النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الوَجْهُ
عناصر الموضوع
مفهوم الوجه
٣٤٢
الوجه في الاستعمال القرآني
٣٤٣
الألفاظ ذات الصلة
٣٤٤
إثبات الوجه لله تعالى
٣٤٦
أنواع الوجوه وصفاتها
٣٥٠
أسباب بياض الوجوه وسوادها
٣٥٩
أحكام تتعلق بالوجه
٣٦٤
ابتغاء وجه الله بالأعمال الصالحة
٣٦٧
الوجه في المثل القرآني
٣٦٨
نعيم الوجوه وعذابها في الآخرة
المُجَلَدُ الرَّائعْ وَالثَّلاثُونْ
٣٥٤

حرف الواو
مفهوم الوجه
أولًا: المعنى اللغوي:
الواو والجيم والهاء: أصل واحد يدل على مقابلة لشيء، والوجه مستقبل لكل شيء،
وربما عبر عن الذات بالوجه؛ والجمع الوجوه (١)، ويقال: هذا وجه الرأي أي: هو الرأي
نفسه؛ مبالغة، أشار إليه الراغب، وقد تكون مجازًا: كوجيه ووجهاء بمعنى: سيد القوم،
يقال: هؤلاء وجوه البلد ووجهاؤه، أي: أشرافه)) (٢)، وفي مختار الصحاح: ((الوجه والجهة
بمعنى))(٣)، ووجه: أي صار وجيهًا: أي شريفًا ذا جاه (٤).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرفه الشافعية والحنابلة بأنه: ((ما بين منابت شعر الرأس إلى الذقن ومنتهى اللحيين
طولًا، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا))(٥).
وعرفه الحنفية بأن حد الوجه: ((من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن، وإلى شحمتي
الأذنين)) (٦).
وعرفه المالكية: (( من قصاص شعر الرأس إلى آخر الذقن طولًا، ومن الصدغ (٧) إلى
الصدغ عرضا))(٨).
وبالنظر إلى تعريفات اللفظ في اللغة وتعريفاتها في الاصطلاح تظهر العلاقة جلية؛ إذ
الوجه في الإنسان ما يحصل به المواجهة والاستقبال.
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٥٥٥/١٣.
(٢) تاج العروس، الزبيدي ٥٣٥/٣٦.
(٣) مختار الصحاح، الرازي ص٢٩٦.
(٤) انظر: شمس العلوم، الحميري ١١/ ٧٠٨١.
(٥) المجموع شرح المهذب، النووي ١/ ١٠٦، كشاف القناع، البهوتي ١ / ٩٥.
(٦) بدائع الصنائع، الكاساني ٣/١.
(٧) وهو (ما بين العين والأذن)، مختار الصحاح، ص ١٥١.
(٨) مواهب الجليل، الحطاب الرعيني، ١٤٠/٣.
٣٤٢
جَوْسُور
الْعُرآن الكَرِيْمِ

الوجه
الوجه في الاستعمال القرآني
وردت مادة (وجه) في القرآن الكريم (٧٥) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٢
﴿إِنِى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّنَّوَتِ وَالْأَرْضَ
﴾ [الأنعام: ٧٩]
٧٩
حَنِيفًاً وَمَا أَنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
الفعل المضارع
١
﴿أَيْنَمَا يُوَجِهَةٌ لَا يَأْتِ مِخَيْرٍ﴾ [النحل: ٧٦]
الأسماء
٧٢
﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْغَرِبُّ فَأَيْنَمَا قُوَلُواْ فَتَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ
اللَّهَ وَاسِعُ عَلِيمٌ (١٥) ﴾ [البقرة: ١١٥]
وجاء الوجه في القرآن على أربعة أوجه(٢):
الأول: الدين: ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ
[النساء: ١٢٥]. يعني: أخلص دينه لله.
الثاني: الوجه بعينه: ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَدُ وُجُوهُ﴾﴾ [آل عمران: ١٠٦].
يعني: الوجه بعينه.
الثالث: أول: ومنه قوله تعالى: ﴿وَجْهَ اَلنَّهَارِ﴾ [آل عمران: ٧٢]. يعني: أول النهار.
الرابع: الحقيقة: ومنه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يَأْتُواْ بِالشَّهَدَةِ عَلَى وَجْهِهَا ﴾ [المائدة: ١٠٨].
أي: على حقيقتها.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص ٧٤٣، ٧٤٤.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، مقاتل بن سليمان ص ٥٠، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ٦١٧.
www. modoee.com
٣٤٣

حرف الواو
الألفاظ ذات الصلة
الذات:
١
الذات لغةً:
ما يصلح لأن يعلم ويخبر عنه، وذات الشيء نفسه، عينه، جوهره، واسم الذات عند
النحاة: ما علق على ذات كالرجل، الأسد (١).
الذات اصطلاحًا:
ما يصلح أن يحكم عليه بالوجود أو بالعدم أو بغير ذلك، وذات الشيء ما يخصه ويميزه
عن جميع ما عداه، وقد يراد بذات الشيء ذلك الشيء مجردًا عما سواه (٢).
الصلة بين الوجه والذات:
مما سبق يتضح لنا الفرق جليًا بين الوجه والذات؛ وأن الوجه جزء من الذات، أو هو
الذات.
الظهر:
٢
الظهر لغةً:
(ظهر) الظاء والهاء والراء أصل صحيح واحد يدل على قوة وبروز، من ذلك: ظهر الشيء
يظهر ظهورا فهو ظاهر، إذا انكشف وبرز، ولذلك سمي وقت الظهر والظهيرة، وهو أظهر
أوقات النهار وأضوؤها، والأصل فيه كله ظهر الإنسان، وهو خلاف بطنه، وهو يجمع البروز
والقوة(٣).
الظهر اصطلاحًا:
قال اللحياني: ((والظهر من الإنسان: من لدن مؤخر الكاهل إلى أدنى العجز عند آخره)) (٤).
الصلة بين الوجه والظهر:
الوجه هو مستقبل كل شيء، أما الظهر فهو الجهة المعاكسة للوجه لنفس الجسم.
(١) انظر: المنجد، علي بن الحسن الهنائي ص٢٤٠.
(٢) انظر: دستور العلماء، القاضي نكري ٨٦/٢.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٧١/٣.
(٤) تاج العروس، الزبيدي ٤٧٩/١٢.
٣٤٤
القرآن الكريم

