النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
نِوَجَ عَلَيْهِ السَّلاَم
عناصر الموضوع
التعريف بنوح عليه السلام
٨
ذكر نوح عليه السلام في القرآن الكريم
١١
مكانة نوح عليه السلام
١٢
صفاته وأخلاقه عليه السلام
١٤
دعوة نوح عليه السلام
٢٨
موقف قوم نوح عليه السلام من دعوته
٣٥
نوح عليه السلام وابنه وزوجته
٤٨
نوح عليه السلام والسفينة
٥١
نوح عليه السلام والنبوة في ذريته
٥٥
٥٦
الدروس المستفادة من قصة نوح
المُجَلَدُ الرَّائعْ وَالثَّلاثُونْ

حرفالنون
التعريف بنوح عليه السلام
أولًا: اسمه ونسبه:
ذكر الإمام ابن كثير في نسب نوح عليه السلام أنه ((نوح بن لامك بن متوشلخ بن
خنوخ، وهو إدريس عليه السلام بن يرد بن مهلاييل بن قينن بن شيث بن آدم أبي البشر عليه
السلام)» (١).
وقيل: إن اسم نوح من مادة النوح العربية، ولكن المشهور أنه اسمٌ أعجميٌّ معرب، إنما
صرف؛ لأنه على ثلاثة أحرف فهو من ناح ینوح، ومعناه بالعربية (الساكن)(٢) وكان اسم نوح
عليه السلام السكن، وسمي به؛ لأن الناس بعده سكنوا إليه، فهو أبوهم، فكأنه صار آدم الثاني
بعد حادثة الطوفان؛ وذلك لانحصار النوع الإنساني بعده في نسله. وقيل: اسمه شاكر(٣).
وفي سبب تسميته عليه السلام بهذا الاسم أورد العلماء خمسة أقوال:
الأول: أنه کان ینوح على نفسه.
الثاني: أنه كان ينوح لمعاصي أهله وقومه.
الثالث: أنه كان ينوح لمراجعته لله عز وجل في ولده الذي غرق بالطوفان.
الرابع: أنه كان ينوح لدعائه على قومه بالهلاك.
الخامس: أنه مر بکلب مجذوم فقال له: اخسأ يا قبيح. فأوحى الله تعالى إليه: أعبتني يا
نوح أم عبت الكلب؟(٤).
ومن الملاحظ أن هذه الأقوال متكلفٌ فيها؛ لأن الأعلام لا تفيد صفة في المسمى.
ثانيًا: حكمة تسمية سورة باسمه:
لقد ورد ذكر نوح عليه السلام في القرآن الكريم في ثلاثة وأربعين موضعًا (٥)، في حين
ذكرت قصة نوح عليه السلام مفصلةً في القرآن الكريم في ست سور، كما أن القصة ذاتها
مختلفة اللفظ في كل موضع حسبما يقتضيه السياق أو المعنى أو المحور الرئيسي للسورة.
(١) قصص الأنبياء، ابن كثير، ٧٤/١.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٤ / ٦٢، تفسير المنار، محمد رشيد رضا، ٤٨٨/٧.
(٣) انظر: الدر المنثور، السيوطي، ٤٣٦/٦، التفسير المظهري، محمد ثناء الله المظهري، ٣٦٧/٣، فتح
البیان، صدیق خان، ٩/ ١١١.
(٤) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي، ٣٧٤/١، التفسير المظهري، محمد ثناء الله المظهري، ٣٦٧/٣.
(٥) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٧٢٢ وما بعدها.
٨
ـَ التَّهَيَّ
جونيو
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

نوح عليه السلام
وسورة نوح عليه السلام كغيرها من السور التي سميت بأسماء أنبياء كسورة هود ويوسف
وإبراهيم عليه السلام على سبيل المثال، إلا أنه يتضح في السور التي سميت بأسماء أنبياء
أنها لم تقتصر على ذكر النبي الذي سميت باسمه السورة، فربما تذكر قصصًا أخرى غيره أو
تتطرق إلى مواضيع أخرى باستثناء سورة نوح عليه السلام، فهي السورة الوحيدة التي لم
يذكر الله عز وجل فيها سوى قصة نوح عليه السلام وحدها، وربما يرجع السبب في ذلك
إلى ما يأتي:
١ - ذكر نوح عليه السلام في مفتتح السورة ومختتمها (١)، فقد ورد في أول السورة قوله
تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾﴾ [نوح: ١].
وفي نهايتها قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُحُ رَّبٍّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦].
٢- طول لبث نوح عليه السلام في قومه، وتكرار دعوته إلى التوحيد ونهيه عن الشرك (٢).
٣- إنها السورة الوحيدة التي ذكرت قصة نوح عليه السلام مع قومه من بداية دعوته إلى
إهلاكهم بالطوفان، مع التركيز على موضوع تكذيب قومه وتفصيله تفصيلاً تامًا (٣).
ثالثًا: زمانه ومدة مکثه في قومه:
اختلف العلماء في زمان نوح عليه السلام وبعثته، فمنهم من قال إنه بعد آدم عليه السلام.
ومنهم من قال: إنه بعد إدريس عليه السلام. وقيل غير ذلك، فذكر الطبري عند تفسيره لقوله
تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] ما رواه
الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة
من الحق، فلما اختلفوا بعث الله النبيين والمرسلين وأنزل كتابه فكانوا أمة واحدة)(٤).
كما استدل بقراءته التي تعتبر قراءة تفسيرية وهي: (كان الناس أمة واحدة فاختلفوا)،
وبين ابن كثير أن هذا القول هو أصح سندًا ومعنىً؛ وذلك أن الناس كانوا في البداية على ملة
آدم عليه السلام، وبعد أن طال العهد به عبدوا الأصنام، فبعث الله تعالى إليهم نوحًا عليه
السلام فکان أول رسول بعثه الله تعالی إلی الأرض.
ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِأَلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا أَخْتَلَقُواْ فِيهِ ﴾
(١) انظر: التفسير الوسيط، محمد سيد طنطاوي، ١٥٨٨/١٠.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٨٨٨.
(٣) انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، ٥/١٢، التفسير المنير، الزحيلي، ١٣٣/٢٩.
(٤) أخرجه الحاكم في مستدركه على الصحيحين، كتاب التفسير، وقال: صحيح على شرط البخاري،
٤٤٢/٢.
www. modoee.com
٩

