النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الوحدة عناصر الموضوع مفهوم الوحدة ٣٧٢ الوحدة في الاستعمال القرآني ٣٧٣ الألفاظ ذات الصلة ٣٧٤ ٣٧٦ أنواع الوحدة في القرآن ٣٨٠ الحث على الوحدة ٣٩٣ الوحدة والعبادات ٤٠١ أسباب الوحدة ٤٠٩ عوائق الوحدة ٤١٧ ثمار الوحدة المُجَلَدَ الرَّابِعْ وَالثَّلاثُونْ حرف الواو مفهوم الوحدة أولًا: المعنى اللغوي: ترجع لفظة (الوحدة) في معاجم العربية إلى الجذر الثلاثي (وحد)، والناظر في تلك المعاجم يجد أن مادة (وح د) لها عدة معانٍ؛ قال ابن فارس: ((الواو والحاء والدال أصلٌ واحد يدل على الانفراد، ومن ذلك الوحدة، وهو واحد قبيلته، إذا لم يكن فيهم مثله، والواحد: المنفرد)) (١). وفي لسان العرب: الواحد بني على انقطاع النظير وعوز المثل، والوحيد بني على الوحدة والانفراد عن الأصحاب من طريق بينونته عنهم، والعرب تقول: أنتم حي واحدٌ، والوحدة: الانفراد؛ يقال: رأيته وحده، وجلس وحده، وقيل: الواحد هو الذي لا يتجزأ ولا يثنى ولا يقبل الانقسام ولا نظير له ولا مثل، ولا يجمع هذين الوصفين إلا الله عز وجل (٢). (الوحدة الانفراد، والواحد في الحقيقة هو الشيء الذي لا جزء له البتة» (٣). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: الوحدة: هي اتحاد الدول أو البلاد والأفراد والجماعات في سائر أمور حياتهم ومعاشهم وسيرتهم وغايتهم، وبموجب هذه الوحدة يصبح الجميع شيئًا واحدًا، أو أمةً واحدةً، يقال: اتحد البلدان، أي: صارا بلدًا واحدًا (٤). ووحدة الأمة الإسلامية هي: توحد المسلمين جميعًا، واجتماعهم على أساس الدين الإسلامي الذي أنزله الله عز وجل، بحيث تلغى بينهم جميع الروابط الأخرى، كالروابط العرقية والقومية وروابط اللغة، ويصبح القاسم المشترك بين أفراد هذه الجماعة هو الدخول في دين الإسلام؛ عقيدة وعبادة ونظام حياة. (١) مقاييس اللغة ٦/ ٩٠. (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٦/ ٤٧٨٠، مختار الصحاح، الرازي ص ٧٤٠. (٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٩٤، التوقيف على مهامات التعاريف، المناوي ص ٧٢٠. (٤) انظر: وحدة الأمة الإسلامية في السنة النبوية، أحمد عمر هاشم ص ٧. ٣٧٢ جوب القرآن الكريمِ الوحدة الوحدة في الاستعمال القرآني وردت مادة (وحد) في القرآن الكريم (٩) مرات (١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال ج وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّ أُمَةَّ وَحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ اسم الفاعل مؤنثاً ٩ [يونس: ١٩] الوحدة في أصلها بمعنى الانفراد، وتستعمل في معنى الاتحاد والتوحد، أو صيرورة الاثنين فما فوقها واحدا(٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٧٤٥، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الواو ص ١٤٠٤. (٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٦/ ٩٠، تاج العروس، مرتضى الزبيدي، ٢٧٤/٩، مقاصد القرآن في السبع المثاني، أم سلمى محمد صالح، ص٣٠٤. www. modoee.com ٣٧٣ حرف الواو الألفاظ ذات الصلة الاجتماع: ١ الاجتماع لغة: التئام الشيء، وضم بعضه إلى بعض، وهو خلاف التفريق(١). الاجتماع اصطلاحًا: هو اجتماع الناس، وعدم تفرقهم، واجتماع القلوب بائتلافها، وعدم تفرقها. الصلة بين الاجتماع والوحدة: الاجتماع من صور وحدة الأمة الإسلامية، وهو مطلب عزيز، يتجلى مظاهره في أعظم الشعائر التعبدية؛ كالصلاة مع الجماعة، ومناسك الحج. الاعتصام: ٢ الاعتصام لغة: العصم: الإمساك، والاعتصام: الاستمساك. قال تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. أي: تمسكوا بعهد الله (٢). والاعتصام بحبل الله: هو ترك الفرقة، واتباع القرآن(٣). الاعتصام اصطلاحًا: ولا يختلف معنى الاعتصام في الاصطلاح عن معناه في اللغة. الصلة بين الاعتصام والوحدة: الاعتصام: الاستمساك بالشيء، افتعالٌ منه، والمقصود الاستمساك بحبل الله، وهو بهذا الاعتبار وسيلة لوحدة الأمة، وطريق إليها؛ ولهذا يقال: الاستمساك بحبل الله سبب للاجتماع ووحدة الصف، وعصمة من الخلاف والتفرق. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٧٩/١، لسان العرب، ابن منظور ٥٣/٨. (٢) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٩/ ٢٠٥، لسان العرب، ابن منظور ٤١٨/٣. (٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥٦٩. ٣٧٤ جَوَبُور لِلْقُرْآن الكَرِيمِ الوحدة التفرق: ٣ التفرق لغةً: خلاف التجمع، تفرق القوم وتفارقوا، والاسم الفرقة (١). والتفريق: خلاف التجميع، يقال: فرق الشيء تفريقًا وتفرقة: بدده، وهو متعدٍ، أما التفرق فلازم. والتفريق أبلغ من الفرق؛ لما فيه من معنى التكثير (٢). التفرق اصطلاحًا: لا يخرج معناه عن المعنى اللغوي. الصلة بين التفرق والوحدة: التفرق ضد الوحدة، ويعد من أهم أسباب ضعف الأمة، وثمرة من ثمار الاختلاف المذموم بين المسلمين؛ لأن من الاختلاف ما لا يصل إلى حد الافتراق، وهو أكثر أنواع الخلاف بین الأمة. (١) المخصص، ابن سيده ٣/ ٣٦٠. (٢) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ٩١٨. www. modoee.com ٣٧٥ حرف الواو أنواع الوحدة في القرآن أولًا: وحدة الخلق: لقد بين القرآن الكريم أن الناس جميعًا يربطهم رباط واحد، ويشتركون جميعًا بأمر وثيق، يجمعهم كلهم دون استثناء، إنهم جميعًا مخلوقون لخالق واحد، وأصلهم جميعًا أب واحد، قال تعالى مخاطبًا الناس جميعًا: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم ◌ِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءُ﴾ [النساء: ١]. فهذا خطاب من رب الناس للناس جميعًا، مهما تباعدت أزمانهم وأمصارهم، ومها اختلفت لغاتهم وألوانهم، يذكرهم ربهم بأنه المتوحد المتفرد بخلقهم جميعًا، معرفًا إِیاهم کیف کان مبتدأ إنشائهم، ومنبها لهم على أن جميعهم بنو رجلٍ واحدٍ وأمٍ واحدةٍ، وأن بعضهم من بعض، وأن حقّ بعضهم على بعض واجبٌ، وجوب حق الأخ على أخيه، لاجتماعهم في النسب إلى أبٍ واحدٍ وأمٍ واحدةٍ، وعاطفًا بذلك بعضهم على بعض؛ ليتناصفوا ولا يتظالموا، وليبذل القوي من نفسه للضعيف حقه بالمعروف (١). إن هذه الآية العظيمة التي افتتح الله بها سورة النساء، توحي بأن هذه البشرية التي (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥١٢/٧. جَوُورُ القرآن الكريمِ صدرت من إرادة واحدة، تتصل في رحم واحدة، وتنبثق من أصل واحد، وتنتسب إلى نسب واحد؛ ولو تذكر الناس هذه الحقيقة، لتضاءلت في حسهم كل الفروق التي نشأت في حياتهم متأخرة؛ ففرقت بين أبناء النفس الواحدة، ومزقت وشائج الرحم الواحدة، وكلها ملابسات ما كان يجوز أن تطغى على مودة الرحم وحقها في الرعاية، وصلة النفس وحقها في المودة، وصلة الربوبية وحقها في التقوی (٢). إن الناس جميعًا تجمعهم وحدة عقدية ووحدة الجنس؛ أما الوحدة العقدية فإن ربهم جميعًا واحد لا شريك له، هو الذي خلقهم، وهو الذي رزقهم، وهو الذي یمیتهم، وهو الذي يحييهم، وهو الذي أوجد أبيضهم وأسودهم، وعربيهم وأعجمیھم، وأما الوحدة الجنسية فالناس جميعًا على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وأجناسهم قد انحدروا عن أصل واحد وهو آدم عليه السلام (٣). يقول سيد قطب: ((إن استقرار هذه الحقيقة كان كفيلاً باستبعاد الصراع العنصري، الذي ذاقت منه البشرية ما ذاقت، وما تزال تتجرع منه حتى اللحظة الحاضرة؛ في الجاهلية الحديثة، التي تفرق بين (٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٥٧٤. (٣) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ٢٠/٣. ٣٧٦ الوحدة الألوان، وتفرق بين العناصر، وتقيم كيانها مدعاة للتفاخر وتعالي بعض الناس على على أساس هذه التفرقة، وتذكر النسبة إلى الجنس والقوم، وتنسى النسبة إلى الإنسانية الواحدة والربوبية الواحدة)) (١). وهناك آیات أخر في القرآن الکریم تؤكد على وحدة الناس جميعًا؛ وحدة الخالق الواحد، ووحدة التناسل من رجل واحد. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ فَسْتَقَرٌ وَمُسْتَوْدٌَ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴾ [الأنعام: ٩٨]. وقال في موضع ثانٍ: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَفْسِ وَحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ [الأعراف: ١٨٩]. وفي موضع ثالث قال سبحانه: ﴿خَلَقَكُمُ مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: ٦]. يمتن سبحانه في هذه الآيات على عباده بنعمة الخلق، ويذكرهم بأنهم جميعًا خلقوا من نفس واحدة. لقد خلق الله عز وجل الناس من نفس واحدة، ثم جعل من نسلها الشعوب والقبائل ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَ فُواْ إِنَّ أَكْرَ مَكَّرْ عِندَ الَّهِ أَنْقَنَّكُمْ إِنَّ اللَّهُ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]. وإن هذا التمايز بين الناس وتشعبهم إلى شعوب وقبائل مختلفة، لا ينبغي أن یکون (١) في ظلال القرآن ١/ ٥٧٤. بعض، فلقد بين الله عز وجل الغاية من وَجَعَلْشَكَرْ شَعُوبًا وَقَبَائِلَ ذلك التمايز بقوله: لِتَعَارَفُّواْ﴾ فالغاية هي التعارف لا التفاخر؛ التعارف الذي يؤدي إلى تأكيد معاني الوحدة والأخوة الجنسية، لا التفاخر الذي يؤدي إلى الفرقة والتشتت (٢) . هذه المعاني العظيمة قد أكد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع إذ قال: (يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا الأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى) (٣). ثانيًا: وحدة الملة والدين: لقد أخبرنا الله عز وجل في كتابه العزيز أن الناس مجتمعون على ملة واحدة ودين واحد. قال سبحانه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا أَخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ [البقرة: ٢١٣]. واختلف المفسرون في معنى تلك الملة (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦١/٢٦. (٣) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٢٣٤٨٩. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، ١٩٩/٦، رقم ٢٧٠٠. www. modoee.com ٣٧٧ حرف الواو التي كان الناس عليها؛ فذهب بعضهم إلى القول بأن الناس كلهم كانوا على الدين الحق، کانوا على الهدى مجتمعین، وقال بعضهم: كانوا مجتمعين على الكفر والباطل(١). ورجح شيخ المفسرين - الطبري - القول الأول، فقال: ((إن دليل القرآن واضحٌ علی أن الذین أخبر الله عنهم أنهم کانوا أمة واحدة، إنما كانوا أمة واحدة على الإيمان ودين الحق دون الكفر بالله والشرك به؛ وذلك إن الله عز وجل قال في سورة يونس: ﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلََّ أُمَّةٌ وَحِدَةً فَأَخْتَلَفُواْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن زَّيِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ١٩]. فتوعد جل ذكره على الاختلاف لا على الاجتماع، ولا علی کونهم أمة واحدة، ولو كان اجتماعهم قبل الاختلاف كان على الکفر ثم کان الاختلاف بعد ذلك، لم یکن إلا بانتقال بعضهم إلى الإيمان، ولو كان ذلك کذلك لکان الوعد أولی بحکمته جل ثناؤه في ذلك الحال من الوعيد لأنها حال إنابة بعضهم إلى طاعته، ومحال أن يتوعد في حال التوبة والإنابة، ويترك ذلك في حال اجتماع الجميع على الكفر والشرك)» (٢). (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٧٥/٤، لباب التأويل، الخازن ١/ ٢٠٠. (٢) جامع البيان ٤ / ٢٨٠. ولقد بین لنا ربنا عز وجل في كتابه أيضًا أنه سبحانه قادر على جعل الناس متوحدين على ملة الإسلام، وشريعة الحق الواحدة؟ ولكنه سبحانه يريد أن يبتلى عباده، قال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن ◌ِّيَبْلُوَّكُمْ فِ مَآ ءَاتَنَكُمْ﴾ [المائدة: ٤٨]. ومعنى الآية: لو شاء الله عز وجل أن یجعل الأمم جميعا أمة واحدة، تدین بدین واحد، وبشريعة واحدة لفعل؛ لأنه سبحانه لا يعجزه شيء؛ ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك؛ وإنما شاء أن يجعلكم أمما متعددة ليختبركم فيما آتاكم من شرائع مختلفة في بعض فروعها، ولكنها متحدة في جوهرها وأصولها؛ فيجازي من أطاعة بما يستحقه من ثواب، ويجازي من خالف أمره بما يستحقه من عذاب (٣). وفي ذات المعنى يقول جل وعلا: ﴿وَلَوَّ شَآءَ اَللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ وَلَتُتُعَلُنَّ عَمَّا كُتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٣]. (( أي: ولو شاء الله عز وجل لوفقكم كلكم، فجعلكم على ملة واحدة، وهي الإسلام والإيمان، وألزمكم به، ولكنه سبحانه یضل من يشاء ممن علم منه إيثار الضلال، فلا یهدیه عدلا منه، ویهدي من (٣) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ٤/ ١٨٤. ٣٧٨ جوسين القرآن الكريمِ الوحدة يشاء ممن علم منه إيثار الحق، فيوفقه فضلا سألت مالكا عن هذه الآية قال: خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير؛ منه، وليسألنكم الله جميعًا يوم القيامة عما كنتم تعملون في الدنيا فيما أمرکم به، ونهاکم عنه، وسیجازیکم علی ذلك)» (١). أي خلق أهل الاختلاف للاختلاف، وأهل الرحمة للرحمة. وروي عن ابن عباس أيضًا قال: خلقهم فريقين، فريقا يرحمه وفريقا لا يرحمه)) (٣). وكذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ ◌َجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَحِدَةٌ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ لـ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَإِذَلِكَ خَلَقَهُمُّ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَيِّكَ لَّأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩]. یخبر سبحانه في هذه الآية أنه لو شاء لجعل الناس كلهم أمة واحدة على الدين الإسلامي، فإن مشيئته غير قاصرة، ولا يمتنع عليه شيء، ولكنه اقتضت حكمته، أن لا يزالوا مختلفين، مخالفين الصراط المستقیم، متبعين للسبل الموصلة إلى النار، إلا من رحم ربك فهداهم إلى العلم بالحق والعمل به، والاتفاق عليه، فهؤلاء سبقت لهم، سابقة السعادة، وتداركتهم العناية الربانية والتوفيق الإلهي (٢). وقوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ أي: اقتضت حكمته، أنه خلقهم، ليكون منهم السعداء والأشقياء، والمتفقون والمختلفون؛ ليتبين للعباد، عدله وحكمته. قال القرطبي: ((وإلى هذا أشار مالك رحمه الله فیما روى عنه أشهب؛ قال أشهب: (١) التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص ٢٧٧. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٩٢. وَلَوْ ومثل هذه الآية قول الله عز وجل: شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَيْهِ، وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٨]. ولما بين الله عز وجل أن الناس كانوا على ملة واحدة ودين واحد، وبين أيضًا أنه سبحانه قادر على جمع الناس كلهم على ملة الإسلام، مدح أمة التوحيد المجتمعة على الإيمان، المتوحدة على أساس العقيدة ودين ربها عز وجل، فقال: ﴿إِنَّ هَذِهِة أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَأَعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢]. وَإِنَّ هَذِهِةٍ وفي سورة المؤمنين: أُمَّةً وَبِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَنَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢]. فهذه أمة الإسلام ملة واحدة، من عهد آدم عليه السلام إلى عهد محمد صلى الله علیه وسلم؛ إذ دين الأنبياء واحد، وأتباع الرسل ملة واحدة، ومن سار على نهجهم (٣) الجامع لأحكام القرآن ٩/ ١١٥. www. modoee.com ٣٧٩ حرف الواو إلى قيام الساعة فهو من أمتهم (١). والملاحظ: أن كلمة الوحدة مضافة إلى الأمة أي وحدة الأمة لم ترد في القرآن الكريم، ولكن ورد وصف الأمة بأنها أمة واحدة، فالتركيز في القرآن قد جاء على مفهوم الأمة التي توصف بأنها أمة واحدة، وليس على مفهوم الوحدة التي تضاف إلى الأمة، وهذا يعني أن الأمة الواحدة هي الأصل، أما مسألة توحيد الأمة ووحدتها فهي طارئة بعدما حل بالأمة ما حل (٢). الحث على الوحدة أولًا: الأمر بالوحدة: الآيات التي تأمر بالوحدة وتحث عليها كثيرة في كتاب الله عز وجل، لا تحتاج إلى بذل جهد وإعمال فكر من أجل الوقوف عليها؛ فالقرآن الكريم قد جعل وحدة المسلمين وتآلفهم واجتماع كلمتهم من أصول الدين، وقواعده العظيمة، ولقد تنوعت أساليب القرآن الكريم في الدلالة على وجوب الوحدة؛ وذلك كما يلي: ١. الأمر الصريح بالوحدة. لقد ورد الأمر بالوحدة صريحًا في كتاب