النص المفهرس

صفحات 41-48

الوحدة
لذا فإن من أخطر العوائق في طريق العليم بكل شيء، القادر على كل شيء(١).
تحقيق وحدة الأمة الإسلامية السماح
للشيطان أن يوقع بيننا، وأن يشعل فتيل الفتنة
المهلكة بين أفراد أمتنا، ومتى أرادت الأمة
العودة إلى وحدتها التي كانت عليها في
عصورها الأولى فعليها أن تغلق الباب في
وجه الشيطان، وأن تفوت عليه الفرصة في
التحریش بين المؤمنين، ولو عقل المؤمنون
ذلك لزالت كثير من الخصومات والنزاعات
التي بينهم.
لقد أرشدنا الله عز وجل إلى كيفية
تفويت الفرص على الشيطان الذي يبغي
الفساد بيننا، وذلك بالالتجاء إلى الله عز
وجل، والاستعاذة به سبحانه من ذلك
الرجيم.
قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ
نَزْعٌ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ, هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
[فصلت: ٣٦].
فمتى تعرض للعبد من الشيطان وسوسة
تثير غضبه، وتحمله على خلاف ما أمره
الله؛ فليستعذ بالله، وليلتجئ إلى حماه؛
فإنه سبحانه هو السميع لدعائه، العليم بكل
أحواله، القادر على دفع كيد الشيطان عنه،
فالآية الكريمة ترشد المؤمن إلى العلاج
الذي يحميهم من وسوسة الشيطان و کیده،
ألا وهو الاستعاذة بالله السميع لكل شيء،
وبين لنا ربنا سبحانه أمرًا آخر علينا
العمل به لتفويت الفرصة على الشيطان
الرجيم، وذلك في قوله تعالى: ﴿ وَقُل
لِعِبَادِى يَقُولُواْ الَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنَزَعُ
بَلْهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوًّا مُبِينًا }
[الإسراء: ٥٣].
حیث أمرنا سبحانه بأن نتأدب في قولنا
وفعلنا، وأن نلين في مخاطبتنا، ولا يخرج
منا إلا الكلام الحسن، ففي ذلك حفاظ
على المودة بين المؤمنين، وتفويت لغاية
الشيطان الرجيم (٢).
قال ابن عاشور: ((جملة ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ
يَنَزَعُ بَيْنَهُمْ﴾ تعليل للأمر بقول التي هي
أحسن، والمقصود من التعليل أن لا
یستخفوا بفاسد الأقوال؛ فإنها تثير مفاسد
من عمل الشيطان، ولما كان ضمير
﴿بَيْنَهُمْ﴾ عائدا إلى عبادي كان المعنى
التحذير من إلقاء الشيطان العداوة بين
المؤمنين، تحقيقًا لمقصد الشريعة من بث
الأخوة الإسلامية)) (٣)
ثانيًا: التنازع والاختلاف:
لا شك أن التنازع والاختلاف من أهم
(١) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي
٣٥٣/١٢.
(٢) انظر: التفسير الميسر، مجمع الملك فهد
ص٤٧.
(٣) التحرير والتنوير ١٣٢/١٥.
www. modoee.com
٤١١

حرف الواو
عوائق وحدة الأمة الإسلامية، إذ كيف
تتوحد الأمة وأفرادها متنازعون مختلفون؟!
وکیف یکون لهم کیان موحد متماسك إذا
كانت قلوبهم مختلفة؟! وهذا أمر بدهي لا
یحتاج إلی دلیل ولا برهان.
إن الرعيل الأول من هذه الأمة كانوا
على المنهج الذي جعله الله عز وجل لهم،
كانوا متحدين على كتاب الله وسنة رسوله
صلى الله عليه وسلم؛ كانت لهم قلوب
متآلفة، ولم یکن بینھم نزاع ولا شقاق،
فأقاموا أمةً كالبنيان المرصوص يشد بعضه
بعضًا، ومسلمو الیوم ابتعدوا عن کتاب ربهم
وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، وتنافرت
قلوبهم، ودب الخلاف بينهم، وتشتتوا
إلی دویلات وأحزاب وجماعات، لا تكاد
جماعة منهم تتفق مع أختها، وانشغل
كل حزب بنفسه، وأصبحت وحدة الأمة
الإسلامية حلمًا يتمناه كل مسلم؛ لكنه يراه
بعيد المنال، بعد أن كان أمرًا واقعًا.
