النص المفهرس

صفحات 21-29

الوجه
من حظوظ النفس فقد خرج عن الإخلاص المقصد والقوة على الجد في أعمال الدين،
وذكر الوجه لأنه جامع حواس الإنسان
وأشرفه»(٥).
ومن كلام الفضيل بن عياض ترك العمل
من أجل الناس رياء والعمل من أجل الناس
شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما (١).
وجاء في تزكية النفوس «هو إفراد الله عز
وجل بالقصد في الطاعات))(٢).
ولقد تضافرت النصوص في الكتاب
والسنة مبينة فضل الإخلاص وأهميته
وضرورته في قيام دولة الإسلام في نفس
الداعية أولًا، ثم على أرض الواقع ثانيًا،
((وقد ذكرت مادة الإخلاص - بصيغها
المختلفة- إحدى وثلاثين مرة في ثلاثين
آية»(٣).
قال تعالى: ﴿فَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفَاً
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ
اللَّهِّ ذَلِكَ الذِينُ الْقَيْمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
﴾ [الروم: ٣٠].
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
قال السمعاني: (( أي: أخلص دينك لله،
وإقامة الوجه هو إقامة الدين))(٤)، وخوطب
الإنسان بإقامة الوجه لشرفه وارتباطه بكل ما
هو حسن.
قال ابن عطية: ((وإقامة الوجه هي تقويم
(١) البيان في مداخل الشيطان، عبد الحميد
البلالي ص١٧٧.
(٢) تزكية النفوس، أحمد فرید ص٧.
(٣) الموسوعة الجامعة في الأخلاق والآداب،
سعود الحزيمي ص٥٣.
(٤) تفسير القرآن ٢٠٩/٤.
ويؤكد هذا المعنى السعدي حيث قال:
(يأمر تعالى بالإخلاص له في جميع الأحوال
وإقامة دينه فقال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ أي:
انصبه ووجهه إلى الدين الذي هو الإسلام
والإيمان والإحسان بأن تتوجه بقلبك
وقصدك وبدنك إلى إقامة شرائع الدين
الظاهرة كالصلاة والزكاة والصوم والحج
ونحوها. وشرائعه الباطنة كالمحبة والخوف
والرجاء والإنابة، والإحسان في الشرائع
الظاهرة والباطنة بأن تعبد الله فيها كأنك تراه
فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وخص الله إقامة
الوجه لأن إقبال الوجه تبع الإقبال القلب
ويترتب على الأمرين سعي البدن»(٦).
ثالثًا: الوضوء والتيمم:
لقد ارتبط الوضوء والتيمم كشرطيين
أساسيين للدخول في أجل عبادة؛ ألا وهي
الصلاة، وقد اشترط الشارع الحكيم، وجعل
غسل الوجه في الوضوء - أو مسحه في
التيمم - ركنا من أركان الطهارة، وذلك
يوحي بشرف الوجه.
قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ
(٥) المحرر الوجيز ٣٣٦/٤.
(٦) تيسير الكريم الرحمن ص ٦٤١.
www. modoee.com
٣٦١

حرف الواو
وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْ بِرُ وسِكُمْ
وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِّ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا
فَأَطَّهَرُواْ وَإِن كُنتُم مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ
أَحَدٌ مِنَكُم مِّنَ الْغَِّطِ أَوْ لَمَسْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَمْ
◌َجِدُواْ مَآءَ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ
بِوُجُوهِكُمْ وَأَيَدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
قال القرطبي: ذكر تعالى أربعة أعضاء:
الوجه وفرضه الغسل واليدين كذلك والرأس
وفرضه المسح اتفاقا ولا بد في غسل الوجه
من نقل الماء إليه، وإمرار اليد عليه، وهذه
حقيقة الغسل عندنا، ومسح الوجه في التيمم
بدل من غسله، فلا بد أن يأتي بالمسح على
جميع موضع الغسل منه(١).
وقد اختلف الفقهاء هل باطن الأنف
والفم من الوجه أم لا؟.
قال القرطبي: «اختلفوا هل يتناول الأمر
بغسل الوجه باطن الأنف والفم أم لا؟
فذهب أحمد بن حنبل وإسحاق
وغيرهما إلى وجوب ذلك في الوضوء
والغسل، إلا أن أحمد قال: يعيد من ترك
الاستنشاق في وضوئه ولا يعيد من ترك
المضمضة. وقال عامة الفقهاء: هما سنتان
في الوضوء والغسل، لأن الأمر إنما يتناول
الظاهر دون الباطن، والعرب لا تسمي وجها
إلا ما وقعت به المواجهة)) (٢).