الوجه
الدبر:
٣
الدبر لغةً:
(دبر) الدال والباء والراء. أصل هذا الباب أن جله في قياس واحد، وهو آخر الشيء
وخلفه خلاف قبله، وفي الحديث: (لا تدابروا)(١)، وذلك أن يترك كل واحد منهما الإقبال
على صاحبه بو جهه(٢).
الدبر اصطلاحًا:
لا يختلف التعريف الاصطلاحي للدبر عن التعريف اللغوي تقريبًا فهو مشتق من اللغة
أيضًا وتأتي بمعنى: الظهر، قال الجوهري: ((والدبر: الظهر)).
الصلة بین الوجه والدبر:
الوجه هو مستقبل كل شيء، أما الدبر فهو الجهة المعاكسة للوجه وليس بالضرورة أن
تکون لنفس الجسم أو الشخص.
(١) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٠٠٦٢، ١٦/ ٩٢.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٢٤/٢.
www. modoee.com
٣٤٥

حرف الواو
إثبات الوجه لله تعالى
أولًا: صفة الوجه بين المثبتين والنافين:
صفة الوجه لله تبارك وتعالى من
الصفات الخبرية الذاتية التي جاء بها
الكتاب والسنة، وقال بها سلف الأمة فما
على المسلم إلا التسليم لقول الله تبارك
وتعالى وقول رسوله صلی الله عليه وسلم
وفهم سلف هذه الأمة لنصوص الصفات،
وقد كان سيد الرسل محمد صلى الله عليه
وسلم يدعو ربه ویلح في الدعاء طالبا النظر
إلى وجهه تعالى، فلا يعقل أن يسأل الرسول
ربه ما لا يجوز (١).
وقد أشكلت على الخلف على الرغم
من ثبوتها بصريح القرآن وصحيح السنة،
والعقل تابع ومصدق وغير رافض، ولذا
أطبق السلف وأتباعهم على الإيمان بهذه
الصفة كغيرها من صفات الله تعالى وإثباتها
على ما يليق به لا يفسرونها بالذات، ولا
يطلقون عليها شيئًا من الألقاب التي يرددها
النفاة مثل العضو أو الجزء، وغير ذلك من
الألقاب التي يطلقونها ليتذرعوا بها إلى
نفيها بدعوى أن إثبات هذه الصفة يعني
التركيب المستلزم للحاجة والافتقار(٢).
(١) انظر: الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في
العقيدة، حياة جبريل ٣١٥/١.
(٢) انظر: الصفات الإلهية في الكتاب والسنة
النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه، أبو أحمد
وقد كان إثبات الإمام البيهقي لهذه الصفة
إثباتًا حقيقيًا، على وجه يليق بجلال الله
وعظمته، وكانت أدلته لإثبات هذه الصفة
شرعية بحتة، نظرًا لكونها من الصفات التي
لا تثبت إلا بالسمع، فأورد كثيرًا من الآيات
والأحاديث الناطقة صراحة بإثباتها (٣).
قال الحافظ ابن منده: ((ومن صفات الله
عز وجل التي وصف بها نفسه قوله:
كُلُّ
شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].
وقال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ ذُو الْجَلِ وَآلْإِكْرَامِ
﴾ [الرحمن: ٢٧].
٢٧
و کان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ
بوجه الله من النار والفتن كلها، ويسأل به،
ثم سرد أحاديث بسنده، ثم قال: بيان آخر
يدل على أن العباد ينظرون إلى وجه ربهم عز
وجل، وسرد بسنده ما يدل على ذلك))(٤).
وقال الأصبهاني: ((ذكر إثبات وجه الله
عز وجل الذي وصفه بالجلال والإكرام
والبقاء في قوله عز وجل: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ
ذُو الْجَلِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن: ٢٧]» (٥).
الأدلة من القرآن والسنة على إثبات صفة
الوجه
بن علي، ص٣٠٢ -٣٠٣.
(٣) انظر: البيهقي وموقفه من الإلهيات، أحمد
الغامدي ص٢٨٤.
(٤) كتاب التوحيد ٣٦/٣.
(٥) الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل
السنة، ٢١٥/١.
٣٤٦
جوية
القرآن الكريم

الوجه
ولقد أثبت الله لذاته المقدسة صفة الوجه
في أربع عشرة آية من آي الذكر الحكيم(١)،
منها:
قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُونَ إِلََّ ابْتِغَآءَ
وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢].
﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ أَبْتِغَاءَ وَجْهِ
وقوله:
رَيِّهِمْ﴾ [الرعد: ٢٢].
وقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ ذُو الْجَلَلِ
وَالْإِكْرَارِ ﴾ [الر
(٢٧) [ الرحمن: ٢٧].
فما تضمنته هذه الآية الكريمة من فناء
كل من على الأرض وبقاء وجهه جل
وعلا المتصف بالجلال والإكرام، جاء
موضحًا في غير هذا الموضع كقوله
تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلََّّ وَجْهَهُ﴾
[القصص: ٨٨].
وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اَلْحَيّ الَّذِىِلَا
يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨].
وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسِ ذَابِقَةُ الْمَوْتِ﴾
[العنكبوت:٥٧].
إلى غير ذلك من الآيات.
ومن السنة أيضًا:
حديث ابن مسعود رضي الله عنه: (لما
قسم النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم
يوم حنين، وقال رجل: والله إن هذه
قسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه
(١) انظر: اعتقاد أهل السنة شرح أصحاب
الحديث، حمد بن عبد الرحمن الخميس،
ص ٣٤.
الله) (٢).
حديث ابن عمر رضي الله عنهما في
الثلاثة الذين حبسوا في الغار، فقال
كل واحد منهم: (اللهم إن كنت فعلت
ذلك ابتغاء وجهك؛ ففرج عنا ما نحن
فيه)(٣).
حدیث سعد بن أبي وقاص رضي الله
عنه: (إنك لن تخلف فتعمل عملًا
تبتغي به وجه الله؛ إلا ازددت به درجة
ورفعة). (٤)
فهذه صفة ثابتة بنص الكتاب وخبر
الصادق الأمين، فيجب الإقرار بها، والتسليم
كسائر الصفات الثابتة بواضح الدلالات (٥).
وقال ابن عبد البر: أهل السنة مجمعون
على الإقرار بالصفات الواردة كلها في
القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على
الحقيقة لا المجاز إلا أنهم لا یکیفون شيئا
من ذلك ولا يحدون فيه صفة مخصوصة،
وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها
والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئا
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب
إعطاء المؤلفة قلوبهم ٧٣٩/٢، رقم ١٠٦٢.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع،
باب إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه فرضي
٨٠/٣، رقم ٢٢١٥.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الدعوات، باب الدعاء برفع الوباء والوجع
٨/ ٨٠، رقم ٠٦٣٧٣
(٥) انظر: الاقتصاد في الاعتقاد، عبد الغني
المقدسي، ٩٦ - ٩٨.
www. modoee.com
٣٤٧