حرفالنون
[البقرة: ٢١٣](١)، ويؤيد هذا أيضًا ما ذكره الألوسي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى
ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَلَمِينَ )﴾ [آل عمران: ٣٣] فقال: ((اصطفى نوحًا بأنه
أول رسول بعث بتحريم البنات والأخوات والعمات والخالات وسائر ذوي الأرحام، وأنه
أب الناس بعد آدم))(٢).
وهذه سنة الله سبحانه وتعالى في الكون، فبعد أن تتغير معالم الحق، ويضل الناس طريق
العبادة الصحيحة، فإنه عز وجل لا يترك الناس يتخبطون في غياهب الباطل، وإنما يرسل
إليهم الأنبياء والرسل، وينزل عليهم الكتب السماوية، وهكذا إلى أن ختمت الرسالات
برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وبالكتاب المنزل عليه القرآن العظيم.
هذا عن زمان نوح عليه السلام. أما عن مدة مكثه في دعوته لقومه فإنها هي المدة المحققة
التي صرح بها القرآن الكريم في قوله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ
سَنَِّلَّا خَمْسِيْنَ عَامًا فَخَذَهُمُ اُلُّوفَاتُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (
﴾ [العنكبوت: ١٤].
ومع هذه المدة الطويلة في دعوته عليه السلام لقومه إلا أنه لم يستجب لدعوته إلا القليل
كما أخبر الله تعالى بذلك في قوله: ﴿وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠].
ولعل الحكمة من ذلك تبدو في أن قصص الأنبياء مع أقوامهم عمومًا وقصة نوح عليه
السلام مع قومه خصوصًا فيها تسرية وتسلية لقلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم حين
آذته قريش أشد الإيذاء وهو في مكة، ومن خلال قراءة السيرة النبوية فالذين استجابوا مع
النبي محمد صلى الله عليه وسلم في ثلاث عشرة سنة أكثر بكثير من الذين استجابوا لنوح
عليه السلام في هذه القرون الكثيرة.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن هذا يعلمنا درسًا مهمًّا، ألا وهو أن الهداية بيد الله
عز وجل، فهو الذي يملكها وهو علام الغيوب، فهذه عقيدةٌ يجب أن تكون راسخةً في قلب
كل مسلم، فسبحانه هو الذي يملك القلوب، فجميع قلوب عباده بين أصبعين من أصابع
الرحمن يقلبها كيف يشاء، والآيات القرآنية في مثل هذا المعنى كثيرة، ومنها على سبيل
المثال قوله عز وجل: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَنُهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢].
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٧٥/٤، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤٢٥/١.
(٢) روح المعاني، الألوسي، ١٣٢/٣.
١٠
جوسين
القرآن الكريم

نوح عليه السلام
ذكر نوح عليه السلام في القرآن الكريم
ورد ذكر نوح عليه السلام في القرآن الكريم (٤٣) مرة، في (٢٨) سورة.
وأما قصته عليه السلام فقد وردت في السور الآتية:
السورة
الآيات
الأعراف
٥٩-٦٤
يونس
٧١-٧٣
هود
٢٥-٤٨
الأنبياء
٧٦-٧٧
المؤمنون
٢٣-٣٠
الشعراء
١٠٥ -١٢٠
العنكبوت
١٤-١٥
الصافات
٧٥-٨٢
القمر
٩-١٦
التحريم
١٠
نوح
١-٢٨
www. modoee.com

حرفالنون
مكانة نوح عليه السلام
لقد كان لنوح عليه السلام مكانة عالية،
يأتي بيانها في النقاط الآتية:
أولًا: ثناء الخلق علیه:
فقد أثنى الله عز وجل على نوح عليه
السلام؛ لما كان له من طول لبثٍ في دعوة
قومه، وصبر شديد على ما لقيه منهم من
أذى، فجعل الله تعالى جميع الناس من بعده
وكل الأمم من الإنس والجن يثني عليه عليه
السلام ثناءً حسنًا، وتذكره الأجيال من بعده
ذكرًا جميلًا، وهذه سنة الله تعالى في عباده
المحسنين المؤمنين، وهي أن ينشر لهم من
ثناء الخلق عليهم على حسب إحسانهم(١)،
فقال الله سبحانه وتعالى في هذا السياق:
(وَتَكِنَا عَلَيْهِ فِ الْآخِینَ (٦) سَلَمُ عَلَى نُوحٍ فِي
الْعَلَمِينَ ﴾ [الصافات: ٧٨-٧٩].
ومعنى الترك في هذه الآية: الإبقاء.
وفعل الترك هو فعلٌ متعدٍ، ولكن مفعوله
محذوف، فجعل فعلًا لازمًا فصار معناه
كما يقول الإمام البقاعي: ((أوقعنا عليه الترك
بشيءٍ هو من عظمته، وحسن ذكره بحیث
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص ٧٠٥، التفسير المنير، الزحيلي،
١٠٦/٢٣، التفسير الميسر، نخبة من أساتذة
التفسير، ص٤٤٩، التفسير الحديث، محمد
عزت دروزة، ٤ / ٢١٨.
القرآن الكريمِ
يعز وصفه»(٢).
ثانيًا : إجابة دعوته:
أيضًا لما طال مكث نوح عليه السلام
في دعوة قومه وكانت ألف سنة إلا خمسين
عامًا، وبلغ دعوة الله تعالى على أكمل وجه،
وصبر على بلاء قومه وأذاهم له، ومع ذلك
فلم يؤمن معه إلا القليل، ولما ضاق نوح
عليه السلام بقومه ذرعًا دعا الله تعالى أن
يهلك قومه الذين كفروا بالله تعالى، وبما
توعدهم به من العذاب، وكفروا بالنبوة التي
أكرم الله تعالى بها نوحًا عليه السلام، فكان
من جملة ما دعا به نوح عليه السلام قوله
تعالى على لسانه: ﴿رَّبِّ لَانَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ
الْكَفِينَ دَيَّارًا ﴾ [نوح: ٢٦].
وقوله أيضًا: ﴿أَنِى مَغْلُوبٌ فَأَنْتَصِرْ﴾
[القمر: ١٠].
فما كان من الله عز وجل إلا أن أجاب
عبده نوحًا عليه السلام، وأغرق الكافرين
وأهلكهم بالطوفان، ونجاه عليه السلام
وأهل الإيمان من ولده وأزواجهم من
هذا الهلاك المفزع (٣)، وفي هذا المعنى
يقول الله عز وجل: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن
قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ، فَنَجَّيَّنَنَهُ وَأَهْلَهُ، مِنَ
اُلْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴾ [الأنبياء: ٧٦].
(٢) نظم الدرر، البقاعي، ١٦ /٢٤٧.
(٣) انظر: نظم الدرر، البقاعي، ١٧ /٥٥، التفسير
الواضح، محمد حجازي، ٣/ ٢٤.
١٢

نوح عليه السلام
فـ(إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني
في محل نصب بفعل محذوف، تقديره:
واذكر نبأ نوح الواقع وقت دعائه، والفاء في
﴿فَاسْتَجَبْنَا﴾ حرف عطف يفيد الترتيب
والتعقيب، فتدل على سرعة إجابة الله تعالى
بمجرد دعاء نوح عليه السلام إياه (١)، وورد
أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَئِنَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ
(٧٥)﴾ [الصافات: ٧٥].
الْمُجِيبُونَ
وقد تضمن نداء نوح عليه السلام
واستغاثته بالله عز وجل أشياء كثيرة، منها:
الدعاء على قومه، وطلب النصرة، وفي
جميعها كانت إجابة الله تعالى متحققة
وواقعة على أكمل وجه، وهي متمثلة في
الآتي:
١. نجاة نوح عليه السلام والمؤمنين معه
من الغم الشديد الذي أصابهم، وكذلك
من الغرق الذي أصاب الكفار.
٢. إهلاك الكافرين بدعاء نوح عليه
السلام، وجعل ذريته وحدها هي الباقية
على قيد الحياة، ما سيأتي تفصيله في
النقطة الآتية.
٣. إبقاء الله تعالى الثناء الحسن لنوح عليه
السلام والذكر الجميل من الأمم التي
بعده إلی یوم الدين (٢).
(١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود،
٧٨/٦.
(٢) انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي، ٢١٧٦/٣.
ثالثًا: الذرية الصالحة:
وكما امتن الله تعالى على نوح عليه
السلام بثناء الخلق عليه، وإجابة دعوته،
امتن عليه أيضًا بالذرية الصالحة. فلما نجى
الله تعالى نوحًا عليه السلام والمؤمنين
الذين كانوا معه على متن السفينة التي أمره
الله تعالى بصنعها من الطوفان الذي عم
وجه الأرض، وأغرق الكافرين من قومه،
كان أهل الأرض بعد ذلك من ذرية نوح
عليه السلام (٣)، وفي هذا المعنى يقول الله
عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ, هُمُ الْبَاقِينَ
YV
[الصافات: ٧٧].
فى الآية ضمير فصل يفيد
فـ ﴿
الحصر والتخصيص، فقد امتن الله تعالى
على نوح عليه السلام لما أغرق الكافرين
بأن جعل ذريته وحدها هي الباقية إلى آخر
الدهر، وقد قال بعض العلماء: ((نسل أهل
السفينة انقرضوا غير نسل ولده، فالناس
كلهم من ولد نوح)»(٤).
هذا بالإضافة إلى ما جعله الله تعالى من
أمر النبوة في ذرية نوح عليه السلام.
(٣) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي،
٢/ ١٩٣.
(٤) زاد المسير، ابن الجوزي، ٣/ ٥٤٤.
www. modoee.com
١٣

