النص المفهرس

صفحات 21-40

نوح عليه السلام
مجلسًا خاصًا بهم لا يلتقون فيه مع هؤلاء
الضعفاء والفقراء الذين سموهم أراذل
القوم، وهذا من باب استكبارهم وأنفتهم
وترفعهم، ولكن نوحًا عليه السلام رفض
هذا الطلب، وبين لهم أنهم يجهلون الميزان
الحقيقي الذي يوزن به الناس عند الله عز
وجل، وهو الإيمان، فهؤلاء المؤمنون في
رعاية الله تعالی وحمايته، ولیس بالموازين
الوضعية الحقيرة التي يزنون بها من الغنى
والثراء(١). فقال الله تعالى مصورًا هذا
الموقف على لسان نوح عليه السلام:
﴿وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّهُم مُّلَقُواْ رَبِهِمْ
وَلَكِنِّي أَرَفَكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴿ وَيَقَوْمِ مَن
يَنْصُرُ فِي مِنَ الَهِ إِن طَرَهُهُمْ أَفَلاَ نَذَكَّرُونَ
[هود:٢٩ -٣٠].
فيظهر تواضع نوح عليه السلام في
عدم طرده للمؤمنين معه الذين هم من
طبقة الضعفاء والفقراء، بل تواضع لهم،
وأجلسهم في مجلسه، یتدارس وإياهم سبل
التقرب إلى الله عز وجل. وهكذا يكون نوح
عليه السلام قد خفض جناحه وتودد لهؤلاء
المؤمنین به وبدعوته.
ويتبين من هذا أن الداعية يجب عليه أن
يتحلى بهذا الخلق؛ حتى يكون قادرًا على
جمع الأنصار حوله، فبالتواضع يحبه الناس،
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ٤/ ١٨٧٤،
التفسير المنير، الزحيلي، ٥٧/١٢.
ويلتفون حوله، ويستمعون إليه، ويتأثرون
به؛ لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في
الحديث الشريف: (وإن الله أوحى إلي أن
تواضعوا حتى لا يفخر أحدٌ على أحدٍ، ولا
يبغي أحدٌّ على أحدٍ)(٢).
هذا على صعيد الناس، أما عند الله
تعالى فإن صاحب هذا الخلق يزيده الله
تعالی رفعةً وقدرًا، كما قال النبي صلى الله
عليه وسلم في الحديث: (وما تواضع أحدٌ
لله إلا رفعه الله)(٣).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة
نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها
أهل الجنة وأهل النار، عن قتادة، ٢١٩٨/٤،
رقم ٦٤.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والآداب، باب استحباب العفو والتواضع،
عن أبي هريرة، ٤ / ٢٠٠١، رقم ٦٩.
www. modoee.com
٢٧

حرفالنون
دعوة نوح عليه السلام
أولًا: اصطفاؤه وتكليفه بالرسالة:
أخبر الله عز وجل في جملة من آياته
أنه اختار مجموعة من الأنبياء الذين هم
أولياؤه وأصفياؤه وأحباؤه، فأحاطهم الله
تعالى برعايته وعنايته، ومن هؤلاء نوح عليه
السلام، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَ مَادَمَ وَنُوحًا
وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَلَمِينَ ﴾
[آل عمران: ٣٣].
ولم يقف الأمر عند حد الاصطفاء، بل
جعله الله عز وجل أهلًا لحمل رسالته، فقال
﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى
تعالى:
نُوُجِ وَالنَّبِيْنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَهِيمَ
وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ
وَعِيسَى وَأَيُّوَبَ وَيُونُسَ وَهَرُونَ وَسُلَيْمَنَ
ج
وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ﴾ [النساء: ١٦٣].
كما أنه عليه السلام من أولي العزم من
الرسل، كما قال الله تعالى عنه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا
مِنَ النَّبْنَ مِشَقَّهُمْ وَمِنِكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَهِيَمَ
وَمُوسَى وَحِيسَى أَبْنِ مَرْيَمٌ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِِّشَقًا
غَلِيظًا ﴾ [الأحزاب: ٧]، فكان نوح عليه
السلام أول رسول يذكر في موكب الأنبياء
والرسل، فهو شيخ المرسلين.
هذا، وإن مسوغات وموجبات اصطفائه
واجتبائه أمورٌ خمسة، وهي كما يأتي:
الأول: إن الله جل جلاله جعله أبا البشر
فإن الله تعالى عندما عذب قومه بالطوفان
كان الناس كلهم قد غرقوا وصارت ذريته
هم الباقين؛ فیعتبر نوح عليه السلام هو أبو
البشر الثاني بعد آدم عليه السلام.
الثاني: إن الله تعالى أطال عمره، فقد
مكث في الدعوة فقط ألف سنة إلا خمسين
عامًا، بالإضافة إلى عمره قبل تكليفه
بالرسالة، وإلى عمره بعد نجاته والمؤمنين
من الطوفان.
الثالث: إن الله عز وجل استجاب دعاءه
لما دعا على الكافرين من قومه، فأهلك الله
تعالی بدعائه أهل الأرض.
الرابع: إن الله سبحانه وتعالى حمله على
السفينة التى أمره بصنعها؛ لينجيه والمؤمنين
معه من الطوفان القادم لإهلاك الكافرين.
الخامس: هو أول رسول شرع الله
تعالى على لسانه الشرائع وأحكام الحلال
والحرام، ونسخ الشرائع التي كانت قبله من
حل الزواج بالخالات والعمات(١).
هذا بالإضافة إلى ما وفقه الله تعالى من
الصبر، والاحتمال والشكر والدعوة إلى الله
تعالى في جميع الأوقات والأحوال(٢).
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٣٨٣/١،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٤/ ٦٤،
مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٦٦/١١، التسهيل
لعلوم التنزيل، ابن جزي، ١٤٩/١، إرشاد
العقل السليم، أبو السعود، ٢٥٥/٢.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص١٢٨.
مَشَارَةُ النَّسِيّة
القرآن الكريم
٢٨

نوح عليه السلام
ثانيًا : معالم دعوته:
من خلال استعراض الآيات القرآنية التي
ذكرت دعوة نوح عليه السلام لقومه نجد
أن دعوته عليه السلام ارتكزت على ثلاثة
معالم:
الأول: الاستناد إلى قوة الله القوي
العزيز.
الثاني: الدعوة إلى الإيمان بالله عز
وجل.
الثالث: الدعوة إلى الإيمان باليوم الآخر.
والآن إلى تفصيل هذه المعالم فيما يأتي:
١. الاستناد إلى قوة الله القوي العزيز.
إن التعبير بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا
نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٥٩].
وهذا التعبير مؤكد بثلاثة مؤكدات،
فالأسلوب أسلوب قسم دلت عليه اللام
الموطئة له، هذا الأول، أما الثاني فهو حرف
التحقيق (قد) الداخل على الفعل الماضي
(أرسلنا)، فيدل على التوكيد، وعلى تحقق
وقوع الفعل، والثالث هو صيغة الفعل
الماضي (أرسلنا) الدالة على أن الفعل قد
حصل وانتهى وتحقق، في حين كان التعبير
في سورة نوح بقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى
قَوْمِهِ﴾، فهو مؤكد أيضًا بــ(إن) والفعل
الماضي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى
فإن الفعل (أرسلنا) مسندٌ إلى نون العظمة،
فهذا الإرسال ليس من عند أحد، إنما هو من
عند الله جل جلاله المتصف بجمیع صفات
الجلال والكمال، فكأن نوحًا عليه السلام
يستند في دعوته إلى قوة القوي العزيز
ويرتكن إليها، وهذا شأن جميع الأنبياء
والمرسلين في دعوتهم لأقوامهم.
ويستفاد من هذا أن الدعاة إلى الله
عز وجل يجب عليهم أن يستعلوا بالحق
الذي معهم، فیرکنوا إليه سبحانه وتعالى،
فلا يذلوا، ولا يهنوا، ولا يشعروا بالدونية
والانكسار، إنما يشعرون بالعزة المستمدة
من عزة الله عز وجل (١)، كما قال تعالى:
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَلْعِزَّةَ فَلَّهِ آلْعِزَّةُ جَميعًا﴾
[فاطر: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَإِلَّهِ الْعِزَّةُ
وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨].
٢. الدعوة إلى الإيمان بالله عز وجل.
أمر نوح عليه السلام قومه بعبادة الله
تعالى، وبين لهم على سبيل الحصر أنه لا إله
لهم سوى الله تعالى، فقال: ﴿يَقَوْمِ أَعْبُدُوا
اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩].
وفي موضع آخر: ﴿أَنْ لَّا نَعَبُدُواْ إِلَّا
اللَّهَ ﴾ [هود: ٢٦].
ومعنى عبادة الله تعالى توحيده عز
وجل، وسمي التوحيد عبادة؛ لأن العبادة
لا تصح إلا بالتوحيد فيها خالصًا (٢). وقدم
(١) انظر: التفسير الموضوعي ٢، مناهج جامعة
المدينة العالمية، ص٣٦٦.
(٢) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي،
٤٦٨/٤.
www. modoee.com
٢٩