حرف الواو
منها على الحقيقة ويزعمون أن من أقر بها عطلوا جميع الاسماء والصفات حيث
عطلوا الله من صفاته، ومن معاني أسمائه
مشبه وهم عند من أقر بها نافون للمعبود،
والحق فيما قاله القائلون بما نطق به کتاب
الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة انتهى
كلام الحافظ ابن عبد البر إمام أهل المغرب
في عصره(١).
وحقائقها، فالله تعالى أثبت لنفسه السمع
والبصر والوجه واليدين والاستواء على
العرش والمجيء والقدرة والمشيئة وغير
ذلك من صفات الله، والمعتزلة والجهمية
تنكر ذلك (٣).
ولقد ضل في توحيد الأسماء والصفات
طائفتان من الناس:
ومما خالفت به القدرية والمعتزلة
الطائفة الأولى: المعطلة: الذين أنكروا الكتاب والسنة وأهل الحديث وركبت العناد
فیه أن قالوا: ليس لله حياة ولا إرادة ولا قوة
ولا سمع ولا بصر ولا كلام وردوا ما جاء به
القرآن من إثبات الوجه واليدين لله (٤).
الأسماء، والصفات، أو بعضها، زاعمين أن
إثباتها يستلزم التشبيه، أي: تشبيه الله تعالی
بخلقه، وهذا الزعم باطل.
الطائفة الثانية: المشبهة: الذين أثبتوا
الأسماء والصفات مع تشبيه الله تعالى
بخلقه زاعمين أن هذا مقتضى دلالة
النصوص، لأن الله تعالى يخاطب العباد بما
يفهمون وهذا الزعم باطل أيضًا.
فإذا أثبت الله لنفسه أنه سميع، فإن
السمع معلوم من حیث أصل المعنی (وهو
إدراك الأصوات» لكن حقيقة ذلك بالنسبة
إلى سمع الله تعالى غير معلومة، لأن حقيقة
السمع تتباين حتى في المخلوقات، فالتباين
فيها بين الخالق والمخلوق، أبين وأعظم(٢).
ومن أبرز المعطلين: الجهمية الذين
(١) انظر: أقاويل الثقات في تأويل الأسماء
والصفات، مرعي الكرمي ص١٣٩.
(٢) انظر: شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين ص
٨٨-٨٩.
أما الأشاعرة قدماؤهم ومعاصروهم،
فالتوحيد عندهم هو نفي التثنية أو التعدد
ونفي التبعيض والتركيب والتجزئة أي
حسب تعبيرهم «نفي الكمية المتصلة
والكمية المنفصلة))، ومن هذا المعنى فسروا
الإله بأنه: الخالق أو القادر على الاختراع،
وأنكروا بعض الصفات كالوجه واليد
والعين؛ لأنها تدل على التركيب والأجزاء
عندهم(٥).
(٣) انظر: موسوعة مواقف السلف في العقيدة
والمنهج والتربية، أبو سهل المغراوي
١٠/ ١٨٢.
(٤) انظر: الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية
الأشرار، أبو الحسين العمراني ١٣٤/١.
(٥) انظر: منهج الأشاعرة في العقیدة، سفر بن عبد
الرحمن الحوالي ص ٨٠.
جُوَسُولَةُ النَّفْتَبـ
القرآن الكريم
٣٤٨

الوجه
ثانيًا: رؤية المؤمنين لوجه الله تعالى:
أجمع أهل الحق واتفق أهل التوحيد
أن الله تعالى يرى في الآخرة، كما جاء في
كتابه، وصح عن رسوله صلى الله عليه
وسلم، قال الله عز وجل: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَدٍ نَاضِرَةً
﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣](١).
أَ إِلَى رَبِهَا نَاظِرَة
فالمؤمنون يرون ربهم في الآخرة
ويزورونه، ويكلمهم ويكلمونه، قال الله
تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَنْ تَِّهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْجُوُونَ()
[المطففين: ١٥].
فلما حجب أولئك في حال السخط دل
على أن المؤمنين يرونه في حال الرضى،
وإلا لم يكن بينهما فرق، وقال النبي صلى
الله علیه وسلم: (إنکم ترون ربكم كما ترون
هذا القمر لا تضامون في رؤيته)(٢)، ((وهذا
تشبيه للرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي،
فإن الله تعالى لا شبيه له ولا نظير))(٣).
أما رؤيته في الآخرة فهو قول السلف
والأئمة وتواترت به الأحاديث، ثم جمهور
القائلين بالرؤية يقولون يرى عيانًا مواجهة
كما هو المعروف بالعقل (٤)
٠
(١) انظر: الاقتصاد في الاعتقاد، المقدسي
ص١٢٥.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد
ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح
والعصر ٤٣٩/١، رقم ٦٣٣.
(٣) لمعة الاعتقاد، ابن قدامة المقدسي ص٢٢.
(٤) انظر: المنتقى من منهاج الاعتدال، الذهبي
ص١٥١.
يقول الطحاوي: ((والرؤية حق لأهل
الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به
كتاب ربنا: ﴿وُجُورَةٌ يَوْمَيِذٍ نَاضِرَةُ إِلَى رَتِهَا نَاظِرَةٌ
٢٣
﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣].
وتفسيره على ما أراد الله تعالى وعلمه،
وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح
عن رسول الله صلی الله علیه وسلم فهو
کما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في
ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا،
فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وجل
ولرسوله صلی الله عليه وسلم، ورد علم ما
اشتبه علیہ إلی عالمه» (٥).
وأحاديث الرؤية متواترة في هذا المعنى
عند أهل العلم بالحديث، لا ينكرها إلا
ملحد زنديق (٦).
وإذا لقيه المؤمنون رأوه، أما الكفار
فمحجوبون عن رؤيته، لقوله تعالى:
﴿كَّ إِنَّهُمْ عَنْ تَِّهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْبُوبُونَ
١٥
[المطففين: ١٥].
فحجبهم عن رؤيته، ولا یحجب عنها
المؤمنين (٧) .
فإذا كان الكافر يحجب عن الله،
والمؤمن يحجب عن الله، فما فضل المؤمن
(٥) شرح الطحاوية، ابن أبي العز ١/ ٢٠٧.
(٦) انظر: شرح العقيدة الواسطية، الهراس
ص١٥٧.
(٧) انظر: الإبانة عن أصول الديانة، أبو الحسن
الأشعري ص٤٦.
www. modoee.com
٣٤٩