حرف النون
صفاته وأخلاقه عليه السلام
من خلال استعراض مواضع الآيات
التي ذكر فيها نوح عليه السلام وفيما يخص
صفاته وأخلاقه فقد اهتديت إلى أن هذه
الصفات والأخلاق يمكن تقسيمها إلى
ثلاثة أقسام، وبيان ذلك فيما يأتي:
أولًا: صفات نوح عليه السلام وأخلاقه
مع الله تعالى:
لقد اتصف نوح عليه السلام بصفات
أخلاقية مع ربه عز وجل، وبيان ذلك فيما
يأتي:
١. الإخلاص.
لقد وصف الله تعالى نبيه نوحًا عليه
السلام بخالص الإيمان، وكمال العبودية
لله تعالى، وشدة خضوعه وانقياده وتسليمه
لأوامر الله عز وجل، ووصفه تعالى بهذه
الصفة في معرض الحديث عن إهلاك الأمم
السابقة التي كذبت أنبياء الله تعالى ورسله،
فاستثنى عباد الله الذين أخلصهم للإيمان
برسله من المنذرين الذين وقع بهم عقاب
الله تعالى(١).
فيقول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ
أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم ◌ُنذِرِينَ
فَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَلِقِبَةُ الْمُنذَرِينَ )
٧٢
إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴿ وَلَقَدْ نَادَننَا
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٥٨/٢١.
وَغَيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ
٧٥
نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ
الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَجَعَلْنَا ذُرِيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ ـ
وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِ اْآَخِرِينَ (٦) سَلَمُ عَلَى نُوجِ فِ الْعَلَمِينَ
إِنَّ كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا
٧٩
٨١ ٣* [الصافات: ٧١-٨١].
اَلْمُؤْمِنِينَ
ومن جملة عباد الله تعالى نوح عليه
السلام، فقد مدحه الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّهُمِنْ
عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: كان نوح مخلصًا لله
تعالى في عبوديته، كامل الإيمان واليقين (٢).
وكلمة (المخلصين) فيها قراءتان:
الأولى: بكسر لام (المُخْلِصين)،
والمعنى: من آمن بالرسل من الأمم،
فأخلص العمل والإيمان لله تعالى.
الثانية: بفتح لام (المُخْلَصين)، والمعنى:
من آمن بالرسل، وكان قد أخلصه الله تعالى
بالإيمان والتصديق في سابق علمه، فوفقه
له(٣).
ويتبين أيضًا أن نداء نوح عليه السلام لله
عز وجل بإخلاص كان سببًا في إجابة الله
تعالی لدعوته(٤).
وقال أبو زهرة في تفسير قوله تعالى:
﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوجَّ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا
شَكُورًا ﴾ [الإسراء: ٣]:
((أنه كان عبدًا يحس بنعمة العبودية
(٢) انظر: صفوة التفاسير، الصابوني، ٣٤/٣.
(٣) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي
طالب، ٩ / ٦١١٧.
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٣٣٩/٢٦.
١٤
القرآن الكريمِ

نوح عليه السلام
لله تعالى، فلم يكن ذا جبروت، بل كان وأرفعها إلى الله تعالى هو الإيمان بالله عز
وجل والانقياد لطاعته الذي ينبثق عنه كل
الصفات الجليلة والأخلاق الحميدة.
خاضعًا لله سبحانه وتعالى. والخضوع لله
تعالی وحده هو العزة التي لا ذل فيها ولا
استکبار))(١).
٢. الإحسان.
وصف الله تعالى نوحًا عليه السلام بصفة
الإحسان هذه بعد تعداده للنعم التي أنعمها
الله تعالى عليه من جعل الدنيا مملوءةً من
ذريته، ومن إبقاء الثناء الحسن له على
جميع ألسنة الناس، ومن إجابة دعوته، فهذه
التكرمة لنوح عليه السلام وهذه التشريفات
الرفيعة له؛ لأنه كان محسنًا لله عز وجل في
أقواله وأفعاله، ومعروفًا بهذه الصفة،(٢)
فقال جل جلاله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
٥ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ )).
﴿إِنَّ كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾
فجملة
تعليلٌ لاستحقاق نوح عليه السلام تلك
التشريفات الرفيعة بكونه عليه السلام من
زمرة المعروفین بالإحسان، ثم علل الله
عز وجل هذا الاستحقاق للإحسان بأنه كان
عبدا لله تعالى مؤمنًا.
(١) زهرة التفاسير، ٤٣٣١/٨.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٦/ ٣٤٠، فتح
القدير، الشوكاني، ٤ / ٤٥٩.
(٣) انظر: الكشاف، الزمخشري، ٤٨/٤، مفاتيح
الغيب، الرازي، ٢٦/ ٣٤٠.
كما تمثل إحسان نوح عليه السلام
في مجاهدته لأعداء الله تعالى بالدعوة
إلى دينه، والصبر الطويل على أذى قومه،
ومطاولته لهم في سبيل الله تعالى، وغير
ذلك من ألوان عبادته عليه السلام وأفعاله
وأقواله (٤).
٣. التوكل والثقة.
اتصف نوح عليه السلام بهذه الصفة،
وتخلق بهذا الخلق، حيث دعا قومه على هذا
الأساس فلم ييأس، ولم يمل، فقد دعاهم
إلى الله تعالى ألف سنة إلا خمسين عامًا،
سالگا وآخذًا جميع السبل في ذلك -كما
سيأتي في أساليب دعوته- فقال الله تعالى
عنه: ﴿قَالَ رَبِّ إِّ دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَّهَارًا ﴾ فَلَمْ
يَزِدْ هُمْ دُ عَلِّىّ إِلَّا فِرَارًا وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ
لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَنِعَهُمْ فِّ مَاذَانِهِمْ وَأَسْتَغْشَوْاْ
ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَأُسْتَكْبَرُواْ أَسْتِكْبَارًا ثُمَّ إِنِّى
دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ، ثُمَّ إِّ أَعْلَتُ لَمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ
فهذا الوصف هو أقصى صفات المدح إِسْرَارًا ، فَقُلْتُ أُسْتَغْفِرُواْرَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا
والتعظيم(٣)، ففيه بيان أن أعظم الدرجات ﴾ [نوح: ٥-١٠].
فلما أوحى الله تعالی إلیه أنه لن يؤمن
من قومه إلا هذا العدد القليل، ورأى أنه لم
(٤) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، ٤/ ٤٧٧،
التفسير الواضح، محمد حجازي، ٢١١/٣.
www. modoee.com
١٥