حرفالنون
نوح عليه السلام دعوته مشفوعةً بالدليل، فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣].
وهو قوله: ﴿مَا لَكُممِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، وكان
قومه يصنعون أصنامًا بأيديهم، وزعموا أنها
تقربهم إلى الله زلفى، فهم يعترفون بالله عز
وجل ربًّا، ولكنهم يشركون في العبادة معه
هذه الأصنام التي يعبدونها من دون الله
تعالى، فبين لهم نوح عليه السلام أنه ليس
هناك إلهٌ يستحق العبادة إلا الله جل جلاله؛
لأنه هو الخالق الرازق المدير لجميع
أمورهم، وما سواه مخلوقٌ مدبرٌّ له لیس له
من الأمر من شيء(١). فهو الإله الذي يجدر
أن تتعلق القلوب به، وتطمئن النفوس إلیه،
وتجار بالدعاء له وحده.
وهذا المعلم الذي بدأ به نوح عليه
السلام دعوته هو الأساس الذي يشاد عليه
البنیان، کما أن هذا المعلم هو الذي أتى به
كل الأنبياء والرسل يدعون إليه أقوامهم،
ويرشدونهم إلى هذا الطريق المستقيم،
ويدعونهم إلى عبادة الله تعالى وحده، كما
قال جل شأنه: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن
رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَأَعْبُدُونِ
﴾ [الأنبياء: ٢٥].
وقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ اُلِّينِ مَا وَمَّى
بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ»
إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىٌ أَنْ أَقِيمُواْ أَلْذِينَ وَلَا نَشَفَرَّقُواْ
فهذا يؤكد أن العقيدة والأصول العامة
لهذا الدين هي واحدة عند جميع الأنبياء
والرسل، ولكن الشرائع والأحكام الفقهية
هي التي تختلف.
٣. الدعوة إلى الإيمان باليوم الآخر.
کما دعا نوح عليه السلام قومه إلى إفراد
الله عز وجل بالألوهية والعبادة دعاهم
أيضًا إلى الإيمان باليوم الآخر، يوم البعث
والحساب، عندما خوفهم من عذاب الله
تعالى في هذا اليوم، فقال: ﴿إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ
عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩].
وفي موضع آخر قال: ﴿إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ
عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود: ٢٦].
وذكر المفسرون أنه لا مانع من أن
المقصود باليوم في الآيتين هو يوم القيامة،
أو يوم نزول عذاب الطوفان عليهم(٢)،
والمعنيان يحملان الهلاك والعذاب سواء
كان في الدنيا أم في الآخرة.
وعلى كلٌّ فإن نوحًا عليه السلام يخوفهم
من يوم القيامة بدءًا من خروج الناس من
قبورهم وما يكون في هذا اليوم من أهوال
وأحداث حتى يدخل أهل الجنة الجنة،
ويدخل أهل النار النار ويستقر كلّ منهما
فيما دخله.
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٢٩٢.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري، ١١٣/٢، فتح
القدير، الشوكاني، ٢٤٧/٢.
٣٠
صَوْسُوء
القرآن الكريم

نوح عليه السلام
وعند التأمل في وصف العذاب بأنه
عظيم أو أليم فالوصفان على صيغة مبالغة
على وزن (فعیل)، فهذا يدل على أن هذا
العظم والإيلام لا يدرك من جهته، ولا تدرك
المشاعر حقيقته في الدنيا، فيمكن تخيل
مدى قوة هذا العذاب وهوله وعظمته وشدة
إيلامه.
ثالثًا: أسالیب دعوته:
تعددت أساليب دعوة نوح عليه السلام،
ومن خلال استقراء الآيات نجد فيها عدة
أساليب، نذكر منا ما يأتي:
١. أسلوب الحوار.
وهو أسلوبٌ استخدمه نوح عليه السلام
مع قومه؛ لبيان الحق، وعرض العقيدة،
وطلب الإيمان بالله تعالى، ومنها قوله:
﴿أَوَ عَبْتُمْ أَنْ جَءَ كُمْ ذِكْرٌ مِنْ زَبِّكُمْ عَ رَجُلٍ
مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِنَنَّقُواْ وَعَّكُنْ تُرْحَمُونَ
٦٣
[الأعراف: ٦٣].
والمعنى: أعجبتم يا قوم أن جاءتكم
رسالةٌ من ربكم تحمل لكم الموعظة والبيان
على رجلٍ منكم تعرفون صدقه وأمانته من
قبل دعوتگم؛ لینذرکم عذاب الله تعالی إن
لم تؤمنوا؛ لكي تتقوا الله، ولكي ترحموا(١).
كما حاول نوح عليه السلام أن يفتح
عقولهم وأن يوجهها إلى ما في الكون من
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ٢٤١/٣.
آيات يظهر فيها خلق الله عز وجل وبديع
صنعه وتصريفه لأمور الكون، كما وجه
أنظار المشركين إليه تعالى وحده؛ لأنه
المستحق للعبادة دون سواه؛ ليفتح أبصار
الجاحدين وبصائرهم، فذكر نوح عليه
السلام قومه قائلاً: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ
سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا ، وَجَعَلَ الْقَمَرَفِيِنَّ نُرًا
وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا وَاَللّهُ أَنْبَّكُم مِّنَ اْلْأَرْضِ
ثُمَّيُعِيدُ كُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا
تَبَاتًا (١٧)
لِتَسْلُكُواْمِنْهَا
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١)
سُبُلاً فِجَاجًا﴾ [نوح: ١٥ - ٢٠].
والمعنى: أن نوحًا عليه السلام نبههم
إلى خلق السموات والأرض وما فيهما من
الدلالات على أنها مخلوقة، وأن خالقها
وحده هو الذي يستحق صفات العلو والعزة،
فقال لهم -من باب التقرير لهم؛ لأنهم
يشاهدون مخلوقات الله تعالی ويعلمون أنه
سبحانه وتعالى هو الخالق لها -: لقد علمتم
أن الله هو الذي خلق سبع سماوات متطابقة،
بعضها فوق بعض، وجعل القمر في السماء
الدنيا نورًا للأرض ومن فيها، وجعل الشمس
كالسراج في إضاءتها وتوهجها، وإزالة ظلمة
الليل، وهو الذي أوجد وأنشأ أباكم آدم
من الأرض إنشاءً، وجعلكم فروعًا عنه،
ثم يعيدكم إلى هذه الأرض بعد موتكم؛
لتكون قبورًا لكم، ثم يخرجكم منها يوم
البعث للحساب والجزاء، كما جعل لكم
www. modoee.com
٣١