حرف الواو
على الكافر في الإيمان بالنظر إلى الله عز
وجل(١).
ومن قول أهل السنة: «إن المؤمنین یرون
ربهم في الآخرة وأنه يحتجب عن الكفار
والمشركين فلا يرونه، وقال عز وجل:
﴿لَّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ لَلْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ وقال: ﴿
وَجَوه
يَوْمَيِذٍ نَاضِرَةٌ لِ إِلَى ◌َّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وقال: ﴿كَلَّ ◌ِنَّهُمْ
عَنتَّبِهِمْیَوْمَیذٍلَّحْهُوُونَ﴾ فسبحان من لا تدركه
الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف
الخبير))(٢).
أنواع الوجوه وصفاتها
لقد وصف الله في كتابه العزيز وجوه
أهل السعادة ووجوه أهل الشقاء بأوصاف
بليغة تتحدث عن نفسها راسمةً أبلغ الصور
في إيصال المعنى المقصود.
أولًا: وجوه أهل السعادة:
إن الوجه هو المرآة التي تعكس ما يختلج
في النفس البشرية من أفكار وما يعتري
الإنسان من عواطف، فتنعكس ابيضاضًا أو
اسودادًا على صفحة الوجه.
١. الوجوه المستبشرة.
وجوه يومئذٍ مُسْفِرَةً
يقول الله جل جلاله:
مَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ﴾ [عبس: ٣٨-٣٩].
٣٨
أي: ((مضيئة مشرقة منورة بنور
الإيمان))(٣).
قال الألوسي: ((مضيئة متهللة))(٤)، وقال
سيد قطب «فهذه وجوه مستنيرة منيرة متهللة
ضاحكة مستبشرة، راجية في ربها، مطمئنة
بما تستشعره من رضاه عنها)»(٥).
فهذه الوجوه تنطق بلسان حالها بشرًا
وإشراقًا، بلغة واضحة جلية.
٢. الوجوه المبيضة.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبَيَضَّ وُجُوهُ وَتَسْوَدٌ وَجُوَة
(١) انظر: الرد على الجهمية والزنادقة، صبري
شاهين ص ١٣٣ - ١٣٤.
(٢) أصول السنة، ومعه رياض الجنة بتخريج
أصول السنة، ابن أبي زمنين المالكي
ص ١٢٠.
(٣) الفواتح الإلهية، النخجواني، ٤٨٦/٢.
(٤) روح المعاني، ٢٥٢/١٥.
(٥) في ظلال القرآن، ٦/ ٣٨٣٤.
٣٥٠
جوسيق
القرآن الكريمِ

الوجه
فَأَمَّا الَّذِينَ أَسْوَذَتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيَمَنِكُمْ
فَذُ وقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُّرُونَ (٢٦) وَأَمَّا الَّذِينَ
أُنْيَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحَمَةِ اللَّهِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ
[آل عمران: ١٠٦-١٠٧]
إن ابيضاض الوجوه مفردة من مفردات
لغة الجسد، وهي تدل بوضوح على الوضاءة
والسرور، قال الثعلبي: ((ابيضاض الوجوه:
إشراقها واستبشارها وسرورها بعملها)»(١)،
وقال الراغب: ((ابيضاض الوجه عبارة عن
المسرة)»(٢).
٣. الوجوه النضرة.
﴿وُجُوهٌ يَوَمَّدٍ نَاضِرَةً )﴾
قال تعالى:
[القيامة: ٢٢].
وقال أيضًا: ﴿تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ
•[المطففين: ٢٤].
قال الطبري: «نضرة الوجوه: حسنها»(٣)،
وقال الواحدي: ((مضيئةٌ حسنةٌ))(٤).
فقد كان النعيم والبهجة واللذة أحاسيس
ومشاعر کامنة ترجمها الوجه بلسان حاله،
وبلغته الخاصة؛ قال السعدي: ((أي:
حسنة بهية، لها رونق ونور، مما هم فيه
من نعيم القلوب، وبهجة النفوس، ولذة
الأرواح))(٥)؛ فالنضارة ترجمةٌ للسرور قال
(١) الكشف والبيان، ١٢٥/٣.
(٢) تفسير الراغب الأصفهاني ٢/ ٧٨١.
(٣) جامع البيان ٢٤/ ٧١.
(٤) الوجيز ص ١١٥٥.
(٥) تيسير الكريم الرحمن ص٨٩٩.
البقاعي: ((النضرة في الوجه والسرور في
القلب)»(٦).
٤. الوجوه الناعمة.
قال تعالى:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَِّدٍ نََِّةٌ )
[الغاشية: ٨].
إن مفردة (النعومة) في لغة الوجه
تعني: السرور الشديد؛ قال السعدي:
((قد جرت عليهم نضرة النعيم، فنضرت
أبدانهم، واستنارت وجوههم، وسروا غاية
السرور)» (٧)
.
ويؤكد هذا المعنى سيد قطب فيقول:
«فهنا وجوه يبدو فيها النعيم، ویفیض منها
الرضى، وجوه تنعم بما تجد، وتحمد ما
عملت، فوجدت عقباه خیرًا، وتستمتع بهذا
الشعور الروحي الرفيع، شعور الرضى عن
عملها)»(٨).
٥. الوجوه المتشوقة.
قال تعالى: ﴿قَدْ نَىْ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِی
السَّمَاءِ فَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَنَهَا فَوَلِ وَجْهَكَ
شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤].
إن مفردة (تقلب الوجه) تعني: الطلب
بمنتهى الأدب؛ وقد خاطب النبي صلى الله
عليه وسلم ربه بهذه اللغة؛ يقول الشعراوي:
(( إن الله سبحانه يحيط رسوله صلى الله
عليه وسلم بأنه قد رأى تقلب وجه رسوله
(٦) نظم الدرر ٣٢٨/٢١.
(٧) تيسير الكريم الرحمن ص٩٢٢.
(٨) في ظلال القرآن ٣٨٩٧/٦.
www. modoee.com
٣٥١