حرفالنون
تعد هناك من فائدة في دعوة قومه، وأنهم على أمر واحد، وألا يكون هذا الأمر فيه
خفاء أو غموض، ثم ينفذوا ما اتفقوا عليه
دون تهاون أو تردد أو تأجيل، فهل هناك
تحدِّ للخصم أكثر من هذا؟!(٣).
مصرون علی کفرهم وجحودهم، فقد حان
الآن وقت المفاصلة، فقال لقومه: ﴿وَنَقَوْمِ
إِن كَانَ كَبْرَ عَلَيْكُ مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِشَايَتِ اَللَّهِ
فَعَلَ اَللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَّكَآءَ كُمْ
ثُمَّ لَا يَكُنَّ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ أَقْضُوا إِلَىَّ وَلَا
تُظِرُونِ ﴾ [يونس: ٧١].
وبالرجوع إلى تفسير هذه الآية الذي
مر معنا نجد أن نوحًا عليه السلام قد واجه
قومه، ولم يمتلك سوى رصيد الاعتماد
والتوكل على الله عز وجل الذي أرسله
إلی هؤلاء القوم، فقد حاول هدایتھم کثیرًا،
ولكنهم لم يستجيبوا (١). فقول نوح عليه
السلام: ﴿فَعَلَى اَللَّهِ تَّوَكَّلْتُ﴾ نجد أنه
حصر من يتوكل عليه وما يعتمد عليه في
دعوة قومه على الله عز وجل وحده، وهذا
مستفادٌ من تقديم شبه الجملة (على الله)
على الفعل (توكلت). وفي هذا الكلام منه
علیه السلام ما يدل على مدى وثوقه بنصر
ربه الذي أرسله، كما يدل على عدم مبالاته
بما يتوعده به قومه(٢).
ثم إن قوله عليه السلام: ﴿فَأَجْمِعُواْ أَقْرَكُمْ
وَشُرَّكَآءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ
أَقْضُواْإِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ ﴾ يظهر التحدي الكبير،
فهو يطلب منهم أن يجتمعوا وشركاءهم
وفي هذا المعنى يقول سيد قطب ((إنه
التحدي الصريح المثير، الذي لا يقوله
القائل إلا وهو مالئٌ يديه من قوته، واثق
کل الوثوق من عدته، حتى ليغري خصومه
بنفسه، ويحرضهم بمثيرات القول على أن
يهاجموه! فماذا كان وراء نوح من القوة
والعدة؟ وماذا كان معه من قوى الأرض
جميعًا؟ كان معه الإيمان القوة التي تتصاغر
أمامها القوى، وتتضاءل أمامها الكثرة،
ويعجز أمامها التدبير، وكان وراءه الله الذي
لا يدع أولياءه لأولياء الشيطان! إنه الإيمان
بالله وحده، ذلك الذي یصل صاحبه بمصدر
القوة الكبرى المسيطرة على هذا الكون بما
فيه ومن فيه، فليس هذا التحدي غرورًا،
ولیس کذلك تهورًا، ولیس انتحارًا، إنما هو
تحدي القوة الحقيقية الكبرى للقوى الهزيلة
الفانية، التي تتضاءل وتتصاغر أمام أصحاب
الإيمان)»(٤).
ويخلص من هذا إلى أن الدعاة إلى
الله عز وجل يجب عليهم أن يتخذوا من
التوكل زادًا لهم في سبيل تبليغ هذه الدعوة،
(١) انظر: تفسير الشعراوي، ٦٠٩٤/١٠.
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٢/ ٢٥٢.
جوية
القرآن الكريمِ
(٣) انظر: تفسير الشعراوي، ١٠/ ٦١٠٠.
(٤) في ظلال القرآن، ١٨١١/٣.
١٦

نوح عليه السلام
ولهم في ذلك أسوة بجميع الأنبياء والرسل له بجعلهم خلائف الأرض وأصحاب
السلطان فيها)) (٢).
وخاصة نوح عليه السلام، الذي مكث
طويلًا وهو يدعو قومه دون سأمٍ أو ملل،
فيجب عليهم أن يقفوا في وجه الطغاة،
ولن يضرهم هؤلاء الطغاة إلا أذىّ من أجل
الابتلاء الذي يمحص القلوب حتى تعود
الكرة للمؤمنين ويحق وعد الله تعالى لهم
بالنصر والتمكين (١).
وأخيرًا فقد أعجبني كلام محمد رشيد
رضا الذي عقب به على تفسير هذه الآية
فقال: ((هذه الآية من أبلغ آيات القرآن
عبارة، وأجمعها على إيجازها للمعاني
الكثيرة من علم النفس، ودرجة إيمان
الأنبياء المرسلین وثقتهم بالله عز وجل،
وشجاعتهم واحتقارهم لكل ما في الحياة
الدنيا من أسباب الخوف من غيره والرجاء
فيما سواه، وبيان خاتمهم لسنته تعالى فيهم
وفي أقوامهم، وحسن وعظه لهم بوحي ربه
تعالی، فهو یضرب لحاله ومقامه معهم مثل
نوح مع قومه في غرور كل منهم بكثرتهم
وقوتهم وتكذيبهم واحتقارهم لرسوله
ولمن آمن معه من الضعفاء والفقراء،
ولما يعتز به كلٌّ من الرسولين من التوكل
على الله والاعتماد عليه في النصر والعزة
وحسن العاقبة، والجزم بإهلاك المصرين
على تكذيبه، ونجاة المؤمنين المتبعين
(١) انظر: المصدر السابق ١٨١١/٣.
٤. الشكر.
أثنى الله تعالى على نوح عليه السلام في
قوله عز وجل: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوجَّ
إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴾ [الإسراء: ٣].
وقد وصف الله تعالى نوحًا عليه السلام
في الآية المذكورة بوصفين:
الأول: أنه عبدٌ لله تعالى، معترفٌ له
بالعبودية، غیر متکبر بالإشراك، فکان یحس
بنعمة العبودية لله جل جلاله، فلم يكن ذا
جبروت، بل كان خاضعًا لله تعالى وحده،
وهذا الخضوع هو الذي يحمل معنى العزة
لنوح عليه السلام.
الثاني: أنه شدید الشكر لله تعالی علی ما
أنعم به علیه في سرائه وضرائه(٣).
وكلمة (شكور) هي صيغة مبالغة على
وزن (فعول) التي تفيد الكثرة. فنوح عليه
السلام کان دائم الحمد لله تعالى في كل
فعل يقوم به، فقد روي عنه أنه: (كان نوح
إذا طعم طعامًا أو لبس ثوبًا حمد الله، فسمي
عبدًا شكورًا) (٤).
(٢) تفسير المنار، ٣٧٦/١١.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٥/ ٢٧،
زهرة التفاسير، أبو زهرة، ٨/ ٤٣٣١.
(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب التفسير،
وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين
ولم يخرجاه، ٣٦٠/٢.
www. modoee.com
١٧