إن الله عز وجل قد حذر هذه الأمة
من الاختلاف والنزاع، وبين لها العواقب
الوخيمة المترتبة على ذلك؛ كي تحذر الأمة
وتتجنب كل ما يؤدي إلى الاختلاف بين
أفرادها.
قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا
تَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ اللّهَ
مَعَ الصَّبِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦].
فأمر سبحانه في هذه الآية بطاعته وبطاعة
رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك
تجنب للنزاع والخلاف، ثم نهى سبحانه
عن التنازع تأكيدًا على بيان خطره وشره،
﴿وَلَا تَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ نهاهم
بينهم فيختلفوا
سبحانه أن يتنازعوا فيما
فیکون ذلك سببًا لتخاذلهم وفشلهم وذهاب
قوتهم ووحدتهم، وقد کان للصحابة رضي
الله عنهم في باب الشجاعة والائتمار بما
أمرهم الله ورسوله به، وامتثال ما أرشدهم
إليه ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون
قبلهم، ولا يكون لأحد ممن بعدهم؛ فإنهم
ببركة الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته
فيما أمرهم فتحوا القلوب والأقاليم شرقًا
وغربًا في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم
بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم من الروم
والفرس والترك والبربر وأصناف السودان
والقبط وطوائف بني آدم، قهروا الجميع
حتی علت كلمة الله، وظهر دینه على سائر
الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في
مشارق الأرض ومغاربها في أقل من ثلاثین
سنة (١).
ولقد سبق الحديث عن نهي القرآن الكريم
عن الاختلاف والفرقة والتنازع، وإنما أشرنا
إليه هنا لبيان أن التنازع والاختلاف هو
أخطر ما يهدد وحدة المسلمين واجتماعهم.
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٩٨/٧.
٤١٢
القرآن الكريمِ

الوحدة
ثالثًا: اتباع الهوى:
إن الخلاف والتنازع إذا وقع بين
المسلمين فليس شرطًا أن يكون عائقًا أمام
وحدتهم، لأنهم إن ردوا ما اختلفوا فيه إلى
كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم
لم يبق خلاف ولا نزاع؛ ولكن المشكلة
تکبر وتعظم إذا كان هذا الاختلاف ناتج عن
اتباع الهوى، وصاحب الهوى يرفض الحق،
ولا یتحاكم إلى كتاب أو سنة؛ ( فإن الھوی
یعمی ویصم، وصاحب الهوی یقبل ما وافق
هواه بلا حجة توجب صدقه، ويرد ما خالف
هواه بلا حجة توجب رده»(١).
لذلك حذرنا القرآن الكريم من اتباع
الهوى تحذيرًا شديدًا، وبين لنا أن اتباع
الهوى يبعد الإنسان عن العدل؛ فالعدل
والهوى لا يجتمعان أبدًا.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ
قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ
أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا
قَالَهُ أَوْلَى بِهِمَّاً فَلَا تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن
تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيًا﴾
[النساء: ١٣٥].
ففي هذه الآية أمر الله تعالى عباده
المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط والعدل،
فلا يعدلوا عنه يمينًا ولا شمالًا، ولا تأخذهم
في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عنه صارف،
(١) منهاج السنة النبوية، ابن تيمية ٦/ ١٩٢.
وأمرهم سبحانه أن يؤدوا الشهادة ابتغاء
وجه الله، فحينئذ تکون صحیحة عادلة حقًّا،
خالية من التحريف والتبديل والكتمان،
وأمرهم أن يؤدوها ولو عاد ضررها على
الشاهد أو على والديه أو على قرابته؛ فإن
الله سيجعل لمن أطاعه فرجًا ومخرجًا من
كل أمر يضيق عليه، وإن الحق حاكم على
كل أحد (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الهوى ﴾ أي: ((
فلا تتبعوا شهوات أنفسكم المعارضة للحق،
فإنكم إن اتبعتموها عدلتم عن الصواب، ولم
توفقوا للعدل؛ فإن الهوى إما أن يعمي بصيرة
صاحبه حتی یری الحق باطلًا والباطل حقًّا،
وإما أن يعرف الحق ويتركه لأجل هواه،
فمن سلم من هوى نفسه وفق للحق وهدي
إلى الصراط المستقيم))(٣).