حرف النون
بفضله ومنه الأرض مبسوطةً تتقلبون عليها ويجعل لكم الأنهار تجري خلالها(٣).
٣. أسلوب الترهيب.
كما تشاؤون؛ لتتخذوا منها لأنفسكم طرقًا
واسعةً في إمكان الانتفاع بها والتقلب على
أرجائها(١).
فکان استخدامه لهذا الأسلوب بهدف
هدايتهم وتصحيح معتقداتهم الفاسدة.
٢. أسلوب الترغيب.
وهو ترغيبٌ بالوعد والإمداد بأنواع
الخيرات، والزيادة مع الشكر(٢).
قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ,
كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا)
وَيُعْدِذَّكُ بِأَوَلٍ وَيَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّتٍ وَبَجْعَل ◌َّكُورُ
أَنْهَرَّا﴾ [نوح: ١٠- ١٢].
فقد أطمع نوح عليه السلام قومه
بالحصول على بركات السماء والأرض إن
هم استجابوا لدعوته وآمنوا بالله جل جلاله
الذي بیده مفاتیح الخزائن، فأتاهم من طريق
القلب؛ ليحرك عواطفهم، فقال لهم: توبوا
عن الكفر والمعاصي، فإن الله تعالی توابٌ
رحيم، يغفر الذنب، ويقبل التوبة، وينزل
عليكم المطر غزيرًا منسكبًا، ويكثر لكم
الأموال والأولاد، ويجعل لكم الحدائق
الفسيحة الغناء ذات الأشجار المثمرة،
(١) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي،
٠١٢١،١١٩/١٥
(٢) انظر: الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى،
سعيد القحطاني، ٤٨٨/٢.
استخدم نوح عليه السلام أسلوب
الترهيب مع قومه (٤)، فقال لهم: ﴿قَالَ يَقَوْمِ
إِ لَكُنَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ [نوح: ٢].
والمعنى: أي: أنذركم وأحذركم عاقبة
كفركم، ونهاية شرككم من قبل فوات
الفرصة، ومن قبل أن يأتيكم عذابٌ أليم
شديد الألم للغاية (٥). فأمري واضح،
ودعوتي ظاهرة، فقابلوا هذا بالإيمان
والتصديق. ثم وبخهم على عدم الاستجابة
لدعوته فقال: ﴿مَّا لَكُوْلَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا(
١٣
[نوح: ١٣]، أي: ما لكم لا تخافون لله تعالى
عظمةً وقدرةً على أخذكم بالعقوبة (٦).
٤. أسلوب التودد.
استخدم نوح عليه السلام طريقة التودد
إلى قومه، حيث استجاش مشاعرهم،
وذكرهم بحق القرابة الذي من شأنه أن
يستعين بهم ويكونوا عونًا له على تقلبات
الزمن، فقال عليه السلام: ﴿يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ
مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ
عَظِيمٍ
﴾ [الأعراف: ٥٩].
5
(٣) انظر: صفوة التفاسير، الصابوني، ٤٢٨/٣.
(٤) انظر: مفهوم الحكمة في الدعوة، صالح بن
عبد الله بن حميد، ص٥٩.
(٥) انظر: التفسير الواضح، محمد حجازي،
٧٥٣/٣.
(٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
٠٣٠٣/١٨
٣٢
جوبيو
القرآن الكريم

نوح عليه السلام
فمن الواجب عليهم أن ينصروه في إلَّا بِأَلَِّى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُوٌّ
وَقُولُواْ ءَامَنَّا بِالَّذِىّ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ
وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَجِدٌ وَغَحْنُ لَهُه ◌ُمُسْلِمُونَ ؟
٤٦
دعوته ويستجيبوا له. هذا وقد تكررت
كلمة (يا قوم) ثلاث مرات في قصة نوح
عليه السلام مع قومه في موضع واحد،
فقال الله عز وجل على لسانه عليه السلام:
﴿يَقَوْرِ أَرَيْتُ إِن كُنتُ عَلَى بَيْنَكِّن رَّبِ وَءَانَمِىِ
رَحْمَةٌ مِّنْ عِنْدِهِ، فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنْلِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ
لَا كَرِهُونَ ﴿وَيَقَوْمِ لَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ
مَالَّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَآ أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ إِنَّهُم مُّلَقُواْ رَبِهِمْ وَلَكِنِّى أَرَئِكُمْ قَوْمًا
تَجْهَلُونَ * وَيَقَوْمِ مَن يَنصُرُفِي مِنَ اَللَّهِ إِن
طَرَيْتُهُمْ أَفَلَ نَذَكَّرُونَ ﴾ [هود: ٢٨ - ٣٠].
فتكرارها يفيد المبالغة في التودد إلى
قومه.
٥. أسلوب الجدال المحمود.
الجدال المحمود هو نوعٌ من أنواع
الجدال، وهو یقوم علی تقریر الحق،وإظهاره
بإقامة الحجج القوية والأدلة والبراهين على
صدقه، فهذا النوع من الجدال له فائدة، ففيه
خير ونفع للإسلام، كما فيه عزة للمسلمين؛
لأنه بدونه لا تتم الدعوة إلى الله تعالى
والذب والدفاع عن دينه العظيم، وقد أمرت
آياتٌ كثيرة من القرآن الكريم بهذا النوع من
الجدال کما في قوله تعالی: ﴿ آُدُ إِلَىسَبِيلِ
رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ وَحَدِلْهُم
بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].
وقوله: ﴿وَلَا تُحَدِلُواْ أَهْلَ الْكِتَبِ
[العنكبوت: ٤٦].
وشأن هذه الآيات هو إظهار الحق،
والدعوة إليه، وتدفع عن الإسلام
والمسلمين كل ما يلصق بهم من اتهامات
باطلة وزائفة (١).
ومارس نوح عليه السلام أسلوب
الجدال المحمود هذا، القائم على المنطق
القويم، والحجة القوية، والرأي السديد في
دعوته لقومه إلى عبادة الله تعالى وحده
وَلَقَـ
وعدم الإشراك به، فقال تعالى:
أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِ إِ لَكُمْ نَذِيرٌ مُِّينٍ (٢)
أَنْ لَّا نَعْبُدُوْ إِلَّ اللَّهَ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ
يَوْمٍ أَلِمٍ ﴾ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كُفَرُواْ مِنْ
قَوْمِهِ، مَا نَرَنِكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَئِكَ
أُتَبَعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلْنَا بَادِىَ الرَّأَعِ
وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلِ بَّ نَْتُّكُمْ
كَذِبِينَ ﴾ قَالَ يَقَوْرِ أَرَهَيْتُ إِن كُنتُ عَلَى
بَيْنَةٍ مِّن رَّ وَءَانَنِ رَحْمَةً مِنْ عِنِدِهِ، فَعُمِّيَتْ
عَلَيْكُمْ أَنْلِ مُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَمَا كَِهُونَ (٥) وَيَقَوْمٍ
لَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالَا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللّهِ
وَمَآ أَنْ بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّهُم مُّلَقُواْ رَبِّهِمْ
وَلَكِنِّى أَرَنَكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ، وَيَقَوْمِ مَن
(١) انظر: موسوعة الأخلاق الإسلامية، مجموعة
من الباحثين بإشراف الشيخ علوي بن
عبدالقادر السقاف، ٢٠٦/٢.
www. modoee.com
٣٣

حرفالنون
٢٠) وَلَآ
يَنصُرُ فِيِ مِنَ اللَّهِ إِن طَرَع ◌ُهُمْ أَفَلَا نَذَ كَّرُونَ
أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَرَّابِنُ اُللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَآَ
أَقُولُ إِنَّ مَلَكٌّ وَلَاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُكُمْ
لَنْ يُؤْتَهُمُ اللَّهُ خَيْرٌ اَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِى أَنْفُسِهِمَّ إِّ إِذَا
قَالُواْ يَنُوحُ قَدْ جَدَلْتَنَا
لَّمِنَ الظَّالِمِينَ
فَأَكْثَرَتَ جِدَلَنَا فَأَيْنَا بِمَا تَعِدُنَاْ إِن كُنتَ مِنَ
قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللّهُ إِن شَآءَ وَمَآ
٣٢
الصَّدِقِينَ
أَنْتُم بِمُعْجِينَ ﴿ وَلَا يَنفَعُّكُمْ نُصْحِىّ إِنْ أَرَدَثُّ أَنْ
أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿ أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنٌ
قُلْ إِنِ أَفْتَرَيِّتُهُ، فَعَلَىَّ إِجْرَامِ وَأَنَاْ بَرِىٌّ مِّمَّا
◌ُجْرِمُونَ (٥)﴾ [هود: ٢٥-٣٥].
لذلك سئم منه قومه، واتهموه بإکثار
الجدال فيهم، وطلبوا منه أن يأتيهم بما
يتوعدهم به من العذاب.
وفيما فعله نوح عليه السلام تتجلى
جوانب واضحة في منهجية الجدل، ومنها:
العناية بإظهار الحق الذي يدعو إليه،
حيث قال: ﴿يَقَّوْرِ أَرَءَيْتُ إِن كُنتُ عَلَى
بَيْنَقِ مِن رٍَِّ وَءَانَمِ رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِهِ، فَعُمِّيَتْ
عَلَيْكُ أَنْلِ مُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَمَا كَلِهُونَ﴾.
إظهار الرحمة والشفقة بقومه، ويظهر
هذا من تكرار كلمة ﴿وَقَوْمِ﴾.
عدم إغلاق طريق الرجعة والتوبة، وهذا
متمثلٌ في قوله: ﴿فَعُمَِّتْ عَلَيْكُمْ﴾، فإذا
كانت النبوة أو الرحمة التي أوتيها نوح
عليه السلام قد عميت عليهم، فإنها
الآن ظاهرة وواضحة، فليفتحوا لها
أبصارهم ويرفعوا العماية عنها؛ ليروها.
التهيؤ لاستقبال الاتهامات التي سوف
توجه إليه بكل سماحة وسعة صدر
وثقة بالحق، مع التحلي بالمناقشة
الموضوعية، ونقض الاتهامات الباطلة
بعيدًا عن السب والشتم والتجريح،
وهذا ما فعله نوح عليه السلام، فلم يرد
على ما نسبوه إليه من جنون أو كذب
وغيره بل رد على الاتهامات التي هي
بشأن الدعوة.
الرد على ما یحتاج إلى رد ونقاش، فقد
اتهم قوم نوح نبيهم بالجنون وغيره،
فلم يرد عليهم، وإنما أفاض في الرد
والنقاش على الأمور التي تخص
الدعوة.
الصراحة والوضوح، ومن الأمثلة
على ذلك ما قاله: ﴿وَمَآ أَنَا بِطَارِهِ الَّذِينَ
ءَامَنُوْ إِنَّهُم مُّلَقُواْ رَبِّهِمْ﴾، فقد صرح
لهم أن لا يمكن أن يتخلى عمن آمن
برسالته، ولا أن يغلق الطريق أمام من
انقاد لأمر ربه عز وجل، وهل يعقل أن
يدعوهم إلى الإيمان بربهم وأن ينبذوا
عبادة الأصنام والأوثان ثم یتنکر لهم
ويطردهم من مجلسه؛ ليستقبل فيه
الأشراف والسادة؟!
عدم إشغال النفس كثيرًا بالردود؛ لأن
٣٤
جوبي
القرآن الكريمِ