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٨٣/٦-٠٨٨
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦/ ٨٤.
قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِم مِّنْ أَثْرِ
السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩].
قال الواحدي: (( علامتهم في وجوههم
من أثر السجود يعني: نورًا وبياضًا في
وجوههم يوم القيامة يعرفون بذلك النور
أنهم سجدوا في دار الدنيا لله تعالى))(٣).
رابعًا: استقبال القبلة:
إن من شروط الصلاة استقبال القبلة، وقد
ارتبط هذا الشرط ارتباطًا مباشرًا بالوجه،
الذي عبر به عن الذات.
قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَىْ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ
فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلْيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَنَهَاْ فَوَلِّ
وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِّ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ
فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةُ، وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ
لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِشَفِلٍ عَمَّا
يَعْمَلُونَ
﴾ [البقرة: ١٤٤].
١٤٤
وتقلب الوجه، المقصود به تقلب النظر،
قال ابن عطية: ((المقصد تقلب البصر، وذكر
الوجه لأنه أعم وأشرف، وهو المستعمل في
طلب الرغائب، تقول: بذلت وجهي في كذا،
وفعلت لوجه فلان)) (٤)، إلا أن الرازي قال:
((إن تقلب وجهه في السماء هو الدعاء)) (٥).
ويقصد بالوجه في قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ
وَجْهَكَ﴾ الذات، قال الزحيلي: ((فول
(٣) الوجيز ص١٠١٤.
(٤) المحرر الوجيز ٢٢١/١.
(٥) مفاتيح الغيب ٤ / ٩٥.
٣٦٢
القرآن الكريمِ

الوجه
وجهك أطلق الوجه، وأريد به الذات، من به على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم
قبيل المجاز المرسل، من باب إطلاق الجزء وعلى الصحابة الكرام رضي الله عنهم،
وإرادة الكل))(١).
خامسًا: السجود:
قال تعالى: ﴿تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ:
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمَّ تَّرَّهُمْ رَكَّعًا سُبَّدًا
يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اَللَّهِ وَرِضْوَنَّا سِيمَاهُمْ فِ
وُجُوهِهِم مِّنْ أَثْرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩].
أقرب ما يكون العبد لربه وهو ساجد؛
ذلك أنه يضع أشرف شيءٍ عنده على
الأرض تواضعًا وذلًا وخضوعًا وخشوعًا
لله، وفي المقابل ینعكس ذلك نورًا وضياءً
وسمتا حسنًا على ذلك الوجه الساجد لله،
قال الطبري: (وقال آخرون: بل ذلك سيما
الإسلام وسمته وخشوعه، وعنى بذلك أنه
يرى من ذلك عليهم في الدنيا))(٢).
((وعن ابن عباس في قوله: ﴿سِيمَاهُمْ
فِي وُجُوهِهِم﴾ قال: السمت الحسن))(٣).
((وقال الحسن: هو السمت الحسن)) (٤).
وقال العز بن عبد السلام:
(﴿سِيمَاهُمْ﴾: ثرى الأرض وندى
الطهور، أو السمت الحسن)»(٥).
فهذا السمت الحسن قد من الله عز وجل
(١) التفسير المنير ١٨/٢.
(٢) الطبري، جامع البيان، ٢٦٤/٢٢.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٣٣٠١/١٠.
(٤) تفسير القرآن، السمعاني ٢٠٩/٥.
(٥) تفسير العز بن عبدالسلام ٢١٠/٣.
وجعله ظاهرًا جليًا في وجوههم، كان سببه
المباشر لسان حالهم المخبت الداعي إلى
الله عز وجل بكثرة السجود.
www. modoee.com
٣٦٣

حرف الواو
ابتغاء وجه الله بالأعمال الصالحة
لقد خلق الله الثقلين للعبادة، فالغاية من
الخلق عبادة الله وحده ومرضاته.
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا
٩٦﴾ [الذاريات: ٥٦].
لِيَعْبُدُونِ
وكل الأعمال الصالحة يبتغى بها وجه
الله، وهناك من الأعمال الصالحة ما تكرر
کثیرًا، ومنها:
١. الصبر.