إن اتباع الهوى مهلك ومضل، يحمل
صاحبه على الشهادة بغير الحق، وعلى
الجور في الحكم، وعلى غير ذلك من الظلم
وتجاوز الحدود.
قال الله تعالى: ﴿فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقّ
وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:
٢٦](٤).
لقد بين ربنا سبحانه أن من عدل عن
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣١٠/٤.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٠٨.
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٤١٣/٥.
www. modoee.com
٤١٣

حرف الواو
الحق واتبع هواه فهو أضل الناس، وفي ذلك هواه، وإن كان أهدى منه سبيلاً، مقربًا
لكل من هو على شاكلته وإن كان للشيطان
تحذیر شدید من اتباع الهوى بغير علم.
قبیلا، لا یعرف معروفًا ولا ینکر منكرًا إلا ما
وافق هواه، وهذا الصنف من الناس لا يبقي
للمسلمين وحدة، ولا يترك لهم اجتماعًا.
قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَأَعْلَمْ
أَنَّمَا يَتَِّعُونَ أَهْوَآءَ هُمَّ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَنِ أَتَّبَعَ
هَوَنَّهُ بِغَيْرِ مُدَّى مِنَ اُلَّهَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى
اَلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠].
يخبر سبحانه في الآية عمن ترك اتباع
النبي صلى الله عليه وسلم وما معه من
الحق، وأصر على اتباع هواه من غير علم
ولا هدى، ((فهذا من أضل الناس؛ حيث
عرض عليه الهدى، والصراط المستقيم،
الموصل إلى الله وإلى دار كرامته، فلم
يلتفت إليه ولم يقبل عليه، ودعاه هواه إلى
سلوك الطرق الموصلة إلى الهلاك والشقاء
فاتبعه وترك الهدى، فهل أحد أضل ممن
هذا وصفه؟)»(١).
قال الألوسي: ((﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ أَتََّعَ
مَوَهُ﴾ استفهام إنکاري للنفي، آي لا أضل
ممن اتبع هواه بغير هدى من الله؛ لأن من
فعل ذلك فهو أضل من كل ضال))(٢).
إن صاحب الهوی لا حاکم له ولا زمام،
ولا قائد له ولا إمام، إلهه هواه، حيثما تولت
مراکبه تولی، وأینما سارت رکائیه سار، فلا
يسمع لكلام داعية ولا قائد ولا عالم إلا
ما وافق هواه، تراه معتزلًا كل من يخالف
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦١٧.
(٢) روح المعاني ٢٠/ ٩٣.
لقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم
من طائفة من الناس قد اتبعوا أهواءهم،
فمزقوا وحدة الأمة، واستباحوا دماء
إخوانهم وأموالهم، إنهم الخوارج، الذين
خرجوا على علي رضي الله عنه، فعن عبيد
الله بن أبي رافع رضي الله عنه أن الحرورية
(أهل بلد قرب الكوفة تسمی حروراء) لما
خرجت على علي بن أبى طالب رضي الله
عنه قالوا: لا حكم إلا لله، قال علي رضي
الله عنه: کلمة حق أريد بها باطل، إن رسول
الله صلى الله عليه وسلم وصف ناسًا إني
لأعرف صفتهم في هؤلاء (يقولون الحق
بألسنتهم، لا يجوز هذا منهم - وأشار
إلى حلقه - من أبغض خلق الله عز وجل
إليه)(٣).
إن هؤلاء الخارجين عن طاعة الإمام
يرون خروجهم على إمام المسلمين علي
رضي الله عنه بتأويل فاسد لآيات ثابتة
وصريحة في كتاب الله، إنهم يزعمون
بإعلانهم (لا حكم إلا لله) أنهم المنحازون
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب
التحريض على قتل الخوارج، رقم ٢٥١٧،
١١٦/٣.