نوح عليه السلام
الجدال والرد على الخصوم ليس
أساسًا في الدعوة، بل يستخدم إذا
احتاج الأمر إليه.
موقف قوم نوح عليه السلام من دعوته
أولًا: تکذیب قوم نوح:
بعد أن عرض نوح عليه السلام دعوته
ومعالمها على قومه، كيف كان استقبالهم
للدعوة؟ وماذا كان ردهم عليها؟
ذكر الله تعالى تكذيب قوم نوح عليه
السلام له ولدعوته بشكل عام في آيات
كثيرة، منها:
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ
وَفِرْعَوْنُ ذُوْ اْلْأَوْنَادِ ﴾ [ص: ١٢].
وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ
وَأَزْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩].
لكن أول من امتنع من قبول الدعوة
ورفضها ووقف في طريقها وصد عنها،هم
الملأ من قومه. والملأ هم: ((جماعة
يجتمعون على رأي، فيملؤون العيون رواءً
ومنظرًا، والنفوس بهاءً وجلالًا))(١).
فهم الرؤساء وعظماء القوم وسادتهم،
وهم واجهة المجتمع، يقفون عقبةً أمام وجه
الدعوة، ويظنون أنهم إن استجابوا للنبي
الذي بعث فيهم أنه سيضيع ملكهم، وجاههم
ومنصبهم ومكانتهم في المجتمع، فها هم
يرفضون دعوة نبيهم، ويتهمونه بالضلال
الذي هو العدول عن طريق الحق والذهاب
(١) المفردات، الأصفهاني، ص٧٧٦.
www. modoee.com
٣٥

حرفالنون
عنه (١)، فيقول الله عز وجل عنهم: ﴿قَالَ
الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ
[الأعراف: ٦٠].
أي: إنا لنراك في دعوتنا إلى إله واحد في
ضلال عن الحق. وتارة أخرى يطعنون في
نبوته من ثلاث جهات، وهذا متمثل في قوله
تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، مَا
نَرَكَ إِلَّا بَشَرًّا مِثْلَنَا وَمَا نَرَئِكَ أَتَبَعَكَ إِلَّا
الَّذِينَ هُمْ أَرَاِلْنَا بَادِىَ الرَِّ وَمَا نَرَى لَكُمْ
عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظْتُكُمْ كَذِيِنَ
٧
[هود: ٢٧].
ووجوه الطعن الثلاثة هي:
الأول: قولهم: ﴿مَا نَرَئِكَ إِلَّا بَشَرًا
مِثْلَنَا﴾، أي: نحن وأنت مشتركون في
البشرية، فلم تکن لك مزيةٌ علینا تستحق بها
النبوة التي تدعيها؟
الثاني: قولهم: ﴿وَمَا نَرَئِكَ أَتَبَّعْكَ
إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَادِلْنَا بَادِىَ الَأَيِ﴾، أي:
لم يتبعك فيما زعمت أحدٌ من الأشراف،
فكلهم من أراذل القوم، فليس لك مزیة علینا
باتباع هؤلاء الأراذل لك في ظاهر الرأي
بدون تروِّ ولا تعمق ولا أدنى تفكير.
الثالث: قولهم: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا
مِن فَضْلٍ ﴾، أي: ما نرى لك ولمن اتبعك
من هؤلاء الأراذل فضلًا علينا تتميزون به
و تستحقون ما تدعونه.
ثم اتهموه بالكذب فقالوا: ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ
كَذِينَ﴾ في كل ما تدعونه وتزعمونه (٢).
وتارةً ثالثةً صرحوا أن البشر لا يكونون
رسلًا، فقال الله تعالى عنهم: ﴿فَقَالَ الْمَلَوَّأْ
الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوِّ مَا هَذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ
يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَأَنْزَلَ مَلَتِكَةً
مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىّ ◌َابَآَيِنَا الْأَوَّلِينَ ﴾
[المؤمنون: ٢٤].
أي: قالوا: ما نوحٌ إلا رجل عادي
منكم، ليس له مزية عليكم في فضل ولا
خلق،فیکون أهلًا للنبوة دوننا؛ بل هو رجل
أراد أن يسود عليكم، وتكون له الكلمة،
وزعم الرسالة؛ ليحقق ما تصبو إليه نفسه،
ثم ذکروا موانع ثلاثة تحول بينه وبين نبوته،
وهي:
الأول: ﴿وَلَوْ شَآءُ اَللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَتِكَةً﴾،
أي: لو شاء الله أن نعبده وحده لأرسل إلينا
ملائکةً تؤدي الرسالة، ولیس نوحًا.
﴿مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِيّ ءَابَآَيْنَا
الثاني:
الأَوَّلِينَ﴾، أي: ما سمعنا في عهود آبائنا
وأجدادنا بمثل الذي يدعونا إليه نوح، وفيه
إشارة إلى أنهم قومٌ يعولون على التقليد
الأعمى، كما أنهم قد بلغوا الغاية في العناد
والتكذيب.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌّ بِهِ جِنَّةٌ﴾
الثالث:
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
٢٣٤/٧.
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٥٦٠/٢.
٣٦
القرآن الكريم

نوح عليه السلام
[المؤمنون: ٢٥].
أي: ما نوح إلا رجل به خبل في عقله، الله تعالى إلا أن نجاه والذين آمنوا معه
فالذي يدعيه ويزعمه لا يصدر عن رجل
عاقل يزن قوله ويدعم رأيه بحجة قوية
ناصعة. ثم قالوا في إبطال دعوته: ﴿فَتَرَنَّصُواْ
بِهِحَتَّحِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٥].
أي: فتلبثوا وانتظروا لعله يعود إلى
سيرته الأولى، إلى دينكم ودين آبائكم
وأجدادكم(١).
وهکذا یظهر تكذيب هؤلاء الملأ لنوح
علیه السلام، وليس هذا فحسب، بل یتبین
مدی مکابرتهم لفرط عنادهم، مع علمهم
وأكثرهم رزانةً في كلامه.
بأن نوحًا عليه السلام هو أرجح الناس عقلًا تعالى على لسان نوح عليه السلام: ﴿يَقَوْمِ
ثانيًا: صفات قوم نوح:
تعددت صفات قوم نوح عليه السلام،
ومن خلال استقراء الآيات الواردة فيها
صفاتهم نجدها متمثلة في الآتي:
١. العمى.
وصفهم الله تعالى بهذا الوصف في
قوله: ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَعْجَيْنَهُ وَالَّذِينَ مَعَدُ فِ اَلْفُلْكِ
وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُ بِتَايَئِنَّأْ إِنَّهُمْ كَانُواْ
قَوْمَا عَمِينَ ﴾ [الأعراف: ٦٤].
فبعدما دعا نوح عليه السلام قومه إلى
توحيد الله عز وجل وأخبرهم أنه مرسلٌ
(١) انظر: نظم الدرر، البقاعي، ١٨/١٨.
من عنده كذبوه وخالفوا أمره، فما كان من
في الفلك، وأغرق الله عز وجل الذين
كذبوا بآياته وحججه، ولم يتبعوا نبيهم،
ولم يقبلوا نصحه وإرشاده لهم، فأغرقهم
بالطوفان؛ لأنهم كانوا قومًا عمين عن الحق
والإيمان(٢)، فقد أغلقوا بصائرهم عنهما.
٢. الجبن.
عندما حانت لحظة المفاصلة التامة بين
الحق والباطل، هدد نوح عليه السلام قومه
بأن يجتمعوا هم وشركاؤهم على أمر واحد،
وينفذوه بدون تردد ولا تراجع، فقال الله
إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِثَايَتِ اللَّهِ
فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَقْرَكُمْ وَشُرَّكَآءَكُمْ
ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةٌ ثُمَّ أَقْضُوْاْ إِلَىَّ وَلَا
تُظِرُونِ ﴾ [يونس: ٧١].
ولكنهم لم يستطيعوا أن يتفقوا، أو أن
يأخذوا قرارًا حاسمًا بشأن نوح عليه السلام
وبشأن دعوته القوية التي حماها الله عز
وجل وحمی الداعي إليها.
وبذلك يظهر أن موقف قوم نوح عليه
السلام كان موقف الجبان الضعيف الهياب
المتخاذل المتردد.
٣. سوء الأدب.
(٢) انظر: معاني القرآن، الزجاج، ٣٤٧/٢، جامع
البيان، الطبري، ١٢/ ٥٠٢.
www. modoee.com
٣٧