إن المسلم في تعامله ترفرف على محياه
سمة الصبر والحلم وعدم الغضب وكظم
الغيظ إذا وقع منه زلةٌ ولا يرى في الصفح
عن أخیه ذلًا یحیق به، بل یری فیه إحسانًا
يقربه إلى الله زلفى كما قال الله جل جلاله:
﴿وَاَلْكَظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ
النَّاسِ وَاَللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل
عمران: ١٣٤].
يقول ابن أبي حاتم: ((يغضبون في الأمر
لو وقعوا فيه فيغفرون ويعفون، يلتمسون
بذلك وجه الله»(١).
ويقول الخازن: ((وهذا الوصف من
أقسام الصبر والحلم))(٢).
٢. إيتاء حق ذي القربى والمساكين وابن
السبيل.
قال تعالى: ﴿فَقَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ,
(١) تفسير القرآن العظيم ٧٦٣/٣.
(٢) لباب التأويل ١/ ٢٩٨.
وَأَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِّ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ
يُرِيدُونَ وَحْدَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
٣٨
[الروم: ٣٨].
يقول الشعراوي: حينما نتأمل النسق
القرآني هنا نجد أن الله تعالى ذكر أولًا
البسط في الرزق، ثم التقتير فيه، ثم أكد بعده
مباشرة على حق ذي القربى والمسکین وابن
السبيل، وكأنه يلفت أنظارنا أن هذه الحقوق
لا تقتصر على من بسط له الرزق، إنما هي
على الجميع حتى من كان في خصاصه،
وضيق عليه رزقه، فلا ينسى هؤلاء.
لذلك يذيل الحق سبحانه الآية بقوله:
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾، والجميع: من بسط له،
ومن قتر علیه یریدون وجه الله (٣).
٣. إيتاء الزكاة.
قال تعالى: ﴿وَمَآءَانِيْتُم مِّن زَّگوُمْ تُرِيدُونَ
وَجْدَ اللَّهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩].
وقال أيضًا: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ
أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثَّبِيْتًا مِّنْ
أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَتِمٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ
فَكَانَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا
وَابِلٌ فَطَلٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٦٥)
[البقرة: ٢٦٥].
لَا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن
وقال:
نَّجْوَمُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ
(٣) انظر: تفسير الشعراوي ١١٤٤٩/١٨.
٣٦٤
وَضوري
موسوعة النفسية
القرآن الكريمِ

الوجه
إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسَِّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَآءَ
مَنْ ضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْثِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١)﴾
[النساء: ١١٤].
أن أجر الزكاة والصدقات أجرٌ عظيم
كما وصفه الله في كتابه العزيز: ﴿فَسَوْفَ
تُوْنِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، وجعل للقائمين بهما
المضاعفة في الأجور والثواب، بل وشبه
هذا الأجر العظيم بالجنة المثمرة التي تؤتي
ثمارًا مضاعفة.
٤. إطعام المسكين واليتيم والأسير.
لقد وصف الله الأبرار بصفات عديدة
حميدة وكان منها إطعام المساكين والأيتام
والأسرى.
قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ أَلَّعَامَ عَلَى حُبِّهِه
مِسْكِينًا وَيَقِيمًا وَأَسِيرًا ﴾ [الإنسان: ٨].
قال النسفي: (( أي حب الطعام مع
الاشتهاء والحاجة إليه أو على حب الله
مسكينا فقيرًا عاجزًا من الاكتساب ويتيمًا
صغیرًا لا أب له وأسيرًا مأسورًا مملوكًا
أو غيره ثم عللوا إطعامهم فقالوا: ﴿إِنّا
تُطْعِمُّكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُِدُ مِنْكُمْ جَزَّهُ وَلَا شُكُرًا
[الإنسان: ٩]، أي: لطلب ثوابه))(١).
٥. الإقبال بالوجه.
الإقبال بالوجه الحسن، وإدخال السرور
على الأسرة بما فيها الزوجة والأولاد واجبٌ
شرعي لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوّا
(١) مدارك التنزيل ٥٧٨/٣.
أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُوْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَاَلْحِجَارَةُ ﴾
[التحريم: ٦].
يقول البقاعي: ((ولما كان الإنسان
راعيًا لأهل بيته مسئولًا عن رعيته قال
تعالى:﴿وَأَهْلِيكُمْ﴾ من النساء والأولاد))(٢).