٤١٤
جوسين
القرآن الكريمِ

الوحدة
لحكم الله، والإمام خارج عليه؛ قلبًا للحقيقة هذا وقصدوا به وجه الله عز وجل لوفقهم
الله عز وجل، وجمع كلمتهم على الحق
وتبريرًا لخروجهم، وهذا كله بسب اتباعهم
لهواهم، ورفضهم للحق.
المبین، ومن أصر بعد ذلك على هواه فعلی
المسلمين أن يأخذوا على يديه، ولا يتركوه
ليهلك ويهلك المسلمين معه.
إن من اتبع هواه - من فرق أو أحزاب أو
جماعات أو أفراد - یشق عصا المسلمین،
ويكون عائقًا أمام وحدتهم؛ لأنه لا ينقاد إلى
ما توحد المسلمون عليه من كتاب الله عز
وجل وسنة نبيه صلی الله عليه وسلم، وهذه
هي الخطورة، وأصحاب الأهواء يعملون
على إحداث الفتن داخل الأمة، وإثارة
الشبهات، وكثرة المنازعات، مما يؤدي إلى
تبديد القوى، وإنهاك الطاقات، وتشتيت
الجهود، وذلك طريق الفشل الذي منيت
به الأمة الإسلامية، ولا يمكن أن تتوحد
أمة المسلمين اليوم إذا ما تمسك كل فريق
بهواه، وأبى أن ينزل على حكم الله وحكم
رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا بد من
تحاکم الجمیع إلى الله وإلى رسوله صلى
الله عليه وسلم إذا ما أردنا أن تعود للأمة
وحدتها المباركة.
وهذا لن يكون إلا بجهود العلماء
والعقلاء من كل فرقة من فرق المسلمين،
يجتمع هؤلاء العلماء القادة لفرقهم
وطوائفهم يتحاورون ويتناصحون
ويتباحثون في نقاط الخلاف التي بينهم،
ويجتهدوا في الوصول إلى الحق الذي
ينصاع إليه الجميع، ولو أخلصوا في عملهم
رابعًا: الإعجاب بالرأي:
بالإضافة إلى العوائق السابقة في طريق
وحدة الأمة الإسلامية، هناك عائق آخر
لا ينبغي أن يغفل عنه؛ فهو خطير أيضًا،
وبوجوده يصعب حصول الوحدة المنشودة،
إنه الإعجاب بالرأي، وذلك بأن تأخذ كل
فرقة أو جماعة من المسلمين برأي معين
تستحسنه وتتمسك به، تظن أنه الحق، وأن
الحق معها دون غيرها، ومن خالفها فهو
على خطأ؛ بل ربما يصل الأمر عند بعضهم
لأن يتجرأ ويخرج غيره ممن لم يوافق رأيه
من دائرة الإسلام.
إن الإعجاب بالرأي مثله مثل اتباع
الهوى؛ كلاهما يحجب صاحبه عن قبول
الحق، وكلاهما يسهم في شق الصف،
وإحداث الفرقة، وإعاقة الوحدة، فأنى لمن
أعجب برأيه وتعصب له أن يستمع لغيره؟
فضلًا عن أن يتنازل له.
لقد حذرنا النبي صلی الله عليه وسلم من
الإعجاب بالرأي والنفس، فعن أنس رضي
الله عنه عن رسول الله صلی الله عليه وسلم
www. modoee.com
٤١٥

حرف الواو
قال: (ثلاث منجيات، وثلاث مهلكات؛
فأما المنجيات فالعدل في الغضب والرضا،
والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله في
السر والعلانية، وأما المهلكات فشح مطاع،
وهوی متبع، وإعجاب المرء بنفسه) (١).
إن أمة الإسلام إن أرادت أن تحقق ما
أراد لها ربها عز وجل من توحدٍ واجتماع
واعتصام، إن أرادت أن تعيد وحدتها
المباركة، فلا بد لها من تجاوز كل هذه
العقبات والمعوقات، وهذا أمر واجب على
جميع أفراد الأمة، على الجميع أن يبذلوا
الجهود، ويضحوا بالمصالح الخاصة من
أجل المصلحة العامة.