الله عز وجل، كما في قول الله عز وجل: وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنُمْ أَعْدَاءُ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ: إِخْوًَا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُوْ نَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣]. فهذه الآية الكريمة تأمر المسلمين بأن یکونوا جمیعًا مستمسکین بکتاب الله وبدينه وبعهوده، ولا يتفرقوا، كما كان شأنهم في الجاهلية، بضرب بعضهم رقاب بعض. قال الطبري: (( يريد بذلك تعالى ذكره: وتمسكوا بدین الله الذي أمركم به، وعهده الذي عهده إليكم في كتابه إليكم، من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر (١) انظر: أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري ٤٤٠/٣. (٢) انظر: هموم الأمة الإسلامية، محمود حمدي زقزوق ص ٧١. ٣٨٠ صَوَ سَو ◌َةُ النَّفِيَّة القرآن الكريم الوحدة الله)) (١). وفى الآية استعارة تمثيلية حيث شبه الله عز وجل الحالة الحاصلة من تمسك المؤمنين بدينه وبكتابه وبعهوده وبوحدة كلمتهم، بالحالة الحاصلة من تمسك جماعة بحبل وثيق مأمون الانقطاع، ألقى إليهم من منقذ لهم من غرق أو سقوط أو نحوهما (٢). وقد روى الطبري بسنده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (( يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة؛ فإنها حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة، هو خير مما تستحبون في الفرقة)) (٣). وقد تعددت آراء المفسرين في معنى ﴿يَحَبْلِ اللَّهِ﴾ الذي أمر الله المؤمنين بالاعتصام به، فقال بعضهم: کتاب الله، وقال بعضهم: دين الله، وقال بعضهم: أمر الله وطاعته، وقال بعضهم: الجماعة (٤). قال القرطبي: ((والمعنى كله متقارب متداخل؛ فإن الله تعالی یأمر بالألفة، وینھی عن الفرقة؛ فإن الفرقة هلكة، والجماعة نجاة)»(٥). (١) جامع البيان ٧/ ٧٠. (٢) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ١٩٩/٢. (٣) جامع البيان ٧/ ٧٥. (٤) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ١/ ٤٣٣. (٥) الجامع لأحكام القرآن ١٥٩/٤. ومن الآيات التي تأمر المسلمين بالوحدة والاعتصام والتكافل قول الله عز وجل: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِ وَالنَّقْوَىّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ﴾ [المائدة: ٢]. فهذه الآية تأمر المسلمين بالتعاون على كل ما هو خير وبر وطاعة لله عز وجل، وتنهاهم عن التعاون على ارتكاب الآثام، والاعتداء على حدوده؛ فإن التعاون على الطاعات والخيرات يؤدي إلى السعادة، أما التعاون على ما يغضب الله عز وجل فيؤدي إلى الشقاء (٦). وبتعاون المسلمين معًا، ومساعدة بعضهم لبعض، يصبح المجتمع المسلم جسدًا واحدًا، متماسكًا مترابطًا، قال القرطبي: (( وهو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى؛ أي ليعن بعضكم بعضًا، وتحاثوا على ما أمر الله تعالی واعملوا به، وانتهوا عما نهى الله عنه وامتنعوا منه))(٧). يقول السعدي: ((يرشد القرآن الكريم المسلمين إلى إقامة جميع مصالحهم، وأنه إذا لم يكن حصولها من الجميع فليشتغل بكل مصلحة من مصالحهم من يقدر على القيام بها، وليوفر وقته عليها لتقوم مصالحهم، وتکون وجهتهم جمیعًا واحدة، وهذه من القواعد الجليلة ومن السياسة (٦) التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ٤/ ٣٢. (٧) الجامع لأحكام القرآن ٤٦/٦. www. modoee.com ٣٨١ حرف الواو الشرعية الحكيمة، فإن كثيرًا من المصالح العامة الكلية لا يمكن اشتغال الناس كلهم بها، ولا يمكن تفويتها، فالطريق إلى حصولها ما أرشد الله عباده إليه، قال تعالى في الجهاد والعلم اللذين هما من أعظم مصالح الدين: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَافَّةٌ فَلَوَّلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآئِقَةٌ لِيَنَفَقَّهُواْ فِىِ الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوّاً إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]. فأمر أن يقوم بالجهاد طائفة كافية وبالعلم طائفة أخرى، وأن الطائفة القائمة بالجهاد تستدرك ما فاتها من العلم إذا رجعت (١). وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِ وقال تعالى: وَاُلْنَّقْوَى ﴾ [المائدة: ٢]. ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَتْتَهُمْ﴾ وقال تعالى: [الشورى: ٣٨]. إلى غير ذلك من الآيات الدالات على هذا الأصل الجليل والقاعدة النافعة، وبقيام كل طائفة منهم بمصلحة من المصالح تقوم (١) والآية تحتمل معنى آخر: وهو أن الطائفة التي قد خرجت مع الرسول صلى الله عليه وسلم هم الذين شهدوا الوحي الذي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في مدة الغزو، وعليهم أن يبلغوا ذلك إلى قومهم الذين لم يخرجوا للغزو إذا رجعوا إليهم. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣١٨/٧. المصالح کلها، لأن كل فرد مأمور أن يراعي المصالح الكلية، ويكون سائرًا في جميع أعماله إليها، فلو وفق المسلمون لسلوك هذه الطریق لاستقامت أحوالهم وصلحت أمورهم وانجابت عنهم شرور كثيرة، فالله المستعان)) (٢). لقد أمر القرآن العظيم بأمور عظيمة، من شأنها أن توحد الأمة، وتزيدها ترابطًا وتماسكًا؛ بل ألفة ومحبة؛ لقد أمر بير الوالدين، وأمر بصلة الأرحام، وأمر بالإحسان إلى أولي القربى واليتامى والمساكين، لقد أمر بحسن معاشرة الزوجة، وأمر بالإحسان إلى الجار والآيات في ذلك معلومة كثيرة، منها تلك الآية الجامعة من سورة النساء، إذ يقول ربنا عز وجل: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِ شَيْئًا وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْبَ وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ اٌلْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنَّبِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦]. يأمر الله عز وجل في هذه الآية بعبادته وحده لا شريك له، ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين - وكثيرا ما يقرن الله سبحانه بين عبادته والإحسان إلى الوالدين - ثم عطف على الإحسان إليهما الإحسان إلى القرابات من الرجال والنساء، ثم أوصى باليتامى؛ (٢) القواعد الحسان، السعدي ص ١٢٩. جَوَسُولَةُ التَّقِينَ القُرآن الكَرِيْمِ ٣٨٢ الوحدة وذلك لأنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) (٢). ومن ینفق علیھم، فأمر الله بالإحسان إليهم، ثم أوصی بالمساکین من ذوي الحاجات، الذين لا يجدون من يقوم بكفايتهم، فأمر الله سبحانه بمساعدتهم بما تتم به كفايتهم وتزول به ضرورتھم، ثم أوصى بالجار ذي القربى والجار الجنب، يعني: الجار الذي بينك وبينه قرابة، والجار الذي ليس بينك وبينه قرابة، وقيل: الجار الجنب يعني الرفيق في السفر، ثم أوصى بالصاحب بالجنب، قيل: يعني المرأة، وقيل: يعني: الضعيف، وقيل: هو جليسك في الحضر ورفيقك في السفر، ثم أوصى بابن السبيل، وهو الضيف، وقيل: هو الذي يمر عليك مجتازًا في السفر، وختم عز وجل تلك الوصايا العظيمة بالوصية بما ملكت اليمين، وهم الأرقاء؛ لأن الرقيق ضعيف الحيلة أسير في أيدي الناس(١)، ويأخذ حكمهم في زماننا العمال والخدم ونحوهم. وقد جاءت السنة مؤكدة على أمر القرآن بالوحدة والاعتصام، وذلك في أحاديث كثيرة، يضيق المقام هنا بذكرها، من ذلك الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلی الله عليه وسلم إنه قال: (إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثًا، ويكره لكم ثلاثًا: فيرضى لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٣/٤. ٢. تقرير الأخوة بين المؤمنين جميعًا. لقد وصف القرآن الكريم المؤمنين بأعظم وصف يدل على وحدتهم واجتماعهم، لقد وصفهم بأنهم إخوة؛ فكما أن الإخوة في النسب تربطهم روابط قوية من المحبة والألفة وحرص كل منهم على مصلحة أخيه، فكذلك حال الأخوة بين المؤمنين. ﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ قال تعالى: فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠]. إن هذه الأخوة هي بمثابة عقد عقده الله بين المؤمنين؛ فأينما وجد المؤمن -في مشارق الأرض أو في مغاربها- فإنه أخ للمؤمنين، أخوةٌ توجب أن يحب له المؤمنون ما یحبون لأنفسهم، ویکرهون له ما یکرهون لأنفسهم (٣). قال ابن عاشور: « وجيء في الآية بصيغة القصر، المفيدة لحصر حالهم في حال (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة والنهي عن منع وهات، ١٣٤٠/٣، رقم ٠١٧١٥٠ (٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٠٠. www. modoee.com ٣٨٣ حرف الواو الإخوة؛ مبالغةً في تقرير هذا الحكم بين بالسهر والحمى) (٢). المسلمين، وأخبر عنهم بأنهم إخوة مجازًا على وجه التشبيه البليغ، زيادة في تقرير معنى الأخوة بینھم، حتى لا يحق أن يقرن بحرف التشبيه المشعر بضعف صفتهم عن حقيقة الأخوة، وهذه الآية فيها دلالة قوية على تقرر وجوب الأخوة بين المسلمين؛ لأن شأن (إنما) أن تجيء لخبر لا يجهله المخاطب، ولا يدفع صحته، أو لما ينزل منزلة ذلك؛ فلذلك كان قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اٌلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ مفيد أن معنى الأخوة بينهم معلوم مقرر)) (١). إن في تقرير القرآن الكريم للأخوة بين المؤمنين أعظم دليل على حثه واهتمامه بوحدتهم وتماسکھم؛ حتی یکونوا جميعًا إخوانًا، وإن هذه الأخوة التي قررها القرآن أي: لا یأکل أحدكم مال أخیە، إلی غیر ذلك من الآيات. ولذلك ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا الكريم هي أخوة مبنيةٌ على أساس متين؛ يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب فالذي يربط المؤمنين ببعض هو رباط العقيدة والدين، وهذا أقوى من كل رباط يجمع الناس، حتى ولو كان رباط نسب (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، ٢٠/٨، رقم ٦٧٥١. أو رحم، فالمؤمنون بهذا الرباط كالجسد الواحد، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتکی منه عضو تداعى له سائر الجسد (١) التحرير والتنوير ٢٤٣/٢٦. ولذلك يكثر في القرآن العظيم إطلاق النفس وإرادة الأخ؛ تنبيهًا على أن رابطة الإسلام تجعل أخا المسلم كنفسه، كقوله تعالى: ﴿لَّوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّأْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ يِأَنْفُسِهِمْ خَيْرٌ﴾ [النور: ١٢]. أي: بإخوانهم على أصح التفسيرين (٣)، وقوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوَاْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] . أي: لا یعب بعضكم بعضًا، وعبر بالنفس لأن المؤمنين جميعًا كنفس واحدة (٤). وقوله: ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَنْوَلَكُمْ بَيْنَكُم بِاَلْبَطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]. (٣) نقل الشوكاني عن الحسن رضي الله عنه: معنى بأنفسهم بأهل دينهم لأنّ المؤمنين