كما أنها واجبٌ عرفي؛ وقد جاء في المادة
(٩٣) من ميثاق الأسرة في الإسلام «الأسرة
محضن الطفل وبيئته الطبيعية اللازمة
لرعايته وتربيته، وهي المدرسة الأولى
التي ينشأ الطفل فيها على القيم الإنسانية،
والأخلاقية، والروحية، والدينية»(٣).
واجب المسلم تجاه من يريدون وجه
الله تعالى:
لقد أمرنا الله تعالى بالتعاون على البر
والتقوى، وأن نكون عباد الله إخوانًا؛ لذا
وجب على كل داعية مسلم، بل وكل فردٍ
مسلم أن یشد على يدي کل من أراد وجه
الله؛ وذلك من عدة وجوه نذكر منها:
١. مجالستهم والتعاون معهم على ما
یرضي الله تعالى.
فهؤلاء قد ابتغوا وجه الله بتجرد
ومحبة وأدب لذا حثنا الله على مجالستهم
وعدم طردهم لما فيه من تفويت المصلحة
(٢) نظم الدرر، ٢٠/ ١٩٧.
(٣) ميثاق الأسرة في الإسلام، إعداد اللجنة
الإسلامية العالمية للمرأة والطفل، عمان،
جمعية العفاف الخيرية، ص٦٢.
www. modoee.com
٣٦٥

حرف الواو
للإسلام والمسلمين.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم
بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢].
يقول سيد قطب: لا تطرد هؤلاء الذين
أخلصوا نفوسهم لله فاتجهوا لعبادته ودعائه
في الصباح والمساء يريدون وجهه سبحانه،
ولا يبتغون إلا وجهه ورضاه، وهي صورة
للتجرد، والحب، والأدب؛ فإن الواحد منهم
لا يتوجه إلا إلى الله وحده بالعبادة والدعاء،
وهو لا يبغي وجه الله، إلا إذا تجرد، وهو
لا یبغي وجه الله وحده حتی یکون قلبه قد
أحب، وهو لا يفرد الله سبحانه بالدعاء
والعبادة ابتغاء وجهه إلا ويكون قد تعلم
الأدب، وصار ربانيًا يعيش لله وبالله(١).
٢. الصبر معهم على طاعة الله تعالى.
لقد أمر الله تعالی بعدم طرد من يبتغون
وجهه، بل وأكد على مجالستهم والصبر
عليهم.
قال تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ
يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْمَشِّ يُرِيدُونَ
وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨].
قال الرازي: ((بين الله أنه لا يجوز طردهم
بل تجالسهم وتوافقهم وتعظم شأنهم ولا
تلتفت إلى أقوال أولئك الكفار ولا تقيم لهم
في نظرك وزنا سواء غابوا أو حضروا ونظير
هذه الآية قد سبق في سورة الأنعام وهو
(١) انظر: في ظلال القرآن ١٠٩٩/٢.
قوله: ﴿وَلَا تَطَرُّدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْوِ
وَالْعَشِ﴾؛ ففي تلك الآية نهى الرسول
صلى الله عليه وسلم عن طردهم وفي هذه
الآية أمره بمجالستهم والمصابرة معهم)) (٢).
ویقول السعدي: ((یأمر تعالی نبيه محمدا
صلى الله عليه وسلم أن يصبر نفسه مع
المؤمنين العباد المنيبين ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ
رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي:
أول النهار وآخره یریدون بذلك وجه الله،
فوصفهم بالعبادة والإخلاص فيها، ففيها
الأمر بصحبة الأخيار، ومجاهدة النفس على
صحبتهم، ومخالطتهم وإن كانوا فقراء فإن
في صحبتهم من الفوائد، ما لا يحصى))(٣).
(٢) مفاتيح الغيب ٢١/ ٤٥٥.
(٣) تيسير الكريم الرحمن ص٤٧٥.
٣٦٦
جَوَبُوالَهُ النَّفْسِي
القرآن الكريمِ

الوجه
الوجه في المثل القرآني
أن الأمثال التي يضربها الله للناس هي
من تمام حجة الله على خلقه، حيث ضرب
الله الأمثال لجميع الأمم السابقة، وفصلها
في خاتم كتبه القرآن الكريم، وضربها النبي
صلى الله عليه وسلم لأمته، فكمل بذلك
البيان، واستنار الطريق، وتمت حجة الله
على عباده (١).