فعلى العلماء والدعاة أن يوعوا المسلمين
بأهمية وحدة أمتهم، وأن يرشدوهم إلى
دورهم في تحقيق هذه الوحدة، وعليهم أن
یتحاوروا فیما بینھم، وينصح بعضهم بعضًا،
ويكون الحكم بينهم إذا ما اختلفوا في شيء
إلى كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله
عليه وسلم.
وعلى أولي الأمر أن يتحاوروا معًا، وأن
يتصفوا بالشجاعة والقوة، فيمد أحدهم يده
إلى إخوانه، ويبادر إلى إزالة ما بينه وبين
جيرانه المسلمین من حدود وجدر وضعها
الأعداء بيننا، ولتتلاقى الشعوب المسلمة،
ولتتقاسم لقمة العيش فيما بينها، ولتستغن
عن عدوها، والله معها، ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً
فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَكَةُّإِنَّ
اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨].
إن وحدة الأمة لیست حلمًا بعيد المنال،
وليست مجرد أمنية يتمناها المسلمون ولا
يجدون لها أثرًا على أرض الواقع؛ بل هي
فريضة شرعية، المسلمون قادرون على
تحقيقها، عندما تصدق نيتهم، وتكتمل
صحوتهم، وسیحدث ذلك بإذن الله، وما
ذلك على الله بعزيز.
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط، رقم ٥٤٥٢،
٣٢٨/٥، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم
٢٠٣/٢،٧٣١.
قال الألباني: رواه البزار واللفظ له والبيهقي
وغيرهما، وهو مروي عن جماعة من
الصحابة، وأسانيده وإن كان لا يسلم شيء
منها من مقال، فهو بمجموعها حسن إن شاء
الله تعالى. صحيح الترغيب والترهيب، رقم
٠١٠٨/١،٤٢٣
موسوعة التفسير
جوسى
القرآن الكريم
٤١٦

الوحدة
ثمار الوحدة
إن لوحدة المسلمين ثمارًا عظيمة،
ومنافع جسيمة؛ بل إن وحدتهم كلها منافع
وثمار، كلها خير وفائدة، ولا يمكن أن
تحصر ثمار الوحدة في وريقات قليلة أو
صفحات معدودة؛ لأن من ثمار الوحدة
ما لا يمكن أن يعبر عنه بالكلمات؛ ولكنه
يلمس في الطيبات التي يجنيها المسلمون
في ظل وحدتهم.
وقبل أن نقف على أهم ثمار الوحدة
علينا أن نسأل أنفسنا: ما هي الأضرار التي
أصابت المسلمين بسبب فرقتهم وتنازعهم؟
فعندما نقف على عظیم تلك الأضرار نعلم
علم اليقين ما في الوحدة والاجتماع من
ثمار وفوائد.
أليس المسلمون اليوم - بسبب فرقتهم -
في غاية الضعف والهوان؟ أليست دماؤهم
مستباحة؟ أليست أعراضهم منتهكة؟ أليست
ثرواتهم مسلوبة؟ أليست مقدساتهم أسيرة
مدنسة؟ هل يحسب للمسلمين حساب؟
هل يقام لهم وزن أم يجعل لهم اعتبار؟ هل
يستطيع المسلمون أن ينشروا دين الله أو أن
يبلغوا رسالة الأنبياء؟
هذا حال المسلمين عند فرقتهم، وهذا
کله یزول عند وحدتهم واجتماعهم.
وإن من أعظم ثمار الوحدة ما يأتي:
١. الفوز برضوان الله عز وجل ونيل ثوابه
بالتزام طاعته وطاعة رسوله صلى الله
عليه وسلم. فالله سبحانه هو الذي
أمرنا بالوحدة ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ
جَمِيعًا وَلَا تَغَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: ١٠٣].
وهو سبحانه الذي وصف أمتنا بالأمة
الواحدة ﴿وَإِنَّ هَذِهِة أُمََّكُمْ أُمَّةٌ وَِدَةً
وَأَنَا رَبُّكُمْ فَأَنَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢].