حرف النون
نبيهم الذي أرسل فیھم، فكذبوه، واتهموه
بالجنون، وهددوه بالرجم، ولو أنهم أرادوا
عدم التصديق بنبوته لاكتفوا بهذا، ولما
فعلوا بنوح عليه السلام ما فعلوه، وفي
المقابل رأينا كيف كان نوح عليه السلام
يخاطبهم بلفظ الحريص عليهم والمشفق
بهم والناصح لهم، فكان دائمًا يقول:
﴿فَقَوْمِ﴾؛ لذلك وصفهم الله تعالى بأنهم
قوم سوء، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ﴾
[الأنبياء: ٧٧].
أي: إنهم كانوا قومًا يسيئون الأعمال،
فيعصون الله تعالى، ويخالفون أوامره(١).
٤. السخرية.
دعوة نوح عليه السلام لما طالت في
قومه أوحى الله تعالی إلیه أنه لن يؤمن من
قومه إلا من قد آمن معه واتبعه، وستحين
لحظة المفاصلة التامة بين الحق والباطل،
فأوحى إليه أن يصنع السفينة؛ كي ينجو
بها هو والمؤمنون معه من هلاك الطوفان
الذي سوف يعم الكافرين، فامتثل نوح عليه
السلام لأمر ربه وشرع يصنع السفينة، وأثناء
صناعته لها كان كلما مر عليه جماعة من
قومه سخروا منه وهزئوا وضحکوا، وقالوا:
یا نوح، كنت بالأمس نبيًّا، وأصبحت اليوم
نجارًا!، أو سخروا من صناعته للسفينة بعيدةً
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٤٧٤/١٨.
مَوْسُورُ
لِلْعُرْآنِ الكَرِيمِ
إن قوم نوح قد أساؤوا التعامل مع عن البحار والأنهار، فرد عليهم نوح عليه
السلام بکل هدوء واطمئنان قائلا: إن تهزؤوا
منا اليوم فإنا سوف نسخر منكم في المستقبل
عندما تغرقون بالطوفان کما تسخرون منا
الآن، فأنتم الأولى والأحق بهذه السخرية
والاستهزاء، ثم توعدهم وهددهم بأنهم
سوف يعلمون عاقبة التكذيب والاستهزاء
هذا (٢)، فقال تعالى مصورًا هذا الأمر:
﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأُ مِّنْ
قَوْمِهِ سَخِرُ واْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ
مِنْكُمْ كُمَا تَسْخَرُونَ (٦)﴾ [هود: ٣٨].
وعليه فإن السخرية خلق مذموم، ومن
آثاره ومضاره أنها نذير شؤم للساخرين،
فقد كان الغرق عاقبة قوم نوح، هؤلاء الذين
كفروا بالله سبحانه وتعالى وسخروا من
نبيهم النبي الذي بعثه الله تعالى إليهم.
٥. الفسق.
قال الله عز وجل: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلَ إِنَّهُمْ
كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ ﴾ [الذاريات: ٤٦].
والمعنى: أن قوم نوح عليه السلام حين
كذبوا نبيهم أغرقهم الله عز وجل؛ لأنهم
كانوا قومًا فاسقين خارجين عن طاعة الله
تعالى (٣)، وهذه سنة الله تعالى فيمن عصاه.
٦. الظلم والطغيان.
وصف الله تعالى قوم نوح بهذين
(٢) انظر: صفوة التفاسير، الصابوني، ٢/ ١٢.
(٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ١٠٩/٥.
٣٨

نوح عليه السلام
الوصفين الشنيعين، فقال: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلٌ
إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْنَى )﴾ [النجم :٥٢].
والمعنى: أن قوم نوح كانوا في الوجود
قبل إهلاك عاد وثمود، وكانوا أكثر ظلمًا
وطغيانًا منهما، فإنهم كانوا يؤذون نبي الله
نوحًا عليه السلام، وينفرون الناس عنه،
وکانوا یحذرون صبیانھم من السماع له،
کما کانوا یضربونه حتی لا یکون قادرًا على
الحركة، ما أثر فيهم دعاؤه قريبًا من ألف
سنة(١)، وفي قول نوح عليه السلام: ﴿وَلَا
نَزِدِ الَّلِينَ إِلََّ ضَلَلًا﴾ [نوح: ٢٤] تسجيلٌ
عليهم بالظلم(٢). فقد ظلموا أنفسهم عندما
حرموها من الهداية، وظلموا غيرهم سواء
بالتعذيب لنوح عليه السلام، أو لغيرهم
من الذين لم يؤمنوا عندما صدوهم عن
الإيمان، وحذروهم من اتباع نوح عليه
السلام.
٧. الكبر.
وصف الله تعالى قوم نوح بهذه الصفة،
فقال عنهم: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا كُبَّارًا
[نوح: ٢٢].
أي: مكرًا بليغًا متناهيًا كبره في معاندة
الحق (٣). فكلمة (كبارا) صيغة مبالغة
حملت هذا المعنى البليغ.
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٦٥/٨.
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٣٦١/٥.
(٣) انظر: محاسن التأويل، القاسمي، ٣٢٤/٩،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٨٨٩.
واختلف العلماء في معنى مكر قوم نوح
فيم كان؟ فقالوا:
* في تحريضهم السفلة من القوم على
قتل نوح عليه السلام.
* في تغريرهم على الناس بما أوتوا من
المال والولد حتى قال الضعفاء منهم:
لولا أنهم على الحق لما أوتوا هذه
النعم.
فيما جعلوه لله تعالى من الصاحبة
والولد.
في كفرهم (٤).
(٤)
في قولهم: إن آلهتكم خيرٌ من إله نوح؛
لأن آلهتكم تعطيكم المال والولد، وإله
نوح لا یعطیکم شيئًا؛ لأنه فقير (٥).
٨. حب الرياسة والجاه.
هذه الصفة خاصة بالملأ، فالملأ دائمًا
يحبون الرياسة والجاه، والتسلط على رقاب
الضعفاء والفقراء؛ ولذلك فهم يعارضون
دعوة النبي المبعوث فيهم، وهي دعوة
الحق، ويظنون متوهمين أن قبولهم دعوة
الحق سوف يسلب منهم رياستهم وجاههم
ومناصبهم ومكانتهم وهيبتهم الطاغية
المتجبرة أمام الناس؛ لذلك كان حبهم
للرياسة والجاه والسلطان من أهم أسباب
رفضهم دعوة نوح عليه السلام.
(٤) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٣٦٠/٥.
(٥) انظر: مراح لبيد، محمد بن عمر الجاوي،
٥٦٧/٢.
www. modoee.com
٣٩