وحقيقة المثل: إخراج الغامض إلى
الظاهر، وللأمثال فوائد امتن الله بها
علينا لقوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا
لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّ الْعَلِّمُونَ ﴾
[العنكبوت: ٤٣].
وسمي المثل مثلا لأنه ماثل بخاطر
الإنسان أبدا أي: شاخص فيتأسى به
ويتعظ (٢).
ومن الأمثال التي ضربها الله لنا
مستخدمًا الوجه كأداة رئيسة لإظهار المعنى
وتبيينه قوله تعالى: ﴿أَفَنَ بَمْشِى مُكِبًّاعَلَى وَجْهِهِ»
أَهْدَىَ أَمَّنْ يَمْشِى سَوِيًّا عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[الملك: ٢٢].
قال ابن كثير: ((هذا مثل ضربه الله
للمؤمن والكافر، فالكافر مثله فیما هو فيه،
(١) انظر: الأمثال القرآنية القياسية المضروبة
للإيمان بالله ٣/ ١٠٩٤.
(٢) انظر: المعجزة القرآنية حقائق علمية قاطعة
ص ١٩٨.
كمثل من يمشى مكبا على وجهه، أي:
يمشى منحنيًا لا مستويا على وجهه، أي: لا
يدري أين يسلك، ولا کیف یذهب، بل هو
تائه حائر ضال، أهذا أهدى أمن يمشي سويًا
أي: منتصب القامة على صراطٍ مستقيمٍ
أي: على طريق واضح بين، وهو في نفسه
مستقيم وطريقه مستقيمة.
هذا مثلهم في الدنيا، و کذلك يكونون في
الآخرة، فالمؤمن يحشر يمشي سويا على
صراط مستقيم وأما الكافر فإنه يحشر يمشي
على وجهه إلى النار)) (٣).
وقال الشوكاني (« ضرب سبحانه مثلا
للمشرك والموحد لأيضاح حالهما وبيان
مآلهما)) (٤).
(٣) تفسير القرآن العظيم ٢٠٨/٨.
(٤) فتح القدير ٣١٤/٥.
www. modoee.com
٣٦٧

حرف الواو
نعيم الوجوه وعذابها في الآخرة
أولًا: نعيم الوجوه في الآخرة:
﴾
﴿وُجُوهُ يَوْمَِّدٍ نَاعَِةٌ (
١. إشراقها واستبشارها.
يقول الله جل جلاله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَيِذٍ مُسْفِرَةٌ
ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ﴾ [عبس: ٣٨-٣٩].
٣٨
أي: ((مضيئة مشرقة منورة بنور
الإيمان»(١).
قال الألوسي: ((مضيئة متهللة))(٢).
٢. وضاءتها وبياضها.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهُ وَتَسْوَدٌّ وَجُوه
فَأَمَّا الَّذِينَ أُسْوَدَتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيَمْنِكُمْ
فَذُ وقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُّرُونَ (٢٦) وَأَمَّا الَّذِينَ
أَتَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِهَا خَالِدُونَ
[آل عمران: ١٠٦ -١٠٧].
(١٠٧)
قال الثعلبي: «ابيضاض الوجوه: إشراقها
واستبشارها وسرورها بعملها))(٣).
وقال الراغب: ((ابيضاض الوجه عبارة
عن المسرة)» (٤).
٣. نضارتها.
﴿وُجُوهُ يَوْمَيِدٍ ◌َِرَةَ ﴾
قال تعالى:
[القيامة: ٢٢].
وقال أيضًا: ﴿تَعْرِفُ فِ وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ
[المطففين: ٢٤].
٢٤
(١) الفواتح الإلهية، النخجواني ٤٨٦/٢.
(٢) روح المعاني، ١٥/ ٢٥٢.
(٣) الكشف والبيان، ٣/ ١٢٥.
(٤) تفسير الراغب الأصفهاني ٢/ ٧٨١.
جوببيو
القرآن الكريمِ
قال الطبري: «نضرة الوجوه: حسنها)»(٥)،
وقال الواحدي: ((مضيئةٌ حسنةٌ))(٦).
٤. نعومتها.
قال تعالى:
[الغاشية: ٨].
قال السعدي: ((قد جرت عليهم نضرة
النعيم، فنضرت أبدانهم، واستنارت
وجوههم، وسروا غاية السرور»(٧).