كنفس واحدة، وقال النحاس: بأنفسهم أي بإخوانهم. انظر: فتح القدير ١٩/٤. (٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٠٣٢٧/١٦ ٣٨٤ مَوَسُولَرُ النفسية لِلْقُرْآن الكَرِيمِ الوحدة لنفسه)(١) (٢). وسنة النبي صلى الله عليه وسلم عامرةٌ ومن الآيات الدالة على أن الدين بالأحاديث المؤكدة على ما أقره القرآن الكريم؛ من وجوب الأخوة بين المسلمين عامة، وبيان ما على المسلمين من حقوق لإخوانهم، مما يضمن الحفاظ على تلك الأخوة وتلك المودة، وصيانتها من کل ما يخالف معانيها العظيمة. والإيمان والعقيدة الخالصة هي الرابطة الحقيقية التي توحد المسلمين جميعًا، وأن تلك الرابطة تتلاشى معها جميع الروابط النسبية والعصبية والقبلية: قوله تعالى: ﴿لَّا تَّجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَدُونَ مَنْ حَادَّ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانُواْ ءَبَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَّهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]. فأخوة العقيدة والدين هي الكفيلة بتوحيد أمة الإسلام قاطبة، ولا يجوز لمسلم أن يقدم كافرًا ولو كان ذا قرابة ونسب على مسلم ولو كان الأخير أعجميًا بعيدًا. فالمؤمنون إخوة متحابون، وإن مناط هذه الأخوة وأساسها إنما هو رابط الإسلام وعقيدته الصحيحة وهي من أهم أسباب وحدة الصف وقوة البنيان بين أفراد الأمة المسلمة وإن التحابب بين المسلمين والحرص على روابط الأخوة المستمدة من الإيمان والعقيدة سر قوة الأمة ومفتاح نجاحها(٣). (١) أخرجه البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه، كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، رقم ١٢/١،١٣. (٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤٣/٣. (٣) انظر: تبصير المؤمنين بفقه النصر والتمكين في القرآن الكريم، علي الصلابي، ص ٣١٨. فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ها هنا) ويشير إلى صدره ثلاث مرات (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه)(٤). وقد قال صلى الله عليه وسلم ممثلًا حال الإخوة من المؤمنين بأعظم مثال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا)(٥). وشبك صلی الله علیه وسلم بین أصابعه، وليس المقام هنا مقام سرد لتلك الأحاديث (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله، ح ١٠/٨،٦٧٠٦. (٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، ح ٢٠/٨،٦٧٥٠. www. modoee.com ٣٨٥ حرف الواو العظيمة فنكتفي بما أشرنا إليه. ولا يخفى على كل مطلع على سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ما قام به صلى الله عليه وسلم من المؤاخاة بين أصحابه الكرام؛ حيث آخى بين المهاجرين أنفسهم، وآخى بين الأنصار أنفسهم، وآخی بين المهاجرين والأنصار جميعًا، وكانت أروع صور المؤاخاة التي عرفها تاريخ البشرية، هذا الإخاء الذي ذابت فيه عصبيات الجاهلية، وسقطت فوارق النسب واللون والوطن، فلا يكون أساس الولاء والبراء إلا الإسلام، وقد امتزجت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة وإسداء الخير في هذه الأخوة، وملأت المجتمع الجديد بأروع الأمثال (١)، حتى قال الواحد منهم لأخيه: إني أکثر الأنصار مالًا؛ فأقسم مالي نصفین، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها(٢). (١) انظر: الروض الأنف، السهيلي ٣٥٠/٢. (٢) الحديث: عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال: لما قدموا المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، فقال لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالاً، فأقسم مالي نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلّقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب إخاء النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، رقم ٣٧٨٠، ٣١/٥. ٣. الأمر بالإصلاح بين المؤمنين عند حدوث الخلاف بينهم. ومن أساليب القرآن الكريم في الحث على وحدة المسلمين وتجمعهم، أنه أمر بالمبادرة إلى الإصلاح بين المؤمنين إذا ما نزغ الشيطان بين طائفتين منهم فحصل بينهم نزاع أو اقتتال. قال تعالى: ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَاْ فَإِنَّ بَغَتْ إِحْدَدُهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَدِلُواْ الَّتِى تَبْغِ حَّى تَفِىَِّ إِلَى أَمْرِ الَّهِ فَإِنِ فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]. ففي هذه الآية نهيٌّ من الله عز وجل للمؤمنين عن أن يبغي بعضهم على بعض، ويقاتل بعضهم بعضًا، فإن اقتتلت طائفتان منهم، فإن على غيرهم من المؤمنين أن یتلافوا هذا الشر الکبیر، بالإصلاح بینھم، والتوسط بذلك على أكمل وجه يقع به الصلح، ويسلكوا الطريق الموصلة إلى ذلك، فإن حدث الصلح فبها ونعمت، وإن ﴿بَغَتْ إِحْدَمُهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَدِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَقَّى تَفِىءَ إِلَى أَمْرِ الَّهِ﴾ أي: ترجع إلى ما حد الله ورسوله، من فعل الخير وترك الشر، الذي من أعظمه الاقتتال، وقوله: ﴿فَإِنْ فَآءَتْ ولا يخفى ما في مثل هذه المواقف العظيمة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بيان لأهمية الإيثار والعفة في تحقيق معاني الوحدة الحقيقية. ٣٨٦ جَوَُّو لِلْقُرآن الكَرِيمِ الوحدة فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدّلِ﴾ هذا أمر