حرفالنون
قال تعالى: ﴿قَالَ الْعَلَأُ مِن قَوْمِهِ= إِنَّا لَفَرَكَ السلام صفر اليدين منهم، لكن ذلك لم
یفشل ولم یرکن، بل کان دائمًا يعرض نفسه
ودعوته على قومه؛ لعل الله سبحانه وتعالى
یهدیھم إلى الحق.
فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾ [الأعراف: ٦٠].
﴿فَقَالَ الْمَلَوْ اَلَّذِينَ كَفَرُواْ
وقال تعالى:
مِن قَوَِّ مَا هَذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ
عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَتِكَةٌ مَّا سَمِعْنَا
◌ِهَذَا فِي ءَابَآَيْنَا الْأَوَّلِينَ
[المؤمنون: ٢٤].
٢٤
وقال تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ
قَوْمِهِ، مَا نَزَنِكَ إِلَّا بَشَرًّا مِثْلَنَا وَمَا نَرَئِكَ
أَتَبَعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاِلْنَا بَادِىَ أَلَّأَعِ
وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلِ بَلْ نُّكُمْ
كَذِينَ ﴾ [هود:٢٧].
ثالثًا: شکوی نوح لربه من قومه:
بعد إرسال الله عز وجل نوحًا عليه
السلام إلى قومه داعيًا إياهم؛ ليخرجهم من
الظلمات إلى النور، وتنفيذ نوح عليه السلام
أمر ربه سبحانه وتعالى، فعرض معالم
دعوته على قومه، واستخدم معهم جميع
الأساليب الدعوية التي كانت باستطاعته؛
لتوصيل دعوة الحق إليهم، كفر قومه بالله
عز وجل، وعاندوا الحق، ولم يستجيبوا
لدعوته، وتجدر الإشارة هنا إلى أن دعوة
نوح عليه السلام لقومه لم تكن مرة واحدة
فقط، بل تكررت مرارًا بما يتناسب مع أطول
مدة دعوية مكثها في قومه حيث شارفت
على الألف سنة، فلنا أن نتخيل كم مرة دعا
قومه، وصدوه عن ذلك، ويرجع نوح عليه
فلما وصل نوح عليه السلام إلى هذه
المرحلة قال شاكيًا لربه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّ دَعَوْتُ
قَوْمِى لَيْلًا وَنَّهَارًا فَلَمْ يَزِدْ هُرْ دُ عَلِّىّ إِلَّ فِرَارًا
وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَبِعَهُمْ
فيّ مَاذَانِهِمْ وَأَسْتَغْشَوْ نِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَأُسْتَكْبَرُواْ
أَسْتِكْبَارًا ثُمَّ إِنّى دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٥) ثُمَّ إِّ
أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا فَقُلْتُ أُسْتَغْفِرُواْ
يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُمْ
١٠
رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا لَ
يِّدْرَارًا ، وَيُعْدِدَكُمْ بِأَمْوَلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُجَنَّتِ
وَجْعَل لَّكُمْ أَتْهَرًّاِ ن ◌َّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا
وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا أَوْتَرَوْ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ
سَمَوَاتٍ ◌ِبَاقًا ( ٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَفِيِنَّ نُرًا وَجَعَلَ
الشَّمْسَ سِرَاجًا وَاَللَّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا
ثُمَ يُعِيذُ كُمْفِيَهَا وَتُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجَانَ وَاَللَّهُ
١٧
جَعَلَ لَكُمُ اْأَرْضَ بِسَاطًا (١ ◌ِتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلًا
[نوح: ٥ - ٢٠].
فِيجَاجَاز٠ ١
والمعنى: يقول نوح عليه السلام: یا
رب، إني دعوت قومي في الليل والنهار،
فلم يزدهم دعائي إلا نفورًا وإعراضًا
عن الحق، وإني كلما دعوتهم لأجل أن
يستجيبوا فتغفر لهم، أبوا إلا تماديًا في
الباطل، وجعلوا أصابعهم في آذانهم؛ لئلا
يسمعوا ما أقول لهم، وتغطوا بثيابهم من
٤٠
جَوَبـ
القرآن الكريمِ

نوح عليه السلام
شدة بغضهم للحق، وأصروا على كفرهم لله تعالى وشكواه إليه قائلاً: ﴿قَالَ نُعُ رٍَّّ
وشركهم، واستكبروا على الحق استكبارًا، إِنَّهُمْ عَصَوْنٍ وَأَتَّبَعُواْ مَن لَّرْيَزِدْهُ مَالُهُ, وَوَلَدُهُوِلََّ خَسَارًا
وَمَكَرُواْ مَكْرًا كُبَّارًا وَقَالُواْ لَا نَذَرُنَّ
ءَالِهَنَّكُ وَلَا تَذَرُنَّ وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُونَ وَيَعُوقَ
وَنَسْرًا ﴿ وَقَدْ أَضَلُواْ كَثِيراً وَلَا نَزِدِ الظََّلِينَ إِلَّا
ضَلَلَا ﴾ [نوح: ٢١-٢٤].
وازداد شرهم وطغيانهم في الأرض، ثم
إني دعوتهم جهارا بحیث یسمعونني کلهم،
وإني أسررت بالدعوة لكل واحد منهم على
حدة، وقلت لهم: اتركوا ما أنتم عليه من
الذنوب والمعاصي والشرك، واستغفروا
منها، فإن الله تعالی کثیر المغفرة لمن تاب
واستغفر.
ثم قلت لهم موبخًا إياهم: ما بالكم لا وأولادهم إلا هلاكًاً وتفويتًا للأرباح،
تعظمون الله تعالی، ولا تجعلون له قدرًا في
قلوبکم، والحال أنه قد خلقکم خلقًا من بعد
خلق، على مراحل متعددة إلى أن أوصلكم
إلی ما أنتم عليه؟! أليس من انفرد بهذا أحق
أن یعبد ویوحد؟
کما دعوتهم يا رب إلى التفكر في آلائك
ونعمائك، من سماوات وما فيها من قمر
وشمس، وذكرتهم كيف خلقت أباهم آدم
عليه السلام من تراب وكانوا في صلبه، ثم
تعیدهم في الأرض بعد الموت، وتخرجهم
للبعث والنشور، وكيف خلقت لهم الأرض
مبسوطةً مهيأةً للانتفاع بها بالحراثة والغرس
والزراعة والبناء والسكون والاستقرار
عليها. فبعد كل هذا النصح والوعظ والتذكير
والإرشاد لم يفد فيهم هذا الكلام شيئًا، ولم
ينفع، ولم يثمر.
ثم استرسل نوح عليه السلام في مناجاته
أي: إنهم عصوني فيما أمرتهم به،
وأنا أنصحهم وأدلهم على الخير، واتبعوا
الملأ والأشراف الذين لم تزدهم أموالهم
ومكروا مكرًا كبيرًا بالغًا في معاندة الحق،
فدعوهم إلى التعصب إلى دين آبائهم
وأجدادهم القائم على الشرك قائلين لهم:
لا تتركوا ودًا، ولا سواعًا، ولا يغوث ويعوق
ونسرًا. مع أن هذه الأسماء كانت لرجالٍ
صالحين فيهم، فلما ماتوا زينها الشيطان
لهم، وقد أضل هؤلاء الكبار والرؤساء
بدعوتهم هذه کثیرًا من الخلق، فلا یزیدون
بدعوة هؤلاء الرؤساء إلا ضلالًا، فیا رب،
لم يبق هناك مجالٌ ولا محلّ لنجاحهم
وصلاحهم (١).
كما قال في موضع آخر شاكيًا أيضًا:
﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ (١٣)﴾ [الشعراء: ١١٧].
فلم يبق بيني وبينهم أي ائتلاف وارتباط،
حيث كذبوني بجميع ما جئت به من عندك
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٨٨٨، مراح لبيد، محمد بن عمر الجاوي،
٥٦٦/٢.
www. modoee.com
٤١

