦ - ١٩].
٣. الحواريين رضي الله عنهم: إنهم
الذين كانوا مع نبي الله عيسى عليه
السلام، فقد كانوا في شدة وبلاء
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٦٥/١٨،
إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٢٦١/٥.
٢٤
جوسي
القرآن الكريمِ
الوحى
وکرب من بني إسرائيل، كما هو حال
أتباع الأنبياء، فقد كان بنو إسرائيل
يفتنونهم فتنا تزلزل الجبال الرواسي،
كيف لا وهم أعداء الأنبياء وقتلتهم؟!
يقول الله جل جلاله في سياق عد مننه
ونعمه وآلائه على عبده عيسى عليه
السلام: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِبُِّنَ
أَنْ ءَامِنُواْ بِى وَيِرَسُولِ قَالُواْ ءَامَنًا وَأَشْهَدْ
يَأَتَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١]. يقول
السعدي: ((واذكر نعمتي عليك إذ
يسرت لك أتباعا وأعوانًا، فأوحیت إلى
الحواريين، أي: ألهمتهم، وأوزعت
قلوبهم الإيمان بي وبرسولي))(١)،
وهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم،
فقد قال بعضهم: إن المراد هنا أن الله
عز وجل أوحى إليهم على لسان عيسى
عليه السلام، أي: ((أمرتهم بالوحي
الذي جاءك من عند الله، فأجابوا
لذلك وانقادوا)»(٢)، فالوحي من هذا
القبيل على ألسنة الأنبياء والرسل إنما
هو لعموم الناس، وليس للمتبعين
فقط، ثم إن المنة بذلك تكون ضعيفة
حين يتبعه اثنا عشر رجلًا وتخالفه
الأمة بأسرها، لكن المنة تكمن في أن
الأمة كلها مخالفة له، فألهم الله جل
(١) تيسير الكريم الرحمن، ص٢٤٨.
(٢) معالم التنزيل، البغوي، ١١٦/٣، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي، ص٢٤٨.
جلاله الحواريين أن يؤمنوا به؛ ففعلوا
وانقادوا، فقرت بهم عين نبيه عليه
السلام واستكانت لذلك نفسه.
رابعًا: السموات والأرض:
يوحي الله تعالى إلى مخلوقاته من ألوان
الوحي بحسب ما يليق به من حيث: الطاقة،
أو الكيفية، أو الوظيفة المناطة به، والمهام
التي كلف بها، فوحيه للرسل يختلف عن
وحيه للملائكة، وعن وحيه للمؤمنين،
ومن باب أولى أن يختلف عن ذلك وحيه
لغيرها من الكائنات غير الحية، كوحيه
إلى السماوات، فإنه وحي يتناسب مع هذه
المخلوقات.
فوحيه للرسل يتضمن رسالة محتواها
الأخبار الغيبية والتكاليف الشرعية التي لا
صلاح للبشر إلا بها، وكان وحيه للملائكة
متضمنًا أخبارًا وأوامر، لايستقيم لهم أن
يقوموا بما خلقوا له من التكاليف إلا به،
حيث إنهم كما قالوا عن أنفسهم فيما ذكره
الله عز وجل عنهم: ﴿قَالُواْ سُبْحَنَكَ لَا عِلْمَ
لَنَّا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَّأَ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾
[البقرة: ٣٢]، وكيف يتسنى لهم أن يعرفوا
أوامر الله لهم من غير وحي يوحي الله جل
جلاله لهم به؟!
وكذلك الحال مع بني الإنسان، فإن
الهداية لم تکن طوع أیدیھم، ولیس لهم أن
www. modoee.com
٢٥
حرف الواو
يتناولوها بعقولهم، أو يكتسبوها بالتأمل؛
إن لم يكن ذلك مؤيدًا بتوفيق الله تبارك
وتعالى، کما قال تعالى في كتابه: ﴿مَن يَهْدِ
اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَّدِّ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ، وَلِيًّا
قُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧].
وكما قال عز وجل في الحديث القدسي
الذي أخرجه مسلم: (یا عبادي کلکم ضالٌّ
إلا من هدیته، فاستهدوني أهدكم)(١).
وكذلك كان وحيه للسماوات يتناسب
مع الطبيعة التي طبعت عليها والهيئة
التي خلقت بها، فكان وحي الله -تبارك
وتعالى- لها بأن تكون مسخرة، وذلك
بقوانين ونواميس خاصة لا تصلح الحياة
الدنيا إلا بها.
يقول عز وجل: ﴿فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ
فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَا السَّمَآءَ
الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ وَحِفْظَأْ ذَلِكَ تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ
﴾ [فصلت: ١٢].
الْعَليمِ﴾
فإذا أراد الله تعالى لها الخراب أوحى
إليها وحيًا تتغير فيه تلك القوانين، وتتبدل
النواميس حتى إن الإنسان الذي ألفها على
تلك الحال التي كانت مستقيمة بقوانينها
ونواميسها ليتساءل عما اعتراها من خلل،
فيقول فيما أخبرنا الله عز وجل: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ
الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب،
باب تحريم الظلم، ١٦/٨، رقم ٦٦٦٤.
﴿ وَقَالَ الْإِنسَنُ مَا لَمَاَ لْ يَوْمَيِذٍ تُحَدِّثُ
أَخْبَارَهَا ) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة:
١ - ٥].
فهي مسخرة لطاعة الله جل جلاله طوعًا،
ولو لم یکن کذلك لسخرها کرها، يقول الله
تعالى: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَىّ إلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا
وَلِلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوَعَا أَوْ كُرْهَا قَالَتَآ أَنْنَا طَآئِعِينَ﴾
[فصلت: ١١].
فأطاعته ولانت وخضعت وأذعنت على
عظمتها؛ لعلمها بأن الذي أمرها لا يتعاظمه
شيء، جل جلاله وعز شأنه، غلب بسلطانه
وقهر بجبروته، وأذهل بقدرته تعالى.
خامسًا: النحل:
إن المتأمل في حياة النحل وطريقة
معيشتها ورحلاتها وصناعتها ليعلم أن ما
تقوم به هذه المخلوقات ليست بالاكتساب
ولا بالتعلم، وإنما هي الغريزة التي غرزها
الله تعالى فيها، والإلهام الذي جعل من
هذا الكائن الصغير ذلك الصانع القدير،
فقد هيأ الله عز وجل فيها ولها من الأسباب
والقوانين الطبيعية والكيميائية التي صارت
صناعتها كالسجية، والمطلع على آليات
العمل في خلية النحل ليبهره ما سيراه من
نظام، ويسحره ما يشاهده من تعاون، ويأخذ
لبه مايراه من التزام كل عامل بعمله الخاص
به دون أدنى تدخل أو تطفل.
٢٦
لِلْقُرآن الكَرِيمِ