حرف الواو
الكريم في السماء وأجابه ليتجه إلى القبلة والذلة والفضيحة))(٣)، وقال ابن عاشور:
التي يرضاها)) (١).
فقد كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم یتوجه إلى ربه بدعاء صامتٍ - إن
صح التعبير -، فهذا رسول الله صلى الله
عليه وسلم ينقل بصره في السماء متشوقًا
لتحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة، قبلة أبيه
إبراهيم عليه السلام، فهي حالة جسدية يظهر
فيها أيضًا الأدب مع الله عز وجل في الدعاء
فحبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم
لم يستخدم الكلام في الدعاء، ولكنه قلب
وجهه في السماء دلالة على هذا الدعاء(٢).
ثانيًا: وجوه أهل الشقاء:
١. الوجوه المسودة.
ج
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَدَّ وُجُوهُ
فَأَمَّا الَّذِينَ أَسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيَمَنِّكُمْ
فَذُ وقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦)﴾
[آل
عمران: ١٠٦].
وقال أيضًا: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ
كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِ
جَهَنَّمَ مَثْوَىٌ لِلْمُتَكَبِِّنَ ﴾ [الزمر: ٦٠].
إن اسوداد الوجوه ترجمةٌ للخزي
والهوان كما يقول السعدي: ((هؤلاء اسودت
وجوههم بما في قلوبهم من الخزي والهوان
(١) تفسير الشعراوي ١/ ٦١.
(٢) انظر: لغة الجسد في القرآن الكريم، أسامة
جميل عبد الغني ربايعة ص ٦١.
((وقد جعل الله اسوداد الوجوه يوم القيامة
علامة على سوء المصير)) (٤).
وقد عد الزجاج الاسوداد عنوانًا عريضًا
لأهل النار فقال: ((ويعرفون أصحاب النار
بسيماهم وسيماهم اسوداد الوجوه)) (٥).
٢. الوجوه الباسرة.
قال تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَيٍِ بَاسِرَةً )﴾
[القيامة: ٢٤].
إن هذه الوجوه الباسرة وجوه شقية،
تترجم القنوط واليأس والإحباط بلسان
حالها فهي كالحةٌ سوداء، يقول البغوي:
((عابسة كالحة مغبرة مسودة)) (٦).
وقال البيضاوي: ((شديدة العبوس)»(٧).
ويترجم البقاعي هذه المفردة فيقول:
((أي شديدة العبوس والكلوح والتكره لما
هي فیه من الغم کأنها قد غرقت فيه فرسبت
بعد أن سبرت أحوالها، فلم يظهر لها وجه
خلاص)) (٨).
٣. الوجوه الخاشعة.
﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ خَشِعَةُ(
قال تعالى:
[الغاشية: ٢- ٣].
عَامِلَةٌ تَصِيبَةٌ ﴾
(٣) تيسير الكريم الرحمن ص١٤٢.
(٤) التحرير والتنوير ٤٩/٢٤.
(٥) معاني القرآن وإعرابه ٣٤٣/٢.
(٦) معالم التنزيل ٢٨٥/٨.
(٧) أنوار التنزيل ٢٦٧/٥.
(٨) نظم الدرر ١٠٦/٢١.
٣٥٢
جوسى
القرآن الكريمِ

الوجه
يقول الشعراوي مفسرًا ذلك المنكر
الذي بدا على تلك الوجوه، قارئًا معناه
بوضوح: (( أي: الكراهية تراها وتقرؤها في
وجوههم عبوسًا وتقطيبًا وغضبًا وانفعالًا،
ينكر ما يسمعون، ويكاد أن يتحول الانفعال
إن هذا الخشوع لهذه الوجوه ليس
خشوع عبادة، بل خشوع ذلة ومهانة؛ فكان
الخشوع بلغة لسان الحال له أصلان: أصل
يدل على العبادة، والأصل الثاني يدل على
الذلة والمهانة، وفي هذه الآية فإنه يدل على
الأصل الثاني، يقول الرازي: ((خاشعة أي: إلى نزوع غضبي يفتك بمن يقرأ القرآن
لما بداخلهم من شر وكراهية لما يتلى
ذليلة قد عراهم الخزي والهوان)) (١).
يقول سيد قطب مترجمًا هذه المعاني: عليهم))(٤).
((فهناك: يومئذ وجوه خاشعة ذليلة متعبة
مرهقة عملت ونصبت فلم تحمد العمل
ولم ترض العاقبة، ولم تجد إلا الوبال
والخسارة، فزادت مضضًا وإرهاقًا وتعبًا،
فهي: ((عاملةٌ ناصبةٌ)) عملت لغير الله،
ونصبت في غیر سبیله))(٢).
٤. الوجوه المنكرة.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَيَتُنَا
بَيْنَتِ تَعْرِفُ فِ وُجُومِ الَّذِينَ كَفَرُواْ
الْمُكَرِّ يَكَادُونَ يَسْعُونَ بِالَّذِينَ
يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَدِنَا﴾ [الحج: ٧٢].
إن الإنكار الذي يظهر على هذه الوجوه
إنما هو ترجمة لكره الحق واتباعه؛ فإذا تلیت
على هؤلاء الآيات، فإنك تستطيع قراءة
الكره على صفحات وجوههم المعاندة،
قال البيضاوي: ((الإنكار لفرط نكيرهم
للحق وغيظهم الأباطيل أخذوها تقليدًا))(٣).
(١) مفاتح الغيب ١٣٨/٣١.
(٢) في ظلال القرآن ٣٨٩٦/٦.
(٣) أنوار التنزيل ٧٩/٤.
(٤) تفسير الشعراوي ٦/ ٩٩٢٨.
www. modoee.com
٣٥٣

حرف الواو
أسباب بياض الوجوه وسوادها
الوجه صفحة يقرأ عنها ما استقر في
قلب الإنسان، ويظهر ذلك على شكل بياضي
معنوي للوجه أو سواد، ويرجع ابيضاض
الوجوه أو اسودادها المعنويين في الدنيا
لأسباب عدة سنتعرض لها فيما بعد، أما
البياض والسواد الحقيقيين فهما في الآخرة،
حيث يكون السواد مذمة والبياض نعمة.
أولًا: أسباب بياض الوجوه:
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَدُ وُجُوهُ
فَأَمَّا الَّذِينَ أَسْوَدَتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيَمَنِكُمْ
[آل
فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ()
عمران: ١٠٦].
فهذه الآية تتحدث عن البياض والسواد
الحقيقيين في الآخرة وليس في الدنيا، قال
أبو جعفر: ((يعني بذلك جل ثناؤه: أولئك
لهم عذاب عظيم في يوم تبيض وجوه
وتسود وجوه)) (١).
قال الشوكاني ((يوم تبيض وجوه، أي:
يوم القيامة»(٢).
وجاءت تفسیرات کثیرة تصف من تبيض
وجوههم يوم القيامة ومن تسود، وحاصلها
أن البياض يخص المتقين والسواد يخص
اليهود والكافرين، عن عطاء اتبيض وجوه
(١) جامع البيان ٧/ ٩٣.
(٢) فتح القدير ٤٢٣/١.
المهاجرين والأنصار وتسود وجوه بني
قريظة والنضير)) (٣).
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ أَتَيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ
فَفِى رَحَمَةِ اٌللَّهِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ
[آل
عمران: ١٠٧].
فمن أسباب بياض الوجوه في الآخرة
رؤية المؤمن كتابه كما قال الشوكاني: ((إذا
قرأ المؤمن كتابه رأى حسناته فاستبشر
وابيض وجهه)» (٤)
.
أما ابيضاض الوجوه في الدنيا فمعنوي
- كما تقدم - ويظهر على شكل بشرٍ في
الوجوه وقبولٍ، حتى وان كانت البشرة
سوداء فالسواد في الدنیا لیس مذمة بل يكون
أحيانًا نعمة ينعمها الله على الإنسان، حيث
يحميه من قسوة البيئة وحرارة الشمس.
يقول الشعراوي: ((وهنا يجب أن نعلم أن
الاسوداد والابیضاض هما من آثار اختلاف
البيئات في الدنيا، فالشخص الأسود يزيد
الله في تكوينه عن الشخص الأبيض بما
يناسب البيئة، لأن المادة الملونة للبشرة في
جسده موجودة بقوة، لتعطيه اللون المناسب
لمعايشة ظروف البيئة، أما أبيض البشرة
فلا يملك جسده القدر الكافي من المادة
الملونة، لأن بيئته لا تحتاج مثل هذه المادة
الملونة)» (٥).
(٣) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢/ ٦٩.
(٤) فتح القدير ٤٢٤/١.
(٥) تفسير الشعراوي ١٦٦٧/٣.
٣٥٤
جَوَنُوالَهُ النَّفِـ
القرآن الكريمِ