حرف النون
تكذيبًا شديدًا، وسفهوني تسفيهًا بليغًا، فلم المنكر (٣).
يكتفوا عند هذا الحد، بل عمدوا إلى قتلي
بأشد العذاب وأقبح العقاب، فقد هددوني
بالرجم(١).
ونحو هذا قال في موضع آخر: ﴿ فَدَهَا
رَبَُّ أَنِى مَغْلُوبٌ فَأَنْتَصِرْ ﴾ [القمر: ١٠].
أي: غلبني قومي تمردًا وعتوًّا، فلم
یسمعوا مني، واستحکم اليأس منهم(٢).
ويلحظ من شكوى نوح عليه السلام
ومناجاته لله عز وجل أن هذه الشكوى
لم تكن بمجرد ملاقاة أول عقبة في طريق
الدعوة، أو أول صد له عن دعوته، بل كما
تم ذكره من أن الدعوة تمت مرارًا وتكرارًا
حتى قاربت ألف سنة، وبعدها حصلت
الشكوى عندما لم يعد هناك أمل في
استجابة فردٍ واحد منهم، واستحکم اليأس
منهم. كما أن هذا يدل على مدى صبر نوح
عليه السلام على قومه، وشدة تحمل أذاهم
واستكبارهم. فيجب على الداعية التأسي
والاقتداء بنبي الله نوح عليه السلام.
ويلحظ من هذه الشكوى أنها تمهيدٌ
من نوح عليه السلام وتوطئة منه؛ ليدعو
على قومه بالهلاك، وإلهابًا إليه وتهييجًا،
معرضًا عن تهديدهم له صبرًا واحتسابًا؛ لأن
هذا من لوازم الأمر بالمعروف والنهي عن
(١) انظر: الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية، نعمة
الله بن محمود النخجواني، ٢/ ٤٧.
(٢) انظر: محاسن التأويل، القاسمي، ٩/ ٩١.
رابعًا: دعاء نوح على قومه:
لما أيس نوح عليه السلام من إقلاع قومه
عن الكفر وأيس من إيمانهم دعا عليهم
بالهلاك، وهذا الدعاء منه لم يكن إلا بعد
أن وصل إلى مرحلة إيحاء الله تعالى إليه أنه
لن یؤمن من قومه إلا من قد آمن، واستجاب
للدعوة، فأذن الله تعالى له بالدعاء عليهم؛
لأن الأنبياء لا يدعون على أقوامهم بالهلاك
إلا بإذن من الله عز وجل في ذلك. والدليل
على ذلك أنه عاتب يونس عليه السلام لما
خرج من ديار قومه بلا إذن من الله تعالى له،
فإِذا عوتب يونس عليه السلام بالخروج بلا
إذن، فلا يحتمل أن يدعو عليهم بالهلاك إلا
بإذن أيضًا (٤).
وكأن نوحًا عليه السلام يقول: يا رب
لا أدعوك عليهم لأنهم آذوني وشتموني
وحاولوا رجمي وقتلي، وإنما أدعوك
لأجلك، ولأجل دينك، ولأنهم كذبوني في
وحيك ورسالتك(٥). وذكر بعض العلماء
أن نوحًا عليه السلام دعا عليهم حين أخرج
الله تعالى كل مؤمن من أصلابهم وأرحام
نسائهم، وأعقم أصلاب الرجال وأرحام
(٣) انظر: نظم الدرر، البقاعي، ١٤ / ٦٦.
(٤) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي،
٨/ ٧٢.
(٥) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ١٤/ ٥٢١.
٤٢
القرآن الكريم

نوح عليه السلام
النساء قبل العذاب بسبعين سنة؛ لذلك يا رب إن تتركهم على الأرض فإنهم يضلوا
عبادك عن طريق الحق، ولا يلدوا إلا فاجرًا
يترك طاعتك، وكفارًا لنعمتك.
دعاهم نوح عليه السلام إلی استغفار ربهم؛
حتى ينزل عليهم المطر وكانت الأرض
قد جدبت ويرزقهم بالبنين؛ لأنه أعقمهم.
ونعود إلى دعوته علیه السلام على قومه،
فقال في دعائه: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِ وَيَلْنَهُمْ فَتْحًا وَِّى
١١٨) [الشعراء: ١١٨].
وَمَنْ قَّعِىَ مِنَ الْمُؤْمِينَ (
أي: احکم یارب بيننا بما يستحقه كل
طرف منا، وافتح بابًا من أبواب عدلك على
مستحقیہ بأن تنزل العقوبة بهم، وافتح بابًا
من أبواب فضلك ورحمتك يكون فيه الفرج
والمخرج من الضيق لي وللمؤمنين معي،
ونجنا مما تعذب به الكافرين(١).
كما قال أيضًا في دعائه: ﴿أَنِّ مَغْلُوبٌ
فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠]، أي: إني مغلوبٌ من
جهة قومي بتسليطهم علي، -وليست الغلبة
بالحجة؛ لأن الحجة كانت له وليس لقومه-
فانتقم منهم بعذابٍ تبعثه عليهم، وانتصر لي
وللذين آمنوا بك معي (٢).
وفي موضع آخر قال: ﴿رَّبِّ لَانَذَرْ عَلَ
اَلْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا ﴿ إِنَّكَ إِن تَذَرَّهُمْ
يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُواْ إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًاّ
[نوح: ٢٦-٢٧].
أي: يا رب، لا تدع منهم أحدًا يسكن
الديار إلا أهلكته وأوقعت به العذاب، فإنك
(١) انظر: نظم الدرر، البقاعي، ٦٦/١٤، مراح
لبید، محمد بن عمر الجاوي، ١٥٤/٢.
(٢) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة، ٥٢٥/٥.
ثم دعا عليهم مرة أخرى فقال: ﴿وَلَا
نَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا نَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨]، أي: لا
تزد المتصفين بالظلم إلا هلاكًا وخسرانًا
ودمارًا. وقد شمل دعاؤه هذا كل ظالم إلى
يوم القيامة(٣).
خامسًا: عاقبة قوم نوح:
أوضح الله عز وجل أنه بعدما أوحى
إلى نوح عليه السلام أنه لن يؤمن من قومه
إلا القليل الذين استجابوا له، ولم تعد هناك
فائدة من دعوة نوح عليه السلام قومه، فدعا
عليهم، فاستجاب الله تعالى دعاءه، فنصره
على قومه الذين كذبوا بحجج الله تعالى
وأدلته، فأنجاه منهم، وأغرقهم أجمعين.
وسجلت الآيات التي تتحدث عن هلاك
قوم نوح أن تعذيبهم بالطوفان کان للأسباب
الآتية:
السبب الأول: ما كان عليه قوم نوح من
إساءة العمل، ومعصية الله جل جلاله،
وفسقهم المتمثل في مخالفة أمره تعالى،
والخروج عن طاعته(٤)، فقال الله تعالى
فيهم: ﴿وَنَصَرْنَهُ مِنَ الْقَوْمِالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِحَايَتِنَآ
إِنَّهُمْ كَانُوْ قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ
(٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٢٦١/٥.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٨/ ٤٧٤.
www. modoee.com
٤٣

حرفالنون
[الأنبياء: ٧٧].
ء
السبب الثاني: ما اتصف به قوم نوح من
الظلم ومجاوزة الحد، فذكر الله تعالى عنهم
أنه عاقبهم وأخذهم بالطوفان عقب المدة
الدعوية التي كانت ألف سنة إلا خمسين
عامًا. وهذا الطوفان قد أحاط بهم من كل
جانب، وحالهم أنهم كانوا مستمرين على
الظلم، فلم ينجع فيهم وعظ نبيهم نوحٍ عليه
السلام (١)، فقال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا
نُوحًا إِلَى قَوِّهِ، فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَِّلََّ خَمْسِينَ
عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطّوفَاتُ وَهُمْ ظَالِمُونَ
العربية
[العنكبوت: ١٤].
السبب الثالث: ما كان عليه قوم نوح من
خطايا عديدة وكثيرة، وأخطرها شركهم بالله
جل جلاله، حيث اتخذوا آلهة يعبدونها من
دون الله تعالی، فهل هي قادرة اليوم -يوم
الطوفان- أن تنصرهم من عذاب الله عز
وجل ؟!(٢)، فقال فيهم: ﴿مِّمَّا خَطِيَتَنِهِمْ
أُغْرِقُّواْ فَأْتِلُواْ نَارًا فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُ مِّن دُونِ اللَّهِ
أَنْصَارًا ﴾﴾ [نوح: ٢٥].
فعذاب الطوفان هذا كان في الدنیا، وقد
رأوه بأم أعينهم، ولم يستطيعوا أن يدفعوا
عن أنفسهم هذا العذاب الواقع بهم. أما
العذاب الأشد إيلامًا فهو الذي قد أعده
الله عز وجل وجهزه لهم في الآخرة، فإنه
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٢٢٧/٤.
(٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود،
٤١/٩.
ينتظرهم لا محالة (٣)، فقال تعالى: ﴿وَقَوْمَ
نُوجِ لَّمَّا كَذَّبُواْ الرُّسُلَ أَغْرَقْنَهُمْ وَجَعَلْنَهُمْ
لِلنَّاسِ ءَايَةٌ وَأَعْتَدْنَا لِلَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا
﴾ [الفرقان: ٣٧].
وبهذا الهلاك والاستئصال للكافرين
يسدل الستار على قصة قوم نوح المكذبين،
فلم يبق الله تعالى منهم أحدًا على وجه
الأرض.
سادسًا: حكمة تذكير الرسل أقوامهم
بعاقبة قوم نوح:
إن الله عز وجل قد جعل هلاك قوم نوح
آيَةً لجميع الناس، وقد ذكر ذلك في كتابه
العزيز فقال: ﴿وَقَوْمَ نُوجِ لَّمََّ كَذَّبُواْ الرُّسُلَ
أَغْرَقْنَهُمْ وَجَعَلْنَهُمْ لِلنَّاسِ ءَايَةٌ وَأَعْتَدْنَا
لِلَّّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [الفرقان: ٣٧].
وكلمة (الناس) عامة تشمل المؤمن
والكافر، فجعل الله تعالى إهلاك قوم
نوح، واستئصالهم بالغرق آية وعبرة
للمكذبين من الأقوام التي أتت بعدهم
إلى يوم الدين، وكذلك جعل نجاة
المؤمنين، وخلاصهم من الطوفان آية وعبرة
للمؤمنين من الأقوام التي أتت بعدهم
إلى يوم الدين. فجعل الآية والعبرة لما
يؤول إليه عاقبة أمر کل مکذب ومصدق،
فعاقبة المكذبين الهلاك، وعاقبة المؤمنين
(٣) انظر: اللباب في تفسير الكتاب، ابن عادل
الحنبلي، ١٤/ ٥٣٢.
٤٤
جوبيبو
القرآن الكريمِ