ورسوله صلى الله عليه وسلم أمرنا
أن نكون جسدًا واحدًا (مثل المؤمنين
فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل
الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له
سائر الجسد بالسهر والحمى) (١).
٢. حصول القوة والهيبة والمنعة لأمة
الإسلام، فبالوحدة تقوى شوكة
المسلمين نفسيًا وماليًا وعسكريًا
وسياسيًا، وإذا قويت الأمة بتوحدها
هابها أعداؤها، وحسبوا لها ألف
حساب، وبدلًا من أن تكون بلاد
المسلمين قصعة تنالها الأيدي من
كل حدب وصوب، تصبح كلمتها
مسموعة، ومواقفها مهابة، يبادر
الجميع لكسب ودها، وتسارع الأمم
لنيل رضاها، وبذلك تستعيد الأمة
كيانها المسلوب، وتأخذ حقوقها
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والآداب، باب تراحم المؤمنين، رقم ٦٧٥١،
٢٠/٨.
www. modoee.com
٤١٧

حرف الواو
المنهوبة. إن العقلاء من كل ملة وأمة
في القديم والحديث اتفقوا على أن
الوحدة سبيل العزة والنصرة، وإن
التاريخ يشهد أن من أهم أسباب سقوط
الدول على اختلاف عقائدها ومللها
التفرق والاختلاف، فالخلافة العباسية
- مثلاً - سقطت بعد أن تفرقت الدول
الإسلامية في ذلك الوقت، فنشأت
دويلات الشام، والمماليك، ولم يبق
للخلافة العباسية إلا دويلات متفرقة
متناثرة من العالم الإسلامي، فلما
زحف المغول إلى بغداد لم يقف في
وجه زحفهم غير أهل بغداد فقط،
فأعمل المغول فيهم القتل. وسقطت
الدولة الإسلامية في الأندلس بعد أن
أصبحت دويلات متفرقة متناحرة، ولم
تسقط الدولة العثمانية إلا بعد أن تمزق
جسدها إلى أشلاء متناثرة، وبعد أن
أغرى الصليبيون الجدد بعض زعماء
المسلمين بالانفصال عنها، وأحسنوا
إتقان العمل بقاعدة: فرق تسد، وهاهو
العالم الإسلامي اليوم منقسم إلى
دويلات متناحرة، تعيش على هامش
التاريخ، وتتجرع ألوان الهوان.
٣. بالوحدة يقام شرع الله، وتقام حدوده،
ويعلن الجهاد، وتجمع الزكوات،
ويكون للمسلمين خليفة واحد هو
أميرهم وإمامهم وقائدهم إلى العزة في
الدنيا، والفوز يوم القيامة.
٤. بالوحدة يرفع الظلم عن المظلومين،
ويؤخذ على أيدي الظالمين، وتصان
الحقوق، وينتشر العدل، ويحارب من
يحاول العبث بأمن المسلمين.
٥. المسلمون بوحدتهم يغيظون أعداءهم،
ويرهبونهم، وقد قال الله عز وجل
﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَّةٌ تَسُؤَّهُمْ وَإِن تُصِبِّكُمْ
سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْبِهَا﴾ [آل عمران: ١٢٠].
روى الطبري بسنده عن قتادة: « إذا رأوا
من أهل الإسلام ألفة وجماعة وظهورًا
على عدوهم، غاظهم ذلك وساءهم،
وإذا رأوا من أهل الإسلام فرقة
واختلافًا، أو أصيب طرف من أطراف
المسلمين، سرهم ذلك وأعجبوا به
وابتهجوا به»(١).
٦. وحدة المسلمين فيها نفع ورحمة
للعالمين جميعًا؛ إذ بوحدة المسلمين
يرى الناس جمال الدين، ورفعة
أخلاقه، وصورته المشرقة؛ فيرغبون
في الدخول فيه أفواجًا.
موضوعات ذات صلة:
الاجتماع، الاختلاف، الأمة، السياسة،
الضعف، العنصرية، الوهن
(١) جامع البيان، ٧/ ١٥٥.
٤١٨
لِلْقُرآن الكَرِيمِ