الوجه
الأعمال الصالحة المقرونة بالقلوب النقية
المتصفة بالصفات الحميدة، وبنظرة متعمقة
في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم
نجد أن بعض الصفات تكرر بصورة أكبر من
غيرها، وقد تكون هي الأسباب الرئيسة
لذلك البياض المعنوي وهي كالآتي:
١. التقوى.
من أهم أسباب ابيضاض الوجوه تحقق
التقوى في القلب، ولقد ورد ذكر التقوى
في القرآن في مائة وخمسين وثماني آیات،
وسبعة وأربعين حديثًا؛ فالتقوى نتيجة
حتمية، وثمرة طبيعية للشعور الإيماني
العميق الذي يتصل بمراقبة الله تعالى،
والخشية من جبروته، والخوف من غضبه
وعقابه، والطمع بعفوه وثوابه، وقد اهتم
القرآن الكريم بفضيلة التقوى اهتمامًا کبیرًا؛
بل أمر بها وحض عليها في کثیرٍ من الآيات،
حیث لا تكاد تخلو صفحة من صفحاته من
حقيقة التقوى(١).
وإن من أسمى ثمرات التقوى الوصول
إلى محبة الله؛ قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ
عَهَدُثُم مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوَكُمْ شَيْئًا وَلَمْ
يُظَهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَنِمُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى
مُدَّتِهِمَّ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ ﴾[التوبة:٤]،
(١) انظر: سلسلة مدرسة الدعاة، عبد الله ناصح
علوان، ص١٧٨ .
ومن أسباب البياض المعنوي في الدنيا وقال أيضًا: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ
عَهْدُ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّ الَّذِينَ
عَهَد ◌َثُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ فَمَا أَسْتَقَمُواْ
لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
)[التوبة: ٧].
٧
وقال أيضًا: ﴿بَ مَنْ أَوْقَ بِعَهْدِهِ، وَأَتَّقَى فَإِنَّ
اُللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾[آل عمران: ٧٦].
٢. الصدق.
وقد حث الله عليه في كتابه الکریم،
وحض عليه رسوله المصطفى صلى
الله عليه وسلم في غير موضع من سنته
المطهرة، فقد ورد ذكره في القرآن الكريم
في اثنتين وتسعين آية، وفي السنة المطهرة
في أربعةٍ وأربعين حديثًا.
لقد جاء الدين مهذبًا للنفوس ومكملًا
المكارم الأخلاق وحاملاً للإنسان على
استخدام العقل وتحري الصدق والأمانة من
أجل رضى الله وخير الناس جميعًا، ولقد
حض الله المؤمنین علی الصدق حيث قال:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَحَ
الصََّدِقِينَ ﴾ [التوبة: ١١٩].
لذا وجب الاتصاف بالصدق الذي هو
كما قال ابن القيم: «سيف الله في أرضه،
والذي ما وضع على شيء إلا بتره، ولا واجه
باطلًا إلا أرداه وصرعه))(٢).
وقال الفضيل بن عياض: «لم يتزين
(٢) مدارج السالكين، ٢/ ٢٥٧.
www. modoee.com
٣٥٥

حرف الواو
العباد بشيء أفضل من الصدق، والله سائل
الصادقين عن صدقهم، فكيف بالكذابين
المساكين))(١).
ومن عظم أهمية الصدق فقد ((ورد لفظه
بصيغه المختلفة مائة وسبعًا وعشرين مرة في
مائة وعشرين آية))(٢)، وقد اتصف به الأنبياء
جميعًا قال تعالى: ﴿وَأَذْكُرْ فِ الْكِتَبِ إِبْرَهِيمْ
إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نِّيًّا ﴾ [مريم: ٤١].
وقال: ﴿وَأَذَكُرْ فِ الْكِّنَبِ إِدْرِسَّ إِنَّهُ كَانَ
صِدِّيقًا نِّيًّا (٦)﴾ [مريم: ١٥٦، وأثنى الله على
إسماعيل عليه السلام، فقال: ﴿وَأَذَّكُرْ فِي
الْكِتَبِ إِسْمَعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نِّيَّاً
(٥٤) * [مريم: ٥٤].
٣. الأمانة.
لقد ورد ذكرها في القرآن في ست عشرة
آية، وثلاثين حديثاً، ولقد تحدث القرآن
الكريم عن فضيلة الأمانة في أکثر من موطن،
منوها بشأنها، حاثًا على رعايتها وصيانتها،
وتبدو أهميتها من خلال اتصاف الأنبياء
جميعًا بها فهي من أبرز أخلاق الرسل عليهم
الصلاة والسلام فنوح وهود وصالح ولوط
وشعيب في سورة الشعراء يخبرنا الله عز
وجل أن کل رسول من هؤلاء قد قال لقومه:
﴿إِنِّ لَكُمْرَسُولُ أَمِينٌ﴾، وقد وصف جبريل
عليه السلام بالأمانة فقد قال تعالى: ﴿نَزَّلَ
(١) الترغيب والترهيب، الأصبهاني، ٢٩٨/٢.
(٢) الموسوعة الجامعة في الأخلاق والآداب،
سعود الحزيمي ص ١٠٣١.
بِ أَرُوُعُ الْأَمِينُ ﴾ [الشعراء: ١٩٣].
وقال فيه أيضًا: ﴿قُطَاعِ ثَمَّ أَمِينٍ ))
[التكوير: ٢١].
وهؤلاء جميعًا اتصفوا ببياض الوجوه.
٤. حسن الخلق.
إن حسن الخلق هو الحلة الجميلة التي
یتحلی ویزدان بها المسلم، وهو من صفات
الأنبياء والمرسلين، وبعثة نبينا محمد صلى
الله عليه وسلم حيث قال: (إنما بعثت لأتمم
صالح الأخلاق)(٣).
وقد عده النبي صلى الله عليه وسلم
من أحسن خصال الإيمان فقال: (أكمل
المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقًا) (٤).
بل هو أعظم العبادات عند الله عز وجل،
ولذلك وصف الله تعالى به خير المرسلين
فقال:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
[القلم : ٤].
وقد ورد ذكره في ثماني آيات، وستةٍ
وخمسين حديثًا.
ولقد جمع قول الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٥١٢/١٤، رقم
٨٩٥٢، والبخاري في الأدب المفرد، رقم
٢٧٣.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٤٦٤/١، رقم ٢٣٤٩.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٦٤/١٢، رقم
٧٤٠٢.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٢٦٦/١، رقم ١٢٣٠.
٣٥٦
جوسين
لِلْعُرْآن الكَرِيمِ