بالصلح، وكثرته، وكذلك التعبير بقوله: ﴿فَإِنَّ بَغَتْ إِحْدَنُهُمَا عَلَى الْأَخْرَى﴾ في غاية الحسن لأنه (٢) وبالعدل في الصلح، فإن الصلح قد يوجد، ولكن لا يكون بالعدل، بل بالظلم والحيف على أحد الخصمين، فهذا ليس هو الصلح المأمور به (١). وفي الآية لطائف عظيمة تدل على أن الاقتتال بين المؤمنين شاذ عن الأصل المأمور به من الوحدة والأخوة والتآلف؛ حيث عبرت الآية عن حدوث ذلك الاقتتال بأداة الشرط (إن) التي تفيد ندرة الوقوع وقلته، وفي ذلك إشارة إلى أنه ينبغي أن لا يقع الاقتتال إلا نادرًا، ثم إن الآية الكريمة استعملت لفظة: ﴿طَآَيِفَتَانِ﴾ ولم تستعمل لفظة: (فرقتان) وذلك للدلالة أيضًا على التقليل؛ لأن الطائفة دون الفرقة، ثم إن الآية قالت: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم تقل: (منكم) مع أن الخطاب للمؤمنين تنبيهًا على قبح ذلك، وزجرًا لهم عنه، كما يقول السيد لعبده: إن رأيت أحدًا من غلماني يفعل كذا فامنعه، فيصير بذلك مانعًا للمخاطب عن ذلك الفعل بالطريق الحسن، كأنه يقول أنت حاشاك أن تفعل ذلك فإن فعل غيرك فامنعه. ولا يخفى أيضًا تعبير الآية بالفعل الماضي ﴿اقْنَتَلُواْ﴾ بدل الفعل المضارع (يقتتلوا) حتى لا يدل دوام ذلك الاقتتال (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٠٠. يفيد الندرة وقلة الوقوع ٠ ومن اللطائف في الآية أيضًا أن الله تعالى خاطب المؤمنين فيها بقوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، فلا ينبغي لهم أن يسمحوا لغيرهم من الكفار والمنافقين أن يتدخلوا في شؤونهم؛ فإنهم أي الكفار والمنافقين لا يزيدونهم إلا خبالًا وشقاقًا كما نرى في واقع المسلمين اليوم !! ومن الآيات الكريمات التي تأمر بإصلاح ذات البين (٣): قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ اَلْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنفال: ١]. حیث نزلت هذه الآية عندما وقع خلاف بین المسلمین في غنائم بدر، وفي قسمتها، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تقسم؟ ولمن الحكم في قسمتها؟ للمهاجرين أم للأنصار أم لهم جميعًا؟ فكان الجواب من الله عز وجل: قل لهم هي لرسول الله، وهو الحاكم فيها خاصة، یحکم ما يشاء، ليس لأحد غيره فيها حکم، (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٠٩/٢٨. (٣) ذات البين: ما بين القوم من القرابة والصلة والمودة، أو ما بينهم من العداوة والبغضاء. انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١/ ٨٠. www. modoee.com ٣٨٧ حرف الواو في الاختلاف والتخاصم، فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وكونوا متآخين في الله، ﴿وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ يعني: ما بينكم من الأحوال حتى تكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق، والبين الوصل أي: فاتقوا الله، وكونوا مجتمعين على ما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم(١). قال ابن كثير: (( اتقوا الله في أموركم، وأصلحوا فيما بينكم، ولا تظالموا، ولا تخاصموا، ولا تشاجروا؛ فما آتاكم الله من الهدى والعلم خير مما تختصمون بسببه، ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: في قسمه بینکم على ما أراده الله، فإنه إنما يقسمه كما أمره الله من العدل والإنصاف، وقال ابن عباس: هذا تحریج من الله ورسوله أن يتقوا ويصلحوا ذات بینهم، وكذا قال مجاهد»(٢). ولقد رغب القرآن الكريم في الإصلاح ﴿لَا خَيرَ في بين المسلمين، فقد قال تعالى: كَثِيرٍ مِن نَّجْوَئُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَح بَيْنَ النَّاسَِّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُوْنِيهِ أَجْرًاً عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]. يقول أبو بكر الجزائري مفسرًا لهذه الآية: (( يخبر تعالى أنه لا خير في كثير من أولئك المتناجين، ولا في نجواهم؛ لنفاقهم وسوء (١) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ١٢٦/٢. (٢) تفسير القرآن العظيم ١٣/٧. طواياهم، اللهم إلا في نجوى أمر أصحابها بصدقة تعطى لمحتاج إليها من المسلمين، أو معروف استحبه الشارع أو أوجبه من البر والإحسان، أو إصلاح بين الناس للإبقاء على الألفة والمودة بين المسلمين، ثم أخبر تعالى أن من يفعل ذلك المذكور من الصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس طلبًا لمرضاة الله تعالی فسوف یثیبه بأحسن الثواب؛ ألا وهو الجنة، دار السلام؛ إذ لا أجر أعظم من أجر يكون الجنة))(٣). وقد أكدت السنة المشرفة هذا المعنى العظيم، من الحث على إصلاح ذات البين، والترغيب فيه، فعن أبى الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة)، قالوا: بلى. قال: (إصلاح ذات البين وفساد ذات البين الحالقة) (٤)، وغير ذلك من الأحاديث. إن هذه الآيات الكريمات التي تأمر وتحث على الإصلاح بين المسلمين، لهي آيات تدل على حرص هذا الكتاب العزيز على وحدة صف المؤمنين، وعدم السماح (٣) أيسر التفاسير ١/ ٥٤١. (٤) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٢٧٥٤٨، ٦/ ٤٤٤ وأبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في إصلاح ذات البين، رقم ٤٩٢١، ٤/ ٠٤٣٢ وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، رقم ٢٨١٤. ٣٨٨ صَوَسُوبَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريمِ الوحدة لأي أمر - مهما كان - أن يفرق كلمتهم، كل واحد يعمل ويسعى في شهوة