حرف النون
وفي هذه الآية تذکیر لبني إسرائيل بأن
الله تعالى قد نجى نوحًا عليه السلام من
الهلاك بسبب شكره هو وشكر الذين معه
في السفينة، ففيها تحريضٌ وحتٌّ لذريته
على التأسي والاقتداء بنوح عليه السلام
في شكره ويتابعوه عليه، وأن يتذكروا نعمة
الله عليهم لما أبقاهم واستخلفهم في
الأرض، وأغرق غيرهم (١).
٥. الاستغفار.
ورد طلب نوح عليه السلام المغفرة
من الله عز وجل في قوله: ﴿رَّبِّ اغْفِرْلِ
وَلِوَلِدَنَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْنِي مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَتِ وَلَا نَزِدِ اَلْفَّْلِينَ إِلَّا تَبَارًا )﴾
[نوح: ٢٨].
فنوح عليه السلام وإن كان من الأنبياء
الذين هم معصومون من الخطأ والذنب
والزلل فإنه لا يسعه إلا حلم الله تعالى
وعفوه ورحمته(٢)، فکأنه یقول: يا رب،
أسألك أن تغفر لي ذنوبي. فكان عليه السلام
دائم الاستغفار لله عز وجل، فإن الاستغفار
دواء الذنوب، وشفاء القلوب، وبه النجاة
والأمان من الهلاك، كما أنه نعمةٌ وسببٌ
في التخلص من كل بلاء ومصيبة، وكذلك
هو سبب لحصول الرزق، بالإضافة إلى أنه
سبب لحصول رضا الله جل جلاله.
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٧/١٥،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٤٥٣.
(٢) انظر: نظم الدرر، البقاعي، ٢٠/ ٤٥٩.
وقد أمر نوح عليه السلام قومه
بالاستغفار حين قال: ﴿فَقُلْتُ اُسْتَغْفِرُواْرَبَّكُمْ
إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ، يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا
وَ يُمْدِ دَكُ بِأَوَلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْجَنَّتٍ وَيَجْعَل
لَكُ أَنْهَرًّا ﴾﴾ [نوح: ١٠ -١٢].
ولا يعقل أن يأمر قومه بفعلٍ ولا يأتيه،
فهو أكثر الناس في زمانه عبودية لله تعالى،
ومن ضمن خضوعه لله عز وجل طلبه
المغفرة منه سبحانه وتعالى.
٦. بر الوالدين.
لما طلب نوح عليه السلام المغفرة من
الله عز وجل لنفسه لم يقتصر على ذلك،
فطلبها أيضًا لمن كانا سببًا في وجوده،
وهما والداه، فقال في دعائه: ﴿رَبِّ اغْفِرْ
لِ وَلِوَ لِدَنَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِى مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَتِ وَلَا نَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا نَبَارًا ﴾
[نوح: ٢٨].
.(٣)
ويذكر المفسرون أنهما كانا مؤمنين
وفي تخصیصهما بالذکر تأكید حقهما،
وتقديم برهما، فهما أحق بالدعاء من
غيرهما، ثم بعد ذلك عمم بالدعاء لجميع
المؤمنين والمؤمنات؛ ليكون ذلك أبلغ في
الدعاء (٤).
(٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٣٦١/٥،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٣١٣/١٨.
(٤) انظر: الكشاف، الزمخشري، ٤ /٦٢١، لباب
التأويل، الخازن، ٣٤٧/٤، تيسير الكريم
الرحمن، السعدي، ص٨٨٩.
١٨
الْقُرآن الكَرِيْمِ

نوح عليه السلام
وسلم حيث قال: (إذا مات الإنسان انقطع
عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية،
أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)(١).
فيعتبر دعاء نوح عليه السلام لوالديه
بالمغفرة من باب البر لهما.
ثانيًا : صفات نوح عليه السلام وأخلاقه:
لقد اتصف نوح عليه السلام بصفات
وأخلاق، وبيان ذلك فيما يأتي:
١. الإيمان بالدعوة.
لقد أثنى الله تعالى على نوح عليه السلام
لما قال فيه: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِينَ (
٨١
[الصافات: ٨١].
هذا الإيمان هو الدافع المحرك للقوى
الكامنة في نفس المؤمن، فيجعله دائمًا في
شوقٍ للعمل بما يرضي الله عز وجل، كما
يدفع صاحبه إلى تحقيق هدفه وغايته التي
آمن بها، وإلى إخلاص العمل ليتحقق له
ما يسعى إليه، فهذا الإيمان لا يترك صاحبه
يهدأ حتى يرى جميع الناس قد دخلوا في
دين الله تعالى، ويرى راية الحق والإسلام
عالية خفاقة في كل مكان وزمان(٢).
وتظهر هذه الصفة جليةً في شخصية نوح
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الوصية،
باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته،
عن أبي هريرة، رقم ١٢٥٥/٣،١٦٣١.
(٢) انظر: أسس الدعوة وآداب الدعاة، محمد
السید الو کیل، ص٩٣.
ويؤكد هذا حديث النبي صلى الله عليه عليه السلام في الآية التي فاصل فيها قومه،
وهي قوله تعالى: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ
لِقَوْمِ، يَقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى
◌ِشَايَتِ اللَّهِ فَعَلَى اَللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَحْمِعُواْ أَقْرَكُمْ
وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُرْ غُمَّةً ثُمَّ
أَقْضُوْاْ إِلَىَّ وَلَا تُنْظِرُونِ ) فَإِن تَوَلَيْتُمْ فَمَا
سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٌّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ
[يونس: ٧١-
أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
٧٢].
وقد تقدم تفسير الآية سابقًا بالإضافة إلى
إبراز صفة التوكل عند نوح عليه السلام،
وبالرجوع إلى تفسير الآية مرة أخرى يتجلى
لنا الفرق الجذري بين موقف نوح عليه
السلام وموقف قومه.
أما نوح عليه السلام فقد کان یمثل موقف
المؤمن الجريء الجسور الذي لا يخشى
الصعاب، ولا يعرف التردد والتراجع، ولا
يهاب الموت في سبيل دعوته، ويتحدى
جميع الخلق فيما يريدون أن ينفذوه فیه،
هذا كله؛ لأنه مؤمن بدعوته. أما موقف
قومه فكان موقف الهياب الضعيف الجبان
المتخاذل المتردد، الذي لم يكن باستطاعته
أن يتخذ موقفًا أو قرارًا حاسمًا بشأن نوح
عليه السلام، الذي كانت هيبة الإيمان
تعصمه وتحميه من مكائدهم ومخططاتهم
الشريرة(٣).
(٣) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٢٢٩/١١.
www. modoee.com
١٩