نوح عليه السلام
الصادقين النجاة (١).
فها هم الأنبياء والرسل الذين بعثهم
الله تعالى بعد نوح عليه السلام يذكرون
أقوامھم الذین بعثوا فیھم وأرسلوا إلیھم،
بالاتعاظ والاعتبار من قوم نوح، فأولهم
كان هودًا عليه السلام، فعندما عرض دعوته
ونبوته على قومه رفضوا و کذبوا، فقال لهم:
﴿أَوَ عَمْتُمْ أَنْ جَ كُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ
مِنْكُمْ لِسُنذِرَكُمْ وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ
خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوجِ وَزَادَكُمْ فِى الْخَلْقِ
بَصْطَةٌ فَأَذْكُرُوَاْ ءَالَآءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
﴾ [الأعراف: ٦٩].
والمعنى: کیف تعجبون من أمرٍ ليس فيه
داع للتعجب، وهو أن الله تعالی أرسل إلیکم
رجلًا منكم تعرفون صدقه وأمانته، يذكركم
بما فيه مصلحة لكم، ويحثكم على ما فيه
نفعكم، فتعجبتم منه؟! ثم عدد عليهم نعم
الله عز وجل حيث مكن لهم في الأرض،
وجعلهم يخلفون قوم نوح الذين كذبوا
رسولهم، ثم ذكرهم بالنعمة التي خصها الله
تعالى فيهم من قوة الأجساد، وشدة البطش،
فهو يذكرهم بنعم الله الواسعة عليهم؛ لعلهم
يؤدون حق الله جل جلاله فيها بالشكر،
فیفوزوا بما وعدهم الله تعالی به، وینجون
من عذاب الله تعالی(٢).
(١) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي،
٢٦/٨.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
وها هو شعيب عليه السلام، عندما
عرض دعوته على قومه كذبوه، فقال لهم
مذكرًا إياهم بما حل بالأقوام السابقة
التي كذبت أنبياء الله ورسله: ﴿وَيَقَوْمِلَا
يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَافِى أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَّا أَصَابَ
قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَِحَّ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ
مِنكُمْ سَعِيدٍ (٥﴾ [هود: ٨٩].
والمعنى: يا قوم - وناداهم بهذا اللفظ
المشعر بحرصه عليه السلام على هداية
قومه ونجاتهم من عذاب الله تعالى- لا
تحملتكم معاداتكم للحق ومعاندتكم لي
على استمراركم في العصيان، فيصيبكم
مثل ما أصاب قوم نوح من الغرق، وما
أصاب قوم هود من ربح صرصر عاتية، وما
أصاب قوم صالح من صيحة تبعتها رجفة،
وما أصاب قوم لوط من جعل عالي القرية
سافلها وإمطارهم بحجارة من سجيل (٣).
وها هو موسى عليه السلام، يذكر قومه
بني إسرائيل بما أنعم الله تعالى عليهم
من نعمة الإنجاء من آل فرعون، لما كانوا
يولونهم سوء العذاب، ويكلفونهم مشاق
الأعمال، ويذبحون أبناءهم، ويستحيون
نساءهم، وفي هذا امتحان وبلاء عظيم
اختبرهم الله به؛ لیعظم شکرهم، ثم بین لهم
موسى عليه السلام أنه إذا شكروا الله تعالى
ص٢٩٤.
(٣) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة، ٣٧٤٢/٧.
www. modoee.com
٤٥

حرفالنون
على نعمائه فإنه سوف يزيدهم من النعم
والعطايا، أما إن قابلوا هذه النعم بالكفر
والعصيان فإن عذاب الله تعالی شدید،
ثم ذكرهم موسى عليه السلام بمن سلف
قبلهم من الأقوام الذین عذبهم الله عز وجل
بسبب كفرهم وعصيانهم، فقال الله تعالى
على لسانه: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِن
قبّلِكُمْ قَوْمٍ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودٌ وَالَّذِينَ
مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَآءَتَّهُمْ رُسُلْهُم
بِالْبَيِّنَتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِيَّ أَفْوَهِهِمْ وَقَالُواْ
إِنَّا كَغَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، وَإِنَّا لَفِى شَكٍ مِّنَا
تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ [إبراهيم : ٩].
أي: ألم يأتكم خبر الأقوام السابقة ماذا
فعل الله عز وجل بهم حین عصوا أنبياءهم،
قوم نوح، وعاد، وثمود، والذين من بعدهم
أمم كثيرة لا يعلمها إلا الله تعالى؛ لكثرة
أعدادهم واندراس آثارهم، فوضعوا أیدیھم
على أفواههم من باب التعجب والاستهزاء
بأنبيائهم، أو لإسكات أنبيائهم، فيمنعون
أنبياءهم من الكلام، أو ردوا نعم الأنبياء
عليهم، وهي متمثلة في مواعظهم وشرائعهم
التي أتوا بها من عند الله عز وجل، فكذبوها،
ولم يمتثلوا لأمر أنبيائهم، ولم يكتفوا بهذا
فحسب بل صرحوا بالكفر، وقالوا: إن الذي
تدعوننا إليه من التوحيد والإيمان يجعل
النفس لا تطمئن إليه أبدًا (١).
(١) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة، ٤٤/٣-٤٧.
واستتباعًا لتذكير موسى عليه السلام
لبني إسرائيل بعاقبة الأقوام السابقة يظهر
موقف الرجل المؤمن الذي هو من آل
فرعون، ولکنه کان یکتم إيمانه عن فرعون؛
خشية قتله.
فعندما عزم فرعون وملؤه على قتل
موسى عليه السلام أنكر الرجل المؤمن
علیهم ذلك قائلا: کیف تقتلون رجلا يقول:
ربي الله، وقد جاءكم بالآيات الواضحات،
والمعجزات الظاهرات، فإن فرضنا كذبه
فیما یدعي فإن إثم کذبه يعود علیه وحده لا
عليكم، أما إن كان صادقًا فسوف يصيبكم
بعض الذي یتوعدکم من العذاب. ثم ذكر
لهم أنهم لهم الملك اليوم، وهم ظاهرون
وعالون في الأرض، فمن سوف ينصرهم
من عذاب الله وبطشه؟ فرد عليه فرعون
بأن ما يشيره على قومه -من قتل موسی-
هو الرأي السديد. حينئذٍ رد الرجل المؤمن
﴿وَقَّوْمِ إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ
بقوله:
مِثْلَ دَأْبٍ قَوْمِ نُوُجِ وَعَادٍ وَثَمُودَ
٣٠
الْأَحْزَابِ لـ
وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمٍ وَمَا ◌َللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ
[غافر: ٣٠-٣١].
أي: أخاف عليكم مثل اليوم الذي أنزل
الله تعالى فيه العذاب على الأقوام الذين
تحزبوا علی أنبيائهم، مثل قوم نوح، وعاد،
وثمود، والذين من بعدهم ممن كذبوا
أنبياءهم، فعذبهم الله عز وجل بسبب كفرهم
٤٦
جَوْسُورُ
القرآن الكريم