نفسه، أو یشتت شملهم، فالمؤمنون إخوة، وأمة الإسلام أمة واحدة، لها دین واحد، وتعبد ربًا واحدًا. ثانيًا: النهي عن الفرقة والاختلاف: كما أن القرآن الكريم أمر بالوحدة وحث عليها، فإنه في مقابلة ذلك نهى عن الفرقة والاختلاف، وحذر منهما تحذيرًا عظيمًا، وذلك في آيات عدة من الكتاب العزيز، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بَحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَأَذْ كُرُوا نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنُمْ أَعْدَاءُ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ. إِخْوَنَا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنْقَذَّكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣]. حيث (( أمر الله عز وجل عباده المؤمنين في هذه الآية بما يعينهم على التقوى، وهو الاجتماع والاعتصام بدين الله، وكون دعوى المؤمنين واحدة، مؤتلفين غير مختلفين، فإن في اجتماع المسلمين على دينهم، وائتلاف قلوبهم يصلح دينهم، وتصلح دنياهم، وبالاجتماع يتمكنون من كل أمر من الأمور، ويحصل لهم من المصالح التي تتوقف على الائتلاف ما لا يمكن عدها، كما أن بالافتراق والتعادي يختل نظامهم وتنقطع روابطهم، ويصير ولو أدى إلى الضرر العام وفي هذه الآية ما يدل على أن الله يحب من عباده أن يذكروا نعمته بقلوبهم وألسنتهم؛ ليزدادوا شكرا له ومحبة، ولیزیدهم من فضله وإحسانه، وإن من أعظم ما يذكر من نعمه نعمة الهداية إلى الإسلام، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم واجتماع كلمة المسلمين وعدم تفرقها))(١). ولقد قال الله عز وجل بعد هذه الآية بآية واحدة: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَأَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيِّنَتْ وَأُوْلَيْكَ لَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥]. (( نهى الله سبحانه في هذه الآية عباده المؤمنين أن يكونوا كأهل الكتاب الذين وقعت بينهم العداوة والبغضاء؛ فتفرقوا شيعًا وأحزابًا، واختلفوا في أصول دينهم، من بعد أن اتضح لهم الحق، وأولئك مستحقون لعذاب عظيم موجع)) (٢). وأخرج الطبري عن ابن عباس رضي الله عنه في هذه الآية قال: (( في هذا ونحوه من القرآن أمر الله جل ثناؤه المؤمنين بالجماعة؛ فنهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله)) (٣). (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٤١. (٢) التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص ٤٠٤. (٣) جامع البيان ٩٣/٧. www. modoee.com ٣٨٩ حرف الواو يقول الدكتور وهبة الزحيلي معلقًا على والقوة (٢). الآية السابقة: ((إن التفرق في الدين أمر حرام ومنكر عظيم، مؤذن بتدمير المصلحة العامة، والقضاء على وجود الدولة المسلمة والأمة المؤمنة، وقد عد القرآن الكريم المتفرقين في الدين من الكفار والمشركين، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٢ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَقًّا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢] . وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِيْنَهُمْ وَكَانُواْ شِيَمًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَىْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اَللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩]. ومن ترك الاعتصام بالقرآن والإسلام، ورد الأمر المتنازع فيه إلى غير الكتاب والسنة كان أيضًا من الكافرين))(١). ونظير هذه الآيات التي تنهى عن الفرقة والاختلاف قول الله عز وجل: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا تَشَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيِحُكْ وَأَصْبِرُوَأْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]. ففي هذه الآية أمر من الله عز وجل لعباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، ونهي عن التنازع الذي يؤدي إلى الافتراق واختلاف القلوب، ومن ثم الضعف والجبن والفشل وذهاب الريح (١) التفسير المنير ٣٦/٤. جَوَسُولَة التَّقِينَ القرآن الكريمِ يقول ابن عاشور: ((والنهي عن التنازع أعم من الأمر بالطاعة لولاة الأمور؛ لأنهم إذا نهوا عن التنازع بينهم، فالتنازع مع ولي الأمر أولى بالنهي؛ ولما كان التنازع من شأنه أن ينشأ عن اختلاف الآراء - وهو أمر مرتكز في الفطرة - بسط القرآن القول فيه ببيان سيىء آثاره، فجاء بالتفريع بالفاء في قوله: ﴿فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ فحذرهم أمرين معلومًا سوء مغبتهما: وهما الفشل وذهاب الريح وإنما كان التنازع مفضيا إلى الفشل؛ لأنه يثير التغاضب ويزيل التعاون بين القوم، ويحدث فيهم أن يتربص بعضهم ببعض الدوائر، فيحدث في نفوسهم الاشتغال باتقاء بعضهم بعضًا، فيصرف الأمة عن التوجه إلى ما فيه نفع جميعهم، ويصرف الجیش عن الإقدام على أعدائهم، فیتمکن منهم العدو؛ وذلك لأن التنازع يفضي إلى التفرق، وهو يوهن أمر الأمة))(٣). ومن الآيات التي تحث على الاجتماع، وتذم الفرقة قول الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ: إِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَنْ أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلَا تَنَفَرَّقُواْ فِيهِ ﴾ [الشورى: ١٣]. قال ابن كثير: (( أوصى الله تعالى (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٣ / ٥٧٥. (٣) التحرير والتنوير ٣٠/١٠. ٣٩٠