حرف النون
٢. القدوة الحسنة.
إن الداعية يكسب لدعوته بسلوكه
الحسن وأخلاقه الحسنة ما لا يكسبه
بكلماته وخطبه ومواعظه العديدة، فالقدوة
الحسنة تعتبر دعوةً صامتة، فالناس يتأثرون
بسلوك الدعاة العملي أكثر من الخطب
الرنانة، فکیف یطلب الدعاة من الناس تنفيذ
أمر معین وهم لا يفعلونه، وهذا مصداق
قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُ ونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ
أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِتَبَّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
[البقرة: ٤٤].
٤٤)
وتظهر هذه الصفة واضحة في شخصية
نوح عليه السلام عندما قال لقومه: ﴿وَأُمِرْتُ
أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢].
فکأنه يقول لهم: أنا أول داخل في هذا
الدين الذي أدعوكم إليه، وأول فاعل لما
أمرتكم به(١). فهو مستقیمٌ على شرع الله عز
وجل.
٣. العمل والقدرة على الكسب.
إن من المروءة أن يكسب الإنسان رزقه
من تعبه وجهده و عمل يده، وكان أنبياء الله
تعالى ورسله يعملون، ولم يكن منهم أحدٌ
عالة على أحد، وقد أرشدهم الله تعالی إلى
الصناعات؛ لعظيم نفعها، فنوح عليه السلام
قد أمره الله تعالى بصناعة السفينة التي سوف
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٣٦٩.
يسلك فيها طريق النجاة هو ومن آمن معه.
يقول الله تعالى: ﴿وَأَصْنَعِ اَلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا
وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَطِبْنِ فِ الَّذِينَ ظَلَمُوَاْ إِنَّهُم
مُّغْرَقُونَ (٦) وَبَصْنَعُ الْقُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ
مَلَأَ مِنْ قَوْمِهِ، سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا
[هود:٣٧-
فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كُمَا تَسْخَرُونَ ﴾
٣٨].
هذا يعني أنه کان نجارًا، وإلا کیف یصنع
السفينة وليس لديه علمٌ بهذه الصناعة؟!
و قد روي من حديث ابن عباس أن داود كان
زرادًا یصنع الزرد والدروع، و کان آدم حراثًا،
وکان نوح نجارًا، وکان إدریس خیاطًا، وكان
موسى راعيًا(٢).
وفي ذلك إعلاءٌ لشأن العمل ودليلٌ على
شرف العاملين، كما في الحديث المروي
عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أكل
أحدٌ طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل
يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل
من عمل يده)(٣).
٤. علو الهمة.
ذكر الجرجاني في تعريف الهمة قوله:
«توجه القلب وقصده بجميع قواه الروحانية
(٢) ذكره الألباني في كتاب تخريج أحاديث
مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام، رقم
٣٤، وقال: لم أره مرفوعًا. ١/ ٢٨.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع،
باب كسب الرجل وعمله بيده، عن المقدام،
٥٧/٣، رقم ٢٠٧٢.
٢٠
قَةُ النفسية
لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

نوح عليه السلام
إلى جانب الحق؛ لحصول الكمال له أو وبطش، وأنهم قادرون على إنفاذ تهديدهم،
وهذا التهدید هو سلاح الطغاة دائمًا عندما
لغيره)»(١). هذا وقد أثنى الله عز وجل
على أصحاب الهمم العالية وفي طليعتهم
ومقدمتهم الأنبياء والرسل عمومًا، وأولو
العزم خصوصًا، وعلى رأسهم نبينا محمد
صلى الله عليه وسلم (٢)، فقال عنهم:
﴿فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ أَلْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾
[الأحقاف: ٣٥].
لا یجدون حجة قویة یواجھون بها صاحب
الحق، فقالوا له: إذا لم تنته عن دعوتك هذه
فسوف نرجمك بالحجارة حتى الموت.
ولكن نوحًا عليه السلام لم يخفه هذا
التهدید فظل ثابتًا على موقفه ومبدئه، و قابل
هذا التهدید بکل أدب وثبات، فما كان منه
إلا أن شكا قومه إلى الله تعالى طالبًا منه أن
يفصل بينه وبينهم (٤)، فقال: ﴿رَبِّإِنَّ قَوْمی
كَذَّبُونِ (١٧) فَفْنَحْ بَيْنِ وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَِّى وَمَنْ
١١٨) [الشعراء: ١١٧- ١١٨].
مَّعِىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
ونوح عليه السلام هو أحد أولي العزم من
الرسل، وتجلت همته العالية في مجاهدته
في إعلاء كلمة الله عز وجل، والدعوة إلى
الحق ليلًا ونهارًا، وسرًا وجهرًا(٣). فهو عليه
السلام لم يتوان لحظةً، ولم يقصر طرفة عين
في دعوة قومه إلى توحيد الله تعالى، فطال
مکثه في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا،
وفي هذا دعوة إلى الدعاة إلى الله سبحانه
وتعالى بعلو همتهم في هذا المجال.
٦. الولاء والبراء.
عندما رفض ابن نوح أن يؤمن ويستجيب
لدعوة أبيه عليه السلام وهلك وكان من
الغارقين، دفعت عاطفة نوح عليه السلام
إلى معرفة مصير ابنه، فقال: ﴿رَبِّ إِنَّابْنِی
مِنْ أَهْلِىِ﴾ [هود: ٤٥].
٥. الثبات.
فأجابه الله عز وجل بقوله: ﴿يَنُوحُ إِنَّهُ,
لما عجز قوم نوح عليه السلام عن
جداله وانهزموا أمام دعوته وحجته ومنطقه
القوي السليم لجأوا إلى التهديد الصريح
للرسول الذي جاءهم من عند الله تعالى
ليدعوهم إلى الخير وإلى ما ينفعهم في
الدنيا والآخرة، وهذا التهدید منهم يدل
لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ, عَمَلُ غَيْرُ صَنِحٍ فَلاَ تَسْتَلْنِ مَا لَيْسَ
لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَِهِلِينَ
[هود: ٤٦] لأنه بكفر ابنه وجحوده
انقطعت الولاية بينه وبين ابنه، فقد عمل
أعمالًا لیست صالحة، وبذلك صار ليس
على أنهم كانوا أقوياء، وأنهم أصحاب جاه من أهله، وأرشده الله تعالى إلى عدم
(١) التعريفات، ص٢٥٧.
(٢) انظر: علو الهمة، محمد المقدم، ١٢٨/١.
(٣) انظر: محاسن التأويل، القاسمي، ٢١٤/٨.
(٤) انظر: تفسير الشعراوي، ١٠٦٢٦/١٧،
التفسير المنهجي، صلاح الخالدي، ٧/ ١٠٣.
www. modoee.com
٢١

حرف النون
فاستعلى نبي الله نوح عليه السلام على
عاطفته، ورضي بحكم الله تعالى، فما كان
منه إلا التسليم المطلق والاتباع لما يحبه
الله تعالی ویرضاه، والولاء كذلك لمن يحبه
الله، والبراء والعداء لمن حاد الله تعالى،
ولو كان ابنه وزوجته التي قال الله سبحانه
وتعالى فيها: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًاً لِّلَّذِينَ
كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحٍ وَأَمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ
عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ
يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ أَدْ خُلَا النَّارَ
مَعَ الَّا ◌ِخِلِينَ ﴾ [التحريم:١٠].
٧. الصدق.
وصف الله تعالى نوحًا عليه السلام
بهذه الصفة في معرض الحديث عن أخذه
الميثاق الغليظ من الأنبياء عمومًا، وخاصةً
أولي العزم من الرسل، ونوح عليه السلام
أحد أولي العزم الخمسة الذين قال الله
تعالى فيهم: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّيْنَ مِشَقَّهُمْ
وَمَنكَ وَمِن نُّوحِ وَإِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَحِيسَى ابْنِ
مَنْتُمْ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِيشَقًّا غَلِيِظًا لِيَسْئَلَ
الصَّدِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا
أَلِمَا﴾ [الأحزاب: ٧-٨].
والمعنى: اذكر أيها الرسول الكريم وقت
أن أخذنا العهد الوثيق من جميع الأنبياء
السابقين على أن يبلغوا دين الله عز وجل،
وأن يجاهدوا في سبيل تحقيق تلك الغاية
السير والانقياد وراء عاطفته وشفقته عليه، بإخلاص العبادة لله جل جلاله، وعلى أن
يصدق بعضهم بعضًا في أصول الشريعة
ومكارم الأخلاق، وقد أخذ الله تعالی هذا
العهد والميثاق منك أيها الرسول ومن نوح
وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام
الذين هم أولو العزم من الرسل، الذين
تحملوا في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى أكثر
مما تحمله غيرهم من الأنبياء، والسبب في
أخذ الله عز وجل هذا الميثاق الغليظ ليسأل
الأنبياء عن كلامهم الصادق الذي قالوه
لأقوامهم، وماذا رد عليهم أقوامهم(١).
ولكن الله تعالى يعلم أن هؤلاء الأنبياء
صادقون، فلماذا سوف يسألهم يوم القيامة
عن صدقهم في تبليغ الرسالة؟ والجواب
على هذا السؤال یکمن في حكمتين:
الأولى: أن في هذا السؤال تشريفًا
لهؤلاء الرسل وتكريمًا لهم، فيثيبهم جنات
النعيم (٢).
الثانية: فيه توبيخ للمكذبين لأنبيائهم
فيما جاءهم به هؤلاء الأنبياء من كلام صادق
وإرشاد حکیم، وفیه وعید لهم؛ لأنه إذا كان
الأنبياء سوف يسألون فكيف بغيرهم؟!
فيعذبهم العذاب الأليم(٣).
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٦٥٩، التفسير الوسيط، طنطاوي،
٠١٧٨/١١
(٢) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي، ١٧٨/١١.
(٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٣٠٤/٤.
٢٢
جَوَبُو
القرآن الكريم