الوجه
وَمُنْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ
[الأعراف: ١٩٩].
مکارم الأخلاق جميعًا.
فمن تحلى بهذه الأخلاق القرآنية
انعکس علی وجھه بیاضًا وبشرًا.
ثانيًا: أسباب سواد الوجوه:
السواد الحقيقي كما تقدم يكون
يوم القيامة عند رؤية الكافر لكتابه، قال
الشوكاني: ((وإذا قرأ الكافر كتابه رأى سيئاته
فحزن واسود وجهه)»(١).
ومن أسباب السواد المعنوي في الدنيا:
الأعمال السيئة المقرونة بالقلوب الخبيثة
المتصفة بالصفات الذميمة، قال بعض
السلف: لو ادهن صاحب البدعة كل يوم
بدهان فإن سواد البدعة لفي وجهه(٢).
وبنظرة متعمقة في كتاب الله وسنة نبيه
صلى الله عليه وسلم نجد أن بعض الصفات
تکرر بصورة أكبر من غيرها، وقد تكون هي
الأسباب الرئيسة لذلك السواد المعنوي
وهي كالآتي:
١. الكِبْر.
الکبر من أهم أسباب اسوداد الوجوه،
حيث يجعل في القلب نكتة سوداء يظهر
أثرها واضحا جليا على وجوه المتکبرین،
وقد ورد في ذم الكبر سبعٌ وأربعون آية،
(١) فتح القدير ٤٢٤/١.
(٢) انظر: الجواب الصحيح، ابن تيمية ٤٨٩/٦.
وستةٌ وثلاثون حدیثًا.
وأفحش الكبر التكبر على الله مثل تكبر
فرعون والنمرود على أن يكونا عبدين لله
عز وجل، بل ادعيا الربوبية؛ فقد قال فرعون:
﴿يَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَّهِ
غَيْرِى﴾ [القصص: ٣٨]، وقال: ((﴿أَنَا رَبِّكُ
الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤].
وقال النمرود: ﴿أَنَّا أُحِ وَأُمِيتُ﴾
[البقرة: ٢٥٨]، وكانت النتيجة من الله عز
وجل، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكِْرُونَ عَنْ عِبَادَتِ
سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾[غافر: ٦٠].
وقد تكبر قارون على قومه حيث قال
﴿ إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى
تعالى:
فَبَغَى عَلَيْهِمِّ وَءَانَيْنَهُ مِنَ الْكُوزِ مَّا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَنَنُواْ
بِالْعُصْبَةِ أُوْلِ الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ
اللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾ [القصص: ٧٦].
قال الواحدي: ((﴿فَغَى عَلَيْهِمْ﴾ بالكبر
والتجبر والبذخ وكثرة المال))(٣).
وکان عقاب الله تعالى له: ﴿فَسَقْنَابِهِ.
وَيِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ.
مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (١)
[القصص: ٨١].
٢. النفاق.
إن من أكبر المصائب، وأعظم مسببات
اسوداد الوجوه، استيلاء النفاق على القلب،
أو مخالطته للأعمال، كيف لا وقد كان
(٣) الواحدي، الوجيز، ص ٨٢٥.
www. modoee.com
٣٥٧

حرف الواو
السلف الصالح يخافون من النفاق أشد وسلم في عشرين حديثًا.
الخوف، لما يعلمون من خطره، ولما تبين
لهم من ضرره، فقد أخرج البخاري في
صحيحه أن ابن أبي مليكة قال: ((أدركت
ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم، كلهم يخاف النفاق على نفسه))(١)،
وقد ورد ذكر النفاق والمنافقين في أربعٍ
وعشرين آیة، وواحدٍ وخمسین حديثًا.
إن أكبر خطر يهدد الدعوة؛ بل الأمة
الإسلامية على مر العصور هو النفاق،
ولذلك قال الله تعالى: ﴿هُالْعَدُوُ فَاحْذَرْهُ﴾
[المنافقون: ٤].
والحصر في الآية لبيان أولويتهم في
العداوة، ولهذا كان مصيرهم يوم القيامة
أسوأ مصير في الدرك الأسفل من النار؛ قال
تعالى: ﴿إِنَّ الْمَُفِقِينَ فِ الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ
٠١٤٥# [النساء: ١٤٥].
٣. الرياء.
النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا
الرياء داءٌ خطير، ووباءٌ وبيل، خافه النبي
صلى الله عليه وسلم على أمته، وما ذاك إلا
لشدة خفائه، ولعظیم خطره، فهو سببٌّ لعدم
قبول الأعمال، وقد أضحی مزلةً لأقدام کثیر
من العلماء والدعاة ومعوقًا كبيرًا على طريق
الدعوة إلى الله، وقد ذمه الله عز وجل في
اثنتي عشرة آية، وذمه النبي صلى الله عليه
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا
يشعر، ١٨/١.
إن الله تعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما
كان خالصًا صوابًا، والخالص هو: ما ابتغي
به وجه الله، والصواب هو: ما كان موافقًا
لهدي نبيه صلى الله عليه وسلم؛ لقول الله
تعالى: ﴿فَ كَانَ يَرْحُواْلِقَاءَرَبِهِ،فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا
وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: ١١٠].
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
وقوله تعالى:
نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِأَلْمَنٍ وَالْأَذَى كَلَّذِى يُنفِقُ
مَهُرِينَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِالَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ﴾
[البقرة: ٢٦٤].
قال ابن كثير: أي: ((لا تبطلوا صدقاتكم
بالمن والأذى، كما تبطل صدقة من راءى
بها الناس، فأظهر لهم أنه یرید وجه الله وإنما
قصده مدح الناس له أو شهرته بالصفات
الجميلة، ليشكر بين الناس، أو يقال: إنه
كريم ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية،
مع قطع نظره عن معاملة الله تعالى وابتغاء
مرضاته وجزيل ثوابه»(٢).
٤. الأثرة.
إن الأثرة معولٌ هدام وشرٌ مستطیر، وبها
تحل النقم، وتذهب النعم، وهي دليلٌ على
دناءة النفس وخستها، تؤذي وتضر، وتجلب
الخصام والنفور، وبها يضيع العدل، وينتفي
الخلق، وهي ظلمٌ اجتماعي يدمر المجتمع،
وظلام في الوجه يدمر القلب، فقد ذمها الله
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٦٩٤.
٣٥٨
جَوَبُور
القرآن الكريمِ