ويؤكد هذا المعنى سيد قطب فيقول:
لافهنا وجوه يبدو فيها النعيم. ويفيض منها
الرضى. وجوه تنعم بما تجد، وتحمد ما
عملت. فوجدت عقباه خیرا، وتستمتع بهذا
الشعور الروحي الرفيع. شعور الرضى عن
عملها))(٨).
ثانيًا: عذاب الوجوه في الآخرة:
١. اسودادها.
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ تَرَى الَّذِينَ
كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِى
جَهَنَّمَ مَثْوَّى لِلْمُتَكَّبِينَ ﴾ [الزمر: ٦٠].
قال السعدي: «هؤلاء اسودت وجوههم
بما في قلوبهم من الخزي والهوان والذلة
والفضيحة)) (٩).
وقال ابن عاشور: ((وقد جعل الله
(٥) جامع البيان ٢٤/ ٧١.
(٦) الوجيز ص ١١٥٥.
(٧) تيسير الكريم الرحمن ص٩٢٢.
(٨) في ظلال القرآن ٦/ ٣٨٩٧.
(٩) تيسير الكريم الرحمن ص ١٤٢.
٣٦٨

الوجه
اسوداد الوجوه يوم القيامة علامة على سوء عراهم الخزي والهوان))(٦).
المصير))(١).
وقد عد الزجاج الاسوداد عنوانًا عريضًا
لأهل النار فقال: «ویعرفون أصحاب النار
بسيماهم وسيماهم اسوداد الوجوه)» (٢).
٢. بسورها وشقاؤها.
قال تعالى: ﴿وَوُجُرٌ يَوْمَيْمِ بَاسِرَةً )﴾
[القيامة: ٢٤].
إن هذه الوجوه الباسرة وجوه شقية،
كالحةٌ سوداء، يقول البغوي: ((عابسة كالحة
مغبرة مسودة)»(٣).
وقال البيضاوي: ((شديدة العبوس))(٤).
ويقول البقاعي: ((أي: شديدة العبوس
والكلوح والتكره لما هي فيه من الغم
کأنها قد غرقت فيه فرسبت بعد أن سبرت
أحوالها، فلم يظهر لها وجه خلاص» (٥).
٣. خشوعها ونصبها.
قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَشِمَةٌ ))
عَامِلَةٌ نَصِبَةٌ ﴾ [الغاشية: ٢-٣].
إن هذا الخشوع لهذه الوجوه ليس
خشوع عبادة، بل خشوع ذلة ومهانة.
يقول الرازي: ((خاشعة أي: ذليلة قد
(١) التحرير والتنوير ٢٤/ ٤٩.
(٢) معاني القرآن وإعرابه ٣٤٣/٢.
(٣) معالم التنزيل ٢٨٥/٨.
(٤) أنوار التنزيل ٢٦٧/٥.
(٥) نظم الدرر ٢١/ ١٠٦.
يقول سيد قطب مترجمًا هذه المعاني:
«فهناك: يومئذ وجوه خاشعة ذليلة متعبة
مرهقة عملت ونصبت فلم تحمد العمل
ولم ترض العاقبة، ولم تجد إلا الوبال
والخسارة، فزادت مضضًا وإرهاقًا وتعبًا،
فهي: ((عاملةٌ ناصبةٌ)) عملت لغير الله،
ونصبت في غیر سبیله»(٧).
٤. تغبيرها ورهقها.
قال تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يُؤْمَيِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ
تَرْهَقُّهَا قَتْرَةٌ ﴾ [عبس: ٤٠- ٤١].
٤٠
يعذب الله تلك الوجوه يوم القيامة
بالدخان الأسود والهلاك، قال الرازي:
((الرهق عجلة الهلاك، والقترة سواد
كالدخان، ولا يرى أوحش من اجتماع
الغيرة والسواد في الوجه، كما ترى وجوه
الزنوج إذا اغبرت، وكأن الله تعالى جمع في
وجوههم بين السواد والغبرة، كما جمعوا
بين الكفر والفجور))(٨).
موضوعات ذات صلة:
البصر، السجود، السمع، العين، اللسان
(٦) مفاتح الغيب ١٣٨/٣١.
(٧) في ظلال القرآن ٣٨٩٦/٦.
(٨) مفاتيح الغيب ٦٢/٣١.
www. modoee.com
٣٦٩