نوح عليه السلام
ومما ينبغي الإشارة إليه أن يكون الداعية لما أخبرتكم أني رسول الله إليكم؟! (١)
صادقًا في دعوته؛ لأن المقصد من هذه
الدعوة هو هداية الناس إلى البر والتقوى،
وإخراجهم من الظلمات إلى النور، فكيف
يحقق الداعية هذا وهو غير صادق؟ !.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يجب أن
یکون صادقًا في قوله؛ لأنه يبلغ دعوة الله
تعالى كما جاءت، فما يقوله ليس تعبيرًا عن
رأيه الشخصي، فهذا يدفع المدعوين إلى
تصدیقه والاستجابة له.
٨. الأمانة.
أخبر الله تعالى عن نبيه نوح عليه
السلام لما كان يدعو قومه إلى توحيد الله
عز وجل: ﴿إِذْقَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُ أَلَا نَنَّقُونَ
١٠
إِى لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ (١٦) فَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ
١٠٨)
[الشعراء: ١٠٦-١٠٨].
وقول نوح عليه السلام: ﴿إِلَكُمْ رَسُولُ
أَمِينٌ﴾ يخرج على قولين:
الأول: ذكر المفسرون أن نوحًا عليه
السلام قد تخلق بهذا الخلق قبل بعثته، فإن
قومه كانوا يعرفون صدقه وأمانته من قبل،
کصدق محمد صلی الله عليه وسلم وأمانته
في قریش قبل بعثته.
والمعنى: كنت أمينًا فيكم قبل دعوتي
إياكم إلى الله تعالى، فتصدقونني في جميع
ما أخبركم به، فما بالكم لا تصدقونني الآن
الثاني: كأن نوحًا عليه السلام يقول:
إني لكم رسول من الله تعالى، أمينٌ على
وحيه إلي بإرساله إياي إليكم، جعلني الله
تعالی أمينًا فيما بعثني به، أبلغکم رسالة ربي
لا أزيد فيها، ولا أنقص منها شيئًا، وأؤدي
الأمانة شئتم أم أبيتم، قبلتم الدعوة أم تولیتم،
فقد وضح لكم صدقي، وبانت أمانتي فيما
بعثني الله به وائتمنني علیه، فأنا لا أخاف ما
تتوعدونني به(٢).
ومما تجدر الإشارة إليه أن الداعية يجب
عليه أن يكون مشهورًا بالأمانة بين الناس؛
حتی یصدقوا ما يدعو إليه ولا يتهموه بما قد
کان منه إذا لم یکن کذلك.
٩. النصيحة.
هذا الخلق يتضمن الرحمة بالناس،
والشفقة عليهم، والرأفة بهم، والحرص
على إنقاذهم من الضلالة إلى الهداية؛ لئلا
یتعرضوا لعذاب الله عز وجل وعقابه.
فهذا نوح عليه السلام يقول الله تعالى
فيه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْبِهِ، فَقَالَ يَقَوْمِ
أُعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ
(١) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي،
٧٠/٨، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
١١٩/١٣.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٩/ ٣٦٩، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير، ١٥١/٦، وتأويلات
أهل السنة، الماتريدي، ٨/ ٧٠.
www. modoee.com
٢٣

حرفالنون
◌َتَرَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿ قَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ بِىِ
ضَلَلَةٌ وَلَكِنِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَّمِينَ )
أُبَّلِّمُكُمْ رِسَلَتِ رَبِّ وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلٌَّ مِنَ
اللَّهِمَا لَا نَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: ٥٩-٦٢].
عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا الخلق أعظم من شفقة آبائهم وأمهاتهم))(٢).
كما أن قوله عليه السلام: ﴿أَبَلِّغُّكُمْ
رِسَلَتِ رَبٍِّ وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِمَا لَا
نَّعْلَمُونَ﴾ يعني: أن وظيفتي هي أن أبلغكم ما
أرسلني به الله عز وجل إلیکم ببيان توحيده
وأوامره ونواهيه؛ أني أقصد لكم الصلاح
والخير والفلاح في الدنيا والآخرة(٣)،
وأعلم من الله تعالى ما لا تعلمونه.
والمعنى: أن الله عز وجل بعث نوحًا
علیه السلام إلى قومه؛ ليدعوهم إلى إفراد
الله تعالى وحده بالعبودية؛ لأنه الخالق
الرازق المدير لجميع الأمور، وما سواه عز
وجل مخلوقٌ مدبرٌ له، ليس له من الأمر وسنته في خلقه وما يتبع هذه الدنيا من
شيء. وكأنه يقول لهم: يجب عليكم أن
تخضعوا لله تعالى بالطاعة وإخلاص العبادة
له، فليس لكم من إله يستحق العبادة غيره،
فإن لم تفعلوا ويقيتم على ما أنتم عليه من
الكفر والجحود فإني أخاف عليكم أن يحل
علیکم یوم یعظم فیه بلاؤكم(١).
ويقصد بهذا اليوم يوم الطوفان الذي
هلکوا فيه جميعًا في الدنيا، أو يوم القيامة
الذي ينتظرهم فيه العذاب في الآخرة.
فقول نوح عليه السلام: ﴿إِنّ أَخَافُ
عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يعد من ((نصحه
عليه السلام وشفقته عليهم، حيث خاف
عليهم العذاب الأبدي والشقاء السرمدي،
كإخوانه المرسلين الذين يشفقون على
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٢٩٢، التفسير الميسر، نخبة من أساتذة
التفسير، ص١٥٨.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٢٩٢.
(٣) انظر: صفوة التفاسير، الصابوني، ٤١٩/١.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣/ ٤٣٢.
٢٤
جَوَسُو ◌َ النَّفِيَّة
القرآن الكريم
فهو يعلم عن طريق الوحي من أمر الله
أحوال الآخرة ما لا يعلمون، ويعلم أن الله
ذو القوة المتين، وأنه يبطش بالمكذبين
المعاندين، وقوم نوح لا يعلمون ذلك لأنهم
أول أمة عذبها الله بكفرها، فأزالها من على
وجه الأرض، ولم يبق إلا من آمن مع نوح.
قال ابن كثير: ((وهذا شأن الرسول أن يكون
بلیغًا فصیحًا، ناصحًا بالله، لا يدركه أحدمن
خلق الله في هذه الصفات)) (٤).
وهكذا عندما يتحلى الداعية بهذا الخلق،
فإنه یتبین لدی المدعوين مدى حرصه على
هدايتهم؛ لئلا يعرضوا أنفسهم لعقاب
الله تعالى في الدنيا والآخرة، وهذا يكون
على وجه النصيحة لهم والشفقة عليهم
فيلتفوا حوله، ويسمعوا منه، ويستجيبوا
له. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم

نوح عليه السلام
في الحديث: (الدين النصيحة) قلنا: لمن؟ لأقوامهم: ((لو أنكم فطنتم إلى حقيقة الأمر
لکان من الواجب أن یکون لنا أجر علی ما
قال: ﴿لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمین
وعامتهم) (١).
نقدمه لكم من منفعة، لکنا لا نرید منكم أنتم
أجرًا، إنما سنأخذ أجرنا من رب العالمين؛
١٠. الزهد.
لأن المنفعة التي نقدمها لكم لا يستطيع بشر
أن يقومها، وإنما القادر على تقييمها هو
واضع المنهج سبحانه وتعالى ومنزله على
رسله»(٤)
عند الاطلاع على قصة نوح عليه السلام
في مخاطبته لقومه نجده يقول: ﴿فَإِن
تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى
اَللَّهِ ﴾ [يونس: ٧٢].
وفي موضع آخر يقول: ﴿وَيَقَوْمِ لَآ
أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالَا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾
[هود: ٢٩].
فإنه يؤكد على أن عدم استجابتهم لدعوته
لا يعود إلى سؤاله المال منهم، فيثقل عليهم
مکافأته(٢) عند استجابتهم، أو يثقل علیه عند
إعراضهم وتوليهم (٣).
وكذلك نجد في قصص الأنبياء مع
أقوامهم أن جميع الأنبياء والرسل عندما
كانوا يخاطبون أقوامهم يبينون لهم أنهم لم
يطلبوا من وراء دعوتهم مالًا أو أجرًا على
ذلك أو مقابل استجابتهم، فيقولوا: هذا
جاءنا ليأخذ أموالنا. فيمتنعون عن قبول
الدعوة. فكأن الرسل عليهم السلام يقولون
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب بيان أن الدين النصيحة، عن تميم
الداري، ٧٤/١، رقم ٩٥.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
٨/ ٣٦٥.
(٣) انظر: مدارك التنزيل، النسفي، ٢/ ٥٥.
وعليه، فإن هذه الصفة هي سنة مطردة
عند جميع الأنبياء والمرسلين، فهم لا
يطلبون لأنفسهم أجرًا مقابل دعوتهم، ولا
یؤملون لأنفسهم عند أقوامهم قدرًا ومكانة،
فعملهم - الذي هو تبليغ الدعوة لله عز وجل
- لا يطلبون علیه شيئًا من غيره جل جلاله،
فمن سلك من الدعاة والعلماء سبيلهم
ومسلکهم واقتفى أثرهم فإنه سوف يحشر
في زمرتهم، ومن أخذ علی إصلاحه عوضًا
من أحد، أو اکتسب بسداد رأیہ جاهًا لم ير
من الله تعالى إلا ذلَّا وهوانًا وصغارًا(٥).
فهذه الصفة هي من أهم الصفات في
نجاح الداعية في مهمته؛ لأنه إذا تعلق قلبه
بالدنيا واشتغل بتحصيلها كان هذا حائلا بين
الداعية والناس، فلا يسمع أو يستجيب له
أحد؛ لذلك يجب على الداعية أن يزهد عما
في أيدي الناس فضلاً عن أن يكون كريمًا
(٤) تفسير الشعراوي، ١٠/ ٦١٠٦.
(٥) انظر: لطائف الإشارات، القشيري، ١٣٣/٢.
www. modoee.com
٢٥

حرف النون
حتی یجمع الناس حوله ولا ینفرهم.
١١. الصبر.
تخلق نوح عليه السلام بهذا الخلق
الرفيع، فقد تحمل أذى قومه تسعمائة
وخمسين عامًا وهي أطول فترة دعوة،
واستخدم معهم جميع الأساليب والوسائل
الدعوية إلا أنهم كانوا يكذبونه ويزجرونه،
ويتهمونه بالجنون والسخرية والاستهزاء،
فلما بلغ السيل الزبى دعا ربه فقال:
آنِ
مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠].
وقال في آية أخرى: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَ
اُلْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا ، إِنَّكَ إِن تَذَرَّهُمْ
يُضِلُواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُواْ إِلََّ فَاجِرًا كَفَّارًا ﴾
[نوح: ٢٦-٢٧].
فأجاب الله تعالى سؤاله، وانتصر له
من قومه، فقال جل جلاله: ﴿وَلَقَدْ نَادَمْنَا
وَغَيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ
﴾ [الصافات: ٧٥-٧٦].
نُوعُ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ®
الْكَرْبِ الْعَظِيم
وعليه، فإن الصبر على الأذى هو سلاحٌ
قويٌّ يجب على الداعية التسلح به؛ ليصل
إلی بغیته ویحقق به آماله وطموحاته.
١٢. الحلم.
كثيرًا ما أوذي نوح عليه السلام من قومه
أشد الإيذاء، وبما أن دعوته فيهم طالت
فلنا أن نتخيل حجم هذا الإيذاء طيلة هذه
القرون، وعندما كان نوح عليه السلام
لا يلقى منهم إلا الكذب والزجر والاتهام
بالسخرية والاستهزاء، هذا بالإضافة
إلى التهديد الصريح المباشر الذي كانوا
يلجؤون إليه عندما لا يجدون منطقًا سليمًا
وحجة قوية يردون بها على نوح عليه
السلام، فقد هدد عليه السلام بأنواع كثيرة
من التهديدات، وأقسى ما هدد به هو الرجم
حيث قالوا: ﴿قَالُواْ لَيْن ◌َّْ تَنْتَهِ يَنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ
الْمَرْجُومِينَ { (١٦)﴾ [الشعراء: ١١٦].
ومع ذلك لم نجده علیه السلام قد ثار
لنفسه ولو مرة واحدة فقط، وإنما كل ما فعله
أن توجه إلى الله عز وجل بالدعاء، وقال
بكل بساطة: ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ () فَأَفْنَحْ
بَيْنِي وَبَّنَهُمْ فَتْحًا وَجْنِى وَمَنْ قَّعِىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
﴾ [الشعراء: ١١٧-١١٨].
١١٨)
من أجل هذا يعد الحلم هو سيد الأخلاق
التي يجب على الداعية أن يتحلى بها؛ لأنه
يواجه أقوالًا وتصرفاتٍ كثيرةً من شأنها أن
تثير غضبه، فإذا لم يتحل الداعية بهذا الخلق
نفر عنه الناس ولم يجتمع عتيه أحد، ومن ثم
لن یستطیع أن ينجح في مهمته.
١٣. التواضع.
تخلق نوح عليه السلام بهذا الخلق الرفيع
أيضًا، فمن خلال الحوار الذي دار بینه وبین
قومه لأجل الدعوة نجد أنهم اشترطوا على
نوح عليه السلام أن يطرد الذين آمنوا معه
يواجههم ويخاطبهم في أمر الدعوة كان من الضعفاء والفقراء، أو أن يخصص لهم
مَشَوَابَةُ النَفسِير
القرآن الكريمِ
٢٦