الوجه
في آيتين عظيمتين، وذمها رسولنا الكريم
صلى الله عليه وسلم في تسعةٍ وعشرين
حديثًا.
وقد حذر الله منها أشد تحذير فقال:
﴿فَمَا مَنْ طَغَىِ وَءَائِرُ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَ فَإِنَّ الْجَحِيمَ
هِىَ الْمَأْوَى ﴾[النازعات ٣٧-٣٩].
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ
وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجَّكُمْ وَعَشِيرَتَّكُ
وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَنْجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا
وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ
اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ
حَتَّى يَأْتِى اللَّهُ بِأَمْيِهُ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
الْفَسِقِينَ ﴾ [التوبة: ٢٤].
أحكام تتعلق بالوجه
لقد تعلق بالوجه أحكامٌ كثيرة كاستقبال
القبلة والوضوء والتيمم والسجود وغير
ذلك، فالوجه نعمة إلهية من الله علینا بها.
أولًا: الوجه نعمة إلهية:
إن الوجه هو المرآة التي تعكس ما يختلج
في النفس البشرية من أفكار وما يعتري
الإنسان من عواطف، فتترجم بلسان الحال
إلى لغة خاصة، يستطيع قراءتها وفهمها من
له دراية بلغة الجسد، فعند التأمل في وجه
إنسان تقرأ ما یفکر فیه، وقد قال عثمان بن
عفان رضي الله عنه: ((ما أسر أحدٌ سريرةً إلا
أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات
لسانه»(١).
والوجه في مجموعه يكون نظامًا
متكاملًا، فالجبهة والعينان والأنف والأذنان
والشفتان والذقن والفم، توجد بينها علاقة
متبادلة، بحيث تؤدي جميعًا أعمالًا وظيفية،
لا يمكن لأي منها أن يؤديها وحده أبدًا،
بالإضافة إلى ما يسهم به کل منها في تكوين
المظهر الكلي للوجه، والذي تؤدي تعابيره
دورًا مهمًا بوصفها مصدرًا للبيانات المتعلقة
بالحالات الانفعالية للإنسان، كحالات
الفرح والحزن والخوف والدهشة والغضب
(١) الآداب الشرعية، ابن مفلح ١٣٦/١.
www. modoee.com
٣٥٩

حرف الواو
والاشمئزاز والازدراء(١).
جميع الحيوان والنبات، وواصلًا في الكمال
ويظهر ذلك من خلال اهتمام النبي صلى إلى ما لم يصل إليه شيء من أجسام هذا
الله عليه وسلم بلغة الوجه وحرصه عليها العالم)» (٥).
كثيرًا، ومن الأمثلة على ذلك، قوله صلى
الله عليه وسلم: (لا تحقرن من المعروف
شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق)(٢).
و قوله صلى الله عليه وسلم: (تبسمك
في وجه أخيك لك صدقة)(٣).
ومن عظيم خلق الله أن من علينا بنعمة
الوجه الحسن قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ
فيِ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾[التين: ٤].
وقال أيضًا: ﴿الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّنكَ
فَعَدَلَكَ ا فِ أَبِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَّكْبَكَ (٥)
[الانفطار: ٧-٨].
قال السمعاني: ((جعلك قائما معتدلا
حسن الصورة)» (٤).
((قال أبو علي الفارسي: «عدلك»:خلقك،
فأخرجك في أحسن تقويم، مستويًا على
(١) انظر: أدب الكلام وأثره في بناء العلاقات
الإنسانية في ضوء القرآن الكريم، عبد الله
عودة ص٤٧.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والآداب، باب استحباب طلاقة الوجه عند
اللقاء، ح٢٦٢٦، ٢٠٢٦/٤.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب البر والصلة،
باب ما جاء في صنائع المعروف، ٣٣٩/٤،
رقم ١٩٥٦.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٥٦١/١، رقم ٢٩٠٨.
(٤) تفسير القرآن ٦/ ١٧٤.
ثانيًا: إخلاص العبادة لله تعالى:
إن الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى من
الأمور العظيمة والجليلة، كيف لا وهي
وظيفة الرسل والأنبياء.
يقول الله عز وجل: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن
قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَإِلَّ أَا
فَاعْبُدُونِ
﴾ [الأنبياء: ٢٥].
(٢٥)
ولذلك كان حريًا بكل مسلم أن يكون
داعيًا إلى الله عز وجل، ولا شك أن الداعية
إلی الله عز وجل لا يكون داعيًا ناجحًا
موفقًا في دعوته إلا بإخلاص عمله كله لله،
ومتابعته لرسول الله صلی الله عليه وسلم
في كل أموره، والداعية الناجح من يعتبر أن
الإخلاص من أهم الأركان التي يقوم عليها
نجاح أي فكرة من الأفكار أو إنجاز أي عمل
من الأعمال، فبه تقوى الفكرة وترتفع الراية،
وبه ينجح العمل وتحصل الغاية، وقد ورد
ذكره في ثلاثٍ وعشرين آية، وأربعة وثلاثين
حديثًا.
الإخلاص هو تجريد قصد التقرب إلى
الله تعالى عن جميع الشوائب فإذا امتزج
قصد التقرب بباعث آخر من رياء أو غيره
(٥) اللباب في علوم الكتاب ١٩٨/٢٠.
٣٦٠
مَوْسُو ◌َرُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